انفجار لبنان والتصدعات السياسية

انفجار المرفأ في بيروت زاد من حدّة الانقسام في الداخل اللبناني... ما مدى الشرخ بين اللبنانيين؟ فساد وعجز وإهمال في إدارات الدولة ينعكس تجاذبات سياسية وتقاذف للمسؤوليات... فهل من الممكن بناء أسس جديدة لدولة قادرة وفاعلة؟

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، لا لم تُزلزل الأرض زلزالها في بيروت كما حدث معها في عصورٍ غابرة بل زلزل الفساد والإهمال والجشع والمحسوبية بيروت وسائر لبنان، وهذا قائمٌ حتى يُظهر التحقيق جميع ما يتعلّق بهذه الكارثة. مَن كان في بيروت وعلى مقربةٍ من مرفأها ونجا من العصف الكبير فستحفر الفاجعة في ذاكرته ثلماً عميقاً كما حفرت في قلوب اللبنانيين الذين لم ينجُ بيتٌ منهم من مُصابٍ في البشر والحجر والروح، كل هذا من أجل ساسةٍ أكلوا لحم البلد وتركوه عظاماً على قارعة الأمم، بلدٌ مُتطيّفٌ مُجزّأ مُهترئٌ لم يكن ينقصه سوى نترات الأمونيوم لتجعله عصفاً مأكولاً. لا عزاء للبنانيين إلا بالاقتصاص من الفاسدين وبالدعم الكريم ليكملوا حياتهم بعزٍّ يليق ببني الإنسان. في الفاجعة وفي ارتداداتها وتلمُّس سُبل حياةٍ تليق بالإنسان سنحاور في أجراس المشرق المحامي الشيخ جوان حبيش رئيس بلدية جونية وجمعية المشرق للثقافة والتنمية، والنائب السابق الدكتور كميل الخوري رئيس جمعية "المشرقية المعاصرة"، أهلاً بكما، نقدّم العزاء بالشهداء، ندعو بالشفاء للجرحى، بالحياة الكريمة للبنانيين. أستاذ جوان أنت قادمٌ من مكان الكارثة الجريمة، ماذا رأيت؟ ما هي انطباعاتك؟ ماذا شاهدتَ؟ ما هي مشاعرك؟ أعرف أن الكلام عاطفي ولكن أريده بكثير من العقلانية إذا سمحت.

جوان حبيش: أولاً أقول يرحمنا الله جميعاً الأموات والأحياء.  

غسان الشامي: أي نحن موتى. 

جوان حبيش: ربّما الأحياء أكثر، فليرحمنا في حياتنا. في بيروت عندما ترى الأشياء يختفي الكلام، أعتقد أن جميع اللبنانيين وجميع الذين شاهدوا ما حصل أو سمعوا بما حصل ليسوا اليوم بوارد لا سماع كلمات العزاء ولا أيّ شيء آخر، أعتقد أن هذه الحادثة اليوم يمكن لأيّ إنسان أن يعطي حكماً مُسبقاً بسبب ما حصل ومُسبّبي ما حصل وهو معذور لأن الكارثة كبيرة جداً، وأعتقد إنها من صنع يد الإنسان وحده وكلّنا مسؤولون لأننا أوصلنا أناساً إلى سدّة مسؤولية لم يكونوا بقدرها. سلّمنا أنفسنا ومستقبل أولادنا ومستقبل وطننا إلى مجموعة من بيننا ليسوا أهلاً لهذه المسؤولية. اليوم كما نضع كمَّامات على أفواهنا درءاً للكورونا يجب أن نضع أيضاً كمَّامات على آذاننا وعلى عقولنا وأن نختلي مع خالقنا ونفكّر جيداً إلى أين نحن ذاهبون. منذ سنة كنا بصدد التحضير لمئويّة لبنان الكبير، هذا البلد الذي جمع كافة العائلات السياسية والطائفية إلى آخره ضمن هذه الجغرافيا التي بحثوا فيها جميعاً عن حرية، عن كرامة، لا أدري بعد كل هذه المدة إذا كان هذا الأمر أوصلنا إلى ما نصبو إليه، إلى كرامتنا وإلى حريّتنا.

غسان الشامي: بمعنى أدقّ هل بقي لبنان كبيراً؟ 

جوان حبيش: لا أستطيع أن أقول نعم أو لا، اليوم نحن تحت صدمة كبيرة جداً، اليوم رأيت بأمّ العين ماذا حصل في عاصمتنا بيروت وهي تعني كل اللبنانيين وليس فقط أهل بيروت، في كل قرية وفي كل عائلة هناك أناس يسكنون أو يعملون أو يعتاشون في هذه البقعة الجغرافية التي هي العاصمة بيروت، كلّنا مجروحون اليوم ولا أدري ماذا يجب أن أصف أو أيّة مشاعر يجب أن أتكلّم عنها. 

غسان الشامي: بعيداً عن المشاعر، الذي رأيته اليوم في بيروت هل يمكن لهذه الإدارة، لهذه السلطة أن ترمّمه؟ 

جوان حبيش: أتأسّف أن أقول إن هناك فوضى عارمة وأن الناس بزنودهم وبأيديهم وبقلوبهم يلملمون ضحاياهم، يلملمون خراب بيوتهم ويتعاونون مع بعضهم، رأيتُ شباناً وشابات، رأيت جمعيات، رأيت آثاراً بسيطة من بعض المؤسّسات ولكن ليس بالقدر الكافي. نحن في بلدٍ يعيش أزمات منذ عشرات السنين ويُتوقّع أن تكون هناك أحداث كما هذا الحادث أو ربّما أكبر، نحن مررنا بحروبٍ آخرها حرب 2006 ورأينا مدى الخراب، غريب ألا تكون لدينا إدارات حاضرة لأن تستوعب هكذا حدث.   

غسان الشامي: دكتور كميل الخوري ماذا يحتاج الناس الآن بعد هذا العصف المأكول؟  

كميل الخوري: إسمح لي أن أتكلّم بالعامّية.

غسان الشامي: كما تريد. 

كميل الخوري: أريد أن أعلّق على ما حصل، في الحقيقة لبنان وخاصة بيروت يقال إنها دُمّرت ألف مرّة وألف مرّة عادت إلى الحياة، ولبنان كطائر الفينيق يعود إلى الحياة من تحت الرماد. للأسف اللبنانيون كلّما رفرف طائر الفينيق بجناحيه يطلقون النار عليه، لا يدعونه يعيش، نحن اللبنانيون مسؤولون جميعاً عن هذا، عندما نتكلّم عن لبنان الكبير فهو كبُر بحجمه الجغرافي ولكن خلال مئة سنة كان صغيراً جداً بدولته، بمؤسّساته، بجوّ المُحاصَصة الطائفية الضيّقة والدنيئة التي أجهضت كل المحاولات لبناء دولة مؤسّسات تحمي الجميع، تحمي الطوائف والأشخاص وجميع الناس، هذه النفسيّة أوصلت إلى الفساد، وبرأيي أن الفساد والإهمال وعدم الكفاءة يؤدّيان إلى نفس النتيجة، جميعهم ضمن دائرة الفساد.  

غسان الشامي: سنأتي إلى الفساد ولكن ماذا يحتاج الناس الآن؟ 

كميل الخوري: ما يحتاجه الناس الآن غير موجود، هم يحتاجون كما قال أستاذ جوان الإدارة، في هذه الكارثة لا توجد إدارة لأزمة تبلغ عُشرها أو واحداً بالمئة منها، نحتاج في الحقيقة إلى الحدّ الأدنى من إدارة الدولة، الحدّ الأدنى من التعاطي بشفافيّة. رأينا الشباب الذين سارعوا إلى المساعدة فيما الدولة لم تفعل شيئاً، الهيئة العليا للإغاثة لم تقم بالمسح حتى الآن، 300 ألف شخص خارج بيوتهم، الناس بحاجة إلى دولة، إلى مؤسّسات إنما للأسف غير موجودة.   

غسان الشامي: بمعنى هل أصبح هذا اللبنان الكبير شحّاذاً على قارِعة الأمم؟ مَن أوصل لبنان إلى أن يكون شحّاذاً؟   

كميل الخوري: هذه العقلية المُتحكّمة بالدولة، أنا لا أعتبر أن هناك دولة خلال مائة سنة، كانت هناك كذبة كبيرة، تعالَ لنفكّر بهذه المئة سنة ربّما مرّت سنتان أو عشر سنوات من الاستقرار أو شبه الازدهار الكاذب غير المبني على أسسٍ واضحة ومتينة. برأيي أن الوضع لا يحتاج إلى إعادة نظر فقط وإنما الانطلاق من الصفر لأننا وصلنا إلى ما تحت الصفر، أن نؤسّس دولة مدنية قائمة على مؤسّسات مبنية على الكفاءة، على المُحاسبة، على الشفافيّة، الشباب اللبناني جاهز، ذاك الذي يحمل حقيبته ويستعدّ للسفر يستطيع إذا منحناه الفرصة أن يبني وطناً وألا نصل إلى ما وصلنا إليه من كوارث.  

جوان حبيش: نحن بحاجة إلى دولة والدولة هي مؤسّسات والمؤسّسات هي رجال ونساء يحملون المسؤولية، يفهمون المسؤولية ويأخذون القرار اللازم في الوقت اللازم. نحن عشنا خلال المئة سنة السابقة فترة بناء الدولة، عهد الرئيس فؤاد شهاب رحمه الله كان عهداً ممتازاً في ما خصّ بناء المؤسّسات في الدولة التي لا زلنا نعيش على فتاتها.  

كميل الخوري: ستّ سنوات من مئة سنة. 

جوان حبيش: ستّ أو أربع سنوات ولكنها كانت تجربة جيّدة وهناك تجارب جيّدة كانت خلال هذه المائة سنة يمكن أن نستفيد منها، للأسف بعد الحرب الأهلية الأخيرة 1975 -1990 فُقدت كل القِيَم.

غسان الشامي: أستاذ جوان صحيح مرّت سنوات، هناك محاولة للإصلاح أُجهِضت، إصلاحات الرئيس شهاب أُجهِضت وبقي منها مجلس الخدمة المدنية، ما هو دوره الآن؟ هناك أناس ناجحون لم يُثبّتوا لأنهم أعادوهم إلى التحاصُص الطائفي ولكن هذه الكارثة كشفت لبنان سياسياً واقتصادياً وأصبح في الهواء الطلق اجتماعياً، على ماذا يجب أن نركّز يا سيّدي؟  

جوان حبيش: جمّدوا كل المؤسّسات، وضعوا كل المؤسّسات في الثلاّجة، ما من مؤسّسة تعمل في هذه الدولة على مسؤوليّتي، هناك بشر فقط مثلي ومثلك يُلملمون جراحهم على الطُرقات.  

غسان الشامي: برأيك أين يكمُن الخطأ الذي أوصل إلى هذا الانفجار؟ دعنا نحدِّد. 

جوان حبيش: هذا الانفجار بالتحديد الذي حصل بالأمس أم انفجار التكوين اللبناني ككل؟ 

غسان الشامي: هذا الانفجار وصولاً إلى الانفجار العام.

جوان حبيش: الخطأ هو عدم السماح للمؤسّسات بالقيام بدورها، عدم تكامُل المؤسّسات مع بعضها الأمنية والإدارية، بعد الكارثة التي حصلت ولغاية اليوم لا يوجد تنسيق مع المؤسّسات، هناك أمر غير طبيعي، في عصرنا اليوم بهذا الكمّ من المُثقّفين والمُتعلمّين وفي ظل الجامعات والعلوم والمؤسّسات دمّروا كل شيء، حتى التعليم دمّروه في السنوات الأخيرة. 

غسان الشامي: دكتور كميل خوري هذا الانفجار هو سياسي أو قضائي أو اجتماعي أو أخلاقي؟ 

كميل الخوري: هو كل هذا، فساد أخلاقي، قضائي، فساد في إدارة المرفأ أو الإدارة الأمنية للمرفأ أيضاً، طيلة ستّ سنوات هذه القنبلة الموقوتة موجودة، هل تتصوّر وكأنهم يقولون لإسرائيل تفضّلي هذه القنبلة هنا تفجّر مرفأ بيروت الذي هو حصرمة بعين الإسرائيلي وتدمّر بيروت ولبنان اقتصادياً، كل هذه الأمور مُجتمعةً هي أسباب الانفجار الذي وصلنا إليه وليس خللاً، هناك فساد واهتراء.  

غسان الشامي: ولكن في كل دول العالم عندما تصل الطبقة السياسية إلى هذا المأزق تتعلّم من الأخطاء، في الكثير من دول العالم حصل ما هو شبيه بذلك ولكنها تعلّمت من الأخطاء، لماذا الطبقة السياسية اللبنانية تحديداً لا تتعلّم من كوارث لبنان؟

كميل الخوري: الطبقة السياسية لا تنظر إلى لبنان، لا تنظر إلى مصلحة لبنان، لا يهمّها لبنان إلا ما تستطيع أن تستفيد منه، لبنان بالنسبة إليهم بقرة حلوباً لا أكثر ولا أقلّ، وهم الآن يعملون ضد مصلحة أولادهم لأن هذه البقرة اهترأت ودبّت فيها السموم وستموت ولن تعطي المزيد من الحليب. هناك أمر غير طبيعي، الإنسان يتعلّم من أخطائه إذا أراد أن يصلحها ولكن مَن لا يرغب بالإصلاح ومَن لديه خلل أساسي في تفكيره وفي طريقة تعاطيه بالشأن العام كيف سيتعلّم؟ بالعكس هو يستخدمها كذريعة للاستفادة أكثر من المجتمع ومن الدولة ولتحقيق مصالح أكثر، هو لا يهمّه البلد.

غسان الشامي: ولكن هذه الطبقة السياسية ذكر الأستاذ جوان أن 50% من اللبنانيين انتخبوها أي أن 50% من اللبنانيين مشاركون في الجريمة، نُصف لبنان.   

جوان حبيش: اهتمامات الطبقة السياسية في مكانٍ آخر، اهتماماتهم بمصالحهم الخاصة.   

غسان الشامي: لماذا يسكت الشعب عنهم؟

جوان حبيش: اندلعت الثورة أستاذ غسان في 17 تشرين 2019 وغالبيّة الشعب اللبناني تحرّك ونزل إلى الشارع بوجه ما تحدّث عنه الدكتور كميل وهو الفساد، اهتراء مفاصل الدولة، غياب المؤسّسات وعدم فعاليّتها ولكن في النهاية أصبحنا أمام خيارين إما الاختيار بين الفاسدين والسارقين أو بين "الزعران" ولا أعلم لماذا عاد "الأوادم" إلى منازلهم. 

غسان الشامي: عندما ينكفئ الأوادم وأنا لا أرى في عِلم السياسة كلمة "أوادم"، في السياسة هناك موقف، عندما ينكفئ الناس المُثقّفون، عندما تنكفئ النُخَب، عندما ينكفئ المؤمنون في وطنهم يموت الوطن.

جوان حبيش: هذه الثورة لم تفرز قيادة موحَّدة لتأخذ الناس المُهتمّين والذين يبحثون عن أمنهم، عن سلامهم، عن كرامتهم، عن حريّتهم، عن مستقبلهم إلى خيار أحد.   

كميل الخوري: لديّ رأيٌ آخر، تقول إن 50% من الشعب اللبناني انتخب هذه المجموعة التي ما زالت تمارس نظام الفساد نفسه، شعبنا اللبناني للأسف يفتقر إلى الثقافة السياسية الصحيحة، يفتقر إلى جوّ من المجتمع المدني الذي لا يعيش من المُحاصَصة الطائفية، المسيحي يقول أخذوا مني ما أعتبره لي، المسلم يعتبر أنه حقّق إنجازاً كبيراً في اتفاق الطائف لأنه أخذ من المسيحي بعض الصلاحيات. طالما نحن بهذا التفكير فإننا سنتبع زعماء الطوائف، نحن بحاجة إلى عقل مدني يحافظ على الجميع، أنا مسيحي مؤمن حتى العظم إنما في مجتمعي اللبناني أنا أنظر إلى الآخر كشريك أساسي. يجب أن تكون هناك قوانين مدنية تقوم على المشترك بين الأديان لأن ذلك هو لخدمة الإنسان، يجب على اللبناني أن يكون صاحب ثقافة الإنسان وليس ثقافة الطائفية، ولهذا السبب وصلنا إلى هنا.   

غسان الشامي: الناس تطلب تحقيقاً شفّافاً، صحيح أن الرئيس الفرنسي قالها وكرّرها أكثر من مرة ولكن كل الناس تريد تحقيقاً شفافاً، هل من ثقة بأن القضاء اللبناني شفّاف؟   

كميل الخوري: التجربة ليست مُشجّعة إنما هذا لا يدفعنا أبداً لأن لدينا تجربة كبيرة مع لجنة التحقيق الدولية التي جاءت بشهود زور وضبّاط لا علاقة لهم، فإذاً المحكمة الدولية أو لجنة التحقيق الدولية بالشكل الذي عشناه هي تجربة سيّئة جداً، وكانت نوعاً من الوصاية الدولية على البلد بأكمله. برأيي أن تكون هناك لجنة تحقيق والتي يستلمها الجيش اللبناني حالياً مع خبراء أجانب متخصّصين بالمواد المتفجّرة نستطيع أن نستعين بهم، وكما قيل إنهم طلبوا من الرئيس الفرنسي ومن غيره صوَراً جوية للتأكّد أكثر. 

غسان الشامي: لماذا لم يعطوا صوَراً جوية في حادثة تفجير الرئيس الحريري؟

كميل الخوري: لن يعطوها لأنهم هم مَن صوَّروا وهم مَن نفّذوا. أقصد أن الجيش هو الذي يقرِّر إذا ما كان الخبراء سيفيدونه أكثر، إنما لدينا مشكلة مع القضاء بصراحة، هل يا ترى القضاء سيصمّ آذانه لأصوات السياسيين وطلباتهم؟ هل يا ترى لمرّة واحدة سيكون السياسيون شفافين في هذا الموضوع؟ هناك علامة استفهام. 

غسان الشامي: أريد أن أسألك أستاذ جوان في هذا الموضوع، نحن من المُلاحظ في الثلاثة أيام الماضية اختلافات في تحديد المسؤوليات، هل المسؤولية سياسية؟ هل مسؤولية موظفين؟ هل مسؤولية أزلام؟ نحن نعلم جميعاً أن القضاء هو قضاء تحاصُصي، فلان يوصي بفلان، فلان يعيّن فلاناً. الآن هناك ضغط دولي وشعبي وبعض الضغوطات السياسية، كيف سنصل إلى العدل لهؤلاء الذين راحوا ضحايا، لخمسة آلاف جريح؟

جوان حبيش: هل يمكن أن نحرّر القضاء من التدخّلات السياسية؟ هل يمكن أن نحرّر العسكر والأمن من التدخّلات السياسية؟ هل يمكن أن نحرّر الإدارة من التدخّلات السياسية؟ هذه هي المشكلة. نحن كنّا في موقع حصلت فيه حادثة عُمرها ستّ سنوات وليس ستّة أيام، مرّت أحزاب وجمعيات وإدارات ورؤساء ومدراء عامّون في هذا الموقع الجغرافي من كل الناس ولغاية اليوم من قضاء وجيش وأمن داخلي وأمن عام وجمارك وأمن دولة وإدارات تغيّرت ورؤساء ورؤساء حكومات ورؤساء جمهورية تغيّروا، لمَن ستحمّل المسؤولية؟ الناس أطلقت أحكاماً مُسبقة عن الموضوع، الجميع مسؤول، كل مَن حمل المسؤولية في تلك الفترة من ستّ سنوات حتى اليوم في هذا الحادث بالتحديد هم مسؤولون، ومَن أوصل المرفأ إلى هذا الواقع من ستّين عاماً حتى اليوم هو أيضاً مسؤول. 

غسان الشامي: اسمحوا لنا أن نذهب إلى فاصل رغم أن كل ما قلناه يدور في فلك السوداوية، عسى أن يكون هناك أمل للبنانيين بمستقبلٍ ما، بشمعةٍ ما. أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار مع الأستاذ جوان حبيش والدكتور كميل الخوري، انتظرونا. 

المحور الثاني:     

غسان الشامي: أحيّيكم مجدّداً من أجراس المشرق، أستاذ جوان حبيش كما ذكرت ظهرت صورتان: صورة إيجابية هي للتكافُل والتضامُن الاجتماعي للشباب والصبايا في الطرقات وصورة تُظهر عجز الإدارة، كيف قرأتَ مساعدة الناس لبعضهم؟ أليس هذا دليل على أنه ما تزال هناك جذوة بين اللبنانيين؟   

جوان حبيش: هذا طبيعي، هذا التصرّف الإنساني جائز بين كل البشر على الكرة الأرضية خاصة خلال الأحداث أو المآسي، الذي تلمّسته اليوم في جولةٍ قمت بها صباحاً مع عمال اتحاد بلديات كسروان الفتوح حيث تجمّعنا وقدمنا لمساعدة الناس في بعض الأحياء التي حدّدناها مع بلدية بيروت. الناس بحاجة لشخص مسؤول يسمعهم ويتّكئون عليه ويستجيب لمطالبهم لكي يستعيدوا بعض الثقة بذاتهم وبأن هناك مستقبل بين البشر في هذه الرقعة الجغرافية.   

غسان الشامي: لا أريد أن أذهب إلى عجز الإدارة لأنك ذكرته ولكن هذه الصورة هي معكوس لصورة تشرذم اللبنانيين، نحن دائماً نتكلّم عن صورة أن اللبنانيين منقسمون ولكن ما رأيناه..  

جوان حبيش: أستاذ غسان مع المآسي تُمحى هذه الفكرة، فلنتذكّر 2006 كيف فتح كافة اللبنانيين بيوتهم لأي لبناني آخر أتى إليهم، إذا انتظرنا المآسي كي نتضامن فهذه مشكلة، التضامن يجب أن يُخلق بشكل طبيعي بتربية ثقافية معيّنة سياسية، برأيي أن الأحزاب السياسية هي المسؤولة عنها، الأحزاب السياسية أخذتنا إلى الهاوية بخياراتها، بمُناكفاتها، بصراعاتها، بتقاسمها موارد الدولة وبوضع الأشخاص غير المناسبين في مسؤوليات ليسوا على قدرها.   

غسان الشامي: هناك صورة أخرى أستاذ جوان، صبايا وشباب ينظّفون الشوارع، يكنسون الزجاج، ينظّفون المنازل وساسة ينفخون في الفتنة، ما هذا التناقض؟   

جوان حبيش: أليس هذا مجتمعنا؟ 

غسان الشامي: ألهذا الحدّ مجتمعنا مقسوم ومشقوف؟ 

جوان حبيش: ومَن أوصل الساسة إلى حيث هم الآن؟ الحرب؟ خياراتنا الشخصية في الانتخابات التي جرت على ستّ أو سبع مراحل لغاية الآن منذ ما بعد الحرب؟ أليس هذا من صنع أيدينا؟ فلنفكّر جيداً إلى أين نحن ذاهبون وإلى أين نريد أن نذهب بالأحرى.

غسان الشامي: ما مستقبل شباب لبنان؟ هل هؤلاء الذين نزلوا وبكل أريحيّة وإرادة طيّبة وعزيمة صادقة عندما ينكشف الأفق أمامهم ما هو مستقبلهم في الحياة السياسية، في الاجتماع اللبناني؟ 

جوان حبيش: للأسف لغاية الآن عندما ينكشف الأفق يتّجهون إما إلى المطار وإما إلى المرفأ، والمرفأ اليوم ضاع فسيذهبون إلى المطار، أين ذهب شبابنا؟ إلى السفارات وإلى الخارج، إذا لم نجد مَن يحمل الشعلة ويمشي أمام الناس، الناس والمجموعات اليوم تبحث عن أشخاص أكفّاء بكفّ نظيف مع عِلم وثقافة يتبوّؤون مراكز الدولة، المؤسّسات موجودة لكن للأسف الأشخاص الذين هم فيها ليسوا على قدر المسؤولية التي هي بعهدتهم. 

غسان الشامي: أنا أخطاب شخصين أستاذ جوان لديهما همٌّ لبناني ومشرقي عام، وأنت رئيس جمعية مشرقية ودكتور كميل أيضاً، عرفا مكمن الخلل في البنيان اللبناني وفي انعزاله عن مشرقه، نستطيع أن نوصّف الحال السيئة لكن علينا كنُخَبٍ أن نعطي ملمحاً للمستقبل، للشباب اللبناني ماذا تقول له؟ 

جوان حبيش: أليست جونية عاصمة مسيحيي الشرق؟ أنا لم أسمّها هكذا، هكذا تعلّمت وهكذا سمعت، ليست البطريركيات التي هي في بلادنا، هي بطريركيات أنطاكيا وسائر المشرق، هل يكفي أن نكون في نفسيّة ضيّقة، في جغرافيا ضيّقة، في أفقٍ سياسي ضيّق، في فكرٍ ضيّق، هذا لن يوصلنا إلى مكان. نحن مسؤولون عن الإنسان من هنا لغاية أعماق المشرق، ونحن الذين تربّينا في هذه الجغرافيا منذ مئات وآلاف السنين، شبكنا ما بين الشرق والغرب وهذا الإنتاج الفكري جعل من المفكّرين والأدباء أنبياء إن كان باللغة العربية أو بالفكر الذي حملوه الذي أوصل المستوى الفكري، للأسف اندثر مؤخراً لكن أوصلنا إلى مواقع متقدّمة جداً، لماذا نخسر كل شيء.   

غسان الشامي: ماذا تقول في هذا الأمر دكتور كميل؟

كميل الخوري: أريد أن أعطي فرصة لأصحاب المسؤوليات السياسية والحزبية، وسأكون مباشراً بالموضوع لأنه كي ننتظر الشباب بتفهّمهم وبثقافتهم الجديدة المختلفة عن هذه الطبقة السياسية يجب أن نبدأ من مكان مُعيّن، سأكون مباشراً في السياسة وأتوجّه أولاً إلى حزب الله، إلى جانب العمل العسكري الجبار بمواجهة إسرائيل عليه مسؤولية كبرى بإعادة بناء المؤسّسات في لبنان. 

غسان الشامي: لماذا حزب الله؟ 

كميل الخوري: بدأتُ بحزب الله لأنه صاحب أكبر تمثيل شعبي في لبنان فإذاً عليه مسؤولية كبيرة تجاه لبنان، تجاه بقاء لبنان ككيان موحَّد، ككيان يقف على رجلين. إلى جانب حزب الله أتوجّه إلى باقي السياسيين من كل المشارق، من سنّة ومسيحيين، اتركوا وَهْم التقسيم والفدرالية، هناك مَن لا يزالون يعتقدون بأنهم سيصبحون مثل الكرد في سوريا والكرد لن يصلوا إلى أية نتيجة، إذا كان لديهم بعض الاضطلاع سيعرفون أنهم لن يصلوا إلى أية نتيجة، هم ألعوبة لا أكثر ولا أقل. لا تكونوا ألعوبة على حساب لبنان، اتركوا هذه الأوهام وضعوا أيديكم بأيدينا وبأيدي المُفكّرين والشباب لنُعيد بناء مؤسّسات في لبنان ودولة مدنية قائمة على المؤسّسات. ومن هنا أنطلق إلى الجغرافيا، لبنان ليس جزيرةً في البحر، والجغرافيا تتحكّم بالسياسة، نظرتنا المشرقية كما تحدّث الأستاذ جوان عن الموضوع الفكري والحضاري بالنسبة إلى موضوع المشرقية، نحن من جذور واحدة آرامية سريانية، من حضارة إنسانية مجتمعية بدأت للمرة الأولى في هذه المنطقة من العالم. نحن أبناء حضارة ولم نأتِ بالصدفة أو أتوا بنا عبر السفن، الجغرافيا تتحكّم بمستقبلنا ولا نستطيع أن نعيش وحدنا كجزيرة في هذا المجتمع، في هذه المنطقة، نحن لدينا مشكلة واحدة، يجب أن نكون كلبنانيين يداً واحدة لمواجهتها هي إسرائيل ومشروعها، غير ذلك يجب أن نكون منفتحين، أن نمدّ اليد. منذ سنتين ونصف السنة أستاذ غسان تكلّمنا عن السوق المشرقية المشتركة، نحن أوّل من تكلّمنا في الموضوع، نحن في الحقيقة مع بلدان المشرق حولنا كتلة متراصّة مع الحفاظ على خصوصيّة كل بلد من الناحية الاقتصادية والسياسية لأن المعركة والهجوم على هذه المنطقة هو لتفتيت مجتمعاتها، يصادف أن هذه المنطقة عليها مشروع واحد يجب أن نقف بوجهه. نبدأ بالاقتصاد، يجب أن تكون هناك مجتمعات مزدهرة كي تفكّر، ثانياً التربية، يجب أن يكون هناك نظام تربوي جديد وأنا متأكّد من أن المنطقة المحيطة بنا أصبحت مُتعطّشة إلى هكذا أفكار بعد موجة التفكير الإسلامية المُتطرّفة.  

غسان الشامي: أستاذ جوان أعود إلى الصورة، شباب وصبايا يعملون وشباب أمام الرئيس الفرنسي يطالبون بالانتداب، هل نحن قصّر لهذه الدرجة؟ 

جوان حبيش: أنا أعارض قليلاً ما قاله الدكتور كميل في ما خصّ على مَن يجب أن نرتكز لننتقل إلى ما نصبو إليه.

كميل الخوري: أنا أعطيهم الفرصة الأخيرة.   

جوان حبيش: "مين جرّب المجرّب كان عقله مخرّب"، قبل 4 آب 2020 ليس كما بعده، الانفجار الذي حصل لم يهدم بيروت ومرفأها فقط وإنما أزال كل أوراق التين التي تغطّي طبقتنا السياسية وإداراتنا، يجب أن نبحث في مكانٍ آخر عند الشباب تحديداً، ربّما ليس لديهم الخبرة أو المعرفة الكافية لكن لديهم قلوب ورؤية لمستقبلهم، بالتأكيد رأوا ما حصل لهم  بسبب هؤلاء الأشخاص الذين استأثروا بمقوّمات هذا الوطن وزعزعوا هذه الدولة.   

كميل الخوري: أوجّه ندائي للشباب وللناس المؤيّدين لهذه الأحزاب أكثر من رؤساء الأحزاب أنفسهم لأن هناك شباباً موجودون في جوًّ معيّن.  

غسان الشامي: وصلت الفكرة دكتور كميل، نعلم أنك لا تحمل مبخرة للسياسيين.   

جوان حبيش: أستاذ غسان في وقت الأزمات والكوارث والوجع لا ألوم أي شخص على ما يقوله، يجب أن ننتظر حتّى نستوعب الضربة ونعرف فعلاً إذا ما كان الشخص يحبّذ الانتداب أو الوصاية أو السيادة أو أي أمر آخر. بالتأكيد كل الناس يفضّلون السيادة ولكن حين يفقدون الأمل من الطبقة السياسية التي أوصلتهم إلى هنا فسيذهبون إلى جهنّم.  

غسان الشامي: هل هذا تبرير لاحتلال أستاذ جوان؟ الانتداب هو احتلال، انتداب 1920 هو الذي أوصلنا إلى هنا.  

جوان حبيش: لا تسأل المذبوح عمّا يقوله، طبّبه أولاً ومن ثم عاين ما يقوله، هناك أناس تعي ما تقوله وهناك أناس مؤذية.   

غسان الشامي: إذاً مَن يطالب بالسلطنة العثمانية التي استمرّت 400 سنة..

جوان حبيش: يشبهان بعضهما، الانتداب والوصاية والسيادة هي مواقع يجب أن يتم التدقيق بها. 

غسان الشامي: هذه الطبقة الحاكمة كانت جراميز عند الوصاية في سوريا.

كميل الخوري: السلطنة العثمانية والغرب جاءا بالمتصرّفية، هناك مَن قال إن هذه كانت فترة استقرار لأنه كانت هناك يدٌ كبرى فرضت هذا الأمر ولكن هل يا ترى كان اللبنانيون يريدون هذا النظام؟  

غسان الشامي: السؤال في السياسة وليس في العاطفة، هل نحن شعب قاصر يطالب بأن يكون مُحتلاً؟ إذا كنّا قاصرين فليذهب الناس إلى فرنسا، أحدهم قال لماكرون "أرجوك انتدبنا".  

جوان حبيش: من هنا أعود وأقول إنه يجب تثقيف الناس في خياراتهم السياسية، اليوم نشكو من أن كل شخص يتبع زعيم طائفته، هذا ما أوصلنا إلى ما نحن عليه اليوم، المأساة التي كُشفت اليوم هي أنه ربّما أحدهم كان أبوه أو جدّه يعمل مع الفرنسيين وكان سعيداً في تلك الفترة وأخبر حفيده بذلك ولكن ما رآه بعد جدّه حتى اليوم لا يشبه ما كان الجدّ سعيداً به حينها، من هنا العيش بسيادة هو قرار يتّخذه الإنسان في ظروف معيّنة، هو قرار استراتيجي بالتأكيد ولكن حين أكون مذبوحاً أو فاقداً لأحد أعضائي أو لأحد أبنائي فسأقول أيّ كلام، فلنفهم الناس من هذا المنطلق.

غسان الشامي: دكتور كميل أنا أقول إنه لا يمكنك أن تطالب بالحرية والسيادة والاستقلال في مكان وتطالب بانتدابٍ في مكانٍ آخر، ما هذا الانفصام؟ الحقيقة لا أجد كمواطن مبرّراً مهما كنت مطعوناً ألا أكون سيّداً.  

كميل الخوري: هذا في اللاوعي الطائفي المذهبي الموجود عند الناس، في الجمّيزة يريدون انتداباً فرنسياً لأنهم يعتبرون أن الانتداب جاء لتقوية المسيحيين في لبنان، السنّة يطالبون بالسلطنة العثمانية لأنهم كانوا مرتاحين، بور بيروت كان يعمل جيّداً أيام السلطنة العثمانية، فإذاً هذه من الخلفيات التي يجب على اللبناني أن يخرج منها، هذا الأمر يستلزم وقتاً وثقافة وفكراً، أنا أفكّر إذاً أنا موجود، يجب أن أفكّر جيداً كي أكون موجوداً ولكي أقف على قدميّ، برأيي الثقافة ثم الثقافة ثم الثقافة. 

غسان الشامي: أنا معك في هذا الكلام، أستاذ جوان يبدو أن دعوات الحياد خفّت بعد زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون، كيف يمكن أن تكون مُحايداً في بلدٍ يمور بالفساد ومأزوم؟ 

جوان حبيش: هل يمكن أن يجلس اللبنانيون حول طاولة واحدة ويضعوا هواجسهم عليها ويخرجوا معاً بصيغة يمكنهم العيش من خلالها بحفظ كرامتهم تحت سيادة؟ 

غسان الشامي: التقوا، أشار لهم ماكرون فأتوا ولكن حين أشار لهم رئيس الجمهورية لم يأتوا.

جوان حبيش: إذاً الشباب يريدون جوّ الانتداب.

غسان الشامي: نعم أنا أقصد هؤلاء الساسة.

جوان حبيش: لن نخلص إلى نتيجة مع هذه الطبقة، نفس المجموعة، نفس الأفكار، نفس الطريقة ونفس النتيجة التي رأيناها البارحة في بيروت.

غسان الشامي: هل من حياد دكتور كميل عندما تكون الأمم مأزومة؟ 

كميل الخوري: في موضوع الحياد، أنا إبن الكنيسة، أنا ماروني حتى العَظَم، بكركي بالنسبة لي ليست مرجعاً دينياً فقط بل يجب أن تكون مرجعاً وطنياً وليس سياسياً. سيّدنا البطريرك مع محبّتنا وهو يعرف شعورنا تجاهه أطلق هذه المبادرة، كلمة حياد، لديّ رأي في موضع الحياد في لبنان وخارجه، حينما قرّرت أميركا الحياد في قانون مونرو بعد الحرب العالمية الأولى، هي تبعدها المحيطات عن أوروبا مكان حصول المشاكل الأساسية التي كانت قائمة حينها.  

غسان الشامي: أنا أسأل في موضوعٍ معيّن في لبنان من دون أن أعود إلى خلفيّاته التاريخية.  

كميل الخوري: لبنان له حدود مع إسرائيل، لبنان يعيش أزماتٍ داخلية كبيرة، هناك عقوبات مفروضة عليه، هناك مشاريع سياسية خارجية ضدّ مصلحة لبنان تُحاك وتُركّب وتُنفَّذ ضدّه، فإذاً لبنان لا يمكنه أن يكون مُحايداً بمعنى أن يبتعد عن كل هذه المشاكل الداخلية والخارجية التي تهدّد كيان البلد. أوجّه بهذه المناسبة نداءً لسيّدنا البطريرك لدعوة كل المُفكّرين لنقاشٍ كبير حول هذا الموضوع، الفكرة خرجت عن حُسن نيّة بالتأكيد ولكنها لا تُنفّذ في لبنان ولا يمكن أن يكون لبنان مُحايداً، يجب كما قال أستاذ جوان أن يجتمع اللبنانيون للاتفاق على كيفيّة حماية لبنان، حماية لبنان أهم من فكرة الحياد التي لن تُنفَّذ.   

غسان الشامي: همّي الفكرة، أنا أناقش الفكرة ولا أناقش الأشخاص.  

جوان حبيش: أنت تسأل عما قاله غبطة البطريرك في ما خصّ الحياد. البطريرك أطلق فكرة الحياد، هناك مَن فسّرهاً إيجاباً وهناك مَن حمّلها أموراً سلبية وهناك مَن تكلّم بموضوعية وشرح مضارها ومضمونها وكيفية تنفيذها في لبنان بجغرافيّته وبتركيبته الاجتماعية والطائفية. ما قلته وقاله الدكتور كميل إنه يجب أن يجلس المعنيون معاً على طاولة واحدة ويضعوا كل الأفكار وليُشرح ما هو الحياد المقصود الذي قد يفيد لبنان أو قد يضرّه.  

كميل الخوري: أو قد تتطوّر الفكرة إلى موضوع عملي أكثر ومفيد أكثر.

غسان الشامي: لا أعرف إذا كان مَن سيجتمعون أغلبهم لم يقرأ كتاب عِلم السياسة للأسف، هذا واضح. أستاذ جوان سأحاول أن أختم معك والدكتور كميل ولكن أريد أن أسألك، مرفأ بيروت الذي تعرفه وهو مرفأ تاريخي رغم ما حصل لبيروت عبر التاريخ هو تراكم مئة عام خرج من الخدمة، حتى يُعاد إلى الخدمة كيف يمكن الاستفادة من مرافئ لبنان؟  

جوان حبيش: المرفأ الوحيد الصالح هو مرفأ طرابلس، والمرفأ الثاني هو مرفأ صيدا ولكنّه صغير جداً ولا يستوعب حتى أدنى الكميات وغير مفيد اقتصادياً للحلول في جزء محلّ مرفأ بيروت. أعتقد أن مرفأ طرابلس سيأخذ الدور الأكبر وأأسف أن الدور الأكبر سيذهب إلى مرافئ الدول المجاورة لا سيّما مرفأ اللاذقية في سوريا كونه المرفأ الأقرب إلى لبنان.   

غسان الشامي: أو مرفأ حيفا.

جوان حبيش: لن تصل طريقه إلينا. 

غسان الشامي: قبل أن ننهي، أنت عملت على إنشاء مرفأ سياحي في جونية، لو كان هذا المرفأ موجوداً لما ذهبت سفينة كوين ماري لصاحبها مرعي، ماذا يحصل في مرفأ هذه المدينة؟

جوان حبيش: المرفأ هو قيد الإنشاء، نحن من المطالبين به وتنفّذه وزارة الأشغال العامة والنقل مع أحد المُتعهّدين.  

غسان الشامي: هل هناك فساد في تنفيذه؟ 

جوان حبيش: لا أعتقد ولكن هناك بطء شديد في تنفيذه لأنه ليس هناك تمويل.

غسان الشامي: ماذا ستقدّم بلدية جونية إلى بيروت؟

جوان حبيش: نحن اليوم على الأرض في شارع النهر بين مار مخايل والجمّيزة نساعد المواطنين وننتظر توجيهاً من بلدية بيروت ومن محافظ بيروت لخدمتهم في أيّ مكان يحتاجون إلينا في هذا المجال، ليس بلدية جونية فقط وإنما بل اتحاد بلديات كسروان الفتوح والعديد من البلديات ولكن للأسف إمكانيات البلديات اليوم ضئيلة جداً، والمُتمكّن قليلاً يساعد في التنظيفات وفي الإغاثة.  

غسان الشامي: دكتور كميل الخوري كلمة أخيرة، ماذا تريد أن تقول عن مستقبل اللبنانيين بثوانٍ؟ 

كميل الخوري: مستقبل اللبنانيين يمكن أن يكون مشرقاً جداً إذا هم أرادوا ذلك. 

غسان الشامي: شكراً جزيلاً. أعزائي تردّد قولٌ لطفلٍ مكلومٍ ناجٍ من حربٍ مُدمّرة في ما مضى "سأخبر الله عنكم وعمّا رأيت". كم أتمنّى أن يُتاح الوقت للأطفال الضحايا أن يخبروا العليّ عن جحيم الفاسدين، إن الفساد أشدّ فتكاً من إسرائيل نفسها، نعم، نعم، نعم. الشكر للأستاذ جوان حبيش والدكتور كميل الخوري، لزملائي الأحباء في البرنامج، لبيروت مجد الخالدين المقاومين، العزاء والصبر والغضب المُقدّس للمكلومين، أيامكم أمان، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.