• الحرب الناعمة هي الحرب الاخطر ، لانها حرب تعمل على احتلال العقول والارادات
    7:09 د.
  • الهدف الاول هو تدمير الاسلام وافراغه من المحتوى
    12:59 د.
  • عبر التاريخ تعلمنا ان الانسان يصل الى مرحلة الاندثار لكن الانسان المتشبع لكن املنا يبقى بالجيل القادم
    24:17 د.
  • واجبنا اليوم ان نرشد استخدام التقنيات لكي تكون بيدنا بدل ان تكون عليا
    34:17 د.

عصر الحروب الناعمة

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم.

من الخنادق وجغرافيا النار إلى جغرافيا العقول والتأسيس لرأي عام يريده العدو. من أخطر المعارك الشرسة المعاصرة الحروب الناعمة التي تهدف إلى إلحاق الهزيمة المعنوية والفكرية والحضارية على جيل كامل. الحروب الناعمة لا تعتمد الدبابة والأسلحة المُتطوّرة والصواريخ العابرة للقارات، هي حروب عابرة للعقول والأفكار تُدَكْدك الحصون العقلية والقلاع الفكرية وأبعاد الشخصية الوطنية، وتعيد صوغ الوعي بما ينسجم مع الضرورات والأولويات للعواصم التي تريد لنا الانبطاح ولها الانتصار والغلبة الحضارية. وللحروب الناعمة آلاف الطُرق والاستراتيجيات والوسائل ميدانها متاح للجميع، فبمُجرّد أن تمتلك هاتفاً نقّالًا، ولك علاقة بالشبكة العنكبوتية تكون قد وقعت في الصيد الأول. فالوسائل وسائلهم، والميادين ميادينهم والتقنية تقنيتهم والتكنولوجيا هي من بنات أفكارهم وعقولهم. وإذا كانت الفكرة أمس تحتاج إلى شهور لكي تنتشر اليوم تحتاج إلى ولوج إلى العوالم الافتراضية لتجد نفسك أمام كمّ هائل من التوجّهات، التوجّهات المُتحكّمة بالأجيال.

القوّة الناعمة تقتحم بلداننا، وتغزو المُكوّن الاستراتيجي والديني والوطني والقومي لهذه الأمّة، وتعمل أيضاَ على سلخ مجتمعاتنا من ثوابتها ومنطلقاتها وإعداد جيل مُطبّع ومُنْجَذب إلى طرائق الحياة الغربية ليسهل على الغرب نشر نموذجه في كل القارات. والحروب الناعمة ميدانها اليوم التكنولوجيا السيبرانية بالإضافة إلى عوامل التأثير الأخرى إلكترونيًا، إعلاميًا، وفنيًا، كما أنّ جيوش الذباب الإلكتروني التي باتت تمارس الاغتيال المعنوي في حق شخصيات وطنية تهدف إلى قتل فكرة الرموز في كل أمّة ناهضة. وعندما تنجح الحروب الناعمة في التأسيس لمُكوّن عقلي جديد في خط طنجة جاكرتا تنطلق بالتوازي منظمات حقوقية وثقافية لتُناصر الإلحاد والمثلية الجنسية وعبادة الشيطان، وكلّ ما له علاقة بدكدكة الدين الحق الذي حمى أوطاننا من الحركات الاستعمارية الغربية سابقًا، والذي يدفع باتجاه مقاومة الكيان الصهيوني وتقوم الحروب الناعمة مقام إبليس وتضطلع بدوره في معظم الأحيان، وهي مَن تجعل المقاوم من أجل وطنه مُتخلّفًا، والعميل قامة شامخة.

تعمل هذه الحروب على التشكيك في الماضي القريب لهذه الأمّة والاستعمار في نظرها مُباركًا، ولم يكُ شرًا على هذه الأمّة أبداً، والأسئلة المُلّحة كيف تؤثّر الحروب الناعمة على الأجيال المعاصرة، وكيف تضيّع الوعي المضاد، وكيف توصِل أفكارها الجاهزة من خلال وسائط الاتصال والإنترنت، ثمّ السؤال الرئيس أين بديلنا؟ وكيف نتصدّى لمحو هويّتنا الثقافية والفكرية وحتى الوطنية والإسلامية؟

"عصر الحروب الناعمة" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من لبنان الحبيب الدكتور أسعد السحمراني أستاذ العقائد والأديان في جامعة الإمام الأوزاعي، ومن الجزائر الحبيبة الدكتور محمّد هدير الخبير في الدراسات الاستراتيجية والأمنية.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

بروفسور الدكتور أسعد السحمراني حيّاك الله، وبيّاك، وجعل الجنّة مثواك.

عندما نقول هنالك حروب ناعمة ضد هذه الأمّة، هل هذه مقولة ذات تأسيس وتأصيل عِلمي وبُرهاني؟ أمْ أنّنا مع الذين يحسبون كل صيحة عليهم ويظنّون أن الغرب طيّب وجميل ويهدينا ورودًا ونحن نهديه سيفًا وابتعادًا ونأيًا؟ ما الذي تقوله في هذا الموضوع الحسّاس؟

أسعد السحمراني: بسم الله خير الحافظين.

يحيى أبو زكريا: جلَّ في عُلاه.

أسعد السحمراني: والصلاة والسلام على أنبياء الله تعالى ورُسله أجمعين.

أولًا تحيّة لقناة المقاومة قناة الميادين، ولكل مَن يتابعنا في هذه الحلقة، وتحية خاصة للأخ الإعلامي المُستنير الدكتور يحيى أبو زكريا الذي يُسلّط الضوء دائمًا على موضوعات هي حامية وعلى الجمر، وهي في تحديات الأمّة. في الحقيقة مُصطلح الحرب الناعمة ربما يكون قد صدر مؤخّرًا من ثلاثين سنة مع جوزيف ناي الأميركي، لكن في الحقيقة هي حروب معلومة طوال التاريخ كله. وإذا أردنا أن نؤسّس كما تفضلت نستطيع أن نوجز بكلمات قليلة أنّ الحروب تتوزّع في أنواع أربعة، هي الحرب الخشنة، أو تسمّى الحرب الصلبة وتستخدم العسكر أو الاقتصاد، وهناك الحرب النفسية التي يعمل العدو فيها على الهزيمة النفسية للأمّة وصناعة الرُعب، وهناك الحرب السيبرانية التي تستخدم التقنيات المعاصرة، ولن أفصّل وهناك موضوعنا وهو الحرب الناعمة وهي الحرب الأخطر.

الحرب الأخطر لماذا؟  لأنّها حرب تعمل على احتلال العقول واحتلال الإرادات، واحتلال الفكر وهذه من أخطر المسائل لأنّ احتلال الأرض يمكنك أن تحرِّرها في ما بعد استخدام التقنيات يمكنك أن تردّ عليه بتقنيات أخرى الهزيمة النفسية يمكن أن تصنع روحًا معنوية مقابلها لهذا السبب تحضرني في هذه السانحة عبارة جميلة قالها الزعيم المرحوم جمال عبد الناصر ونحن بعد أيام مع ذكرى وفاته الخمسين قال فيها إذا احتلّ العدو أرضك فليس صعبًا عليك استردادها.

يحيى أبو زكريا: ذكرت عبد الناصر وهذا من نتاجاتك الطيّبة.

أسعد السحمراني: هذا الكتاب الأخير لي هو الكتاب الثاني عن عبد الناصر وعن فكره، وهو يعالج مشكلة طنجة جاكرتا التي تحبّها أنت.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

أسعد السحمراني: يقول إذا احتلّ العدو أرضك ليس صعبًا عليك استردادها، أمّا إذا احتل عقلك فإنّه يستعبدك إلى الأبد، لهذا السبب موضوعنا مهمٌ جدًا في هذه الحقبة حيث يستخدم الأعداء ما يُسمّى الحرب الناعمة، ومن خلالها هم يحاربوننا في الدين في الفكر، في الإعلام، في الفن، في الأدب، في التقاليد الاجتماعية وبناء الأسرة، حتى البناء الأُسَري الآن مُعرّض وكأنّهم يريدون نسخ شخصية الأمّة، هل هي حرب جديدة الكلام؟ كلا لو راجعنا نحن في الألف سنة الأخيرة حروب الفرنجة سُمّيت خطأ حروب صليبية، حروب الفرنجة عندما فشل العسكر فيها بدأوا باستخدام الجمعيات والمؤسَّسات التعليمية والتربوية الجامعة الأميركية في بيروت أتت باسم الكلية الإنجيلية السورية الحرب الناعمة من سنة 1866 الجامعة اليسوعية الآن جامعة القدّيس يوسف أتت سنة 1874.إذًا الحروب الناعمة هذه في لبنان، وكذلك الأمر لو أخذنا بلدنا العزيز الجزائر ومعنا ضيف عزيز من بلدنا الذي نحب أنت وأنا.

يحيى أبو زكريا: أعزَّك الله.

أسعد السحمراني: نحن على تماس معه، وأنا طبعًا كانت بداية دراساتي الجامعية فيه عن الإبراهيمي، وعن مالك بن نبي فالجزائر أيضًا مارسوا معه الحرب الناعمة عندما حاولوا أن يصنعوا الفرنسة بديل عن المواطنة والعروبة في الجزائر عن الجزأرة والعروبة، ولذلك تصدَّت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وتصدّى المفكّرون، ومنهم مالك بن نبي الذي اشتغلت عنه في مشكلات الحضارة وعنده أحد كتبه عنوانه الصراع الفكري في بلاد المستعمرة، كتاب آخر مشكلة الثقافة.

يحيى أبو زكريا: صحيح صحيح.

أسعد السحمراني: إذًا من هذا المنطلق الحرب الناعمة ليست جديدة علينا إنّما هي حرب في هذه الحقبة تريد أن تفعل لأنّهم وجدوا أنّ هذه الحروب الخشنة والصلبة قد فشلت هم إن حاربونا اقتصاديًا نشدّ الصخر على بطوننا كما فعل  السلف ولا نصرخ ولا نركع للتجويع. إذا قاتلونا عسكريًا كلّما سقط منا شهيد نستنبت آلاف الشهداء، وها هي فلسطين أمامنا بعد 72 سنة نجد أنّ الإرادة الفلسطينية تتصلّب يومًا بعد يوم وأنّ الإرادة الفلسطينية لم يتمكّن أحد من هزيمتها، وهذا أنموذج طيب لمن يسعون الآن كما يسمّونه تطبيع أو أنا أسمّيه التضبيع من الضَبع الذي يخوّف.

يحيى أبو زكريا: وسوف نتطرّق إلى كل ذلك بُعيد حين. دعني أطير إلى الجزائر الحبيبة التي أحبّها وأعشقها دكتور محمّد هدير المستقبل تصنعه العقول قاعدة فكرية حضارية توافق عليها كلّ الفلاسفة والعقلاء عبر التاريخ. كيف يسعون لإلحاق الهزيمة بالعقل الجَمْعي للأمّة بثقافة هذه الأمّة؟ وهل بالفعل هم يريدون ذلك تغيير النسيج الثقافي والديني لهذه الأمَّة؟

محمّد هدير: شكرًا أستاذ أبو زكريا هذا شرف كبير أنّني أكون معك في هذه الحلقة.

يحيى أبو زكريا: حيّاك الله.

محمّد هدير: كما أشكر قناة الميادين الكريمة وضيفك الكريم.

يحيى أبو زكريا: أهلًا وسهلًا.

محمّد هدير: فعلًا ضيفك وضع يده على الجرح استغلال العقول وبرمجتها والسيطرة عليها كما يقول تشومسكي كان مدروسًا انطلاقًا من بنية الإنسان لأنّ هذه الحروب الصلبة كما تقدّم ضيفك، أضرب بها مثالًا عندما كان احتلال لبنان عام 82 ماذا نجم عن احتلال لبنان؟ نجم إنشاء حزب الله الذي أصبح قوّة إقليمية بالفعل يحسب له ألف حساب. وبالتالي الصدام بالقوّة لا ينجب إلا القوّة، فلجأوا إلى احتلال العقول والسيطرة عليها وبرمجتها كما يريدون. وللوصول إلى هذه البرمجة عمدوا إلى ضرب العامود الفقري في هذه الأمّة التي يوم ما كانت متفوقة كانت حضارة بمعنى الكلمة كانت حضارة مكتبة قرطبة كانت الأندلس، وكانت المكتبة التي يزورونها من كل حدب وصوب في إسبانيا في ذلك الوقت.

إذًا الهدف الأول هو تدمير الإسلام وإفراغه من المحتوى، وجعله صورة نمطية متعلّقة بالعنف والإرهاب والتخلّف، وهذا ناجم عن الذين تبنوا الإسلام ليس عن قناعة إنّما تبنوا الاإسلام عن جهل. والا‘سلام يرفض الجهل، ويرفض الانحطاط، ومع الحوار بالعقل. عندما كنّا متفّوقين كانت لنا حضارة أخلاقية وحضارة دينية قبل كل شيء، كنّا نسوّق الصورة كما يقول المفكّر العربي إبن خلدون الضعيف مولع بالقوي. الآن نحن في مرحلة ضعف وهذا الضعف نجم عن التخلّي عن مبادئنا، وعن تاريخنا، وعن قِيَمنا الحضارية والدينية، فأصبحنا نقلّد كل شيء، وهذه هي الحروب التي تُسمّى بالصفر خسارة عن طريق وتنطلق عن طريق احتلال الأخلاق واحتلال العقل واحتلال التفكير، وهذا ناجمٌ عن تخلّينا عن الدور الذي كان من المفروض أن نقوم به، ولجأوا في ذلك إلى العمل على الطائفية، والدليل على ذلك موجود في لبنان وموجود في كل الدول العربية من اليمن إلى المغرب إلى الجزائر الآن هناك بين الأمازيغ وبين العرب وبين العرب المهاجرين وكل ذلك، وهذا هو الذي سهّل التغلغل داخل المجتمع الجزائري، وأكبر دليل على ذلك لمّا احتلت الولايات المتحدة الأميركية العراق عام 2003 لم تأتِ بالجنود عدّة وعتاد، بل جهّزت ترسانة قوية من الإعلام فاقت أكثر من 145 قناة عراقية ناطقة باللغة العربية، وتحمل شعارًا عراقيًا، ولكن كانت مسمومة السم الذي فتَّت الحضارة العراقية التي فاق عمرها أكثر من 6000 سنة قبل الميلاد تفتَّت على ظهر هذه القنوات التي كانت تبثّ السموم إلى حد الآن. والعراق يعاني من ويلات الحرب ويعاني من ويلات الصراعات العرقية والإثنية، وزد على ذلك في السودان، وفي الصومال وفي كل الدول العربية.

إذًا نحن الآن في هذه المرحلة نحن مستهلكون من الدرجة الأولى سواء كنا أثرياء أو فقراء أو عُلماء، جانب الدنيا هذه مبنية على الصراع، ولكن الصراع عندما يكون مبنيًا على الأخلاق يكون صراعًا فيه خير للبشرية، وعندما يتحوّل إلى صراع من أجل البقاء تكون هناك وحشية وتكون أضراره أكبر من أضرار الحروب الصلبة التي عاشها العالم من خلال الحرب العالمية الأولى والثانية والحروب العربية الإسرائيلية وغيرها.

يحيى أبو زكريا: دكتور أسعد جوزيف ناي عندما وضع كتابه الحرب الناعمة"soft powr" قدّم بعض المصاديق يتحدّث مثلًا كيف كان الأميركان يقدّمون منحاً دراسية للروس لجلبهم إلى الدائرة الرأسمالية، ويتحدّث كيف استطاعوا في ظرف سنوات تغيير توجّهات مجتمعية معينة وتحديدًا في معسكر خصومهم. إذا طالبتك بمصاديق عن هذه الحرب الناعمة ما هي أبرز المصاديق، مجالات الحروب الناعمة اليوم؟

أسعد السحمراني: أولًا دعنا نقول مَن يريد أن يخوض حربًا ناعمة ضد الآخرين يجب أن يمتلك مقوّمات هذه الحرب، فالولايات المتحدة الأميركية في الأصل هي دولة كوي بوي ودولة رُعاة أبقار، ليس عندها حضارة ولا ثقافة، ولا تمتلك فكرًا يستميل الآخر بدليل وهي تحاول أن تمارس الحرب الناعمة علينا في الوطن العربي جيشها وقواعدها  تنتشر في معظم أرجاء بلداننا وأداتها العصا الغليظة الصهيونية في الكيان الغاصِب لأرض فلسطين، تستخدمها بين حين وآخر فلو كان عندها ثقة بأنّها تستطيع أن تمارس حربًا ناعمة من خلال الغزو غير الخشن وغير الصلب لكانت مارست هذا. ما يطمئننا بأنّنا من عمق الجراح سوف نستخرج إشراقات الصباح، ومن الرحم الذي يحمل الألم سنستولد الأمل. والدليل أمامنا المقاومة في هذه الأمّة والمقاومة لا أعني بها فقط المقاومة العسكرية وهي أعلاها، لكن نحن عندنا المقاومة الثقافية التي طرحناها منذ عقود قبل أن يطرح ناي كتابه وتحدَّث الأخ العزيز ضيفنا من الجزائر عن غزو الصهيوني لعاصمتنا العزيزة الحبيبة بيروت في حزيران 1982 ويومها أخرجنا هذا العدو فكريًا وثقافيًا بإرادة المقاومة قبل أن نطرده رسميًا في الخامس والعشرين من أيار عام 2000.

لذلك من هذا المنطلق نحن نطمئن شعبنا حتى لا يمارسوا علينا إرهابا كثيرًا. طرح جوزيف ناي هذه المُصطلحات وهم يستخدمونها ويولع بها بعض المُتشدّقين على الشاشات أحيانًا طبعًا مع احترامنا لشاشة الميادين ومثيلاتها من شاشات المقاومة، لكن الشاشات الأخرى المحسوبة على الغرب وعلى الأميركي.

يحيى أبو زكريا: التي هي جزء من الحرب الناعمة.

أسعد السحمراني: نعم هي جزء من الحرب الناعمة علينا تمامًا، لكن هذه شاشات مكشوفة ومفضوحة وهذه حربهم قديمة مُتجدَّدة، الجامعة الأميركية كما قلت سنة 1866، إذا أردت أن أعطي مصاديق عن الحرب الناعمة فعلًا ليس هناك من مصداق سوى الصين التي فعلًا مارست الحرب الناعمة من خلال الدخول الاقتصادي لها التدريجي بحيث أنّ العالم كلّه قبلها من دون كبير عناء، وإذا بها الآن تتربّع في المقام الأول بين الدول، وإذا بواشنطن الآن تغار منها. وأمّا بالنسبة لأنّه هو استقطب بعض المِنَح الدراسية للروس ليحدّثونا عن آخر اتهامات ترامب الرئيس المتوحّش الذي اتهموه بأنه تلقّى  رشاوى من الرئيس بوتين من أجل أن ينجح في حملته الانتخابية.

إذًا الكرة مردودة عليه، لذلك أنا أطمئن شعبنا ها هي فلسطين نموذج كبير، الجزائر أنموذج كبير. نحن غير خائفين لماذا؟ لأنّ أبناء أمّتنا يمتلكون من مخزونهم الحضاري مخزونهم الثقافي ورأس عاموده الفقري هو الإيمان الديني الإيمان وخاصة رسالة الإسلام والمسيحية.

يحيى أبو زكريا: هذا الأمل لا يحول من دون وجود جيل عربي يدعو إلى التطبيع ويتكلّم مع بنيامين نتنياهو مباشرة؟

أسعد السحمراني: إسمح لي سأبيّن هذه الفكرة نحن أولًا إذًا بالمخزون الحضاري لعموم الأمّة نحن لا نأخذ بالحالات الشاذّة، عموم الأمّة مخزونها الحضاري مخزون رِسالي إيماني، وهذا المخزون الإيماني لأنّ أرضنا هي مهد رسالات السماء المستمدة من رسالة المسيحية أو من رسالة الإسلام. ومن ثمّ هذه الأرض فيها مخزن وحدوي، ومخزون من الأنفة لأنّ هذه العزّة التي هي في جوهر الدين ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين هي لن تجعلنا نستكين إن استطاعوا أن يصنعوا بعض أفراد ولا أقول جيلًا، فهؤلاء نهايتهم ستكون كنهاية الهاركا الموجودون في فرنسا من عملاء الفرنسي أيام احتلال الجزائر، واليوم نحن عندنا في كل بلد عربي سيكون في هاركا مجموعة سترحل من بلادنا لأن هذا المجتمع سيلفظ كل ما هو ناتئ، وكل ما هو من الدّمل ومن الصديد والقَيْح لأنّ هؤلاء أساسًا تقيّحات أسّست في مدارسهم، من هذا المنطلق نحن نركّز وتذكر حضرتك في حلقات سابقة.

يحيى أبو زكريا: على قاعدة أما الزَبَد فيذهب جفاء.

أسعد السحمراني: نركّز على نقطة ثانية هي الاستثمار في التربية، لذلك نحن نقول الآن واجبنا الأساسي أن نتّجه إلى التنشئة والتربية لأن من عقّوا آباءهم كما يفعل المٌطبّعون الآن آباؤهم كانوا في ذروة قيادة العمل الوطني ولتحرير فلسطين، وإذا بالأبناء والأحفاد ينحرفون لماذا؟ لأنّهم سلّموا هؤلاء الأبناء والأحفاد للأجنبي ليصنعهم كما يشاء. لذلك من شاشتكم أنبّه الأسر لا تفرحوا بالمِنَح الدراسية وبتهجير أولادكم وهم في سن الفتوّة ومُقتبل الشباب، ليذهب إلى بلاد أخرى مَن أنهى الدراسات الجامعية ليُحصّل بعض الخبرات والتقنيات، أما التنشئة الأولى ولهذا أنا أركّز في نقطة أساسية أنّه نحتاج في هذه الحقبة سواء في التعليم الحضوري أو في التعليم الرقمي الافتراضي أو السيبراني أن ننتبه لمسألة هي ربط التربية بالتنشئة بالتعليم المقاومة الأولى للحرب الناعمة هي الربط بين تحصيل العِلم مع التربية والتنشئة.

يحيى أبو زكريا: تذكّرني بجان بول سارتر الذي يقول في تعريفه للاستعمار الجديد كانوا يبعثون الدبابات إلى إفريقيا والجزائر وغيرها، اليوم يستقطبون الأنتلجانسيا الأذكياء فيكوّنونهم في السوربون ويرسلونهم كصنّاع قرار في بلادهم.

سنواصل بُعيد الفاصل إن شاء الله.

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم فابقوا معنا.

 

المحور الثاني:

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد عصر الحروب الناعمة ذلكم هو محور حلقتنا من برنامج أ ل م.

دكتور محمّد هدير ضيفي البروفيسور أسعد سحمراني متفائل بأنّ الأمَّة مُحصّنة، لكن الواقع كما أرى ويرى غيري أنّ القلاع دُكْدِكَت والجغرافيا استُعمِرَت والوعي العربي لا نقول وصل إلى الدَرك الأسفل من النار، بل هو في الطبقة السابعة من جهنّم وبئس المصير. هل هنالك بالأساس وعي عربي للتصدّي للحروب الناعمة؟

محمّد هدير: والله أنا أوافق ضيفك الكريم عندما يكون مُتفائلًا جداً لأنّه عبر التاريخ تعلّمنا فعلًا يصل الإنسان إلى مرحلة الانحطاط ومرحلة الاندثار، لكن الإنسان المُتشبّع بالدين الإسلامي أو الإنسان العربي لنا أمثلة في التاريخ قوية جدًا، والدليل على ذلك أنّ ما مرّت به الحضارة الإسلامية في دولة المماليك هو عبد مملوك قطز الذي حرَّر وانتصر في معركة عين جالوت، وكان مملوكًا من التتار. هذا أكبر دليل على أنّه مهما وصلنا من هذا الانحطاط ومن هذا الاندثار إلا أنّه سيكون هناك جيل مُتحصّن بالثقافة التاريخية الموجودة لأنّه نمتلك إرثًا، والإرث هذا غير موجود في هذه الحضارات التي تحاول أن تروِّج لثقافة مُزيَّفة وحضارة مُزَّيفة من حقوق الإنسان ومن إعلام ومن منتوج  مخدوع. وهذا المنتوج الذي فعلًا نحن نعاني منه، لماذا؟ لأنّنا لم نُنتج محتوى حقيقي يسوِّق للحضارة العربية الإسلامية التي كنّا عليها. وبالتالي الصراع كان صراعًا من هذا النوع لأنّ هذه الوسائل التكنوولوجية الحديثة هي نعمة، ولكن النقمة أنّنا لم نكن في مستوى الإنتاج الذي يقاوِم الغزو القادم، وكما يقول رالف نلتون كل الثقافة القادمة ستقاوم من طرف الثقافة المحلية، وإن فشلت الثقافة المحلية ممكن أن تتأقلم مع الثقافة الغازية، ولكن عندما تمتلك المقومات ستثور الثقافة المحلية. ورأينا ذلك مثلًا في فيلم  “the last soemary”كيف السمورائيون حافظوا على ثقافتهم ببقاء رجل واحد في المنطقة استطاع أن يكبح هذه الثقافة الغازية، وبالتالي الأمل موجود وكل هذه الخيارات هجرة الأدمغة التي استقطبت من جهة الدول الغربية وأصبحنا الآن خزّاناً. اللبنانيون الآن موجودون في كل دول العالم يتّخذون قرارات كبيرة في شركات كبرى، ولهم أدمغة تفوق العقل الغربي، هذا أمل جديد على أنّ مهما كانت هذه الاستقطابات من دول غربية سواء من الولايات المتحدة الأميركية كما ذكر ضيفك بأنّها كانت تقدّم مِنَحًا للطلبة، ولكن في النهاية دائمًا يبقى هذا المفكّر العربي الأصيل عقله مرتبط بالوجدان الوطني، وأنا كنت من الناس الذين عايشوا في الولايات المتحدة الأميركية كيف نلتقي بالجالية العربية والجالية المسلمة التي كانت تعمل في جامعات كبرى مثل الm i t ومثل هارفرد وفي الناسا. ولكن دائمًا عقله وقلبه معلّق بالدولة الحبيبة الدولة الوطنية هي لبنان، الجزائر، الصومال، السودان، تونس، والمغرب.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد ما أجمل الشعر العربي، وما أجمل النثر العربي، وما أجمل الكلمة العربية، لكن هذه العقول العربية في خدمة النهضة الأوروبية الغربية الأميركية. يا سيّدي هذه العقول ساهمت في تقدّم النموذج الغربي، ولا علاقة لها بالعالم العربي، وكلّهم ممنوعون من دخول أوطانهم تقريبًا، أقلّهم لا يمتلك جواز سفر للعودة إلى وطنه. ثانيًا تحدّثت عن قطز هل استطاع قطز اليوم أن يمنع من تطبيع أربع دول عربية مع الكيان العبري والحبل على الجرّار والتطبيع والسقوط والانبطاح؟ أين قطز اليوم في عالمنا العربي؟

محمّد هدير: ولكن أستاذ يحيى هناك آلاف من قطز الصامتين الذين غيّبتهم سياسة حكّام العرب الذين لا يمتلكون قدرة التفكير وقدرة الاختراق، ولكن أنا متأكّد ومتفائل جدًا بأنّه سيظهر هناك من بين الناس الذين عاشوا في المهجر ويمتلكون هذه اللغات التي تعلّموا بها سيأتي التغيير من هؤلاء، وليس من هؤلاء الحكّام الذين الآن نراهم يهرولون نحو التطبيع لأنّ المواطن العربي هو الآن مواطن ذكّي، مواطن مُتأثّر بهذه التكنولوجيا يعرف الرَقْمنة، يعرف الدراسة، يعرف التاريخ، ولكن في التطبيق هناك حكّام يمنعون من ذلك. ولكن الموجات القادمة السنين القادمة ستكون هناك موجات عقلية هناك موجات من التفكير الجماعي الذي سيضرب هذه الحدود الموجودة بين تونس والجزائر والمغرب وبين دول الخليج لأنّ المواطن العربي الآن وصل إلى الحضيض عن طريق القرارات السياسية غير العادلة من هؤلاء الحكّام الذين يرون بأنّ فلسطين تُذبَح، ولكن هناك تطبيع مباشر، هذا التطبيع لم يكن عن طريق الاستفتاء لو كان عن طريق الاستفتاء أو عن طريق الانتخابات نقول هناك الشعوب العربية صلّي عليها لأنّها انتهت، ولكن طالما هذه القرارات هي فوقية سياسية تبقى الشعوب هي التي تصنع الحَدَث وتصنع الحضارة، وسيكون هناك من الشُرفاء الذين سيُغيّرون التاريخ لأنّ  المواطن العربي أو الإسلامي هو مواطن مُثقّف، هو مواطن يُدرِك هذه الأشياء. هناك غضب من تصرّف الحُكَّام العرب، هناك غضب صامت لأنه لا يمتلك القوّة لا يمتلك القدرات كيف يُغيّر، ولكنّه في قلبه متألّم هذا الألم سيتحوّل إلى انتصار في الحقيقة والأدلّة التي ذكرت هي أكبر دليل على ذلك.

 عندما يصل بالإنسان حتى علماء الاجتماع يقولون بأنّ المجتمع عندما يصل لهذه الدرجة من الانحطاط ومن الغياب للرؤية ومن التقهقر تكون هناك نهضة على آخر جمجمة تكون هناك نهضة، والدليل على ذلك رأيناه في دولة الموحّدين في دولة الجزائر، الاستعمار كان عُمره 130 سنة. الجزائريون الذين ولِدوا أثناء الاستعمار كانوا يرون بأنّ الجزائر فرنسية، ولكن سنة 1954 ظهر شباب ليس لهم مستوى ثقافي لم يكونوا مُتخرّجين من أكبر الجامعات من هارفرد، ولا من السوربون ولكنّهم أحدثوا زلزالًا في شمال إفريقيا.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد هدير عندما أتابع اجتماعًا لرئيس الحكومة الجزائرية الموقّر مع وزرائه، وهو يتحدَّث إليهم بالفرنسية والوزراء يتحدَّثون بالفرنسية هذا قبل أسابيع قليلة. والله بكيت بدل الدمع دمًا عبيطًا على مليون ونصف مليون مجاهد جزائري.

إذًا نحن عندما نتحدَّث عن الانتصار على الاستعمار والحرب الناعمة يجب أن نبدأ من اللغة انطلاقًا من العقل، انطلاقًا من الثقافة، كيف أنا أدلي بخطاب باللغة الفرنسية أمام شعب يؤمِن بالعروبة والأمازيغية.

دكتور أسعد سحمراني صدقًا أحلامنا كبيرة وآمالنا كبيرة ولولا وعد الله لنا بالانتصار والغَلَبة في آخر المطاف والتمكين لدولة المُتّقين لقلنا السلام على هذه الأمّة في الأولين. لكن عندما تدقّق دكتور أسعد وأخالك واحدًا من كبار الخبراء العرب في الأجيال العربية الراهنة المعاصرة، بمُجرَّد أن يمتلك الشاب العربي هاتفًا ذكيًا يلج إلى عوالم ثقافية لا تمتّ بصلة إلى واقعنا. يا سيّدي الشباب العربي يؤمِن بالتويتر، وفايسبوك، وانستغرام، ويؤثّر عليه أكثر مما تؤثّر عليه خطبة مسجدية أو كلمة لشيخ هنا وشيخ هناك، فهنالك انجذاب مغناطيسي إلى ثقافة العَوْلمة والكوكبية. أنظر برامج العرب مثلًا في القنوات العربية أطفال عرب يؤدّون أغان غربية بطلاقة ويتكلّمون الإنكليزية بطلاقة حتى كتاباتهم الإنترنتية باللغة الأجنبية. إذا ضاعت اللغة ضاعت الأمّة، أليس هذا مصداق كبير للضياع؟

أسعد سحمراني: نحن نوافق معك، لكن أخي العزيز مهلًا على الجيل وأنا اشتغل في التربية وقبيل مما يتابعنا الآن لذلك أنا مررت بكلامي أن نستثمر بالتربية بداية، ونحن مع هذه التقنيات المعاصرة تقنيات وسائل التطبيق والاتصال أو تقنيات الشبكة البينية الأنترنت شرط أن نؤمّن المادة المعرفية التي تحصّن شبابنا، بدل أن نترك صفحاتنا فارغة ليملأها الآخرون. هذا الكوب عندما يبقى فارغًا سيملأه غيري، لذلك من هذا المنطلق نحن ندعو ودعونا من سنوات لأن يهبّ مثقفونا وأدباؤنا وعلماؤنا لكي نملأ هذه الصفحات كي عندما يدخل أولادنا وتدخل الأجيال إلى هذه الوسائل يجد المادة الكافية الشافية الوافية. من هذا المنطلق أنا قلت في كلامي التعليم الحضوري والتعليم الافتراضي ونحن في الآونة الأخيرة كانت لنا ندوة مع منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة الإيسيسكو، وتحدّثت عن هذا بإسهاب وليس وقته الآن. لكن أقول يا عزيزي واجبنا الآن أن نرشد استخدام التقنيات المعاصرة لكي تكون وسيلة وأداة بيدنا بدل أن تكون علينا. وهذا أمر سهل لأنّه كما فعلنا مع قبيل من شبابنا درس في جامعات الغرب المنتشرة عندنا أو عندهم، لكنه هو الآن وفي السابق كان وسيبقى من قيادات المقاومة والعمل الوطني. أنت لو نظرت الآن في قيادات المقاومة من الجزائر إلى فلسطين إلى لبنان إلى العراق إلى مصر إلى أية دولة عربية أخرى من مئة سنة إلى الآن تجد أنّ مئات وآلاف منهم تخرّجوا من جامعات أجنبية، لكنهم قلبوا السحر على الساحر لماذا؟ لأنّ المخزون الحضاري الذي تكوّنت منه ثقافته عندما رضع من ثدي أمّه إيمانًا وخلقًا وقِيَمًا ومقاومة هذه لم تغادره، عندما يجلس في صفوف أخرى والدليل أحد الأسماء مالك إبن نبي درس في فرنسا، لكن هو كان مقاومًا وصنع مشروع النهضة كمشكلات الحاضرة المقاومة الفلسطينية. لن ندخل في الأسماء الآن عدد كبير ممّن قضوا نحبهم، أو ممّن ينتظرون تخرّجوا من الجامعة الأميركية في بيروت قيادات من العمل الوطني في لبنان والمقاومة درسوا في فرنسا وبريطانيا وأميركا، إذًا ليس عيبًا.

يحيى أبو زكريا: صحيح، دعني أقول مقولة الشهيد الجزائري مولود فرعون رحمة الله عليه مولود فرعون قتله الفرنسيون في بداية 1962 قبل الاستقلال بقليل قيل له يا مولود لماذا تكتب بالفرنسية؟ قال أكتب بالفرنسية لأقول للفرنسي أنني لست فرنسيًا؟

أسعد سحمراني: تمامًا حتى أنا أقول لك تعلم لغة الأقوام الأخرى نحن عندنا حديث نبوي شريف مَن تعلّم لغة قوم أمن مكرهم، وفي متن آخر أمن شرّهم، لكن نحن الآن علينا أن نرشد أجيالنا متى نستخدم اللغات الأخرى ومتى نستخدم لغتنا. إنّما الأنموذج من بعض الشاشات أقول لك من جديد هو أنموذج متعمّد هم يستحضرون ويستولدون إلى شاشاتهم بعض المُصنّعين، لكن حتى في بلاد صنعت صلحًا أو تطبيعًا لنأخذ مثلًا الآن جمهورية مصر العربية فيها اتفاقية معسكر داوود من سنة 1979، لكن هل هناك تطبيع في مصر، المملكة الأردنية الهاشمية هل هناك تطبيع عند الشعب وعند الناس؟ هذا كلام يجب أن ننتبه له جيدًا هناك حاكم قد يتآمر أو ينفرد، كما أنّ هناك اختراقات أخرى يا عزيزي نحن الآن المقاومة في كل أطيافها كانت وستبقى تخترق مجتمعاً حتى العدو الصهيوني ونستقطب بعض قادته يعملون لصالحنا.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

أسعد سحمراني: وهم مستعمرون لأرضنا وبلادنا، لكن هل استطاعوا أن يحتلّوا إرادات الناس. قل لي الآن في فلسطين حتى شبابنا الفلسطيني المقيم في الخارج هو أكثر حماسًا وتمّسكًا بكوشان عقاره وبمفتاح بيته من أيّ فلسطيني خرج سنة 48 نحن في لبنان عندنا. هنا إذا قارنا المقاومة اليوم والمقاومة في 48 أو سنة 60 نجد أنّها تقدّمت. لذلك أنا من هنا ما بنيت تفاؤلي على فراغ بنيت تفاؤلي على مُرتكزات موجودة في شارعنا واجبنا أن نعزّزها، نعم أن نعمل عليها أكثر نعم أن نحصّن الأجيال بلقاحات فكرية وثقافية وإيمانية وخلقية، نعم، لكن أن نحبط ونيأس نحن نقول بعبارة واحدة لا يأس مع الإيمان، ولا قنوت مع الإيمان.

يحيى أبو زكريا: لا يمتلك منطقك إلا جرّ منطقي إليك ذكّرتني بفتاة جزائرية عندما حانت المئوية الأولى لاستعمار فرنسا للجزائر فرنسا احتلت الجزائر سنة 1830 سنة 1930 أقاموا احتفالًا ضخمًا في الجزائر العاصمة بحضور الحاكم الفرنسي وهيّأوا فتاة جزائرية لتلقي خطابها باللغة الفرنسية الرقيقة في زعمهم فتقدّمت هذه الفتاة الجزائرية أمام الحاكم الفرنسي وأعوانه فبدأت الحفل بقولها باسم الله الرحمن الرحيم، فقال الحاكم الفرنسي لقد دكدك مشروعنا في الجزائر. وهنا الأمل وهنا الأمل دكتور محمّد هدير رغم أنّنا لا نمتلك تلك الفضائيات القوية في الوعي وجزى الله خيرًا الميادين حيث حملت لواء التنوير في العالم العربي والإسلامي، ولا نمتلك أيضًا منصات إلكترونية قوية ولا غرف أمنية سيبرانية إلكترونية، ولا جيش الذباب الإلكتروني نحن يجب أن نؤسّس للجيش الملائكة الإلكتروني إن شاء الله. لكن مع ذلك يوجد أمل، لكن ماذا لو نظّمنا أنفسنا وجمعنا طاقتنا وأرخينا العنان لعقولنا أما كنّا أيضا سننتصر مثلما انتصرنا في كل الجبهات؟

محمّد هدير: طبعًا هذا هو أملنا الوحيد لأنّنا نمتلك كل المقاومات الدينية والتاريخية واللغوية بالرغم من أنّ هذا التهافت على اللغة العربية إلا أنّها لحد الآن تبقى اللغة العربية أغنى لغة في العالم حيث تجاوزت مفرداتها 32 مليون مفردة بالرغم من كل هذا التنوّع التكنولوجي، وهذه الفضائيات والأمر الثاني كما قال ضيفك الكريم هو التركيز على التربية، هناك تربية كذلك محاولة لتوسيع ونشر هذا الوعي والحمد لله هناك قبول لأنّه كلّما زاد الأمر تعفّناً، هناك مَن يريد أن ينهض وهناك مَن يريد الآن أن يُغيّر هذا الواقع المرير. وبالتالي لنا هذه الحضارة التي أريد أن تغيب منّا، ولكنّها ستفيق يومًا من الأيام، ولذلك وعينا موجود وحضارتنا لا يمكن أن تُمحى بمُجرّد قلم أو بفضائية، والدليل على ذلك هذا ندرسه دائمًا في الجامعة كنموذج بقناة المنار كيف أدارت الحرب سنة 2006 بين حزب الله وبين إسرائيل قناة المنار اعتمدت على استراتيجية قول الحقيقة، وهذه الحقيقة لم تكن في هذا الإعلام المُزيّف الذي كان يُزيّف الواقع، وكان يريد غسل العقول وكان يريد السيطرة على العقول بأنّ هذه إسرائيل لا تُقهَر لأنّها تمتلك تكنولوجيات، وتمتلك أسلحة كالمركافا، ولكن قناة المنار استطاعت أن تظهر للعالم وللرأي العام العربي والإسلامي بأنّ هذه التكنولوجيا تدمّرها قوات حزب الله. وبالتالي الحقيقة تستظلّ بالقلّة، ولكنّ هي حقيقة ستنتصر الحقيقة على التزييف مهما كانت هذه الفُقاعة الكبيرة التي تسيّرها العقول التي من وراء البحار لأنه دائمًا سيكون الانتصار للحق والحقيقة.

يحيى أبو زكريا: دكتور أسعد إذا استطعنا أن نلخّص الحرب الناعمة نقول ما يلي إنّ كلّ عوامل القوّة في هذه الأمّة سعوا لاحتوائها وكل عوامل الفرقة والتبعثُر سعوا لإبرازها فكيف نتصدَّى إذًا؟

أسعد سحمراني: في الحقيقة نحن أقول أولًا تصدّينا لأنّه نقول كيف نتصدّى كأنّه لم نتصدّ في السابق فلننظر نحن الآن في واقع الأشقاء والأحبّاء في العراق عندما دخل المحتل الأميركي وصنع الفتنة المذهبية أين هي الفتنة المذهبية الآن؟ عندما حاولوا في لبنان.

يحيى أبو زكريا: تعتبر أنّ الفتنة في العراق تبعثرت؟

أسعد سحمراني: ليس فقط تبعثرت قُبِرَت حتى.

يحيى أبو زكريا: الحمد لله.

أسعد سحمراني: عندما حاولوا أن يصنعوا كيانات طائفية ومذهبية في لبنان من 75 إلى 90 وحاولوا بعد العام 2005 ألم ندفن كل هذه المشروعات بوعينا وقد تجد بعض الهَمْس هنا وهناك لكن قد حوّلنا متاريس بين بعضنا؟

يحيى أبو زكريا: لكنّ السِجال مازال مستمرًا.

أسعد سحمراني: لكنّ هذا السِجال هو مُخترَع في بعض شاشاتهم أقول لك لكنّه على الأرض الواقع هو غير موجود وإذا رغبت نتحدَّث بحلقة خاصة عن هذا الموضوع.

يحيى أبو زكريا: بحول الله وقوَّته.

أسعد سحمراني: الشارع الفلسطيني كان هناك شيء من النزاع على الظاهر من فوق أنا أعلم وأهلي الذين يسمعوني الآن في الداخل الفلسطيني يعلمون في كل مواجهة مع العدو في الضفة أو في غزَّة أو في القدس كانت كل أطياف المقاومة الفلسطينية تقاوم مع بعضها وكان الشهداء والجرحى والأسرى من كل الفصائل. واليوم وبحمده تعالى التقوا وأعتقد اليوم هناك اجتماع في بيروت ليلتقي الجميع.

يحيى أبو زكريا: صحيح.

أسعد سحمراني: إذًا في الحقيقة الوحدة غالِبة، الإيمان غالِب، المقاومة غالِبة، الإرادة غالِبة، وكل هذه الأدوات والوسائل ستنهزم لأنّها هي من صنع الإنسان فما صنعه الإنسان يهزمه الإنسان يهزمه بإرادته، بفكره، بإيمانه كما هزمنا تقنياته في مرات سابقة.

إذًا كيف نتصدَّى نحن تصدَّينا ونقول من جديد علينا أن نبرز دور علماء الأمَّة الذين هم يتجاوزون التطيّف والتمذهب للكلام بالمواطنة، للكلام بالوحدة، وهذا لا يعني إلغاء لمذهب أو لفكر أو لطائفة مُعيَّنة، لكن هو يعني المحبّة نجتمع تحت سقفها وإن تنوّعنا وإن تفاوتت آراؤنا وتباينت لأن هذا العدو يستهدفنا جميعاً العدو الصهيوني في عام 2006 عندما قصف في لبنان قصف في غزير، وفي عكار، والهرمل كما قصف في بنت جبيل ومارون الرأس وهذا دليل وحدوي ساطع لذلك هذه الغربان الناعِقة الآن بعد كل حادثة تنعق الآن في بيروت نحن نُعزّي من جديد وعبر شاشتكم ضحايا انفجار المرفأ ونواسي الجرحى ونتمنّى لهم الشفاء العاجل، لكن أقول لهم في كل موقع قصفه العدو في 82 أو في 2006 قصف بقدر ما ذهب بالمرفأ بأضعاف يتذكّروا مجزرة صبرة وشاتيلا مثلاً كم كان ضحايها هل هزمت الأمّة هذه المذبحة لذلك نقول يا جماعة دير ياسين هزمت الأمّة نحن باقون لأن هذه الأرض أرضنا والشعب شعبنا والدين ديننا والقدس قدسنا والمقاومة هي سلاحنا ونهجنا.

يحيى أبو زكريا: تريد أن تقول إنّنا انتصرنا في الحروب الناعمة، لكن ماذا عن المصداق التطبيعي الأخير بين الكيان العبري والخليج؟

اسعد سحمراني: هذا لن يؤدّي إلى شيء بدليل بسيط جدًا عزيزي أنا أعطيت نموذجاً بجمهورية مصر العربية وبالمملكة الأردنية الهاشمية حيث هناك اتفاقيات سلام وصلح، لكنّها لم تصنع سلامًا ولا صلحًا ولا تطبيعًا. فهؤلاء الذين طبّعوا مؤخّرًا هم عاقّون أولًا لآبائهم ليتذكَّروا تاريخ الشيخ زايد إبن نهيان، وأنا عايشته ونعرف ماذا قدَّم للقضية الفلسطينية كلّ إنسان منا بكلمة واحدة أقول لك إن كان مؤمنًا مقاومًا بكل الحروب عن أمّته من أجل تحرير إرادة الناس والإنسان قبل تحرير الأرض وتحرير الأرض في ما بعد سيكون في صفحات التاريخ الناصِعة، والآخر له سلّة المهملات في التاريخ.

يحيى أبو زكريا: والتاريخ لا يرحم أحدًا. دكتور محمّد هدير الفيلسوف الكبير مالك إبن نبي رحمة الله عليه في كتابه "مشكلة الأفكار" يقول إنّ الانتصار في المجال العقلي والفكري هو الذي سوف يُحدّد البوصلة النهضوية المستقبلية. هل لدينا إمكانية أن ننتصر على مستوى العقل والأفكار؟

محمّد هدير: أنا جدًا مُتفائل لأنّه بالرغم من كل ما وصلنا إليه، وكلّ هذه الفضائيات ووسائل التواصُل الاجتماعي إلا إنّ هناك فكراً ينمو ويكبر يومًا بعد يوم كلّما تكون هناك أزمة، وكلّما تكون هناك صدمة مثل التطبيع الأخير وأيقظ الشعور لدى كثير من الناس الذين كانت لهم ربما غفلة أو كان لهم فكر موجّه نحو الانغماس في هذه الحضارة، ولكن كلّما صارت هناك أزمة من هذه الأزمات السياسية إلا وزاد توحيدًا في الفكر، والدليل على ذلك أستاذ أبو زكريا أنت مُتتبّع الحركة الوطنية في الجزائر الاندماجيين في وقت الاستعمار الفرنسي كيف كانوا يفكّرون، ولكن لما حدثت حادثة الحرب العالمية الثانية سنة 1945، وكيف عامل الاستعمار الفرنسي الجزائريين الذين كانوا تطوّعوا في الجيش الفرنسي كانت نقمة على فرنسا لأنّ فعلًا هذه الحادثة أيقظت الشعور، وهذا ينطبق على الدول العربية هناك نُخَب صاعِدة من السودان إلى لبنان، ولكن مُهمّشة عن طريق قرارات سياسية وعن طريق فشل ذريع للحكّام، ولكن الفكر ينمو يومًا بعد يوم نحو الوحدة ونحو إزاحة هذا الاستعمار الفكري والثقافي.

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد وأذكّرك بالمؤتمر الصحافي الذي عقده الجنرال لاكوست ذبّاح الثورة الجزائرية، وهو يغادر الجزائر صاغِرًا مُرتَعبًا مصفوعًا قال له الصحافيون الفرنسيون سيّد لاكوست لماذا انهزمتم في الجزائر كفرنسا وحلف أطلسي؟ قال وماذا أفعل إذا كان القرآن أكبر من فرنسا في الجزائر؟ وانتصر القرآن وانتصرت الجزائر دكتور محمّد هدير من الجزائر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك البروفيسور المُفكّر العربي أسعد سحمراني من لبنان الحبيب وقاه الله من كل سوء شكرًا جزيلًا لك. مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدًا ودائعه.