تطورات بيروت

 

جورج غالاواي: إسمي "جورج غالاواي" وأنا أُقدِّم برنامج "كلِمة حرّة" على قناة "الميادين" التلفزيونية من هنا في (لندن). أقول كلماتي بحرّية سواء في البرلمان أم على التلفاز أو هنا في شوارع (لندن). "كلِمة حرّة" تعني بالإنكليزية Free Word، وهذا ما أقوله. إذاً، "كلِمة حرّة" هي محادثة في اتجاهين، تابعونا على قناة "الميادين" التلفزيونية  

المحور الأول: 

جورج غالاواي: أهلاّ بكم في برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بحديث عن (بيروت). لقد حصدَ الانفجار المُدمّر في مرفأ المدينة أرواح مئات الأشخاص كما أصاب آلاف الأشخاص وشوّه الكثيرين وتسبّب في أضرار تُقدَّر بعشرات مليارات الدولارات. في غضون ساعات رأينا "نابليون" الصغير أي "ماكرون" يتجوّل في شوارِع (لبنان) وقادة سياسيين آخرين ممّن وقفوا كمتفرّجين خلال العديد من المحن التي شهِدها (لبنان) على مدى سنوات أو حتى شاركوا في ارتكاب جرائِم ضدّ (لبنان)، كانوا يذرفون فجأة دموع التماسيح ويُقدّمون المُساعدات لكنّها مساعدات مصحوبة بشروط، مساعدات مرفقة بأجندة. قد يُغيّر أو قد لا يُغيِّر وقع هذا الانفجار أي شيء أو كلّ شيء في (لبنان)، لم يأتِ هذا الانفجار على خلفية الجائِحة المُدمِّرة وأيضاً على خلفية الانهيار الاقتصادي المُدمِّر والناتج جزئياً من العقوبات المفروضة على (سوريا) التي بالطبع مع ازدياد الأمور حدّةً عبرت العقوبات الحدود وبدأت تطال الاقتصاد اللبناني. إذاً عندما حصل الانفجار كان (لبنان) في مأزِق أصلاً ليس أقلّه بسبب الغارات المنتظمة التي تقوم بها جارته (إسرائيل) التي تعتدي باستمرار على سيادة الحدود البحرية والجوية للدولة اللبنانية والتي تأتي بانتظام بالموت والدمار من خلال القنابل والصواريخ. عرضت (إسرائيل) المُساعدة على (لبنان) لكنّه رفضها بازدراء عبر الرئيس العماد "عون"، فكرة الوثوق بكيان يقتل شعبك باستمرار ثمّ يعرِض عليك المُساعدة هي بالطبع مثيرة للسخط لكن هذا لم يمنعهم من إضاءة المباني في (تل أبيب) بألوان العلم اللبناني. أما النفاق في الردّ الدولي على الانفجار في (لبنان) كان في أعلى مستوياته. بالطبع بالنسبة إلى الكثيرين الأجندة هي إلقاء اللوم على المُقاومة في (لبنان) في محاولة لتحريض الشعب على المقاومة في (لبنان)، لربط عمليات الإنقاذ والإغاثة الاقتصادية لـ (لبنان) مع المسافة التي يُمكن وضعها بين المقاومة والشعب وبين المقاومة والحكومة اللبنانية. لا أحد يقول، وأقلّه أنا، إنّ النظام الحاكم في (لبنان) كان ناجحاً في العقود الأخيرة، سأكون آخر شخص يدّعي ذلك، وبالطبع الفساد موجود في الطبقة السياسية في (لبنان) تماماً كما هو موجود داخل الطبقة السياسية في كلّ مكان،  وفي الواقع  بعض أكثر الناس فساداً على وجه الأرض هم الأشخاص الأقرب إلى السياسيين الغربيين الذين يتحدّثون عن الفساد في (لبنان). على أيّة حال، يتابعني كالمعتاد جمهور من ملايين المُشاهدين إضافةً إلى فريق من الخبراء المُميّزين في الاستديو هنا في (لندن)، لذا لنستمع إلى مُداخلاتهم. لنبدأ مع "تيم ليوالين" وهو صديق قديم، سافرنا معاً إلى (العراق) منذ ثلاثين عاماً تقريباً، ونعلم أنّ (العراق) يخضع لعقوبات خانقة، لذا نُلاحِظ أنّ بعض الأمور لا تتغيّر أبداً. لقد احتلّ مرتبة عالية سابقاً بعمله في قناة "بي بي سي"، في الواقع كان يعمل في (طهران) عام 1979 مع قناة "بي بي سي" قبل الثورة الإيرانية وهو مؤلِّف "روح طائِر الفينيق (بيروت)" و"قصة (لبنان)". "تيم"، أنت تعرِف كل ما ينبغي معرِفته عن (لبنان)، ما رأيك في شأن ما حصل ومن ثمّ سأسألك عمّا سيحصل بعد ذلك 

تيم ليوالين – كاتب وصحافي: في رأيي كان الإعلام البريطاني ضعيفاً في طريقة تغطيته للقصة. بالتأكيد هذه مأساة كبيرة جداً ولقد رأيناها تُعامَل على هذا النحو، وكأنّها قصة زلزال وينبغي إرسال المُساعدات بسرعة وإغاثة الناس. وكما أشرت في مُقدِّمتك يكثُر الحديث عن الفساد في الطبقة السياسية في (لبنان) وهذا صحيح، لكن ما لا يريد أحد مواجهته هو حقيقة أننا إذا أردنا إعمار (لبنان) بعد هذه الكارِثة، إن أردنا إحداث تغيير فعلي، الطبقة السياسية في (لبنان) حينها ستخضع بالتأكيد لسيطرة "حزب الله"، والأمر لا يقتصر على "حزب الله" فحسب بل على علاقته بـ (سوريا) و(إيران). لا يريد أحد التحدّث عن هذا لأنها فكرة مُبتذلة والموضوع بديهي، لكنه أمر سيكون عقبة أمام أيّة خطّة إنقاذ نقديّة لـ (لبنان) من الكارثة التي حلّت فيه. أُريد العودة إلى نهاية الحرب الأهليّة اللبنانية عام 1990. في ذلك العام تمّ التوقيع على اتفاق ينصّ على أنّ مال (السعودية) والقوات السورية سيضمنان قيام (لبنان) جديد وإصلاحات كثيرة. بعد مرور ثلاثين سنة تفكّك هذا الاتفاق وأصبحنا نرى في أرجاء (لبنان) أن أقرب جيرانه (سوريا) و(السعودية) على خلاف، تحالفت (سوريا) مع (إيران) التي هي بدورها على خلاف مع (المملكة العربيّة السعودية). يُمكننا أن نقول فعلاً إنّ حرباً فئوية تجري في الشرق الأوسط و(لبنان) هو نواتها لكن لا أحد يريد التحدّث عن هذا ولا أحد يريد مُعالجته لأنّه صعبٌ جدّاً وأظنّ أنّه يجدُر بنا التحّدث عن ذلك، عن هذه المُشكلة الأساسية. فـ (لبنان) أشبه بساحة لهذه العداوات الإقليمية التي (إسرائيل) هي مكوّن أساسي فيها. في رأيي، أيّ أمل بالإصلاح أو التغيير في (لبنان) مستحيل في الوقت الحالي

جورج غالاواي: تقول ألا أحد يتكلّم عن الأمر، لكن وفقاً لما أراه يتحدّث عنه الجميع، بل لا يتكلّمون عن أيّ شيء غيره، يتحدّثون عنه من دون وضعه في أيّ سياق. يعلم كلانا أنّ "حزب الله" تأسّس فقط بسبب الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي لـ (لبنان)، ولولا "حزب الله" لكان الإسرائيليون ما زالوا يحتلّون (لبنان). السبب الوحيد الذي دفع "حزب الله" إلى القتال في (سوريا) هو لأنّ نصف العالم غزا (سوريا) عبر جيوش بالوكالة. لذا إن كان الموضوع البديهي هو "حزب الله" فمن وضعه هناك هو الاحتلال الإسرائيلي المستمر لـ (لبنان) عام 1982 والهجمات الإسرائيلية المُتكرّرة على (لبنان)، وإن كانت (سوريا) هي جزء من هذه الجدلية كما قلت، إذاً مَن هاجم (سوريا)؟ (سوريا) لم تكن تُمثِّل تهديداً لأحد في العالم العربي

تيم ليوالين: أنا أذكر الوقائِع فقط يا "جورج"، في رأيي "حزب الله" هو واقع والأسباب التي أوردها لتوّك بليغة في شكلها وأوافقك الرأي. كصحافي لا أُحاول الانحياز إلى أحد، ما أُحاول قوله هو التالي: "حزب الله" هو أهمّ واقع سياسي وعسكري في (لبنان) لأسباب يُمكننا الخوض فيها وأظنّها أسباباً وجيهة، أنها موجودة وهناك دوافع لها وما لا يُمكننا فعله هو عدم التحدّث عنها. في رأيي حين يتكلّم الغرب الآن عن خطّة إنقاذ نقدية لاسيما عبر صندوق النقد الدولي وأموال مُخصّصة لـ (لبنان) في مُحاولة لإعادته إلى سابق عهده لا بدّ من أن يأخذ الغرب في الاعتبار أنّ العامل السياسي الذي ينبغي التعامل معه في (لبنان) هو "حزب الله" شاؤوا ذلك أم أبوا. سواء كان ذلك جيداً أم سيّئاً فهذا لا يهمّ لأنّ "حزب الله" موجود 

جورج غالاواي: "عيسى علي" هو مراسل شبكة "آر تي" في (لندن) وكذلك هو محلّل سياسي وهو أيضاً زميل وصديق آخر لي. "عيسى"، أتُقرِض حكومة (لبنان) مالك؟ 

عيسى علي - صحافي: يُمكنك أن ترى ذلك في كلمات "ماكرون" بما أنّك وصفته بـ "نابليون" الصغير وهو بالكاد يتمكّن من السيطرة على عاصمة بلاده. قام بتعليق لم يفهمه الكثيرون، قال  "سنستشير القادة السياسيين والمُجتمع المدني". عبارة "المُجتمع المدني هي دوماً تحذير حين يتكلّم عنها قادة الغرب لأنّها تعني في العادة الأشخاص الذين تعلّموا من سياق لبناني في الجامعة الأميركية في (بيروت)، اللبنانيون الذين يتمتّعون بعقليّةٍ غربية أو الذين يعملون مع منظمات غير حكومية هم الذين شوهدوا مع المسؤولين الأميركيين لاسيما مع "ديفيد هيل"، وقد شاهد الجميع الفيديو الذي يعرِض زيارته إلى (بيروت) وكان اللبنانيون يقولون له بلكنة أميركية: "أهلاً بك، رجاءً استمر في الضغط على سياسيينا هنا ولا تدعهم يتنفّسون"، من دون أن يُدركوا أنّها الحُجّة لفرض المزيد من العقوبات والمُعاناة على الشعب اللبناني، ويبدو أنّ هذا هدفهم. لكن كما أشار الزملاء في طريقة رائِعة، هناك وقائِع على الأرض وسيكون تحقيق أيّ إنجاز من الغرب صعباً جداً إذا كانت لديهم تلك العقلية الاستعمارية المُتعجرِفة التي ستغزو المكان وتتخذ القرارات. في سياق الحكومة اللبنانية هناك مخاوف مشروعة لدى الشعب بالتأكيد لكن كما رأينا، من المثير للسخرية أنّ السياسيين والكتل السياسية الأكثر ضلوعاً في الفساد هم الذين يصطفّون مع الغرب، لذا يبقى أن نعرف بالضبط ما يريده المعتصمون في الشوارِع 

جورج غالاواي: أوليست إحدى المعضلات أمام الغرب في هذا السياق هي عدم قدرته على المُناداة بالديمقراطية؟ رجل واحد، امرأة واحدة، صوت واحد، لأنّ ذلك سيؤدّي إلى النتيجة التي لا يريدها الغرب، هذا أحد أهم الأمور الأكثر إثارة للسخرية وهو أمر لا يتكلّم عنه أحد. لو أراد "حزب الله" السيطرة بالكامل على دولة (لبنان) يُمكنه فعل ذلك بسهولة وخاصةً في وجود ديمقراطية، لكن "حزب الله" لا يريد السيطرة على الدولة لأنّ ذلك سيقود من دون شك إلى حرب أهلية شاملة إضافةً إلى تفكّك البلاد. أوليس هذا مصدر إعاقة لأولئِك الذين ينظّمون ثورات ديمقراطية؟

عيسى علي: بالتأكيد. لقد كان (لبنان) ضحيّة ذلك النظام الطائِفي الذي خدَمَ هدفه بإنهاء الحرب الأهلية من خلال اتفاق (الطائِف)، وقد تضمّن على سبيل المثال أن يكون رئيس مجلس النواب شيعياً وأن يكون رئيس الوزراء سنّياً ورئيس الجمهورية مارونياً إلى آخره. وكما أنت ذكرت، إن أردنا الابتعاد عن ذلك النظام والحصول على ديمقراطية فعليّة وإيجابية يُمكننا أن نرى تشكُّل أحزاب بعيداً عن الحدود الطائِفية مع نسج تحالفات عابرة للطوائِف. لقد سبق أن رأينا أنّ "حزب الله" تحالف مع بعض الأحزاب المسيحيّة، والقصة في (لبنان) مُعقّدة جداً بل مُعقّدة أكثر مما قد يعتقده الناظرون من الخارِج وهذا أمر لا يريده الغرب. وفي رأيي، الحلّ بالنسبة إلى (لبنان) قد يكون في التطلّع إلى الشرق. تحدّثنا عن صندوق النقد الدولي والفرنسيين والأميركيين وكل ما يُقدّمونه من حلول مُفخّخة، ألقى السيّد "حسن نصر الله" خطاباً قبل عدّة أشهُر قائِلاً أنّه وفقاً للمناقشات لا سيما مناقشات الحكومة اللبنانية ظهرت نيّة (الصين) للاستثمار في (لبنان)، وفي رأيي ينبغي عقد مؤتمرات لجمع الأموال مع بلدان مثل (روسيا) و(قطر) و(تركيا) إضافةً إلى بلدان أُخرى معنيّة. أظنّ أنّه ينبغي إحداث تغيير في العقلية داخل (لبنان) للابتعاد عن إطار العمل السابق وربما البدء في النظر في اتجاه الشرق لأنّ الكثيرين يقولون إنّ القرن المقبل ربما هو القرن الصيني 

تيم ليوالين: "جورج"، أيُمكنني المقاطعة؟ 

جورج غالاواي: أجل، تفضّل         

تيم ليوالين: كان "ماكرون" حذراً جداً في شأن المناطق التي زارها في (بيروت) فهو لم يذهب إلى (الضاحية) وبالتحديد إلى (الضاحية الجنوبية) للتجوّل هناك حيث 40 في المئة من الشعب اللبناني أي الشيعة هم من الداعمين لـ "حزب الله" وقد تمّ ذكرُ أنّ "حزب الله" أصبح جزءاً من النظام الديمقراطي في (لبنان) بوضوح وحكمة و"ماكرون" لم يذهب إلى هناك أليس كذلك؟ بل جال في المناطق التي يعلم أنه سيحصل على هتافات الناس المُستائين إلى حدٍّ كبير وأنا أتفهّم غضبهم لأنها مأساة رهيبة فعلاً. لكن هذه الزيارة تُظهِر ميول الغرب ومواقفه تجاه (لبنان)، فالغرب ينظُر إلى المأساة كقضيّة إنقاذ تأتي نتيجة الكارثة حيث ربما يمكنه في تلك الطريقة أن يفرِض إرادته على (لبنان) لاحقاً، وهذا بالطبع ما أدّى إلى تأسيس (لبنان) أصلاً 

جورج غالاواي: بالفعل، أجل. دكتور "نيال ماكغري"، محاضر في جامعة "كينغز كوليدج" وعضو في مجموعة "بروج" الداعمة لـ "بريكست" وهو الأمر الوحيد الذي اتفقنا عليه أنا وأنت، لكن دعني أسمع رأيك في ما حصل في (لبنان) وما قد يحصل لاحقاً 

نيال ماكغري – محاضر في جامعة كينغز كوليدج: من الواضح كما سمعنا حتى الآن أنّ الغرب وما قد أُسمّيه "العولميون التقدّميون" كانوا يحاولون استغلال الوضع، وما لم يُذكر بعد هو أنّ هذا الانفجار المأساوي حصلَ في زمن أزمة فيروس "كورونا". في الواقع كان (لبنان) من بلدان العالم التي لم تضربها جائِحة "كوفيد 19" بقوّة بعد، وأظنّ أنّه حين وقع الانفجار كان فيروس "كورونا" قد حصد 74 شخصاً في (لبنان) وأُفيدَ عن 700 أو 800 إصابة ما يعني بوضوح أنّ (لبنان) لم يكن من البلدان التي أصابها الفيروس بقوّة عِلماً أنّ الأمر قد يزداد سوءاً. سرعان ما شعرت أنّ المعولمين مثل "ماكرون" ينتهزون فرصة وجود كارثتين تفتحان الباب واسعاً أمام التدخّل الغربي، أي كارثة الانفجار المأساوي وأزمة جائِحة "كورونا"، وقد قيل إنّه مع وقوع الانفجار المُروِّع لم تتمكّن المُستشفيات من تحمُّل العبء، فالمستشفيات نفسها تضرّرت في (بيروت) وبالتأكيد كانت هذه حال طارِئة قد يجد أيّ بلد صعوبة في مواجهتها. حتى البلدان الأكثر تقدّماً كانت لتجد صعوبة في مواجهة كارثة انفجار بهذا الحجم. في الحقيقة أظنّ أنّ الانفجار حصدَ أرواحاً أكثر بثلاثة أضعاف ما حصده فيروس "كورونا"، لكن موضوع فيروس "كورونا" كان حاضراً جداً في الخطوط الجانبية، إذ كان يجري كلام عن أنّه الدافع الإضافي للتدخّل الغربي، وبما أنّ (لبنان) كان مُستعمرة فرنسيّة سابقة شعرَ "ماكرون" أنّه الرجل المناسب للذهاب والقيام بذلك، ولقد ذكرت بدورك أنّه أشبه بـ "نابليون" جديد لكن بالنسبة لي هو أشبه بـ "توني بلير" 

جورج غالاواي: نعم، "توني بلير" قصير القامة 

نيال ماكغري: أجل. لكنّه رأى حتماً في الترحيب الذي لقيه في المنطقة التي اختار زيارتها في (بيروت) أمراً رائِعاً ومُبرّراً 

جورج غالاواي: نُقطة مهمّة جداً. هذا تحديداً ما حصل مع "بلير" إن كنت تذكُر

نيال ماكغري: أجل 

جورج غالاواي: في مُخيّمات اللاجئين الكُسوفيين الذين كانوا يهتفون باسمه، هذا منحه منحة "المُخلِّص" الساعي إلى أن يجوب العالم بأسره لتغييره. أنت قدّمت ملاحظة مثيرة للاهتمام

نيال ماكغري: أجل، وأظنّ أنّه من الأشخاص الذين يُحبون التباهي بأنفسهم وهذا في رأيي أثَّر فيه بسهولة 

جورج غالاواي: رائِع، لننتقل الآن إلى (الولايات المتّحدة). "جورج آجان" من (نيوجرسي)، مُحلّل استراتيجي سياسي ومُستشار انتخابي ومُعلِّق على الأحداث المُعاصِرة وهو يسافر بانتظام بين (بيروت) و(الولايات المتّحدة). "جورج" أهلاً بك في "كلمة حرّة" 

جورج آجان: شكراً لك يا "جورج"، هذا من دواعي سروري

جورج غالاواي: ما هو تقييمك للوضع الحالي في (لبنان)؟

جورج آجان: أولاً أودّ ألّا ننسى، بما أنّ لا أحد منّا موجود هناك فأنا أقيم في (بيروت) لكنّي غادرت البلاد لقضاء عطلة الصيف مع عائِلتي قبل بضعة أسابيع من وقوع الكارثة، لذا أنا أتابع المُستجدّات عن كثب لكنني لستُ هناك. ما أخبرني به الأشخاص الموجودون على الأرض هو أنّ ما نراه عبر شاشات التلفزة، على الرغم من كونه مأساوياُ، ليس سوى جزء صغير من الفوضى والصدمة اللتين يعيشانها أهالي (بيروت) الآن 

جورج غالاواي: إذاً ما سبب هذه الرغبة في التغيير لدى الناس في (لبنان)؟ 

جورج آجان: هناك إجماع على ما يبدو إضافةً إلى غضبٍ كبير على الأرض بسبب الإهمال والإجرام في تخزين هذه المواد طوال تلك السنوات. المؤسف في الأمر وما يُثير استياء الناس فعلاً هو أنّ احتمال قيام تحقيق حيادي وجدّي ضئيل جداً. لكن من الناحية الإيجابية هناك تضامن كبير على الأرض وهو أمر غير مسبوق وقد يكون هذا نُقطة تحوُّل لتتحكّم شريحة الشباب في المُستقبل وهذا كلّ ما يُمكننا أن نأمله، إذ بصراحة، الأجيال السابقة لم تُقدِّم إلّا القليل لمُحاربة الفساد لكن لم ينجح أحد في القيام بشيء حيال ذلك. فالطبقة السياسية نفسها ما زالت موجودة منذ عقود متتالية في ما يتكلم الناس عن الأمر باستياء ويجلسون على شرفاتهم ويتذمّرون، لكن هؤلاء الأشخاص يُعاد انتخابهم مراراً وتكراراً لذا لا يُمكننا مُقارنة (لبنان) بنظام استبدادي مثل (ليبيا) أو (تونس) أو (سوريا) حيثُ تُدير عائِلة واحدة البلاد وكأنّها مزرعة عائِليّة فقد جرت انتخابات في (لبنان)، وبالرغم من ذلك يتم انتخاب الأشخاص أنفسهم وهذا الأمر ينبغي تغييره، لكن لا "ماكرون" ولا أيّة شخصية دولية يُمكنها تغيير ذلك، ينبغي على اللبنانيين أن يغيّروا ذلك 

جورج غالاواي: إذاً، ما الذي في رأيك فتحَ الشهيّة للمُطالبة بالتغيير؟ 

جورج آجان: ينبغي أن نتذكّر أيضاً ما يأتي خلف هذا الانفجار. يجدر ألّا ننسى أنّ (لبنان) كان يرزح أصلاً تحت أزمة نقدية كبيرة غير مسبوقة ما يعني أنّ الطبقة الوسطى في البلاد سُحِقت لأنّ الأشخاص الذين اعتادوا استخدام إيداعاتهم المصرفية في مصرف لبناني، حتى صاحب الدخل المتواضع كان قادراً على السفر وشراء بضائِع مُستوردة، هذا الأمر انتهى الآن. لذا، جزء من هذا الاستياء لا يأتي فقط من الانفجار بل هو استياء كامن لأنّ الناس يشعرون بأنّ مُدّخرات حياتهم سُلِبت منهم على يد نظامٍ مصرفي فاسد. لذا، هذا الانفجار صبّ الزيت على النار

جورج غالاواي: لقد تحدّثت عن أزمة نقدية ويعتقد كثيرون أنّ قوة أجنبية هي خلف هذه الأزمة، ما رأيك؟ 

جورج آجان: "جورج"، أنا أرفُض هذا التحليل، في رأيي المُشكلة داخلية. هناك قرار مُتّخذ من المصرف المركزي والحكومة والمصارِف التجارية، وقد أطلق الكثيرون على هذا الأمر تسمية مُخطّط "بونزي"، تلك المصارف قدّمت معدّلات فائِدة عالية جداً على الودائِع المُجمَّدة إضافةً إلى 7.2 مليار دولار في السنة من المغتربين اللبنانيين تصل إلى البلاد، وكان من شأن ذلك أن يدعم معيشة الجميع في البلاد، وهذا أمر غريب فعلاً. البلد الآخر الوحيد الذي رأيت فيه إمكانية سحب دولارات أميركية عبر الصرّاف الآلي مع غياب آلة لطبع الدولارات الأميركية كان (الأرجنتين) قبل الانهيار عام 2001. لكن في (لبنان) تصرّف الجميع وكأنّ حاكم مصرف (لبنان) "رياض سلامة" يمتلك آلة لطباعة الدولارات الأميركية علماً أنه لا يمتلكها، وفي النهاية دفَع الناس الثمن 

جورج غالاواي: إذاً أنت على ثقة أنّ القوى الأجنبية لا تتلاعب بالوضع في (لبنان)

جورج آجان: لا، هذا أمر مُبالغ فيه. هذه المُشكلة هي من صنع لبناني بحت. لم يعمل المصرف المركزي والمصارف والحكومة بفعل ضغطٍ أجنبيّ للتوصُّل إلى هذا المُخطط لدعم الكهرباء والتلاعب بمعدلات الفائِدة لمصلحة المستثمرين بالعقارات، أعني يُمكننا تأليف كتب كثيرة عن هذا الموضوع، والأمر بعيد عن أية مؤامرة أجنبية. هذه مُشكلة لبنانية جرى تجاهلها لوقتٍ طويل 

جورج غالاواي: شكراً "جورج" 

جورج آجان: هذا من دواعي سروري

جورج غالاواي: سنأتيكم بالمزيد بعد الفاصل، ابقوا معنا                     

المحور الثاني

جورج غالاواي: أنتم تشاهدون برنامج "كلِمة حرّة" معي "جورج غالاواي" على قناة "الميادين" حيث نوافيكم من (لندن) بحديث عن (بيروت). بما أننا نتحدّث عن الأمور البديهية يا "تيم" تحدّث "جورج" قبل الفاصل عن فساد في النظام السياسي وأيضاً في النظام المالي، هل تجده مُحقّاً؟ لأنني وجدت رأيه مُبالغاً فيه لكن هل تجده مُحقّاً؟ من كان المسؤول عن انهيار قيمة العملة المحليّة بنسبة 800 أو900 في المئة؟ 

تيم ليوالين – كاتب وصحافي: ما نعرِفه هو أنّ النظام في (لبنان) كان فاسداً إلى حدٍّ كبير، ويجب أن نتذكّر أنّ الفرنسيين فرضوا النظام على اللبنانيين حين غادروا (لبنان) أخيراً وعلى مضض عام 1946، وهو نظام طائِفي وجد فيه (لبنان) نفسه تحت سيطرة سلسلة من المافيات المُتداخلة. كان هذا النظام يتعرّض بين الحين والآخر لهزّة في مراحل مُختلفة لاسيّما خلال الحرب الأهليّة بعد عام 1975 مع وصول الفلسطينيين كعُنصُر مُسلّح إلى (لبنان). لكن أساساً استمرّ هذا النظام لوقتٍ طويل ما جعله تحت سيطرة عائِلات نافذة ارتبطت في ما بينها بعلاقات تكافليّة ولطالما نجح البنك المركزي في (لبنان) في الحفاظ على العملة المحليّة وقيمتها لكن طريقة التعامل في المال كانت بين أيدي هذه المجموعات المُختلفة التي كانت تتقاسم الأموال في ما بينها. حين بسطت (سوريا) سيطرتها عام 1990 تورّط للأسف عدد كبير من السوريون من تلك المجموعات النافذة في ذلك الفساد لاسيما التهريب والتجارة بالعُملة وإبرام العقود، هذه الأمور التي نراها في (بريطانيا) الآن لكنّها كانت ظاهرة في (لبنان) بطريقة فاضحة وسيّئة، وهذا كلّه أطاح أُسس الاقتصاد اللبناني الذي كان يعتمد كثيراً على الرصانة واللياقة الماليّة، هذا كلّه تعرّض للسلب وتستحيل مُعالجة هذه المُشكلة من دون إصلاح لكامل النظام اللبناني، ووفقاً لما نسمعه الآن يتطلّب الأمر خطّة إنقاذ دولية وهو أمر مُستحيل نظراً إلى القيود السياسية داخل (لبنان). مَن سيوافق، أي صندوق للنقد الدولي؟ أي بنك عالمي؟ أو أيّة أموال سعودية ستوافق على إنقاذ (لبنان)؟ 

جورج غالاواي: ومن هنا اقتراح "عيسى"، أنّ عليهم البحث في مكانٍ آخر وربما حان الوقت للبحث في مكانٍ آخر. لا يتمتّع (لبنان)، وأنت تعرِف أكثر منّي في الاقتصاد، بإنتاج زراعي مُهم ولا يتمتّع بطبقة من اليد العاملة 

تيم ليوالين: لديه الأدمغة، لديه الأدمغة 

جورج غالاواي: بالفعل، لديه الأدمغة والمثابرة مما أحدث من (لبنان) معجزة في مرّات عديدة. أطلقت على كتابك عنوان "روح طائِر الفينيق"، طائر "الفينيق" الذي ينبثق من تحت الرماد، وهذا أمر حصل مرّات عديدة. دهاء الشعب اللبناني شهير جداً لكنّه ليس شعباً مُنتِجاً وهو لا يزرع ما يكفيه للحفاظ على اقتصاده، لذا يحتاج (لبنان) إلى شعوب أُخرى يمضون إجازاتهم فيه ويشترون العقارات وينفقون المال هناك، وهذا ما تسبّب بالأزمة الماليّة أليس كذلك؟ لأنّ أصدقاء (الولايات المتّحدة) طُلِبَ منهم أن يتوقّفوا عن الذهاب إلى هناك وأن يتوقّفوا عن الشراء من هناك وعن الاستثمار هناك وأن يتوقّفوا عن إيداع أموالهم هناك 

تيم ليوالين: لكن الموضوع له شأن أيضاً في موقع (لبنان). (لبنان) يقع بين (سوريا) و(إسرائيل) وهذا موقع حيوي 

جورج غالاواي: على الجبهة الأمامية، صحيح؟ 

تيم ليوالين: إنها دولة جبهة أمامية. ما لم نقله خلال هذا البرنامج هو وجود مليون لاجئ تقريباً في (لبنان) حالياً، لاجئون سوريون، ولا يقتصر الأمر على اللاجئين الفلسطينيين فقط 

جورج غالاواي: هناك فئتان من اللاجئين، اللاجئون الفلسطينيون

تيم ليوالين: وكأنّها عملية إعادة تدوير 

جورج غالاواي: واللاجئون السوريون 

تيم ليوالين: موجة لاجئين تلو الأُخرى، هذا ما خلقته (إسرائيل) في المنطقة، موجات متتالية من اللاجئين. تكون لاجئاً فلسطينياً في (سوريا) ومن ثمّ تُصبِح لاجئاً فلسطينياً مزدوجاً في (لبنان) وهكذا دواليك. (لبنان) ليس مُفلساً فحسب وتحت إدارة أشخاص فاسدين جداً في رأيي مع علم وثقافة العالم الغربي وتعاونه بل هو أيضاً يهتمّ بعدد من اللاجئين أكبر بكثير مما قد يعبر (القناة الإنكليزية) في ألف جيل 

جورج غالاواي: أوليس صحيحاً يا "عيسى" أنّ وسائِل الإعلام البريطانية حالياً تُهاجم قوارب صغيرة تقلّ مئات اللاجئين، فيما (لبنان) استقبل مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين والآن مليون لاجئ سوري على الأقل؟ لم يعترف أحد بفضل (لبنان) مقابل ذلك

عيسى علي - صحافي: وفي الأخصّ حين ننظر إلى عدد أفراد الشعب اللبناني. أظن حالياً أنّ حوالى نصف عدد اللبنانيين المقيمين يقابلهم عدد مماثل من اللاجئين وهذا يُظهِر مدى العبء الذي يتحمّله المُجتمع والاقتصاد، وهناك التضامن الذي ظهر من الدولة، فـ "حزب الله" شاركَ في القتال في (سوريا) كحزب ولكن أيضاً الدولة اللبنانية بذلت جهداً كبيراً لمُساعدة هؤلاء الأشخاص المدنيين اليائسين الذين هُجّروا. في العودة إلى المُداخلة التي قدّمها "جورج"، يعرِف الجميع بوجود مُشكلة فساد كبيرة في (لبنان) ولكن مُجدّداُ وكما ذكرَ "تيم" ونتفق كلّنا على ذلك، هذه طبقة لطالما كانت مُقرّبة من حلفائِها في الغرب. هناك "سعد الحريري" الذي قرّر وليّ العهد السعودي "محمّد بن سلمان" اختطافه قبل سنوات 

جورج غالاواي: هذا صحيح 

عيسى علي: هذا جزء آخر من تاريخ (لبنان) الغريب، "سعد الحريري" هو رجل يحمل الجنسية السعودية كما أظنّ وهو مُقرَّب جداً من (المملكة العربية السعودية)، والغريب أنّه لم يُمانع أن تُخرِج طبقة "الكومبرادور" هذه مالها من (لبنان) حين كان رئيس وزراء (لبنان) وأن تودعه في المصارِف الغربية في (لندن) و(سويسرا) وغيرهما من الأماكن. لذا الغرب لن يسمح لنفسه بأن يقول لهم إنهم فاسدون وعليهم الانصياع. هنا أعتقد نعود إلى الوضع الذي يوجَد فيه "حزب الله" الآن لأنّ أعتى أعداء "حزب الله" يعجزون عن إلصاق تهمة فساد به وهم يعرفون أنّه ليس حزباً فاسداً ولم تكن لديه علاقة في إدارة الدولة في السابق ولا علاقة له في الفساد داخل الدولة، ولكن هذا يضع "حزب الله" في موقف صعب لأنّه يفهم أنّ الفوضى هي أسوأ من أيّ شيء آخر، لذا الحزب حالياً في موقف يبدو فيه وكأنه يُدافع عن النظام من دون أن يحاول الدفاع عن السياسيين كأفراد أو تكتلات، فهو يفهم أنّه إذا تمّ التخلّص من "جعجع" و"جنبلاط" و"الحريري" ومن كلّ هؤلاء الفاسدين  مَن الذي سيأتي بعد ذلك؟ ينبغي تأمين وجود للجيش والشرطة، ينبغي تأمين وجود دولة فاعلة وهذا أوصله إلى دائِرة المتهمين وكأنه متواطئ مع الفاسدين ولكن هذا كلّه لأنه يُدرِك خطر الفوضى التي يحاول الغرب على ما يبدو توسيع رقعتها بحجّة إحداث تغيير شامل. لذا أظنّ أنّه من السهل جداً أن يقول الناس إنّها مُشكلة داخلية لبنانية وأنّ اللبنانيين لم يُجيدوا التصرّف، وهذا أمر صحيح بالنسبة إلى الكثيرين منهم، لكن لا يُمكنك أن تُلقي اللوم كلّه عليهم 

جورج غالاواي: هذا صحيح. لننتقل إلى "عُمر إسماعيل" الموجود في (صوفيا – بلغاريا). "عُمر"، أهلاً بك في "كلمة حرّة" 

عمر إسماعيل: هذا من دواعي سروري 

جورج غالاواي: كان العامل المُحفِّز للوضع الحالي في (بيروت) هو الانفجار المُريع، ما هو تقييمك للوضع هناك؟ 

عمر إسماعيل –رئيس الجمعية المصرية في لندن: إسمح لي بالقول إنّه لطالما تمتّع (لبنان) بمستوى معيّن من الديمقراطية وهو أمر لم يكن متاحاً أمام معظم البلدان العربيّة، وهذا أمر يُحتمل أن تنظر إليه اليوم (السعودية) وبعض دول الخليج على أنه ساحة جديدة لمعركة النفوذ في (لبنان) لهزم نفوذ (إيران) في (لبنان) من خلال "حزب الله" وفي الوقت نفسه القضاء في شكلٍ كامل على أيّة آمال ديمقراطية في المنطقة، لأنني أظن أنّ الناس قد ينظرون إلى (لبنان) كبلد ديمقراطي تُديره بنجاح حكومة ديمقراطية، وهذا يُمثّل لغزاً بالنسبة إلى المنطقة كلّها 

جورج غالاواي: في ما يتعلّق بالوضع الاقتصادي في (لبنان)، هلّ يُمكننا الشك في أنّ الأزمة النقدية هي وليدة تورّط قوى أجنبية؟ 

عمر إسماعيل: لقد بدأ الوضع الاقتصادي يتدهور في (لبنان) قبل الجائِحة وهناك ارتباك كبير حالياً في السياسة اللبنانية. هناك مستوى عال جداً من الفساد من دون شكّ ضمن الحكومة وهناك تفسيران أو ثلاثة لذلك منها التأثير الأجنبي وتأثير دول أُخرى إضافةً إلى الحُكم السيّئ، هذا كلّه أدّى إلى الوضع السيّئ الذي يعاني منه اللبنانيون حالياً 

جورج غالاواي: حين تقع جريمة نطرح جميعنا التالي: مَن المُستفيد؟ مَن المستفيد من أزمات إضافية في (لبنان)؟ 

عمر إسماعيل: اللائِحة تطول، وإن نظرنا إلى الغرب والبلدان الأوروبية خاصةً والسرعة التي تصرّف بها "ماكرون" في ردّ الفعل على المأساة، فقد وصل إلى (لبنان) في أقلّ من 24 ساعة لتقديم الدعم إلى اللبنانيين. "ماكرون" و(فرنسا) يعتبران نفسيهما عنصراً أساسياً في سياسات الشرق الأوسط وشؤونه، ينبغي النظر إلى ما حصل في (ليبيا) والتأثير الذي تُحاول (فرنسا) بقيادة "ماكرون" ممارسته في الحرب بين الفصائِل في (ليبيا)، وأظنّ أنّه مع الغياب المُحتمل لأيّ نفوذ بريطاني في الشرق الأوسط ستُحاول (فرنسا) أن تكون المُحرِّك الرئيسي للأمور في المنطقة مع نفوذ هائِل قد يأتي بفائِدة اقتصادية لها. إذاً هنا نتحدّث عن بلد واحد لكن لا يُمكننا أن نغضّ النظر عن المصالِح الأوروبية عامةً إضافةً إلى مصالِح (تركيا) إذ هناك مصلحة اقتصادية بين البلدين وستنظر (تركيا) ربما إلى الأمر كفُرصة تنتهزها للاستمرار في البحث عن النفط والغاز في المنطقة لاسيّما وأنّ مُعاهدة (لوزان) ستنتهي عام 2023. كما يُمكننا أن ننظُر إلى اللاعبين الأساسيين في الشؤون السورية وهي دول الخليج و(السعودية) و(إيران)، أعتقد بوجود لاعبين عديدين في المنطقة، حتى لـ (مصر) مصلحة كبيرة كما يبدو لأنها لا ترى أو بالأحرى لا تريد أن ترى استقراراً في (لبنان) لأن هذا يُساعدها في ما يتعلّق بالسيطرة على البحر الأبيض المتوسّط وهذا لا يتحقّق بقيام بلدٍ أو حُكمٍ مُستقرّ في (لبنان)، ولم نتطرّق إلى المصالِح الأميركية في الشرق الأوسط أيضاً ولـ (روسيا) أيضاً مصالِح هناك. حيثما يوجد الغاز والنفط ستجد اللاعبين الأساسيين يُحاولون السيطرة على المنطقة، (روسيا) و(أميركا) و(الاتحاد الأوروبي) وسائِر الدول المُحيطة. إبحث عن النفط وستجد سبب كلّ ما يحصل في (لبنان) 

جورج غالاواي: شكراً لك "عُمر إسماعيل"، رئيس الجمعية المصرية في (لندن). دكتور "نيال"، لنعُد إلى "ماكرون" الصغير الذي ذكرناه مرّات عديدة اليوم، وقد ذكّرنا "عُمر" بالدور الريادي الرائع الذي لعبه الرئيس السابق "ساركوزي" في الكارثة الليبية، والآن لدينا "ماكرون" في الواجهة الأمامية للمواجهات في (سوريا) ومن ثمّ وصوله إلى (لبنان) في غضون ساعات. إلى أيّ مدى يُمكننا الوثوق بالإمبراطور "ماكرون"؟ 

نيال ماكغري – مُحاضر في جامعة كينغز كوليدج: أظن أنّ "ماكرون" يعتقد أنّ (فرنسا) تتمتّع بمصداقية أكثر من (الولايات المتّحدة)، أعتقد أنّ هذه نظرته إلى الأمور على الأرجح 

جورج غالاواي: وهذا صحيح على الأرجح 

نيال ماكغري: وهذا قد يكون صحيحاً ولكن في رأيي هناك خطر، أنّه يتصرّف من دون معرِفة فعلية بالأخطاء التي ارتُكِبت في السابق من قِبَل البريطانيين والدول الأوروبية الأُخرى في معالجة المشاكل في الشرق الأوسط. أعتقد أنّه ليس مُفاجئاُ أن تحاول (فرنسا) ودول أوروبية أُخرى المُساعدة، لا يُفاجئني هذا على الإطلاق وما من خطب في ذلك، لكنني أظن أنك تشعُر مع "ماكرون" بوجود نوع من العجرفة ومن السعي إلى رغبته في تقديم أكثر من فقط خطة إنقاذ إلى اللبنانيين الذي يحتاجون إلى ذلك حالياً. في رأيي (لبنان) أمام تقاطع طرق مهم لأنّه كما ذكرنا، (لبنان) يستطيع أن يبحث في مكان آخر ويُمكنه أن يرفض الهدايا المُقدّمة من "إيمانويل ماكرون"، قد يقرّر 

جورج غالاواي: احترس من الفرنسي حامل الهدايا 

نيال ماكغري: أجل، يُمكنه أن يُقرّر أنّ (الولايات المتّحدة) أقلّ استقراراً وثباتاً من أن تُعلِن صداقتها مع أحد، ويُمكنه اعتبار أنّ العلاقات مع (روسيا) إشكاليّة جداً لذا يُمكنه اللجوء في المقابل إلى مُبادرة "طريق واحد حزام واحد" المُقدّمة من (الصين). كل هذه الخيارات هي مصدر إيجابيات وسلبيات كثيرة. أظنّ أنّ المرحلة صعبة جداً وما من إجابة سهلة، وفي رأيي ما سيحاول المعولمون الفرنسيون فعله كما ذكر "تيم" منذ قليل أنهم لا يتكلّمون فعلاً عن "حزب الله" بل ينظرون إلى (لبنان) كبلد في مأزق وهو بذلك بلد من الممكن إعادة إعمارِه مع ما يتناسب ومبادئ العولمة وممارستها ومنظّماتها لاسيما صندوق النقد الدولي والأُمم المتّحدة ومنظّمة الصحة العالمية، ببساطة "النظام العالمي الجديد" إن شئت 

جورج غالاواي: أجل، وقد يكون من السهل جداً إعادة إعمار (لبنان) إن كان في (أوروبا) الوسطى، فعدد السكان ليس كبيراً وهو بلد صغير وإن انصاع الجميع فمن الممكن تغيير الوضع، لكنّه ليس في (أوروبا) الوسطى بل هو على الحدود بين (سوريا) و(إسرائيل)، هذه هي المُشكلة 

نيال ماكغري: نعم، وهذه المشكلة نفسها تتكرّر. فالقادة الغربيون لا يُحبّذون مدى تعقيد السياسة والديموغرافيا في الشرق الأوسط، وأعتقد أنّ الأمر في غاية الوضوح فعلاً، فلو ذهب "ماكرون" أبعد في محاولاته قد يخرُج بنتيجة سيّئة لأنني لا أراه يُحقّق أكثر مما حقّقه "توني بلير" في (العراق) 

جورج غالاواي: "تيم"

تيم ليوالين: أودّ أن أُبدي رأيي في ما قيل للتو

جورج غالاواي: أجل 

تيم ليوالين: لأنني أظن أنّ القادة الغربيين يُدركون جيداً ما هو على المِحكّ في (لبنان) وما يُقدّمونه إلى الجمهور البريطاني عبر الـ "بي بي سي" و "آي تي في" ووسائل الإعلام التقليدية هو نوع من الحلول التبسيطية التي تقول إنّه بلد صغير ويجب أن ننقذه لأنّ شعبه مثلنا، وهُم مُحقّون في القيام بذلك إن اعتبرنا إنّه زلزال ويجب أن نُقدِّم المُساعدة. ولكن "ماكرون" مع فريقه من الأخصائيين الفرنسيين الذين يُدرِكون ما يحصل عبر كامل الشرق الأوسط والمشرق وشمال (أفريقيا)، يعرِفون جيداً حقيقة الأمور في (لبنان). هذه لم تكُن مهمّة أتت بالصدفة بل هي بالتأكيد تحمل نكهة انتهازية سياسية لكنّهم يعرِفون ما يقومون به. الفرنسيون يلعبون دوراً قيادياً في مستعمراتهم السابقة ويعرِفون أنّهم يستطيعون الاستفادة من آمال المحليّين ويظنّ "ماكرون" على الأرجح أنّه يستطيع في طريقة ما السيطرة على "حزب الله". لكن كما قلت، لم يذهب للقاء "حزب الله" أليس كذلك؟ 

جورج غالاواي: لم يفعل 

تيم ليوالين: أعلم أنها فكرة تقليدية والأمر لا يقتصر على البديهيات الجزئية في (لبنان) بل على (لبنان) في حدّ ذاته. "حزب الله" هو أكبر قوّة سياسية وعسكرية في (لبنان) 

جورج غالاواي: قبل الختام، تحدّث "عيسى" منذ قليل عن الخطاب الثاني للسيّد "حسن نصر الله" الذي ابتعد فيه بالتأكيد عن الرواية الأصليّة وهي أنّ الانفجار هو مُجرَّد حادثة صناعية واقترب أكثر إلى أن تكون مُشابهة للرواية التي عرضها "دونالد ترامب" في البدء، ما رأيك؟ هل الانفجار حادثة أم أمر مُخطّط له؟ 

تيم ليوالين: التزِم الصمت 

جورج غالاواي: أنت تلتزم الصمت أيضاً؟ 

عيسى علي - صحافي: ذهبتُ مباشرةً إلى القول أإّها عمليّة تخريبية وإرهابية في (لبنان) وذكرت في البدء تاريخ التصرّفات الأميركية في الآونة الأخيرة، لكن أود أن أُضيف بضع نقاط في شأن "ماكرون" وشأن التعاون مع (اليونان). "ماكرون يتّخذ مواقف كثيرة ضدّ (تركيا) حالياً ويُحاول إخراجها من حلف شمال الأطلسي ويُمارس الضغوط عليها ما يمنحنا الفُرَص لأنّه كلّما دفع (تركيا) خارِج المُخيّم الأميركي وخارِج حلف شمال الأطلسي سيُتيح ذلك الفُرَص للنظر إلى الأمور في طريقة مُختلفة وربّما حتّى التخلّص من العقليّة العُثمانية الحديثة التي أظهرها في السابق وربما سيظنّ أنّه يجدر به التعاون مع القوى الموجودة في المنطقة وتوطيد العلاقات مع  دولة (قطر) التي بدورها قد تنظُر إلى تطبيع العلاقات كما فعلت (الإمارات العربيّة المتّحدة) وهذا قد يدفع (قطر) إلى السير على هذا الطريق، وإن تمكّن الأتراك من لعِب هذا الدور الإيجابي فهذا قد يُخرِجهم من ذلك الفخّ الخطير. أمّا بالنسبة إلى خطّة الأميركيين عام 2005 قبل حرب 2006، حاول الأميركيون والإسرائيليون والفرنسيون تحقيق تغييرٍ في النظام لكنّهم فشلوا وقالت حينها "كوندوليزا رايس" إنّ المخاض لولادة شرق أوسط جديد فشلت وهذا في جزءٍ كبير بفضل "حزب الله"، وأظن أنّ هذه المُحاولة ستفشل مُجدّداً ولكن للقيام بذلك ينبغي أن ينظُر اللبنانيون إلى أنفسهم وإلى اعتمادهم على أنفسهم فلديهم أرض رائِعة في سهل البقاع وعليهم استغلالها وزراعتها في مُحاولة للاعتماد على أنفسهم قدر الإمكان بدلاً من الاعتماد على الاستيراد من الخارِج 

جورج غالاواي: لقد دخلت إلى العالم العربي عبر مرفأ (بيروت) منذ أكثر من أربعين عاماً وقد زرعت جذوراً هناك ما زالت موجودة، فاثنان من أولادي هما نصف لبنانيين. لذا، الانفجار وعذاب (بيروت) مهمّان بالنسبة لي أكثر مما يهمّان مُعظم السياسيين البريطانيين. أنا بالطبع مثل ضيوفي لديّ وجهات نظري، حادثة أو مخطّط، لكن مَن المُستفيد؟ أوليس هذا هو السؤال الذي نطرحه دوماً يا "تيم"؟ أعلم أنّك تلتزم الصمت لكن مَن المُستفيد من حال الاضطراب المتجدّدة في (لبنان)؟ لسنا في حاجة إلى البحث بعيداً لمعرِفة من المستفيد الأكبر أليس كذلك؟ 

تيم ليوالين: سبق أن قلت لك يا "جورج"، سألتزم الصمت  

جورج غالاواي: أعلم، لكنّي كنت أُحاول الحصول على إجابة لأنّ العالم ينتظر جوابك 

تيم ليوالين: أيُمكنني أن ألفت انتباهك إلى مقالة ممتازة كتبها محلّل سابق في وكالة الاستخبارات المركزية وهي متوافرة عبر الشبكة العنكبوتية؟  المحلّل إسمه "فيليب جيرالدي" وهو يُحلّل القضيّة كاملة للإجابة عن سؤال مَن هو المستفيد ومَن قد يكون هو الفاعل. هو لا يُقدِّم أجوبة حاسمة لكن في رأيي "جيرالدي" هو أحد أفضل المُعلّقين عن الشرق الأوسط في (الولايات المتحدة). هو يُقدِّم معطيات مهمّة إن أردت، وإن قرأت المقال جيداً، حينها في رأيي واستناداً إلى ذلك يُمكنك أن تبدأ في تكوين فكرة في شأن مَن قد يكون الفاعل 

جورج غالاواي: لا أحد يريد أن يعتبر الأمر كعمل حربي لأنه إن كان فعلاً عملاً حربياً ينبغي أن نتوقّع ردّاً ملموساً 

عيسى علي: والسيّد "حسن نصر الله" ألمح إلى ذلك في خطابه قائِلاً: "إذا تبيّن لنا أنه عمل حربي فسيكون هناك ردّ". أعتقد أنّ ما يدفعني إلى القول إنّها لم تكن حادثة هو سرعة الرواية التي تشكلت ضدّ "حزب الله" مباشرةً بعد الانفجار، تشكّلت بسرعة كبيرة. سرعان ما رأينا لافتات كبيرة كُتِب عليها "يجدر ألاّ تكون (بيروت) مكاناً لتخزين الأسلِحة" وهذا ما وضع "حزب الله" في الواجهة

تيم ليوالين: أُريد أن أقول أمراً قد يتعارض مع رأيك قليلاً. أظن أنّ ما يلمِّح إليه "جورج" هو أنّه عادةً في (بيروت) أيّ أمر في هذا الحجم من هجوم أو كارثة أو انفجار أو اغتيال سُرعان ما يُنسب إلى الإسرائيليين من قِبَل الإعلام اللبناني والناطقين باسم الحكومة اللبنانية، والحديث في الشارع إن مشينا في شارع (الحمرا) سيقول الناس هناك إنّ (إسرائيل) هي الفاعِلة. لكن لسبب ما، الردّ المباشر على الانفجار لم يأتِ على هذا النحو، لم يفترض أيّ زعيم مباشرةً إنّه عمل إسرائيلي وفي رأيي هذا مثير للاهتمام

جورج غالاواي: بالفعل، يُطلَب منّا أن نُصدِّق 

تيم ليوالين: ولكن أُريد أن أُضيف نُقطة واحدة وهي أنّ الإسرائيليين سرعان ما نفوا أيّة مسؤولية لهم قبل أن يتّهمهم أحد 

جورج غالاواي: أجل، ولا يكون الشيء حقيقة قبل أن ننفيه رسمياً كما قال زميلنا "كلود كوبورن" يوماً، لكن يُطلب منّا أن نُصدِّق يا "نيال" أنّ الانفجار ناتج من غباء كامل أو بالأحرى غباء عادي في أنّ 2720طنّاً من نترات الأمونيوم خُزِّنت في عنبر غير مناسب خلال ستّ سنوات كاملة، حادثة تنتظر أن تقع، فهلّ يُمكننا تصديق ذلك؟

نيال ماكغري: أعتقد أنها كانت ستبقى هناك لو لم تقع الكارثة وأتساءل عن عدد السنوات التي كانوا سيبقونها هناك! لا أودّ التخمين في شأن كونها حادثاً أو مُخطّطاً شيطانياً، لكن أظن أنّ ما رأيناه من ردّ فعل للغرب يأتي ضمن السياق القديم نفسه الذي يقول: "ينبغي ألّا ندع أيّة أزمة تذهب سُدى" 

تيم ليوالين: هذا صحيح، بالفعل

جورج غالاواي: أجل، هذا صحيح على الأرجح. المُداخلة الأخيرة منك يا "عيسى". لماذا كانت هذه المواد مُخزّنة هناك؟ لقد تمّ إنزالها من على متن سفينة مولدوفية مُسجّلة مع العلم أنّ (مولدوفيا) هي قوة بحرية مشهورة، والسفينة كانت أوكرانية، وقيل إنّ الحمولة كانت متّجهة إلى (موزامبيق) وهذا لا يُصدَّق بالنسبة لي، تلك الحمولة كانت تساوي ملايين الدولارات لكنّها تُرِكت في ذاك العنبر. هذا مثير للشكوك أليس كذلك؟ 

عيسى علي: هناك نظريات كثيرة. هناك شخص عراقي داعم جداً للأميركيين يُدعى "أياد الدين"، وفقاً لهذا الشخص كانت هذه الحمولة للمُتمرّدين السوريين خلال النزاع في (سوريا). سواء كان هذا الكلام صحيحاً أم لا، المسؤولون عن هذا المرفأ ينتمون إلى التكتل الفاسد الداعم للغرب والسعوديين في (لبنان). لذا مُجدّداً، محاولات تغيير الرواية والقول إنّ "حزب الله" يُخزِّن الأسلِحة هناك. على الرغم من محاولاتهم لتغيير الرواية هذه المواد كانت موجودة هناك وكانوا يعلمون بشأنها، المسؤولون الحكوميون علموا بشأنها والمُحاسبة مطلوبة. لكن أخشى مجدّداً أن يتم إبعاد الشبهات عن المسؤولين وتجاهُل تورّطهم مع التركيز على إحداث الفوضى والفراغ في الحكومة في (لبنان) كما سبق أن تناقشنا. يبدو أن الأمور تتجه لمصلحة طرف واحد وهو الطرف الذي لطالما أظهر عدائية كبيرة تجاه (لبنان) والمنطقة 

جورج غالاواي: بارك الله (بيروت)، بارك الله (لبنان). شكراً جزيلاً على المُشاهدة