الأحزاب السياسية في لبنان... والدولة

ما هو واقع الأحزاب ودوافع التحزب في لبنان؟ أين الأحزاب من الديمقراطية والهوية والمشروع الوطني؟ وأي علاقة بين الأحزاب والطائفية؟؟ برامج العمل لدى الأحزاب اللبنانية، المسائل الفكرية فيها والسعي نحو السلطة...

 

المحور الأول: 

غسان الشامي: أحيّيكم، السؤال الأصعب هل نحن شعوبٌ يمكنها أن تتحزّب من دون أن تقتتل؟ هذا السؤال مشروع لأن لبنان شهد الأحزاب منذ إنشائه قبل مئة عام لكنّها منفردة ومجتمعة فشلت في إنشاء دولةٍ حديثة، يبلغ عدد الأحزاب في لبنان 166 حزباً، 85 منها رُخّص لها بين 2007 و2017 ما شاء الله، وجميعها تخضع لقانونٍ "عثملّي" يعود إلى العام 1909، بعضها يضمّ رجلاً وزوجته ومرافقه، وبعضها عابرٌ للطوائف، وبعضها عائلي وراثي والحبل على الغارب، وربّما قلّد اللبنانيون أمّهم الحنونة التي تضمّ 408 أحزاب لكن 25 منها فقط في البرلمان، ولم يقلّدوا ألمانيا التي يعمل فيها 15 حزباً أو أميركا خمسة أحزاب. عن الأحزاب والدولة والمُرتجى سنحاور الباحثة السياسية رانيا حتّي، المحامي هشام الخوري حنّا، والمترجمة والناشطة السياسية فائقة مزرعاني، والأستاذ في التعليم الثانوي حسان زيتوني بعد تقريرٍ عن الأحزاب في لبنان.

تقرير:

يوجد في لبنان نحو 166 حزباً واكبت في تكوّنها وتطوّرها الحقب الأساسية التي مرّت بها الدولة بدءاً بنهاية الاحتلال العثماني فالانتداب الفرنسي وحتى مرحلة الاستقلال الوطني، ومن ثم اندلاع الحرب الأهلية عام 1975.

وتكاثرت بشكلٍ لافتٍ بين الأعوام 2007 و2017 وهي تتنوّع بين الأيديولوجي الأممي أو القومي والوطني والديني والمناطقي وحتى العائلي، وتعمل سياسياً واجتماعياً لاستقطاب المُحازبين.

كان الجيل الأول من أحزاب لبنان إبّان عهد الانتداب أشبه بالكتل السياسية ومنها مَن تجاوز عقائدياً حدود لبنان، فيما بقي الجيل الثاني في ظل دولة الاستقلال أكثر تنوّعاً وأوضح تعبيراً عن الواقع السياسي والاجتماعي والأيديولوجي في لبنان والجوار، بينما انتقلت أحزاب الجيل الثالث خلال سنوات الحرب الأهلية من العمل السياسي إلى العمل العسكري، وخاضت حروباً شرسة في ما بينها. 

عُرِف الجيل الأخير بالهشاشة السياسية والفكرية رغم بعض المظاهر الحداثوية.

بقي العديد من هذه الأحزاب مُستنداً بصورةٍ مباشرة أو مُبطّنة إلى قاعدةٍ طائفية أو مذهبية أو إقطاعية، وبقيت الأحزاب القومية والوحدوية رغم الانكفاء السياسي أو الشعبي، وظهرت تشكيلات حزبية إسلامية. 

تختلف المعايير التي تصنّف الأحزاب اللبنانية إلا أن الطائفية تبقى السِمة الأساسية في تكوين أغلبها، ما جعل أحزاب البلد طوائف وجزراً معزولة والمجتمع منقسماً والدولة هشّة.

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، أستاذة رانيا حتّي أريد أن أسألكِ كيف برأيكِ تنبثق الأحزاب في لبنان؟ وإذا كانت 165 علامَ تدلّ هذه الكثرة كما قلنا ما شاء الله؟   

رانيا حتّي: أولاً يجب أن نعرف أن الأحزاب لا تنشا إلا في نظامٍ ديمقراطي لأن الأنظمة الديكتاتورية أو التوتاليتارية أو النظام المَلكي لا يوجد فيها أحزاب، أما في النظام الديكتاتوري هناك الحزب الواحد، الحزب الحاكم هو مَن يسيطر على الدولة. النظام الديمقراطي توجد فيه تعدّدية حزبية مهما بلغ عدد الأحزاب، إذا كان هناك أكثر من حزبين يُعتبر المنتظَم الحزبي تعدّدياً، وإذا برز حزبان مثل الولايات المتحدة، الحزب الجمهوري والحزب الديمقراطي تُعتبر هناك ثنائية حزبية، إذاً كثرة الأحزاب تدلّ على الديمقراطية.   

غسان الشامي: لبنان ديمقراطي؟

رانيا حتّي: بالتأكيد، لبنان بطبيعته بلد ديمقراطي.

غسان الشامي: كيف؟ 

رانيا حتّي: الديمقراطية هي حرية التعبير، حرية المُعتَقد الموجودة في الدستور، أما إنشاء الأحزاب في لبنان فنحن نعرف أن العام 1920 شهد إنشاء دولة لبنان الكبير، ما قبل إنشاء دولة لبنان الكبير كان هناك حزب الطاشناق الذي هو أقدم حزب موجود في لبنان منذ العام 1800 تقريباً، ونحن نعرف أن الأرمن وُجدوا في لبنان... 

غسان الشامي: ولكن القضية هي كيف أن هذه الأحزاب ال 165 هي نتاج الديمقراطية، أحزاب منها عائلية ومنها غير عائلية؟

رانيا حتّي: الأحزاب على أنواع، في العِلم السياسي هناك الأحزاب الأشخاص والأحزاب الجماهيرية والأحزاب الشعبية، وهناك الأحزاب العقائدية والأيديولوجية. يقول موريس دوفرجيه: "نشأة كل حزب تحمل بصمته"، على سبيل المثال منذ السبعينات وصاعداً نعرف كيف نشأت الأحزاب ولكنها لم تنشأ كأحزاب سياسية وإنما كميليشيا، الميليشيا في العِلم السياسي هي حزب يحمل البندقية، يحمل السلاح، له عَلَم مُعيّن، منظمة غير حكومية بشكل ميليشياوي أي إنه يحمل السلاح للوصول إلى السلطة عبر العنف، مثلاً الحزب الفاشي والحزب النازي هما ميليشيا، الميليشيا اخُترعت من الفاشية أو بالأحرى الفاشية اخترعت الميليشيا. نحن لدينا الأنواع الحزبية، هناك أحزاب نشأت كميليشيا وتحوّلت إلى أحزاب سياسية، وهناك أحزاب سياسية نشأت كحزبٍ سياسي وبقيت هكذا.  

غسان الشامي: بعيداً عن تعريف الأحزاب في عِلم السياسة ولكن هذا التعريف يقول إن الأحزاب هي مجموعة مُتجانِسة تحمل فكراً ما، مشروعاً ما لتحقيق شيء ما، في السياسة الحقّة سيّدتي يقولون إنه كلّما تعدّدت الأحزاب كلّما كانت السياسة مُنتِجة، ولكن على هذا المقياس في لبنان كلّما تعدَّدت الأحزاب لم يكن هناك إنتاج في السياسة، علامَ يدلّ هذا؟ 

رانيا حتّي: ذكّرتني بقولٍ لألكسي دوتوكفيل: "الأحزاب هي شرّ أو مرض في الدولة للحُكم الحر" أي أنها تعيق الحُكم الحرّ، نحن نعتبر أن الأحزاب هي صحّة في المجتمع ولكن في لبنان الأحزاب بأغلبيّتها هي أحزاب طائفية مذهبية، تأخذ الطابع المذهبي حتى لو أنها ذات مضمون عِلماني، ولكن دائماً يُشار إلى الحزب على أساس هويّته الثقافية، هل هو حزب مسيحي، سنّي، شيعي، هذه الأحزاب بهذا الشكل تُنتِج مُعضلة في لبنان وتخلق نوعاً من المشاكل لأنه وفقاً للقانون الانتخابي يقوم الناخب باختيار مرشّحي الأحزاب، ومرشّحو الأحزاب يصلون إلى السلطة والبرلمان. إذا أخذنا قانون الانتخاب النسبي فهناك هذه التعدّدية الحزبية وسينشأ لدينا برلمان يضمّ كتلاً نيابية وهنا تظهر المُعضلة لأنه وفقاً لنظامنا البرلماني فإن البرلمان حسب الاستشارات النيابية هو الذي يُشكّل الحكومة، فإذا كانت هذه الأحزاب غير مُتجانِسة ومختلفة في الاتجاهات الفكرية أو الدينية فإنها ستخلق مشكلة وتبدأ المُحاصَصة الطائفية وهنا نصل إلى المشكلة.

غسان الشامي: أعتقد أنه يجب أن نُعمّق هذه الفكرة بالمُحاصَصات بما يُسمّى بالديمقراطية التوافقية وهي غير موجودة في أي مكان آخر في العالم.

رانيا حتّي: موجودة في دول أوروبا وقد استُحدِثت منذ السبعينات وصاعداً، وهناك الديمقراطية التشارُكية التي ابتكرها جيرارد هارت. 

غسان الشامي: نعم ولكن المُحاصَصة على القاعدة الوطنية وليس على القاعدة الطائفية.

رانيا حتّي: بالتأكيد.

غسان الشامي: أستاذ هشام الخوري حنّا هل لديك تعليق على ما قيل؟  

هشام الخوري حنّا: نعم حضرتها قالت إن كثرة الأحزاب في لبنان هي دليل على الديمقراطية ولكن أين الديمقراطية والبلد مُشلّع طائفياً ومذهبياً لأنه ليس لدينا أحزاب بالمفهوم السياسي العام للأحزاب، هي أحزاب طائفية والطائفية تتناقض مع الديمقراطية، الديمقراطية تحفّز على الانتماء الوطني، حين يكون هناك انتماء وطني يمكننا الذهاب نحو الديمقراطية وممارسة كل إنسان لحريّته التي حماها الدستور اللبناني، ولكن أين الديمقراطية في لبنان والأحزاب طائفية، ونحن نعلم أن الطائفية تُقسّم البلد وتُشلّعه وتُبْعِد المواطن عن انتمائه لأرضه ووطنه.

غسان الشامي: دعني أسألك ما العبرة من تجارب الأحزاب في مئة عام؟ هل تعثّرت هذه التجارب؟ وإذا تعّثّرت لماذا برأيك من خلال تجربتك؟

هشام الخوري حنّا: على مدى فترة طويلة من الزمن، 100 عام كثرت الأحزاب في لبنان وهي أحزاب طائفية، مذهبية، عائلية، فردية، عشائرية، قبلية، لم تكن تحمل أية مشاريع، والمشاريع يجب أن تكون مشاريع وطنية لا بل بالعكس كانت مشاريعها طائفية، لم تحمل الهدف الذي وضعته لتحقيق الأنسب والأجمل من أجل المجتمع. 

غسان الشامي: هل هذا هو السبب في تعثّرها مثلاً؟ هل تعثّرت لأنه ليس لديها مشاريع وطنية مثلاً؟

هشام الخوري حنّا: نعم لأنه لم تكن لديها مشاريع وطنية، كانت مشاريعها طائفية وحتى الأحزاب العقائدية الثقافية التاريخية اصطدمت بالجدار الطائفي ولم تستطع تحقيق المشروع الذي كانت تُنادي به.

غسان الشامي: ألم تدخل هذه الأحزاب في قلب النظام الطائفي؟ بدلاً من أن تكون أحزاباً فكرية عقائدية خضعت للسائد العام؟

هشام الخوري حنّا: طبعاً، الأحزاب العقائدية التاريخية العريقة دخلت في النظام وتأقلمت وتماشت معه، مثلاً القانون الانتخابي في لبنان هو قانون طائفي، ترى أن الحزب العلماني العقائدي أو الحزب الوطني تعايَش مع هذا القانون وخاض الانتخابات على هذا الأساس، أو في ما يتعلّق بالوظائف ترى أن ممثلي هذه الأحزاب وإن كان عددها ضئيلاً في المجالس النيابية تنادي بالمحافظة على حقوقها وحقوق أفرادها انطلاقاً من حصّة طائفية وليس من حصّة وطنية، حتى بالنسبة للإنماء في المناطق هي تدَّعي في العلن أنها أحزاب عامة وشاملة وأنها تدعو إلى المصلحة العامة ولكنها في الواقع تنادي بالمصلحة الخاصة لقرية أو لمجتمع مُعيّن أو لفئات مُعيّنة في المجتمع. 

غسان الشامي: عادةً أستاذ هشام الأحزاب تستهدف الجيل الشاب، عندنا مَن تستهدف؟ ولماذا يأتي شباب إلى هذا النوع من الأحزاب برأيك؟

هشام الخوري حنّا: الأحزاب في لبنان تستهدف الغرائز وتلعب على غرائز الناس، هي تستهدف كل الفئات وخاصّةً فئات الشباب لأن الشاب لا يمتلك الوعي التام الذي يمتلكه المُتقدّم في السن والذي مرّ بخبرات مُعيّنة، هي تُحاكي عقول الشباب انطلاقاً من غرائز مُعيّنة لتقوّي نفسها طائفياً لأنها بالأصل أحزاب طائفية، هي لا تُحاكي عقول الشباب بل تُثير غرائزهم من أجل تعزيز مواقفها ومواقعها في المجتمع اللبناني، وهذا ما هو حاصل اليوم، لكي تضغط الأحزاب اليوم أو لتسجّل موقفاً مُعيّناً تثير هؤلاء الشباب طائفياً لأننا لا نمتلك الوعي الوطني والانتماء الوطني، الانتماء هو انتماء للطائفة، وحين يكون الانتماء للطائفة تستطيع هذه الأحزاب أن تُجيّش طائفياً من أجل تحقيق مشروعها ومن أجل تحقيق هدف مُعيّن في مجتمعنا اللبناني. 

غسان الشامي: فائقة مزرعاني هل أنتِ موافقة على هذا الكلام؟ 

فائقة مزرعاني: هو صحيح في جزءٍ كبير منه لأن معظم الأحزاب في لبنان لم تستفد من مساحة الحرية الموجودة والتي سمحت بإقامة هذه الأحزاب، في النهاية يتميّز لبنان عن محيطه العربي بهذه التعدّدية في الأحزاب وبهذا السماح في ممارسة هذا الحقّ بعيداً عن الدول العربية الموجودة، لكن للأسف أن الأحزاب اللبنانية لم تستفد من هذه الفرصة ومن هذه المساحة من الحرية التي تسمح لها بالانتشار على مساحة كل الوطن لتقديم مشروعٍ كامل مُتكامِل يشمل جميع الأطراف، بل على العكس هي فضّلت أن تحصر نفسها ضمن إطار ضيّق جداً إما مُتعلّق بالطائفة، إما بالمنطقة، وإما بالعائلة نفسها، وبدلاً من أن تكون الأحزاب هي الوجه الحضاري الذي يمنع الإقطاع أو النظام الإقطاعي الذي كان سائداً في مراحل مُعيّنة جاءت هذه الأحزاب وأعطت وجهاً آخر أو شكلاً آخر من أشكال الإقطاع عبر أحزاب إقطاعية، وصار هناك تأليه لهذه العائلة أو لهذه المجموعة الخاصة بهذا الحزب واعتبارها أنها ستحقّق جميع آمال وطموحات الشعب من دون فتح المجال للآخرين.

غسان الشامي: تحدّثتْ صديقتنا حتّي عن الديمقراطية، ما علاقة هذه الأحزاب بالديمقراطية برأيك؟ 

فائقة مزرعاني: هي كشكل وجود ديمقراطي، كشكل ظاهري أمام الآخرين مُقارنةً بالدول الغربية، إذا قارنّا لبنان بالدول العربية المُحيطة نقول إن هذا النظام ديمقراطي يسمح بهذا المجال الكبير من الحرية، ولكن في أسس هذه الأحزاب وفي أسسها المؤسّساتية هي بعيدة كل البُعد عن الديمقراطية، هي تعطي الشكل العام للديمقراطية ولكن عند دراسة كل الأحزاب اللبنانية وأشكالها فهي مُجرَّد توارث سياسي دائم لا ينتهي ولن ينتهي على مبدأ أنا أو لا أحد، وكأن هذه الأحزاب عند رحيل هذا الشخص سينهار الحزب أو الطائفة، والطائفة بخطر لولا هذا الشخص، صار هناك شَخْصَنة للسياسيين زعماء هذه الأحزاب، إما هذا الشخص أو لا أحد، انقطعت فكرة المشاركة وصار الاقتراب من السلطة إما عبر هذا الحزب وإلا لا أحد، إذا وصلت أنا إلى السلطة فإن باقي الأحزاب لا يجب أن تكون موجودة. 

غسان الشامي: ولكن غاية كل حزب الوصول إلى السلطة.

فائقة مزرعاني: هدف الأحزاب هو الوصول إلى السلطة لتحقيق برنامجٍ سياسي اجتماعي اقتصادي مُتكامِل، الأحزاب في لبنان وصلت إلى السلطة لتحقيق برنامجٍ سياسي وتوقّفت، وأصبح هدف الأحزاب اللبنانية عند الوصول إلى السلطة هو الاستمرار في هذه السلطة حتى وَلَد الوَلَد، والحصول على السلطة بكافّة المجالات من دون النظر إلى تحقيق إنجازات اقتصادية واجتماعية للفائدة العامة، أصبح هدفي هو كيفية الاستمرار في هذه السلطة فقط. 

رانيا حتّي: صحيح إننا في بيئة ديمقراطية وهناك تعدّدية حزبية ولكن الممارسة داخل الأحزاب تنحو صوب الأوليغارشية، يقول متشز "إن كل تنظيم حزبي ينحو إلى الأوليغارشية"، ولكنه أيضاً يناقض هذا الفكر ويقول إن الأوليغارشية تثبّت الحزب وتجعله يستمر وتخلق التعاضد داخله. أريد أن أردّ عليها في ما يخصّ الطائفية، صحيح أن أحزابنا بأغلبيّتها شخصانية ولكن ما هو دور التربية الوطنية كي تلحق بحزب شخصاني مثلاً؟

غسان الشامي: تربيتنا واضحة، تفضّل أستاذ هشام. 

هشام الخوري حنّا: حتّى داخل هذه الأحزاب لا يوجد تداول للسلطات، لا توجد انتخابات، لا توجد محاسبة، سلطة الفرد أو الرئيس الذي يمتلك مُناصرين له وليس مواطنين متساويين في الحزب، يحقّ لكل الفرد في الحزب الوصول إلى تولّي مسؤولية ما في هذا الحزب.

غسان الشامي: تأخّرت عليك أستاذ حسان ولكن سأعطيك الوقت الكافي، فائقة مزرعاني عادةً الأحزاب تصهر المُحازبين بالفكر، بالسياسة، بالمشروع الوطني، هل الأحزاب عندنا استطاعت أن تصهر مُحازبينها فكرياً ووطنياً برأيك؟  

فائقة مزرعاني: صناعة الأحزاب لمُحازبينها أصبحت على مبدأ الفكر الذي تريد أن تصهرهم فيه، بمعنى أن كلّ حزب عندما يكون ممثّلاً لطائفة مُعيّنة أو لمجموعة مُعيّنة يعتبر أنه مُكرّس فقط لهذه المجموعة ويُعلّم مُحازبينه أن فكرهم هو للدفاع عن هذا المجتمع الضيّق وهذه الطائفة وهذا الحزب، بمعنى أن الشاب أو المُتحزّب لا يُفكّر على المستوى الوطني، على مستوى الخير العام أو المصلحة العامة بل إن فكره يتّجه إلى أن هذه الطائفة في خطر، هذا المذهب في خطر، هذا الحزب يحمي طائفتي لأن الطرف الآخر يُشكّل خطراً عليّ. صارت الأحزاب تغذّي مُناصريها باعتبار أن الآخر هو العدو، الآخر سيقضي عليّ، على العكس يُفترض ضمن المساحة الديمقراطية المُتاحة لك أن تتشارك مع الآخرين في القضايا المشتركة، الهموم الوطنية، الاجتماعية، الاقتصادية. في النهاية الجميع يقع ضحيّة المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية في هذا البلد لكن الأحزاب تسعى دائماً لأن تحصر مُحازبينها لأن ضُعف الأحزاب يقضي بأن تحافظ على نفسها، ولتحقيق هذا الهدف فإنها تُكرسّ مبدأ الخوف من الآخر، يجب أن تحذر من الآخر الذي سيقضي عليك، أنت دائماً في خطر والحزب هو الذي يحميك بشخص رئيسه، حتى تداول السلطة في هذا الحزب غير مُتاح لأن لا أحد غير هذا الزعيم بإمكانه أن يحميك.

غسان الشامي: هو الأعلى، أستاذ حسان هل لديك تعليق، هذا حقّ لك ولكن أنا أيضاً أريد أن أسألك أين الهوية الوطنية الجامِعة في الأحزاب القائمة في لبنان؟ 

حسان زيتوني: سأنطلق في مُقاربتي للتعليق والدخول في السؤال بشكلٍ مباشر، الإشكالية ليست في عدد الأحزاب بذاتها ولا في قِدَمها لأن أخذ هذه الأحزاب بالمُجمل وكأنها هي نفسها منذ تشكيلها حتى اليوم أو هي نفسها بما تحمله من فكر هو الإشكالية، الأحزاب اليوم لا تُقاس بما تقدّمه من طرح أو بما قدّمت نفسها على أساسه من طرح ولا بعددها ولا حتى بقِدَمِها. 

غسان الشامي: بماذا تُقاس؟ 

حسان زيتوني: بدورها في العمل الجامع، ببرنامجها، بعملها، هكذا تُقيَّم الأحزاب وعلى هذا الأساس تُقارَن بمدى فشلها أو نجاحها داخل هذه المنظومة. الفشل الحقيقي هو لهذه المنظومة التي تشكّلت من مئة سنة، هذا الدور الذي أُعطي لهذا الوطن هو الإشكالية والذي باتت الأحزاب فيه تُخاط على قياس هذه المنظومة، وبالتالي تصبح الأحزاب غبّ الطلب، زعيم بحاجة لحزب لتكتمل التشكيلة إلى جانبه فيصبح يورِّث حزباً وكرسياً نيابياً وقد يورّث عائلة وإقطاعاً وغيره، فالحزب بهذا المكان يصبح جزءاً من العمل في المنظومة وليس بما قام عليه. الأحزاب قامت بشكل أساسي على التغيير، لماذا يتحزّب؟ لأنه مقتنع بأن العمل الفردي قد لا يؤدّي الدور المطلوب، فهو بحاجة إلى قوّة أكثر وهذه القوّة تتشكّل بمَن يشبهه في هذه الأفكار، هذا المنطق الطبيعي للأحزاب ولكن الأحزاب في لبنان، وكي لا نظلم الأحزاب ونأخذها بالمجمل من يوم انطلاقها حتى اليوم مرّت بمراحل مُتعدّدة في تشكيل لبنان أو بما أُعطي من عام 1920، نحن نتحدّث عن بلد تحت الاستعمار بما سُمّي الانتداب، الأحزاب حينها تأسَّست على المواجهة وعلى القمع وكان عملها سرّياً ودخلت في المُعتقلات وعملت على أساسها، هناك أحزاب في ذلك الحين نقلت تجارب مُعيّنة. 

غسان الشامي: وهناك أحزاب كانت واجهة للانتداب.

حسان زيتوني: نعم وهناك أحزاب لعبت دور الانتداب بما يريده الانتداب، حتى في شكل الانقسام الذي كان يوجد فيه تكتّلات سياسية، والأحزاب اليوم هي جزء من التكتّلات السياسية، إذا تحدّثنا اليوم عن 8 و14 آذار البائدتين بعد ثورة أكتوبر أو في زمن الكتلة الوطنية والكتلة الدستورية وغيرها، الأحزاب تمحورت بداخلها، وعند حصول نهضة عربية في مرحلةٍ ما وتأثير يساري عالمي كانت هناك مرحلة أحزاب بلا شك. 

غسان الشامي: دعنا نكمل بعد الفاصل ومعك أيضاً، أعزائي فاصل ونعود إلى الحوار، موضوعنا في هذه الحلقة من أجراس المشرق الأحزاب في لبنان والدولة، انتظرونا.  

المحور الثاني: 

غسان الشامي: أهلاً بكم مجدّداً في أجراس المشرق، أستاذ حسان زيتوني سأعود إليك، هل يمكن بعد ما قلته للسياسة في الدولة أن تتقدّم بوجود أحزاب على الشاكلة التي ذكرتَها، الفرد، المجموعة، العُصبويات؟  

حسان زيتوني: لا شك نحن اليوم في أزمة وطنية التقدّم بها بات عصيّاً، الشكل الذي اتّخذه هذا النظام الذي بُني بناءً غير سليم انفجر في هذه اللحظة.

غسان الشامي: "فات بالحيط" بالتعبير العامّي. 

حسان زيتوني: نعم وهذه الأحزاب تتحمّل مسؤولية هذا الفشل، وبالعودة إلى السؤال الأول إشكالية الوطنية بذاتها قبل أن نقول هل إن الأحزاب تعطي تربية وطنية أو تقوم على مبدأ وطني، في المُقاربة للوطنية هناك اختلاف أساسي في تشكّل هذا الوطن، هناك إشكالية في تقييم الوطنية، أين، البعض ومنهم نحن نقول إنها تتحدَد في إطار الصراع العام، فالوطنية اتجاهها جنوباً بمعنى أن هذا الكيان قام وقام العدو معه مُتزامناً.

غسان الشامي: تقصد أن بوصلة الوطنية تتحدّد بالصراع مع إسرائيل.

حسان زيتوني: بصراع التحرّر الوطني من الاحتلال الصهيوني كونه قاعدة مُتقدّمة لمنظومة عالمية تعطي لبنان هذا الدور، هذا من جهة ومن جهة أخرى أيّ انتماء ما دون وطني هو منافٍ للوطنية.  

غسان الشامي: ولكن هناك مَن يدعو للحياد.

حسان زيتوني: حياد وسياسة؟ حياد عن ماذا؟ لا يصحّ.

غسان الشامي: فيلمون وهبي "حايد عن ظهري بسيطة".

حسان زيتوني: هي تصحّ إذا اتّجهنا صوب النروج والسويد ولكن كيف تكون في قلب الصراع وتغمض عينيك. نحن قلنا إن الانتماءات ما دون وطنية، أي حزب يقوم على أساس التوجّه لطائفة أو لمذهب أو لجزء من مذهب هو بالتالي لا وطني، هو خارج هذه التربية، ولكن يبقى الأمل في إعادة تشكيل هذه المنظومة، قطع العلاقة التبعية مع الخارج، إقامة دولة مدنية وقاعدتها أحزاب جديدة خارج القَيْد الطائفي كما هي انتخابات خارج القَيْد الطائفي، أحزاب علمانية في تكوينها تنتشر على مستوى الوطن. بعض أحزابنا التي ذكرتها والتي يصعب البحث عنها قد تكون في شارع أو في مدينة وحينما تخرج من هذه المدينة لا تكون لديها أيّة آفاق ثانية، وتنتهي هنا في هذا القضاء أو في هذه المدينة أو في هذا الشارع، وهناك أحزاب كثيرة فرّخت في لحظات تاريخية لها علاقة بالحرب الأهلية وما بعدها، كانوا يقولون نحن ننام على حزب ونستيقظ على ثلاثة، وهناك أحزاب تواجه صعوبات في البقاء مُتجانِسة، وهذه إشكالية أخرى.

غسان الشامي: رانيا حتّي كيف تفسّرين انتشار بعض الأحزاب التي لا برامج اجتماعية لها أو أن لديها رؤىً اقتصادية غائمة؟ 

رانيا حتّي: الأحزاب هي جزء من المجتمع المدني وهي تسمّى باللغة الفرنسية partiepolitique أي أنها جزء من هذا المجتمع، الأحزاب لها ثلاثة أدوار: أولاً تكوين الرأي العام، واختيار المرشّحين للوصول إلى السلطة، وتنظيم المُنتخبين، أي أنها ترافق النائب طالما هو في البرلمان وهو يتكّلم باسمها. الأحزاب أصبح لها دور اجتماعي، وهي دائماً تفكّر بالانتخابات النيابية وتأطير المجتمع للحصول على الأصوات، هذا هو همّ الأحزاب الوحيد للوصول إلى السلطة لأن جماعات الضغط تختلف عن الأحزاب، جماعات الضغط تضغط على السلطة. 

غسان الشامي: أهدافها هنا على الأقل هي الوصول إلى البرلمان. 

رانيا حتّي: الوصول إلى السلطة، النظام في لبنان برلماني وعندما تصل إلى البرلمان يصبح لك تمثيل مباشر في الحكومة، وربّما الأحزاب الشخصانية إذا كانت طائفية مذهبية سنّيّة تفكّر دوماً برئاسة مجلس الوزراء، إذا كانت شيعية يتّجه نظرها مباشرةً نحو رئاسة مجلس النواب، وإذا كانت مارونية يتّجه نظرها نحو رئاسة الجمهورية. 

غسان الشامي: عظّم الله أجركم.  

رانيا حتّي: العلّة الأساسية هي إذاً في شَخْصَنة الأحزاب. 

غسان الشامي: أستاذ هشام من حديثكم نحن أمام أحزاب مع رعايا وليس مُتحزّبين، ويبدو أننا رعايا أيضاً ولسنا مواطنين في دولة، مشاريع الأحزاب أين تراها؟ هل هناك مشاريع مستقبلية للأحزاب القائمة في لبنان؟

هشام الخوري حنّا: من دراسة واقع الأحزاب وواقع المجتمع اللبناني نلاحظ أستاذ غسان أن كل الأهداف التي وضعتها الأحزاب هي التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم، هذه الأحزاب بمشاريعها لم تستطع أن تنقل الوطن من شُلَلٍ طائفية ومذهبية وإقطاعية إلى مجتمع مُتقدّم مُتطوّر يؤمّن الخير العام والمصلحة العامة لأبناء هذا الشعب، بسبب فشل مشاريع هذه الأحزاب أدّى بنا هذا الأمر إلى تفتّت البلد أكثر وأكثر وإلى انهياره سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وعلى كافة الصعد، وهذا الأمر سيؤدّي إلى ضياع الحقوق العامة للوطن بسبب تكالُب الدول الخارجية على ثرواتنا وعلى حقوقنا في هذا الوطن. 

غسان الشامي: دعنا نقول التالي، يظهر وكأننا نهشّم تحديداً بالبنية القائمة ولكن دعني أسأل فائقة مزرعاني، سنحاول فعلاً أن نقرأ كي نقول للناس كيف أنتم كجيل ترون هذا الأمر. سيّدتي هناك أحزاب دينية مُعلًنة وهناك أحزاب دينية بربطة عنق، مُبطّنة، ما هو مستقبل هذا النوع من الأحزاب في بلدٍ على هذه الدرجة من التشرذُم الذي هو لبنان؟ 

فائقة مزرعاني: بشكل عام حتى لو لم تكن بالعَلَن حزباً دينياً محسوباً على الأحزاب الدينية فإن أداء الأحزاب في لبنان هو الذي يُصنّفها سواء أكانت دينية أم لا، وحتى أن الأحزاب الدينية في بعض المراحل لم تتمكَّن من الاستمرار ليس لأنها دينية فقط بل لأنها حملت قضايا قومية ووطنية ليست لفئة مُعيّنة أو لطائفة مُعيّنة أو لمذهب مُعيّن، استطاعت هذه الأحزاب التي اتُّهمت بأنها دينية بحتة أن تدافع عن قضايا وطنية شاملة في جميع الأماكن، لم تكن في مكانٍ ما تدافع عن العدو.

حسان زيتوني: وعادت بعدها إلى قوقعتها.

فائقة مزرعاني: لم تدافع عن المدن المسلمة مثلاً وتركت المدن المسيحية بل حملت القضية الوطنية. 

غسان الشامي: ولكن القضية الاجتماعية، القضية الاقتصادية، القضية الإنسانية.  

فائقة مزرعاني: من دون شك هناك تقصير في مكانٍ ما من كل الأحزاب اللبنانية، لا يمكنك تحميل القضايا الاقتصادية والاجتماعية لحزبٍ واحد. 

غسان الشامي: أنا لا أحمّلها، والله العظيم إنني بريء من دم هذا الصدّيق.

رانيا حتّي: ولكنهم مَن يكوّنون السلطة، كل حزب يتحمّل جزءاً من المسؤولية.

فائقة مزرعاني: صحيح ولكن هناك أحزاب مُحدّدة قامت بدورٍ مُعيّن عند تخاذل الدولة لا يمكنك أن تنساه أو تتخطّاه، هي قامت في مكانٍ ما بدورٍ وطني تُرفَع لها القبّعة عليه. في مكانٍ آخر باقي الأحزاب لم تكن في الموقع الذي كانت فيه هذه الأحزاب لتقوم بنفس الدور لكنّها في المقلب الآخر لم تفعل شيئاً آخر، هذه الأحزاب دافعت في مكانٍ مُعيّن لكتها قصّرت في النواحي الاجتماعية والاقتصادية، ولكن الأحزاب الأخرى التي لم تكن في موقع الدفاع ماذا كانت تفعل؟ أين دورها الاقتصادي؟ أين دورها الاجتماعي مع العِلم أنها كانت في السلطة قبل سنوات طويلة من دخول هذه الأحزاب الدينية إلى السلطة.

غسان الشامي: كانت تغنّي العتابا. أستاذ حسان زيتوني الأحزاب الدينية والأحزاب السياسية الأخرى أين برامجها؟ سأعود وأؤكّد أن الأحزاب المُعاصِرة هي أحزاب خدمية، اقتصادية، اجتماعية، سياسية، حقوقية، أين رأيتَ مشروعاً مُتكامِلاً لدى هذه الأحزاب لمستقبل لبنان؟  

حسان زيتوني: السؤال الأساسي مهم جداً، موضوع الدور الاجتماعي ربّما فُهِمَ لدى زميلتنا وكأنه دورٌ اجتماعي تعويضاً عن تقصير الدولة، الأحزاب غير مُطالَبة بدور الدولة، ليس دورها أن تغطّي فراغ أو تقصير الدولة أو أن تفتعل تقصير الدولة لتغطّيه أو أن تتواصل مع المواطن وتكون صلة وصل بين المواطن والدولة، المقصود بالدور الاجتماعي للأحزاب هو أن تضع برامج اقتصادية اجتماعية تغييرية تلائم مصلحة الناس. اليوم لدينا إشكالية في لبنان أن غالبيّة أصحاب الودائع مقفلٌ عليهم، هذا حزب واسع جداً والمُتضرّرون منه كُثُر بينما ما هو خطاب السلطة؟ خطاب السلطة هو مَن يكون وزيراً للمالية ولأية طائفة ينتمي، المسائل تتحوّل، الدور الأساسي للأحزاب هو أن تضع البرامج التغييرية الاجتماعية. مع الأسف فكّ ارتباط التحرير والتغيير كان إشكالية مهمة وليس تفصيلاً، اليوم إعادة التراجع هو سيّىء على الأحزاب الدينية، الأحزاب الدينية مُخيفة بالأصل، فبعد أن تتّخذ المشروعية لدى الناس وتصبح رمزاً لفئة واسعة من الناس تعود وتضيّق على نفسها، بعض الأحزاب هي الأقوى في لبنان ولكنك تجد منطقة بأكملها أو محافظة بأكملها لا مُناصِر لها فيها، كيف ذلك؟ ألهذا الحدّ تعيق الطائفية أن تتحدّث بخطاب آخرين تتشارك معهم الهمّ المعيشي، الهمّ المدرسي، الهمّ الاقتصادي، الهمّ اليومي، تصبح حدودك هي فئة المجموعة التي تمثّلها أنت، هنا التناقض الأساسي لهذه القوى وهذا ما منع الانتصار الكبير الذي حقّقناه في المعركة الوطنية من أن يتحوّل إلى قيمة وطنية مشتركة، نحن مختلفون حول تاريخنا. 

غسان الشامي: أستاذة رانيا إذا أخذنا الأحزاب القائمة حالياً، أنتِ معنيّة بعِلم السياسة بطريقة أو بأخرى مما ردّدته من أناس أو من مفكّرين تكلّموا في السياسة. إذا وضعنا الأحزاب القائمة على مشرحة العلوم السياسية والعلوم السياسة المعاصرة أين تُصنَّف؟ 

رانيا حتّي: تُصنَّف في خانة الأحزاب الجماهيرية والشعبية والشخصانية حيث القائد هو الهالة، هو العَظَمة.

غسان الشامي: أتينا على هذا الموضوع.

رانيا حتّي: والأحزاب الجماهيرية والشعبية هي أحزاب منها ما هو لا مركزي ومنها ما هو مركزي، اللامركزية منها مثل الحزب الشيوعي، الحزب الاشتراكي مع أن الحزب الاشتراكي هنا بعيد عن مفهوم الاشتراكية لأنه يتخطّى الحدود الجغرافية وهو حزب موجود في كل الدول مثل الحزب الشيوعي، كما يتخطّى البُعد الجغرافي، بينما هناك أحزاب محلية لا تتخطّى البُعد الجغرافي مثل تيار المستقبل، التيار الوطني الحر اللذيْن نشآ من بعد الحرب الأهلية، لذلك يجب أن ننظر إلى أنه من منظور هذا الجيل الأحزاب هي شرّ لأنها خاضت حروباً أهلية، الأحزاب هي صحّة ولكن هناك مُعضلة أساسية وهي أنه بعد انتهاء الحرب لم يخضعوا إلى العدالة الانتقالية أو إلى القضاء لتتمّ محاسبتهم ولننشئ أحزاباً جديدة. 

غسان الشامي: إسمحي لي أن أذهب إلى الأستاذ هشام وبأقل وقت لأن وقتي صار ضيّقاً، كيف تقرأ كمحامٍ قانون الأحزاب؟ وأيّ قانون أحزاب جديد يجب أن يقوم؟ 

هشام الخوري حنّا: كما تفضّلت وقلت في المُقدّمة أستاذ غسان إن القانون المعمول به هو قانون الجمعيات للسلطنة العثمانية العائد إلى العام 1909، هذا القانون هو قانون مُتخلّف، رجعي، يُحفّز على الطائفية، يُحفّز المناطقية ويحفّز العشائرية. كل الأحزاب اليوم تقدّمت بعِلمٍ وخبر إلى الدولة وحصلت عليه، أيّ شخص يريد أن يؤسِّس حزباً من ثلاثة أشخاص عليه أن يتقدّم بطلب عِلم وخبر ويحصل عليه ويكون بهذا قد أسّس حزبه، هكذا تُبنى الأحزاب. 

غسان الشامي: ما هو القانون؟

هشام الخوري حنّا: لا بدّ من سنّ وتشريع قانون أحزاب عصري ينقل الحال السياسية من حال التشرذم والتقسيم الطائفي إلى رحاب الوطن، قانون الأحزاب هذا يجب أن يُحفّز الوطنية، هذا القانون ينظّم الأحزاب بعددها، بأموالها، بنفقاتها، بمراقبة هذه الأحزاب، بعلاقاتها حتى مع الخارج لأن هناك أحزاباً كثيرة اليوم علاقاتها وتبعيّتها للخارج، حتى أن هناك أحزاباً على علاقة بالعدو، قانون الأحزاب هذا ينظّم علاقات تلك الأحزاب مع الخارج وهذا القانون هو عامل إضافي لينقل الأفراد إلى رحاب الوطن وإلى تنشئة وطنية. 

غسان الشامي: وصلت الفكرة شكراً. فائقة مزرعاني بدقيقة، هل ساهمت الأحزاب برأيك بتشتيت جهود المواطنين لينشئوا دولة حديثة؟

فائقة مزرعاني: ربّما كانت الأحزاب في مكانٍ ما عاملاً مساعداً في إيصال أصوات المواطنين أو لتمثيلهم بشكل ديمقراطي في الدولة. في النهاية الأحزاب لم تأتِ من فراغ، هذه الأعداد الكبيرة من الناخبين الذين يصوّتون لهذه الأحزاب هم أشخاص مؤمنون بهذا الحزب ومقتنعون به بغضّ النظر عن أن هناك مَن يتّهمهم بأنهم رعايا وأتباع، ولكن هناك أناس عقائدياً مع هذا الفكر ومع هذه الأحزاب، كل حزب هدفه الوصول إلى السلطة التي تناسبه أو التي يُحقّق من خلالها طموحاً أو فكرة عن الدولة التي يريدها. بعض الأحزاب راضية عن هذا النموذج وناخبوها راضون عنه، بعض الأحزاب الأخرى فشلت، عسانا نصل إلى حل.  

غسان الشامي: أستاذ حسان كيف يمكن الوصول إلى أن يكون مفهوم التحزّب في لبنان جامِعاً للجغرافيا والديمغرافيا معاً خارج القَيْد الطائفي كما قلت بدقيقة ونصف دقيقة فقط؟    

حسان زيتوني: بتحويله إلى أولوية، الآن نحن أمام عقد جديد، أقرّ الجميع أن ميثاق الصيغة وأن التركيبة وأن التوليفة وأن كل البارزات المتعاقدة سقطت، هذا العقد الجديد هو مسؤولية مَن يعمل عملاً جماعياً، مَن هم أولئك الذين يعملون عملاً جماعياً؟ الأحزاب، أولاً نرفض فكرة إن الأحزاب هي مسألة سيّئة، هذا المفهوم المُكرّس في ثقافتنا هو مفهوم خاطئ، هذه الأحزاب التي تشكّلت على هذه الصيغة هي المشكلة وليس المفهوم الحزبي، المفهوم الحزبي هو الخلاص، هذه الأحزاب تتشكّل بالقانون، القانون الجديد للأحزاب يفرض أن يكون هناك تجديد في قيادة الحزب، يفرض أن يكون لديه تمثيل من كافة الطوائف وأن يكون في كافة المناطق، يفرض عليه أن يكون قائماً على برنامج أو مشروع يقدّمه وليس حزب الزعيم، شكراً. 

غسان الشامي: شكراً، هذا وقتي انتهى، أنا أشكركم على حيوية هذا الحوار ولكن هو الوقت دائماً. أعزائي وصول لبنان إلى التحزّب القائم على الفكر والمشروع الوطني لا على الأشخاص والعصبيات، هذا هو التحدّي لأن أغلب الأحزاب الحالية تنسرب من غربال العلوم السياسية، ولأن الحياة الحزبية الصحيحة تعني وجود دولةٍ صحيحة. شكراً رانيا حتّي، هشام الخوري حنّا، فائقة مزرعاني، حسان زيتوني، شكراً لمشاركتكم معنا في قرع أجراس المشرق، كل الشكر لزملائي في الميادين، دائماً سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.