الكاتب الجزائري عبد الوهاب عيساوي

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. الموهبة الحقّة مثل زهرةٍ تتفتّحُ ولو في قلب الصخر لا يحول دونها الصوّان ولا سواه، فالتميّز ليس ضربة حظٍّ أو مُصادفة، إنّه نتيجة جهدٍ وتعبٍ ومُثابرة وهذا دأبُ ضيفنا الذي انتقل من هندسة الميكانيك إلى هندسة اللغة والكلمات وإلى البحثِ في دهاليز التاريخ وكواليسه وابتكار الشخصيات والأحداث كي يقول موقفه من العالم وما يدور فيه. إبن (الجزائِر) الشاب حاصِد الجوائِز ولافت الأنظار اختار مراحل تاريخية شائِكة يبني على تربتها الوعرة عمارته الروائيّة المُتميّزة. "بيت القصيد"، بيت المُبدعين العرب يُرحّب بالكاتب الروائي الجزائري الأُستاذ "عبد الوهاب العيساوي"، أهلاً وسهلاً بحضرتك في "بيت القصيد" ولو عبر الأثير، عبر الإنترنت

عبد الوهاب العيساوي: مساء الخير أُستاذ "زاهي"، أهلاً وسهلاً بك. تحيّة لكلّ الموجودين الآن معنا عبر الأثير، تحية لبرنامج "بيت القصيد" وشكراً لك على هذه المُقدِّمة الجميلة 

زاهي وهبي: نتمنّى أن نلتقي لاحقاً هنا في (بيروت) بإذن الله 

عبد الوهاب العيساوي: إن شاء الله. الآن كلّ أملنا أن تتجاوز (بيروت) هذه المِحنة التي تواجهها الآن وتعازيَّ الحارّة لكلّ الذين أُصيبوا بهذا الانفجار الذي حدث في (بيروت)، قلبي مع كل الضحايا وكل عائِلات الضحايا وأتمنّى أن يتجاوز أيضاً العالم المحنة التي يعيشها الآن، بعد ذلك سيكون من السهل جداً أن يزور الإنسان (بيروت) ويزور أمكِنة أُخرى 

زاهي وهبي: بإذن الله، ربّنا يسمع منك. أُستاذ "عبد الوهاب" يبدو وكأنّ التاريخ هو أكثر ما يستهويك روائياً، صحيح؟ 

عبد الوهاب العيساوي: صحّ أُستاذ، أنا من أوّل رواية كتبتها ربما في نهاية 2011 وطبعت لاحقاً في 2012 كانت لهذه الرواية خلفيّة تاريخية، يعني تنهل من التاريخ وتُعيد تأسيس أو بناء تاريخ المدينة في طريقة روائية، وهي المدينة التي درست فيها والتي أنتمي إليها في الجنوب الجزائِري. لا أدري بالضبط ما هو أوّل ما جعلني أميل أكثر إلى التاريخ ولكن في اعتقادي أن من أهمّ الكتب أو من أهمّ الروائيين الذين جعلوني أميل إلى التاريخ كانوا من أوائل قراءاتي، حتّى أنني قرأت "إيفو أندريتش" في روايته المشهورة "جسر على نهر درينا"، كانت من أوائل النصوص التي انفتحت عليها روائياً وجعلتني أؤمِن أنّ للمكان أيضاً تاريخ، وتاريخ المكان أو تاريخ الإنسان أو ما يُخلّفه التاريخ في شكلٍ عام، التاريخ الرسمي، هو ما يكتبه الروائي. يعني الروائي في رأيي يكتب تاريخه الخاص 

زاهي وهبي: يعني يقول ما لا يقوله التاريخ الرسمي؟ كأنه يُحاول ردم الفجوات التي تُصيب التاريخ الرسمي؟

عبد الوهاب العيساوي: طبعاً وخاصةً التاريخ العربي. نحن لدينا مُدوّنة كبيرة من التاريخ العربي والتاريخ الإسلامي، تاريخ طويل، ولكن هذا التاريخ لو عُدنا إليه في قراءة مُتفحّصة سنجد القليل فقط من الكُتُب التاريخية التي كانت بعيدة عن الرسمية أو بعيدة عن حتى الرؤية الدينية. مثلاً هناك نوعان من كُتُب التاريخ، كُتُب تاريخ التي تستند إلى الرجال، كُتُب الرجال، وهناك كُتُب تاريخ تستند إلى كُتُب السلاطين، كُتُب تتكلّم عن السلاطين وعن الدول، حتى التاريخ الإسلامي كلّه مُقسّم وفق الدول وليس وفق عصور أدبية أو عصور علمية. في (أوروبا) نجد مثلاً عصر النهضة، نجد عصر التنوير، عصر كذا. نحن ليس لدينا، هم تجاوزوا هذه المرحلة 

زاهي وهبي: عندنا العصر العباسي، العصر الأُموي، العصر العُثماني إلى آخره 

عبد الوهاب العيساوي: نحن نختلف، حتى المجال الإنساني غائِب من كُتُب التاريخ، لا يُمكن أن تقرأ مثلاً تاريخ الإنسان بعيداً عن التحوّلات السياسية أو بعيداً عن تاريخ السلطان، نريد تاريخ الإنسان بعيداً عن تاريخ السلطان لكن لا يُمكننا أن نجد هذا التاريخ على حدة أو من دون الرؤية الشموليّة التي كان يُمكن أن يفرضها قرَّاء التاريخ في ذلك الوقت أو يفرضها كُتَّاب التاريخ في ذلك الوقت 

زاهي وهبي: طبعاً سنتوسّع في هذه الموضوعات ولكن دعنا أولاً نتعرَّف عليك أو نُعرِّف مشاهدينا إليك أكثر من خلال ربورتاج "قطع وصل". نشاهده معاً 

قطع وصل - عبد الوهاب العيساوي: 

المُعلِّق: عام 1985 وعلى بُعد 250 كيلومتراً من العاصمة الجزائِرية وُلِدَ "عبد الوهاب العيساوي". الطفل الذي كبِرَ هناك وتخرّجَ مهندساً ميكانيكياً لم يكُن يدري أنّ المُستقبل سيحمل إسمه إلى ما وراء (جبل الأحداب) وخلف حدود (الجزائِر). في السابعة والعشرين من عُمره أصدَرَ روايته الأُولى " سينما جاكوب" التي فاجأته بنيلها جائِزة رئيس الجمهورية. عمِلَ في اختصاصه لسنوات قبل أن يتفرّغ نهائياً للكتابة الروائية. حازَ من الجوائِز ما يفوق عدد أعماله الستّة وآخر جوائزه "بوكر" العربية عن روايته "الديوان الإسبرطي". في عالمه الروائي يحضُر المكان والتاريخ بقوّة وتحضُر الشخصيات مِقيمة أو عابِرة بقوَّة مُضاعَفة. يتّكئ في سرده على التاريخ لكنّه لا يؤرِّخ بل يخلُق في الزوايا المُعْتِمة حياةً ونبضاً. جزائِري شاب استحقّ مكانته المرموقة في المشهد الثقافي الجزائِري والعربي 

زاهي وهبي: إلى مزيد من الإصدارات ومزيد من النجاحات بإذن الله. في رواية "الديوان الإسبرطي"، الرواية الأخيرة لحضرتك التي نالت جائِزة "بوكر" العربية، اعتمدت تقنيّة تعدّد الأصوات، يعني الراوي ليس واحداً، كل شخصية تروي الوقائِع والأحداث من وجهة نظرها أو من خلالها. هل هذا الأمر كان كيلا تتحمَّل ككاتب، كروائي، وِزْر ما تقوله هذه الشخصيّات؟ 

عبد الوهاب العيساوي: شوف، قضيّة الراوي في الرواية هي قضيّة ذات منحى فلسفياً قبل أن تكون ذات منحى روائياً. قبلاً في القرون الأولى أو قرون بداية الرواية كانت عادةً ما تُكتَب الرواية أو كانت الرواية تُكتَب عن طريق الراوي العليم، هذا الراوي العليم المُهيمن الذي يعرِف كل شيء، يعرِف ما في نفوس الشخصيات، يعرِف كيف تُفكِّر هذه الشخصيات، يعرِف نوايا هذه الشخصيات وما هي الأشياء التي ستقوم بها الشخصيات ويُفكِّر بدلاً عن هذه الشخصيات وبالتالي هو الضمير الكلّي وهو الرؤية الشمولية وهو كلّ شيء، يعني مثل الإله، يتحكَّم في كلّ وجهات النظر الموجودة داخل النصّ الروائي. في بداية القرن انتقلت الفلسفة من مفهوم الموت إلى مرحلة أُخرى، أنّ الآن هناك نظريّات جديدة وأموراً أُخرى تقول بموت المؤلِّف أو ترتبط إلى حدٍّ ما في أنّ الراوي لا يُمكن أن يلعب دور الإله. الآن الشخصية الروائية هي التي تتكلَّم عن نفسها، هي التي تقول وجهة نظرها مهما كانت وجهة النظر هذه. وجهة النظر هذه أكانت عالِمة ولديها خلفية ثقافية وإن كانت هذه الشخصية ليس لديها مستوى ثقافي، حتى في بعض الروايات العالمية كانت الشخصيات الموجودة فيها هي شخصيات أصلاً لا تتكلَّم بمعنى شخصيات خرساء

زاهي وهبي: بمعنى كل شخصية تُعبِّر عن نفسها في مستواها الثقافي والاجتماعي والطَبَقي وإلى آخره  

عبد الوهاب العيساوي: بالتأكيد لأنّ في الأخير الرواية على ما تُبنى؟ تُبنى على حكاية وعلى خطاب. في الرواية تعدّد الخطابات، كل خطاب حسب مستوى الشخصية داخل الرواية ولا يُمكن أن تكون الشخصية مثلاً بسيطة وكذا ويكون خطابها متجاوزاً، وبالتالي هذه البانورامية هي البانورامية الموجودة في الحياة أي ليست كلها مثقّفة وليست كلها 

زاهي وهبي: حسناً، إلى أيّ حد يتحمَّل المؤلِّف أو الكاتب مسؤولية ما يرِد على لسان شخصيات الشخوص التي يبتكرها؟ 

عبد الوهاب العيساوي: لا أعتقد أنّ هناك مفهوماً أنه يتحمَّل أو لا يتحمَّل أو مسؤولية أو عدم مسؤولية، الروائي يُحاول أن يكون مثل مايسترو، يُعطي المساحة للجميع ويقول للجميع وجهة نظره وخاصّةً في الرواية التاريخية لأنّ كل شخصيّة تُحاول أن تُقدِّم وجهة نظرها في الخطاب الموجود في الزمن آنذاك. أنا تكلّمت عن "الديوان الإسبرطي"، حاولت أن أجرد كل وجهات النظر التي كانت موجودة، هناك مع وهناك ضدّ، هناك مَن يتّفق معك وهناك مَن يشتبك معك، هناك مَن يقول لك أنا أُحارب بالسلاح وهناك مَن يقول أنا أحارب بالورقة السياسية وهناك أصلاً غير المهتم بما هو موجود

زاهي وهبي: اللامبالي

عبد الوهاب العيساوي: اللامبالي وهو يعيش حياته وفقاً للمُعطيات الموجودة لديه وهو يمكن ألا يُحدِث تغييراً في هذا العالم الذي نعيشه الآن وهو ما هو موجود الآن مثلاً. أنا قصدت في الرواية أن يُحدِث وجود هذه الخطابات المُختلفة نوعاً مما هو راهن لأنّ هذه الخطابات التي كانت موجودة آنذاك كانت هي الأقوى وكانت تأكل الحكاية وهي خطابات ليست موجودة الآن. الآن في (الجزائر) لدينا الكثير من الأحداث التاريخية، الأحداث الكُبرى التي نعيشها في شكلٍ يومي، أحداث حضارية، انعكاسات حروب تحدُث خارِج (الجزائِر)، انعكاسات مشاكل، أشياء كثيرة تحدُث خارِج (الجزائر) وهناك أشياء تقع لدينا الكثير من الارتباطات بها وهناك أشياء ليس لدينا ارتباطات بها. بمعنى أنّ الكثير من الخطابات التي كانت موجودة في النص الروائي هي نفسها موجودة الآن في الواقع الجزائِري، هناك مَن يرى الشرق بمنظورٍ ديني وهناك مَن يرى الشرق بمنظورٍ آخر هو منظور حَداثي أو منظور عِلمي

زاهي وهبي: نعم، أُستاذي نحن نعلم أنّ مرحلة الاستعمار الفرنسي مثلاً شغلت إلى حدٍّ كبير الروائيين الجزائِريين سواء الذين كتبوا باللغة العربيّة أو كتبوا باللغة الفرنسية، ولطالما كانت مرحلة الاستعمار ومرحلة الثورة مادّة غزيرة للروائيين الجزائِريين. حضرتك ذهبت أبعد، ذهبت إلى المرحلة العُثمانية، إلى مرحلة شائِكة أكثر ومُلتبِسة بالنسبة إلى كثيرين. تعمَّدت هذا الأمر؟                   

عبد الوهاب العيساوي: العودة إلى الفترة الفاصلة ما بين العثمانيين والفرنسيين هي عودة إلى مفهوم الصِدام الحضاري ما بين حضارتين، حضارة شرقية إسلامية وحضارة غربية مسيحية، وبالتالي الأسئِلة الراهِنة التي نعيشها الآن في (الجزائِر) هي أسئِلة وليدة ذلك الصراع أو أسئِلة كانت قد ابتدأت من ذلك الصراع وهو الاحتلال الفرنسي لـ (الجزائِر)، إلى غاية اللحظة هي نفسها الأسئِلة التي كانت في رأيي الشخصي أو ككاتب وروائي أنّه تلك الأسئِلة التي كانت آنذاك تُطرح هي نفسها أو إلى حدٍّ ما قريبة منها في الزمن الراهِن الذي نعيشه الآن

زاهي وهبي: هوجِمت من قِبَل مَن اعتبر أنّك تُساوي بين الاستعمار الفرنسي والمرحلة العُثمانية أو الاحتلال العُثماني خصوصاً أصحاب الفكر الإخواني أو المحسوبين على "الإخوان المُسلمين". كيف تلقّيت هذه الانتقادات؟ 

عبد الوهاب العيساوي: تقريباً لم أرُدّ في شكلٍ مباشر أو لم  أرُدّ على صفحتي في "الفيس بوك" لأنني نادراً ما أكتُب على "الفيس بوك" إلّا الأمور التسليكية أو الأمور الكذا. أنا في رأيي إنّ الذين هاجموني لم يقرأوا النصوص، والغريب أنّ الكثير من الذين هاجموني كتبوا على صفحاتهم أنّهم لم يقرأوا الرواية ولكنّهم هاجموا الرواية انطلاقاً من وجهات نظر آخرين لم يقرأوا أيضاً الرواية. الموضوع ببساطة هو صراع ما بين تيّارين في (الجزائِر)، تيّار التنويريين العِلمانيين وتيار "الإخوان المُسلمين" الموجودين في (الجزائِر) 

زاهي وهبي: نعم 

عبد الوهاب العيساوي: تيّار التنويريين كتبوا على صفحات "الفيس بوك" شيئاً جميلاً مفاده أنّ "عبد الوهاب" تعامل مع العُثمانيين على أساس أنّهم استعمار والمساواة بينهم، والغريب أنّني تفاجأت أيضاً بهذه الكتابات. عندما قرأ بعض ممثلي "الإخوان" في (الجزائر) تلك المنشورات لم يقرأوا النص الروائي. لم يقرأوا النص الروائي إنما هاجموا النص الروائي انطلاقاً من مقولات قال بها بعض التنويريين الذين أصلاً لم يقرأوا النص، وهذه من الأشياء التي استغربتها جداً 

زاهي وهبي: لكن هذه آفة في العالم العربي تحصل كثيراً. حتى الذي حاول في (مصر) اغتيال أو قتل "نجيب محفوظ" في الزمانات، عندما سأله القاضي: "هل قرأت كُتبه"؟ قال له "لا، لم أقرأها بل سمعت عنها"

عبد الوهاب العيساوي: هذه هي المُشكلة التي نعيشها الآن في الزمن العربي الحديث، إنّ الناس لا يقرأون، ولماذا أقول هذا الكلام؟ أنا تفاجأت جداً خاصةً من بعض الذين كنت على علاقة شخصية بهم وأعرِفهم وأعرِف مستوياتهم الثقافية، وجدت أنهم يهاجمون، والغريب أنّ أساتذة جامعيين كتبوا على صفحاتهم في "الفيس بوك" وهاجموا الرواية وأحدهم يقول: أنا لم أقرأ الرواية ولا..". يعني عندما نصل إلى هذا المُستوى، أن نأخذ الكلام من الأفواه، والكلام هذا يقوله أُستاذ جامعي محسوب على مؤسَّسة بحثيّة فالأمر فيه الكثير، يعني نحن نعيش الآن في انحدار إذا وصلنا إلى هذا الحد، قال: "هذا كلام إنسان عامّي أنا لا ألمّه ولا أردّ عليه ولا أناقشه أصلاً"، ولكن عندما يصدر هذا الكلام من شخص مُتعلّم ومحسوب على الفئة البحثيّة 

زاهي وهبي: أكاديمي، أُستاذ جامعي ومن المفترض أن لديه العدّة الأكاديمية 

عبد الوهاب العيساوي: هذه هي المُشكلة، والغريب أنّ هذا الكلام صدر من هذه الكُتلة أو هذا النوع من الأساتذة. الرواية كُتِبت منذ عامين، صدرت الرواية في عام 2018، يعني منذ أكثر من سنتين صدرت الرواية. الغريب أنّ هؤلاء، والرواية موجودة في النتّ منذ أكثر من أربعة أو خمسة أشهر وموجودة في شكل Pdf يعني، هؤلاء لم يتعبوا أنفسهم في قراءة الرواية. ثانياً، بعيداً عن كل هذه المواضيع أُستاذ "زاهي"، هل من المعقول أن نتكلَّم عن رواية، أن نُحاكِم الرواية انطلاقاً من كونها بحثاً؟ منذ متى كان يُهمّش من الرواية أو يُنظَر إليها على أساس أنّها كتاب بحثي؟ الرواية تنقل الخطابات، تنقل وجهات النظر، تنقل الأفكار، تنسجم كثيراً في تفاصيل الحوادث التاريخية، تحاول أن تستقرئ الحوادث التاريخية، تحاول أن تقرأها، تُحاول أن تنظر إليها انطلاقاً من هذه الانطلاقة من رؤية عامة

زاهي وهبي: بعيداً عن هذا الجَدَل أُستاذي، بعيداً عن هذا الجَدَل، يبدو أنّ ثيمة الاستعمار أثيرة لديك. لجأت أو عدت إليها في أكثر من رواية. في "الدوائِر والأبواب" مثلاً أيضاً يحضُر موضوع الاستعمار 

عبد الوهاب العيساوي: "الدوائِر والأبواب" هي نصّ، تميل إلى كونها نصّاً عرفانياً أكثر من أنه نص يميل إلى التأريخ. هو نصّ يُحاول استطلاع الأمكنة، يُحاول البحث عن الذات الإنسانية، شخص يخرج من الصحراء مطروداً من مُجتمع مُنغلِق يدخل إلى مدينة أسّسها المُستعمِر وكيف يتعاطى هذا الشخص مع هذه المدينة وكيف ينظر إليها، كيف تتشكّل لديه الهواجِس، يعني شخص يُحاول أن يقرأ مدينة وهو ليس منها، يُحاول أن يُشكِّل علاقة حميمية مع هذه المدينة. هذه كانت رواية "الدوائر والأبواب"، هي رحلة بحث إنسانية 

زاهي وهبي: أُستاذ "عبد الوهاب" في روايتك "سيارا دي مرتي" استعدت حكاية الشيوعيين الإسبان المهزومين، الذين هُزمِوا وأُسِروا ونُقلوا إلى شمال (أفريقيا)، بمعنى أنّها تدور أيضاً تحت ظِلال أو في مرحلة الاستعمار والاحتلال والحروب الأهلية وما شابه

عبد الوهاب العيساوي: العوالِم هي أكثر حميمية وأكثر قُدرة على بناء تصوّرات لأنّنا حديثو العهد بالاستقلال وبالتالي الكثير من التصوّرات التي نحياها يومياً، أو التصوّرات التي أخذناها عن أهالينا وعن آبائِنا وعن أجدادنا هي كلّها تصوّرات ناتجة من نوع من العلاقة ما بيننا وبين المُستعمِر

زاهي وهبي: صحيح

عبد الوهاب العيساوي: أنا جدّي حارب في الهند الصينية وحارب في الحرب العالمية الثانية لأنّ المُستعمِر الفرنسي وعَدهم بالاستقلال إذا ما تجنّدوا في التجنيد الإجباري. في كلّ زاوية جزائِرية هناك إبن شهيد وهناك مجاهَد، وهناك مُقاوِم، يعني هناك علاقة ما زالت حيّة وما زالت ظاهرة في تلك العوالِم. العوالِم الجديدة ولو أنّ مثلاً رواية "دوائر وأبواب" أسهبت في عالم ما بعد الاستقلال حتّى سنة 1974، وهي فترة قريبة، حاولت أن تُجري نوعاً من القراءة لعالم ما قبل الاستقلال وعالم ما بعد الاستقلال

زاهي وهبي: على كلّ حال سنتابع مع حضرتك أُستاذ "عبد الوهاب" ونتوسّع أكثر ولكن إسمح لنا أن نتوقّف مع استراحة سريعة ثمّ نتابع "بيت القصيد"

بطاقة تعريف - عبد الوهاب العيساوي:

- روائي جزائري من مواليد مدينة (حاسي بحبح) في ولاية (الجلفة) في (الجزائِر) 

- تخصَّص في عالم الإلكترونيات وجذبه باكِراً عالم السرد الروائي

- في رصيده خمس روايات ومجموعة قصصية واحدة 

- نال العديد من الجوائِز الأدبية منها جائزة "بوكر" للعام 2020 عن روايته "ديوان الإسبرطي" وجائِزة "سعاد الصبّاح" عن رواية "الدوائِر والأبواب " 2017 وجائِزة "كتارا" للرواية عن "سِفر أعمال المنسيين" 

- من أقواله: إنّ كلّ الروايات تحمل التاريخ فيها، ولكن تبقى نسبية وجوده داخلها ما دام الإنسان مُرتبطاً بحركة الزمن والحوادث من حوله، فحياته إن هي إلّا تاريخ مُبطَّن"     

المحور الثاني             

زاهي وهبي: مُشاهدينا الكرام، نتابع "بيت القصيد" مع الكاتب والروائي الجزائري الأُستاذ "عبد الوهاب العيساوي" الذي نُحاوره عبر الإنترنت من ولاية (الجلفة) في (الجزائر). أُستاذي، المكان محوري في رواياتك، يعني يُشكِّل عنصراً أساسياً من عناصرك الروائية، صحيح؟ 

عبد الوهاب العيساوي: صحيح نعم. أنا أعتقد، وقلتها أكثر من مرة، أنّ للمكان ذاكِرة أوسع تتجاوز ذاكِرة الإنسان. المكان هو مثل الإنسان، لديه حياه، لديه بداية، يولَد ثمّ يتّسع ثمّ ينمو حتى إلى غير نماذج لكن ذاكِرة المكان أكثر اتّساعاً وشموليةً من ذاكِرة الإنسان. هو يشارك الإنسان حياته وحتى يتجاوز هذه الحياة إلى حيوات الكثير من الناس. مثلاً لو نقرأ أبسط الروايات التي تتكلَّم عن الأمكنة سنجد بقاء الأمكنة ورحيل البشر. يعني مثلاً حين تقرأ أيّة رواية، مثلاً رواية "السكّريّة" لـ "نجيب محفوظ"، بقيَت "السكرية" ورحل كل الناس الذين سكنوا "السكّرية" وهكذا دوليك، المكان يُشارِك الناس كل ذاكِرتهم 

زاهي وهبي: علاقتك الشخصيّة بالمكان، هل هي علاقة فلّاح أمْ علاقة غجريّ؟ 

عبد الوهاب العيساوي: علاقة بدوي 

زاهي وهبي: بدوي

عبد الوهاب العيساوي: بدوي رغم أنّ في داخل ذلك البدوي يوجد ذاك التَوْق إلى الارتحال ولكنه قابِع في مكانٍ ما. الرغبة موجودة في الارتحال لكنّ كأنّها مواجهة أو مُجابهة بـ قطين في مكانٍ ما وبالتالي يبقى الرحيل أو يبقى السفر في الكتابة أو في مجالات أُخرى غير الارتحال الحقيقي المادي 

زاهي وهبي: تعيش حضرتك بعيداً عن (الجزائِر) العاصمة، بعيداً عن أضوائها وضوضائها إن صحّ التعبير، في (حاسي بحبح) في ولاية (الجلفة) 

عبد الوهاب العيساوي: في (حاسي بحبح) نعم وهي مدينة صغيرة فيها حوالى مئة ألف ساكن، هي مدينة متوسّطة الحجم، مدينة بسيطة. حتى ولاية (الجلفة) هي ولاية جديدة، يعني هي ولاية من الولايات التي أسَّسها المُستعمِر "نابليون الثالث"، يُمكن أن يُقال إنّها أُسِّست في حوالى 1860 ولم تكن موجودة قبل هذا الزمن. كانت مجموعة من القبائِل موجودة ثمّ أتى المُستعمِر وأسَّس مدينة هنا لأغراض مُعيّنة. عندما أراد "نابليون الثالث" أو أرادت السلطة النابليونية أن تتوسَّع في الصحراء أسَّست الكثير من المُدن، وحتى عندما أرادت التوسّع في الغرب الجزائري أو الشرق الجزائري أسَّست بعض المُدن  

زاهي وهبي: عادةً الكُتّاب والمُثقّفون والفنانون إلى آخره، عادةً ما يرتحلون من مناطقهم إلى العاصمة، يعني يأتون كالفراشات نحو الأضواء، نحو المركز، نحو الثقل في البلد الذي تشكّله العاصمة في طبيعة الحال. لم تأتِ حضرتك لتعيش في (الجزائِر) العاصمة 

عبد الوهاب العيساوي: أبداً، ولم تكن لديّ أيّة رغبة في الذهاب إلى العاصمة أو العيش في العاصمة 

زاهي وهبي: لماذا؟ 

عبد الوهاب العيساوي: لنكن منطقيين، العالم الآن أصبح قرية واحدة، الآن لم يترك الإنترنت ولم يترك "الفيس بوك" ولم يترك "تويتر" ولم تترك مواقع التواصُل الاجتماعي هذه أيّ مركز. الآن أصبح العالم كلّه مراكز وأصبح الهامش فكرة أقرب منها نظرية مع الثورة التكنولوجية التي نعيشها الآن، أصبحت من مكانك ومن بيتك تستطيع أن تكون ما تريده. لم يعد هناك الآن الجرائد والتلفزيونات، صار الآن "الفيس بوك" أو صارت الآن المواقع التي تبثّ عن طريق التسجيلات المباشرة أو كذا التي صارت تنافس بعض التلفزيونات. هناك بعض الصفحات وبعض المنشورات على الإنترنت أفضل بكثير من التلفزيونات وأفضل بكثير من الجرائد 

زاهي وهبي: كيف ينعكس هذا الأمر على النصّ؟ بمعنى أنّ اليوم علاقة الكاتِب بالمُتلقّي، المُرسل بالمتلقّي اختلفت عن السابق. أصبح المُتلقّي يستطيع أن يُبدي رأيه، أن يكتُب، أن يُعلِّق على صفحة الكاتب في شكلٍ مباشَر ونتواصل معه. هل ينعكِس هذا الأمر على النصّ؟ 

عبد الوهاب العيساوي: لا أُخفيك، أنا ولو أنّ عندي الكثير من التواصُل مع الكثير من الأشخاص الذين يقرأون بعض كتبي ويبدون بعض الآراء فيها ولكن من الناحية الفنيّة أو من الناحية النقديّة يبقى الرأي الكلّي أو رأي الجمهور، وأنت تعرِف أُستاذ أنّ رأي الجمهور في شكلٍ عام ليس دائِماً هو الرأي الصحيح، يعني الكثرة ليست دائِماً على حقّ وبالتالي هذا أضعف كثيراً من تلقّي النصوص الجيّدة صراحةً. قبل ثلاثين أو أربعين سنة كنّا نقرأ نصوصاً جيّدة لأسماء، بعد هذه المدّة حدثت الثورة التكنولوجية وأكيد موجود الكثير من الأسماء، صارت هناك تقييمات أُخرى مثل عدد الـ Likes وعدد المُتابعات وعدد الأشياء

زاهي وهبي: ومدى الشُهرة وما شابه. مَن الأقرب إليك من كُتَّاب (الجزائر) أُستاذ "عبد الوهاب"؟ من كتّاب (الجزائر) أو روائيي (الجزائر) أو شعرائهم، مَن الأقرب إليك؟ 

عبد الوهاب العيساوي: أُحب "عبد الحميد بن هدّوغة" 

زاهي وهبي: نعم، لماذا؟ 

عبد الوهاب العيساوي: صاحب رواية " جازيو والدراويش". أنا في العادة لا أُحب كاتباً واحداً بقدر ما أُحب نصّاً واحداً لكاتب مُعيَّن. مثلاً "عبد الحميد بن هدّوجة"، أعتقد أنّ نصّ "جازيو والدروايش" هو نصّ مُلهِم وأراه من النصوص الجميلة والرائِعة التي كُتِبَت بالعربيّة في (الجزائر). أُحبّ مثلاً نصّ "طاهر وتّار"، لديه نص عنوانه "الزلزال" فيه بنية وشكلٍ فنّي في طريقة كتابة النصّ 

زاهي وهبي: نعم، ومن خارِج (الجزائر)؟ 

عبد الوهاب العيساوي: من خارج (الجزائر) أنا أكثر ميلاً لكاتبين مُهمّين، إسم مصري وهو "نجيب محفوظ" الذي أُسميه المُعلِّم الأول مثلما كان "أرِسطو" في الفلسفة. لدينا "نجيب محفوظ" الذي أراه المُعلِّم الأول للرواية العربية، ولا أعتقد أنّه سيأتي روائي آخر مثل "نجيب محفوظ" ويُعطي ما أعطاه للرواية العربية. "عبد الرحمن منيف" أحبّه أيضاً 

زاهي وهبي: صاحب رواية "مدن الملح" 

عبد الوهاب العيساوي: وأعتقد أنّه من أهم الكُتّاب. "مدن الملح" "وأرض السواد". قرأت كل أعماله حين كنت في الجامعة، يعني ساهم في جزء كبير من تكويني وتكوّن وجهة نظري للرواية العربيّة في شكلٍ عام. هذان أسمان مهمان، هناك الكثير من الأسماء التي أعرِفها، لكن هذين أهم إسمين كما ذكرت 

زاهي وهبي: بما أننا ذكرنا (مصر) والمُعلِّم "نجيب محفوظ"، دعنا نسمع رأياً من (مصر)، أُمّ الدنيا، من الروائي والصديق الأُستاذ "إبراهيم عبد المجيد" في ظاهرة ازدهار وانتشار الرواية في العالم العربي

إبراهيم عبد المجيد: الرواية ترأّست المشهد الأدبي في شكلٍ طبيعي جداً وليس في شكلٍ مُفتَعل وبدأت ذلك تدريجاً. كانت البداية في السبعينات. فترة السبعينات حصلت فيها تغيّرات كبيرة في العالم العربي و(مصر) بالتحديد بعد "حرب أكتوبر" والتحوّل السياسي الكبير الذي حصل في (مصر) سواء السياسي على مستوى السياسة الخارجية في أنّه أصبح هناك "كامب ديفيد" مع (إسرائيل) وعلاقات، أو داخلياً في الانفتاح وكذا. حصلت في الدنيا فوضى نوعاً ما والعالم العربي نفسه دخل في صراعات مع (مصر) ومع بعضه البعض، مع (مصر) بالذات، وفي تلك الفترة وقبل ذلك تقريباً كان ما يأتي إلينا من (إسبانيا) أو من الدول الناطقة بالإسبانية أو البرتغالية عددهم قليل جداً ضمن كوتا من عمل أو عملين، لكن مع السبعينات بدأت تصلنا أعمال لكُتَّاب من (أميركا) اللاتينية " ميغل أنخل أستورياس" وغيره  واكتشف الناس وجود عالم مواز، عالم الأساطير وعالم السحر، وهم رغم أنهم متأصّلين بـ "ألف ليلة" وغيرها لكن هم في النهاية في بلاد فيها قمع شديد جداً فبدأوا يبنون أبنية موازية لهذا العالم، عالم آخر يعيشه البني آدم. في ذلك الوقت الكلام هو الذي تسيّد المشهد، بناء عالم مواز وهذا له أسباب، ليس لأنّ الدول تقدّمت بل لأنّ الشعراء تقدّموا في الشعر مراحل كبيرة جداً. شعر من زمن تاريخه شفهي، يعني أهميّته وعَظَمته أنه كان سيّد المعلومات العامة سواء أكان في العصور الجاهلية أو الإسلامية أو لغاية العصر الحديث. التغيّر الذي حصل في الشعر هو قصيدة التفعيلي إلى أن وصلنا إلى قصيدة النثر وأصبح الشعر يحتاج إلى انفراد ولم يعُد شفهياً أكثر، صار يحتاج إلى تأمُّل وإلى انفراد فقراءه تناقصوا لأن الكاتب الذي يكتب قصيدة نثرية من الصعب جداً أن يقول لك شعراً في محفل عام بمعنى أنها تحتاج إلى تأمّل، فتراجع الشعر لسبب فنّي وليس بسبب تقدّم الرواية. ومع تقدّم الرواية ظهرت الجوائِز، ظهرت جوائز كثيرة جداً معنيّة بالرواية أكثر، فأصبحت الجوائِز هي إحدى المُحفّزات وصار الكُتّاب يكتبون من أجل الجوائز وليس من أجل الرواية، يعني صار يكتب ليس لأنه يحبّ الرواية بل لأنه يريد أن ينال الجوائز. فتجد مثلاً جائزة يتقدّم لها أربعمئة أو خمسمئة، فهذا حافز له جانبه الإيجابي وجانبه السلبي لأن هناك مَن صار يستسهل الكتابة وأصبحت الكتابة سِلعة. هذا التسليع في رأيي هو كارتفاع الحضارات ثم اضمحلالها، فالرواية ترتفع وتضمحلّ الآن لأنّها أخذت شكل التسليع. التسليع لا علاقة له بالفنّ، التسليع له علاقة بالبضاعة والأشياء التي تؤكَل وتُشرَب، لكن الفنّ هو إبداع خاص جداً، من الروح أعني 

زاهي وهبي: تعليقك على ما سمعته أُستاذ "عبد الوهاب"؟

عبد الوهاب العيساوي: والله الأُستاذ الكبير "إبراهيم عبد المجيد" صاحب رأي في (الإسكندرية) وخاض أـكثر من موضوع والآن اختار موضوع المكاسب السياسية على الرواية بعد حرب عام 1967 وبعد "كامب ديفيد"، حرب 1973 و"كامب ديفيد" وهذه في حدّ ذاتها تحتاج إلى جلسة للنقاش في هذا الموضوع

زاهي وهبي: طبعاً 

عبد الوهاب العيساوي: بحُكم أنّ الأًستاذ "عبد المجيد" من جيل كتب الرواية وقرأ ودرس وتكوَّن في فترة زمنية مُعيّنة كان فيها اليَسار مُهيمناً على الكتابة في شكلٍ عام. بالتالي يُمكن النظر إلى هذه الأحداث كلّها انطلاقاً من خيبات اليسار في تلك الفترة. أُستاذ "إبراهيم عبد المجيد" والكثير من الكُتّاب في ذلك الوقت الذين كانت لهم ميول يسارية وكانوا يكتبون الرواية أيضاً كانت لديهم قضية أُخرى هي القضية النظامية حينما يكتبون الرواية وكانت أيضاً هذه النزعة في الكتابة موجودة في (الجزائر) وموجودة في كل الدول العربيّة تقريباً وبالتالي من الصعب جداً أن يتأقلم أو يستوعِب الكاتِب الذي لديه ميول نظامية، لا أقول يستوعِب بل يتأقلم مع وجود مثلاً جائِزة للرواية أو تنافُس ما بين نصوص 

زاهي وهبي: الجوائِز أُستاذ "عبد الوهاب"، ظاهِرة الجوائِز في العالم العربي وفي العالم عموماً ولكن في العالم العربي في شكلٍ خاص، هل ساهمت في ازدهار الرواية أمْ في تسليع الرواية والفنّ الروائي؟ 

عبد الوهاب العيساوي: في الأخير مَن يرصد هذه الجوائِز؟ الجوائِز لا يرصدها مَن يختار النصوص الفائِزة، الذين يختارون النصوص الفائِزة مُختصّون في فنّ الرواية وهم أساتذة وهُم نُقَّاد وهم حتى أناساً يكتبون الرواية، وبالتالي الأمر كلّه من بعض. مَن يختار الروايات التي تفوز هو في الأصل روائي. يعني لا أدري كيف يوضَع مفهوم التسليع في الرواية! التسليع في الرواية يكون في الروايات "الأكثر مبيعاً" التي تتبع إطاراً مُعيّناً وهذا نادر عندنا في العالم العربي أو في الرواية العربيّة في شكلٍ عام. كلمة "التسليع" تعني أنّ الرواية تُباع بسرعة وتُباع بكمّياتٍ كبيرة لميولها أو لأنّها تُكتَب لفئة مُعيَّنة من الناس، وهذا لا يكون إلّا بوجود أنواع أدبية أُخرى. مثلاً نحن لدينا الرواية فقط الاجتماعية والرواية التاريخية وليس لدينا روايات غرائبية، ومؤخّراً صارت تُكتَب الرواية الغرائبية 

زاهي وهبي: هل توافق على مقولة طبعاً منذ زمن وربما أول من أطلقها كان الأُستاذ "جابر عصفور"، أنّ الرواية هي ديوان العرب بمعنى أنّها احتلّت مكان الشعر لدى العرب؟ وهذا نقاش طويل طبعاً ولكن باختصار لو سمحت 

عبد الوهاب العيساوي: نعم، حتى موضوع الشعر، يعني أخذ الأُستاذ موضوع الشعر وتكلّم بجزيئّة في أنّه ليست الرواية هي التي أتت في مكان الشعر أو حلَّت محلّ الشعر، القضيّة في الشعر الحديث هي قضيّة بينيّة عربية اعتادت منذ خمسة عشرة قرناً على النقاش، ثم تأتي وتكتب له ثم يأتي حديث فلسفي لديه وجهة نظر فلسفية تأملية في الشعر. من الصعب جداً أن يتأقلم القارئ الذي اعتاد لقرون على إيقاع ولا يعرِف الشعر إلّا في كونه إيقاعاً وكونه قافية وكون فيه لحناً ويُحرّكه اللحن أكثر مما يُحرِّكه المعنى الموجود في قلب القصيدة وبالتالي أقول ... وأنّ قالب الشعر صار قالب فلسفة في الأصل وقالب فكر. أنا لا أعتقد أنّ الرواية أخذت مثلما قال الأُستاذ " إبراهيم عبد المجيد"، لا أعتقد أنّ الرواية أخذت مساحة الشعر، لا يزال الشعر يُكتَب ويُقرأ 

زاهي وهبي: حضرتك في الأساس مُهندس ميكانيكي مثلما قلنا في المُقدِّمة وفي "قطع وصل"، ما الذي أتى بك إلى هندسة الكلمات؟ أيّ شغف، أيّ حبّ؟ 

عبد الوهاب العيساوي: في فترة مُبكِّرة وقبل أن أدخل عالم الهندسة كانت عندي ميول أدبية وكنت أُحبّ قراءة الرواية وقراءة الأدب في شكل عام خاصّةً. في الفترة المُبكِّرة كان هناك نوع مُعيّن من الكتابات التي تعتبر تنويرية مثل كتابات "المنفلوطي" و"جبران" وكذا. نوعية الشعر في قراءاتي هي التي كانت نوعاً المعبر الذي أخذني إلى عالم الرواية 

زاهي وهبي: هل وجدت أنّ هندسة الكلمات أسهل أمْ أصعب من هندسة الميكانيك؟ 

عبد الوهاب العيساوي: هندسة الكلمات أظن أكثر صعوبة وأكثر تعباً لأنّ كلّ كلمة ستكون مسؤولاً عنها، أنت الآن تُقدِّم وجهة نظر، تُقدِّم فكرة، تُقدِّم بناءً فنياً، أنت الآن تواجه العالم في شكلٍ تعبيري مُعيّن وعليك أن تكون أكثر تقبّلاً لما يُقال وأكثر تقبّلاً لكلّ الانتقادات وأكثر تقبّلاً لكلّ الآراء التي تُقال بك. صفة هندسة الميكانيك أو أيّ اختصاص آخر هو عِلم محدود بمناهج مُعيّنة 

زاهي وهبي: كيف تولَد فكرة الرواية لديك أُستاذ "عبد الوهاب"؟ 

عبد الوهاب العيساوي: في شكلٍ عام الروايات التي كتبتها تنبع من المدينة التي أسكن فيها، "سينما جاكوب"، سيرنا دي مرت" أو "جبل الموت" وبقيّة الأعمال الروائية الأُخرى كلّها كتبتها عن المدينة التي أسكن فيها. أعتقد أنّ المكان الأليف الذي نعيشه هو الذي نستطيع أن نكتبه، نستطيع أن نؤثّثه روائياً مهما كان هذا المكان ولو كان صحراء قاحلة كونها عوالم شاسعة في الصحراء ولا يُمكن أن يتجرّأ ربما أحد أن يعيش فيها

زاهي وهبي: إذاً في إمكاننا أن نُسمّيك روائي "حاسي بحبح" أو عاشق "حاسي بحبح" 

عبد الوهاب العيساوي: لا، كل ما كتبته كان عن الرواية لأنّ أغلب الفترة التي عشتها خلال الدراسة الجامعية والطاقات التي كوّنتها كانت في مركز الولاية أو ما كان يُسمَّى المحافظة (الجلفة)

زاهي وهبي: جيّد، عاشق (الجلفة) إذاً

عبد الوهاب العيساوي: جميل 

زاهي وهبي: روايتك المقبلة كما قرأت في أحد الحوارات مع حضرتك ليست رواية تاريخية صَرْفة، يعني تعمل الآن على رواية ليست تاريخية، صحيح؟ 

عبد الوهاب العيساوي: طبعاً، لكنها تتّكئ على التاريخ. من الصعب جداً أن يستطيع الإنسان التخلُّص أو يستطيع أن يكتُب بعيداً عن تاريخه أو يتخلَّص من التاريخ لأنّ الحياة في حدّ ذاتها هي تاريخ، بمُجرَّد أن يمرّ الوقت نصبح نحن أصلاً جزءاً من هذا التاريخ، إنما هي قضيّة اجتماعية في التاريخ نحاول أن نكتب عما يُخلّفه التاريخ من فراغات ومناطق مظلِمة لا يُضيئها. بالنسبة للرواية التي أشتغل عليها الآن هي رواية تميل أكثر إلى الفانتازيا ويُمكن النظر إليها على أنها رواية دكتاتور أو الرواية التي كُتِبَت في (أميركا) اللاتينية في الثمانينات والتسعينات 

زاهي وهبي: الواقعية السحرية تعني؟

عبد الوهاب العيساوي: فيها جانب من الواقع السحري ولكن الواقعية السحرية التي تُشبهنا نحن وليست الواقعية السحريّة التي يكتبها مثلاً كُتَّاب (أميركا) اللاتينية. هذه الأشياء هي مُشاركات إنسانية وليست مثلاً حِكراً على اللاتينيين أو على الأميركيين. هناك نوع من السحريّة لدينا نحن ولكن لم نستفِد منها 

زاهي وهبي: طبعاً و(الجزائر) قارّة، فيها عوالَم مُتنوِّعة غنيّة وثريّة جداً 

عبد الوهاب العيساوي: غنيّة جداً خاصّةً الصحراء الجزائِريّة، فيها عوالِم لا تنتهي، وحتى توجد فيها ثغور فنية وثغور أدبية وأنواع كثيرة من الشعر والثقافة الشعبيّة وكذا غير مُكتشفة تماماً، قارّة مجهولة. أنا أعتقد أنّ المطلوب هو الآلاف من الكُتَّاب الروائيين كي يستطيعوا استنطاق هذه الأمكنة الموجودة في (الجزائر). (الجزائر) كبيرة جداً وغنية جداً ومُتنوِّعة جداً من شرقها إلى غربها، حتى إن وصلت إلى أقصى الجنوب ستقترب من الأجواء المدنية الأفريقية

زاهي وهبي: على كلّ حال من خلالك نُحيّي (الجزائِر) من أقصاها إلى أقصاها ونُحيّي شعب (الجزائِر) الطيّب الذي نُحبّ. لو عدتُ قليلاً إلى "الديوان الإسبرطي" أُستاذ "عبد الوهاب"، مَن هي الشخصية الأقرب إليك من شخصيات الرواية؟  "حمّة" مثلاً أو  

عبد الوهاب العيساوي: كلّ شخصية في "الديوان الإسبرطي" أُشاركها في جُزئيّة من وجهة نظرها مثلاً. هناك وجهة نظر لدى مثلاً "إبن ميّار" تُعجبني، نوع من ذاك الشعور بالانتماء إلى الشرق، الشعور بالانتماء إلى هذا الامتداد الواسع العظيم الذي لديه طاقة كبيرة وتاريخ عظيم قدَّمه للإنسانية. أُحبّ أيضاً جزئيّة الثورة التي لا تقبل أيّ شخص تحكمه هذه الراديكالية الموجودة في "حمّة السلّاوي". هاتان شخصيتان جزائريتان على طرفي نقيض ولكن أجد نفسي أشترك مع كلّ شخصية منهما في جزئيّة مُعيّنة وبالتأكيد هذا هو الإنسان، مجموعة من المقادير الكيميائية يحاول أن يحقّق نوعاً من التوازن بينها

زاهي وهبي: على كلّ حال أُستاذ "عبد الوهاب" نحن سُعداء بهذا اللقاء وهذا الحوار ونتمنّى لك في العمل الجديد الذي لا يزال بين يديك وننتظره بشغف، نتمنّى أن ينال أيضاً النجاح الذي نالته رواياتك السابقة وعلى أمل أن نلتقي ويكون حوارنا مباشراً في "بيت القصيد" هنا 

عبد الوهاب العيساوي: شكراً أُستاذ على هذه الأسئِلة الجميلة وعلى هذا الحوار الحميم، أنا لا أقول إنّه حوار أدبي بقدر ما هو حوار حميمي، وأنا سعيد أنّني كنت اليوم ضيفاً على "بيت القصيد" وضيفاً على أُستاذي الشاعر الجميل "زاهي وهبي" على أمل أن نلتقي في (بيروت)، (بيروت) الجميلة، (بيروت) التي ستكون إن شاء الله شُفِيَت من جميع جروحها يا ربّ 

زاهي وهبي: شكراً على مشاعرك الطيّبة ولك دعوة قائِمة للحضور إلى "بيت القصيد" حين ينتهي العالم من هذا الوباء اللعين، وباء "كورونا". سُعدنا بهذا الحوار، لك جزيل الشُكر ومن خلالك أطيب التحيات لـ (الجزائر) ولشعب (الجزائر). الشُكر لفريق العمل والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كل أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل على خير بإذن الله 

 

  

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل