إغتيال مفكري التنوير بين الماضي والحاضر

عندما نقرأ التاريخ البشري عموما والتاريخ العربي الإسلامي خصوصا, نصاب باللوعة والحزن للأعداد المهولة من المفكرين والفلاسفة والمبدعين والتنويريين والمجددين الذين قتلوا بمختلف أنواع الأسلحة حتى بسم العقارب والحيات.

 

المحور الأول:

يحيى أبو زكريا: حيّاكم الله، وبيّاكم، وجعل الجنّة مثواكم.

أنا أكتب، إذًا أنا مقتول. أنا أبدع، إذًا أنا مشروع شهيد. عندما نقرأ التاريخ البشري عموماً، والتاريخ العربي والإسلامي خصوصاً، نُصاب باللوعة والحزن للأعداد المهولة من المُفكّرين والفلاسفة والمُبدعين والتنويريين والمُجدّدين الذين قلتوا بمختلف أنواع الأسلحة، حتى بسمّ العقارب والحيات. وكأنّ التدبّر والتفكير جريمة لا تُغْتَفَر، فالمفكّر يزرع الحياة، فلماذا يُقابَل بالموت؟ ويغرس البنفسج، فلماذا يُغْرَس الخنجر في قلبه؟ والمُبدع ينشر في الناس مبادئ حب الوطن، فلماذا يعيش بلا وطن، وبلا عنوان، وبلا جغرافيا؟ وحدها الأرصفة هي أوطانهم، والمنافي ديارهم، إن لم تكن السجون والزنزانات والمقابر، ووحدها قصائد الحزن سلواهم وعزاؤهم. 

في تاريخنا الأحمر قُتِلَ غيلان الدمشقي بسبب آرائه الكلامية، وقُتِلَ إبن المُقفّع بسبب فطنته، وقُتِلَ الحلاَّج والسهروردي لأنّ أهل العرفان لا يفهمهم أهل الدنيا، وقُتِلَ الآلاف في عهد المهدي العباسي بقرار من ديوان الزندقة الذي كان يلاحق المفكّرين والمُخالفين للسلطة، إلى درجة أنّ المُستشرِق دومينيك أوروفوا في كتابه المُفكّرون الأحرار في الإسلام تحدّث عن كمٍّ هائلٍ من المقتولين بفتاوى فُقهاء السلطان. وما أشبه الليل بالبارِحة كما قالت العرب، فالقتل الفكري تواصل مُتفاقماً حتى باتت الكلمة أخت القتل والمقصلة والإعدام. هي كلمة أن قلتها تموت، وإن لم تقلها تموت، إذاً قلها ومت.

في العصر المعاصر كنّا شهوداً على اغتيالات للمُفكّرين بالجملة والمفرَّق في المغرب العربي والمشرق العربي والعالم الإسلامي. ففرج فودى، والشيخ الذهبي، وعبد القادر علولة، ومحفوظ بوسبسي، والجيلالي اليابس، ومحمّد البراهمي، وناهض حتر، وا وا لا أستطيع أن أُعدِّد آلاف المُفكّرين الآخرين الذين لا يسعنا ذِكر أسمائهم. والذين قتلوا غيلة بالإرهاب الأعمى حيث قرَّر وكلاء الله ظلماً وعدواناً وضع حدٍ لمَن خالفهم، فيما الله يُقرّ لا إكراه في الدين. ولا ننسى قيام شابين بطعن الأديب نجيب محفوظ بسبب رواية يا ولاد حارتنا التي مُنِحَ بسببها جائزة نوبل السويدية. طبعًا أيضًا لا ننسى العُلماء والمُفكّرين الذين قتلتهم المخابرات الأميركية والصهيونية والغربية في الشوارع، وفي الأزقّة، وفي البيوت، والذين خُطِفوا، والذين سنُخصّص لهم حلقة يقينًا.

عندما سأل القاضي الذي ترأّس جلسة مُحاسبة قاتلي الكاتب المصري فرج فودى، لماذا قتلت فودى؟ قال لأنّه كافر ومرتّد، سأله وكيف عرفت؟ هل قرأت كتبه؟ قال أنا لم أقرأ كتبه، فأنا لا أقرأ. والفقه عند الناس أمر هيّن، فالكل يفتي دائمًا ويُصيب ما عادى في هذه الديار تخصّصًا، هذا لعمرو مخجل ومعيبُ، لو كلنا علم الحدود لعقله ما عاث فينا جاهل وكذوبُ.

"اغتيال مُفكّري التنوير بين الماضي والحاضر" عنوان برنامج أ ل م، ويشاركنا في النقاش من تونس الحبيبة المُفكّر التونسي الدكتور يوسف الصديق الكاتِب والباحِث المُتخصّص في إنتروبولوجيا القرآن الكريم. ومن الجزائر الحبيبة المُجاهِد الدكتور محمّد نور الدين جباب أستاذ الفلسفة في جامعة الجزائر.

مشاهدينا مرحباً بكم جميعاً.

"الجهل المقدس، زمن دين بلا ثقافة" أولفيا روا

الجهل المُقدّس هو الاعتقاد بالديني المَحْض الذي ينبني خارج الثقافات، هذا الجهل يُحرّك الأصوليات الحديثة المُتنافِسة في سوق الأديان، ويُفاقِم اختلافاتها، ويوحّد أنماط ممارساتها. ويتطرّق الكاتب إلى إشكالية الصيغة التفاعُلية والتصادُمية بين الدين والثقافة في أيّ مجتمع مُستعينًا بأمثلة تفصيلية من تاريخ اليهودية والمسيحية والإسلام وصولًا إلى تجارب الإسلام السياسي المُعاصٍرة. إذ يتبنّى فرضيّة أساسية يسعى لإثباتها في كل صفحات الكتاب مضمونها إنّ الانفصال الذي يحدث بين الدين والهويات الدينية الاجتماعية، ويوفّر أرضية خصبة لنمو التطرّف الديني. فالدين يبقى عنصرًا أساسيًا في ثقافة أيّ مجتمع حتى اللحظة التي يُقرِّر فيها الانفصال عن تلك الثقافة، ليُمارس دورًا استعلائيًا باذلًا قُصارى جهده للاستيلاء عليها.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف الصديق هي محنة سنتناولها اليوم، هي أوجاع ولواعِج وأشجان، عندما يُحْجَر على العقل، ويُرمى صاحب التفكير بالرصاص الصامت. لماذا كان المُفكّرون في تاريخنا الإسلامي عُرضة للزندقة والتكفير والقتل؟ وقد قُتِلَ الآلاف منهم في دنيا تعتبر أنّ العِلم فريضة إسلامية.

يوسف الصديق: شكرًا لك ولضيفك الكريم. تجاهلنا من أول ما نزل القرآن، تجاهلنا تجاهلًا فظيعًا عن حادثة وأمر مهم جدًا اختصّ به الإسلام، وهو انعدام رجال الكنيسة والكنيسة ومؤسّسة الكنيسة، فالفرد الفرد وأشدِّد على هذه الكلمة هو المسؤول الأوحد على هدف عبادته، وكيف يتصوَّر هدف عبادته، فالإنسان الذي لم يذهب إلى الجامعة، ولم يستنر، ولم يُجالِس العُلماء يكتفي بأنّ الله ذو طول، وأنّ الله له يد، وأنّ الله يجلس على العرش. أمّا الذي تقدَّم في العلِم، فهو يرى ويعبد الله الذي هو نور السماوات والأرض، "مثل نوره..." إلى آخر الآيات، والذي تبحّر في هذه المسألة يكتفي في العِلم بليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

نحن تجاهلنا تجاهلنا تمامًا هذه المسألة، وجعلنا أوصياء كما كنت تقول في مُقدّمتك أوصياء على هذا الدين الذي جاء بأكبر حدث في الإنسانية، وهو فصل الكنيسة عن العبادة، العبادة فردية فقط، عامودية فقط تتّجه من واقع الفرد ومن عِلمه ومن ما تحصّل عليه من الاستشراق بالدين وبالألوهيّة إلى هدف عبادته. كنت تتحدَّث عن أبي منصور الحلاج الذي قُتِل لأنّ له تصوّر جعله يعلن أنّه اتحد بالله، أنا من أهوى ومن أهوى أنا نحو روحاني حللنا بدنًا إلى آخر القصيدة. فحكم لأجل هذا لأنّ التوحيد مع الله هو انصهار في العالم، وانصهار في بوتقة هذا العالم الكبير الذي هو مَن خلقة الله.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف أتصوّر هذا القدر يكفي للولوج أكثر إلى عمق الحلقة، دكتور محمّد نور الدين كانت محنة المُثقفين والتنّوريين في تاريخنا الإسلامي عملاقة كبيرة. هنالك كم هائل من المذبوحين من الوريد إلى الوريد بسبب آرائهم الحرّة. بنظرك مَن كان الذي يدفع إلى قتلهم وإزهاق أرواحهم؟ عِلمًا أنّ كلّ القواعد الشرعية قواعد الكتاب الكريم، السنّة النبوية الصحيحة كانت تنصّ على حرية المُعتَقد، حرية الفكر لا إكراه في الدين، وإعطاء أهل الديانات السابقة حقوقهم الكاملة. فما الذي جرى حتى بات أهل الفكر يُقْتَلون في تاريخنا الإسلامي؟

 

محمّد نور الدين جباب: شكرًا دكتور يحيى على الاستضافة، ويُسعدني كثيرًا أن أكون مع المفكّر الكبير يوسف صديق. 

هذا موضوع شائك وعميق وواسع.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح.

 

محمّد نور الدين جباب: لكن باختصار أقول إنّ أزمة التنوير هي نتيجة لأزمة تاريخية عميقة، وهي جزء من أزمة شاملة. هذا بتقديري يعود إلى فشلنا في مشروع النهضة العربية، ولكن فشل مشروع النهضة وإجهاض مشروع النهضة طافت على سطحه الأزمات المختلفة، ليس فقط أزمة التنوير أيضًا. هناك أزمة سياسية عميقة، وأزمة فكرية، واحتكار السلطة، وسيطرة العسكر على السلطة، والعائلات على السلطة. إذًا هي أزمة شاملة، والتنوير  جزء من هذه الأزمة الشاملة. أعتقد إنّنا نحاول الآن أن نعود للجذور ونفهم لماذا فشلت النهضة العربية؟ ولماذا أخفقت النهضة العربية؟ أعتقد أنّه من هنا نحاول ربما أن نصل إلى فَهْم هذه الإشكالية التي نُعاني منها الآن في حاضرنا العربي.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد نور الدين، لكن عشرات المُفكّرين طرحوا نفس الإشكال. شكيب إرسلان، ورفاعة الطهطاوي، ومحمّد عبده، وأبو الحسن الندوي، وأصحاب الخطاب العروبي والخطاب الإسلامي أو الخطاب العِلماني. لم نجد حلولًا فعلًا، كلنا يشرّق ويغرّب في انتكاسة هذه الأمّة، وهل الانتكاسة أيضًا سرمدية؟ أيعُقًل هذه الأمّة سقطت ولم تعد تقوم من جديد؟

 

محمّد نور الدين جباب: لا لا أبدًا، الأمّة الآن رغم اختلافنا في أمور كثيرة، الآن تقاوم، الأمّة الآن تحدّت بأساليب أحيانًا خاطئة، الأمّة الآن أمّة لا زالت حيّة، لا زالت فاعلة، لا زالت تقاوِم الأعداء في الداخل وتقاوِم الأعداء في الخارج، إذًا الأمّة حيّة الآن. مَن يقول أن هذا التفكير غير صحيح؟ الأمّة الآن تُقاد حتى بأشكال مختلفة، لكن أريد أن أضيف شيئًا، يوجد سؤال يطرح قبل أن نتحدّث عن هذه الأزمة الحالية علينا أن نطرح ونجابه أنفسنا بسؤال جدّي، هل التنوريون العرب قدّموا التنوير كما يجب أن يُقدَّم؟ أم ساروا به في اتجاه آخر؟ هذا هو السؤال.

يحيى أبو زكريا: أنت طرحت إشكالًا كبيرًا واقعًا. دكتور محمّد بالفعل هو إشكال وجيه. هل الطروحات التنويرية كانت تنسجم مع تطلّعات هذه الأمّة؟ أم كانت حركات تنسجم مع إرادات الكبار مثلًا؟ دكتور يوسف الإشكال إليك دكتور يوسف؟

 

يوسف الصديق: الإشكال إليّ جوابًا على ما استمعت إليه جيّدًا منك أستاذ أبو زكريا، أنا تربّيت في أول موجة تنوير، الأولى لما كنت صبيًا مع قاسم أمين وطه حسين والزيات الخ. ولكنها انعدمت، تصوّر إنّنا كنّا قادرين أن ندخل إلى بيوتنا، وهذا لا ينكره أحد من المسلمين ومن العرب، ندخل إلى بيوتنا في كل مرة ما قاله شوقي في ذلك الزمن من أنّ سقراط هو أصل التوحيد، بنيت على التوحيد وهو حقيقة نادى بها سقراط والقدماء كنّا نسمعها وعجائزنا، وجدّاتنا، وأمّهاتنا، كنّا نسمعهم أنّ سقراط جاء بالتوحيد، ومرّت مرور الكرام، ثمّ انطفأت هذه الجذوة التي كنت أشير إليها في أنّ طه حسين نادى بأنّ الوَحي يأتي معانٍ ويصوغه الرسول بلغة قريش وهوجِم كما تعلمون، وحوكِم وأُنزِلَ من كرسيّه في وزارة المعارف والتربية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف من فضلك لديَّ فاصل قصير، ثمّ أعود إليك. فأرجو أن تبقى معي كما ضيفنا من الجزائر. فاصل وأعود إليك إن شاء الله. 

مشاهدينا فاصل قصير، ثمّ نعود إليكم فابقوا معنا.

"مواقف من أجل التنوير" محمّد الحداد 

يدعو الكاتب في هذا المؤلّف إلى مناقشة أهمية فتح آفاق جديدة أمام التفكير مُشيرًا إلى أنّ الحضارة العربية الإسلامية لم تزدهر إلا في الفترات التي أفسحت فيها المجال للنقاش، بل رفعت النقاش إلى درجة العِلم بإنشاء ما كان يُسمّى قديمًا عِلم الجَدَل. وجعلت المُناظرات من الأحداث المهمة التي يُشرِف عليها الخُلفاء والأمراء، ويطالب الكاتِب بإجراء مراجعة عميقة لكل ثقافتنا، وما يدور في مشهدنا الثقافي. أمّا الانخراط في تجارة الشعارات فإنّه قليل الجدوى بالنظر إلى الاستفحال الشديد للأزمات الحالية إلى درجة إعراض الأجيال الجديدة عن التفكير أصلًا في الشأن العام مع الاكتفاء بالترفيه الإعلامي بديلًا من الثقافة. وللإشارة فإنّ الكاتب محمّد الحداد قدّم مجموعة من الدراسات التي تمثّل إعادة قراءة للموروث المُعاصِر. ومن كتبه "محمّد عبده قراءة جديدة في خطابه الإصلاح الديني"، "والأفغاني دراسة ووثائق"، "وما الإصلاح الديني"، "وحفريات تأويلية في الخطاب الإصلاحي العربي"، "ومواقف من أجل التنوير"، "والبركان الهائل"، "والإسلام نزوات العنف واستراتيجيات الإصلاح"، "وديانة  الضمير الفردي".

 

 

 

المحور الثاني:

"الانسداد التاريخي، لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟" هاشم صالح.

يتطرّق الكاتب إلى أسباب الانحطاط الحضاري في العالمين العربي والإسلامي، وتحوّل الإرهاب إلى وباء أصولي يهدّد المجتمعات الحديثة بأسرها، ويعرض للتنوير في التُراثات الدينية وحاجة الإسلام والعرب إليه. كما يتطرّق إلى ظاهرة التهجّم على المُقدّسات، وحرية التعبير في الفكر الأوروبي، وإلى أنماط المُثقّفين العرب والفَهْم الأصولي للدين ومُسبّبات الانسداد التاريخي، وإلى الحضارة الحديثة والرؤية االأصولية للعالم. والمسائل المطروحة في هذا الكتاب تمثّل عناوين المأزق العربي، ومحور اهتمام الباحثين والمُحلّلين الاستراتيجيين والقُرّاء والمُتابعين. ولعلّ الخطورة تتمثّل في كون هذه المسائل أكثر ارتباطًا بوجود العرب ومصيرهم وتقدّمهم ومستقبلهم. ويتوقّف على حلّها مسار العالمين العربي والإسلامي، وموقفهما من تحديات العصر وإشكاليات الديمقراطية والحَداثة والغرب والإسلام والمرأة والعَوْلَمة والانفتاح.

 

يحيى أبو زكريا: مشاهدينا أهلًا بكم من جديد، مَن أدرك حلقتنا، الآن نحن نعالج موضوع اغتيال مُفكّري التنوير بين الماضي والحاضر في خط طنجة جاكرتا. طبعًا هنالك كتب كُتَبَت في هذا السياق ولعلّ ما كتبه هاشم صالح "الانسداد التاريخي لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي" يُجيب على الإشكال الذي طرحه الدكتور محمّد نور الدين، وكتاب للدكتور علي شريعتي "دين ضد الدين". عندما يكون الدين الذي هو بفَهْم البشر ضد الحضارة، ضد التنمية، أوليفي روا كتب الجهل المُقدّس زمن دين بلا ثقافة كالذي نحياه، ومواقف من أجل التنوير للدكتور محمّد الحداد.

دكتور يوسف كنت تتحدًّث عن سقراط إلى القرآن الكريم.

يوسف الصديق: عن موجة أولى.

 

يحيى أبو زكريا: الموجة الأولى.

 

يوسف  الصديق: الموجة الثانية شاركت فيها بما أقدر، وهي الموجة التي بدأها الأستاذ جلال صادق العظم في نقده للفكر الديني، ثمّ واصلها المُفكّر المنفي حامد ناصر أبو زيد، ثمّ الشهيد فرج فودى، وهي موجة أرادت أن تتطرّق إلى الآليات الكبيرة لهذا الإشكال الذي تطرحونه أستاذ يحيى. هناك آليات كبيرة، وكنت تقول لا إكراه في الدين، وهي آية قرآنية. ومن كلام الله في البقرة لا إكراه في الدين قد تبيّن الرُشد من الغيّ. وعندي المواصلة هي الأهم، قد تبيّن الرُشد من الغيّ يعني ثورة، ثورة بمعنى الاهتزاز لكلّ مفاهيم المجتمع هذه. عندما تقولها لشيخ مُتَزَمِّت يضحك عليك يتبسم ويضحك، ويقول لك يا أخي إنّها نُسِخَت، كيف نُسِخًت؟ كيف ينسخ الله آية جميلة وكبيرة وقوية وحضارية بهذا المعنى؟!

نُسِخًت بآية السيف يا عمّي، بآية السيف واقتلوهم حيثما وجدتموهم غير معقول إنّ الآليات هذه التي تتحكّم فيها المؤسّسات الدينية الكنائسية هي التي تبقى مسؤولة على قتل كل مَن ذكرتهم الآن من مُعاصرين أو من قدماء هي المسؤولة الأولى عن هذه المجزرة للمُثقفين والمُتدبّرين للقرآن والمُمتثلين لأمر الله. "أفلا يتدبَّرون القرآن أم على قلوب أقفالها" الآية قوية جدًا، أنا من واجبي أن أتدبَّر القرآن حتى ولو أخطأت حتى ولو أخطأت.

يحيى أبو زكريا: طبعًا دكتور يوسف، مسألة اغتيال المُفكّرين هي ليست مسألة محصورة بقُطْرٍ دون آخر. في لبنان ها هنا قُتِلَ عشرات المُفكّرين والمُنظرين والمُبدعين، وفي سوريا، وفي العراق، وفي الجزائر، وفي تونس، وفي موريتانيا، وفي ليبيا، حيث كان قبس فكر كانت هنالك رصاصة صامتة إلى رأس هذا المفكّر. دكتور محمّد نور الدين هل تمتلك جواباً للإشكال الذي طرحته؟ هل التنوريون بالفعل قدّموا أطروحة نهضوية مُتكامِلة؟

 

محمّد نور الدين جباب: يجب أن نركّز على الخطاب التنويري كما قدّموه الروّاد الأوائل، بتقديري أنّهم ساروا في وجهة أخرى غير حقيقة. التنوير باختصار كحالٍ عقلانية تدعو للتسامُح، وللانفتاح، ولحياة ديمقراطية، وللأسف حوّلوه للمجال الأنتولوجي وهذه هي المشكلة، وهذه منذ الروّاد الأوائل منذ شبلي شبير وفرح أنطون في عصرنا على الأقل منذ 200 سنة حوّلوها من مسألة سياسية تنويرية عقلانية إلى مسألة أنتلوجية، وناقشوا مسألة الوَحي، هذه ليست رسالة التنوير. التنوير أمر آخر، هو عمل عقلاني تشجيع للعِلم على المعرفة، والتسامُح. حوّلوا الروّاد منذ عصر النهضة، حوَّلوها إلى مسألة إنتلوجية، هذه العوامل كلّها مجتمعة جعلت أواسط المُثقفين، والرأي العام يرتبط بذهنه أنّ التنوير يساوي الإلحاد التنوير يساوي الكفر، وهكذا قدّموه ولهذا الآن أصبح التنوير إدانة في الفكر العربي، والعلمانية أصبحت إدانة في الفكر العربي، والعلمانية لم تناقش، وليس من اختصاصها أن تناقش مسألة الوَحي أو وجود أو عدم وجود الله. إذًا هكذا، تمّ تقديم العلمانية، هكذا تمّ تقديم الفكر العربي، وبالتالي أصبح التنوير مُرادِفاً للإلحاد، وأصبحت العلمانية تراوِد الإلحاد.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد، لكن لا تنسى أنّ المحافظين في العالم العربي كانوا أحيانًا يتّهمون،  هؤلاء المحسوبين على تيار التنوير ظلمًا وعدوانًا ما كانوا يقرأون له مثلما جرى في قصة نصر حامد أبو زيد عندما طلّقوه من زوجته للأسف الشديد، وحملوا عليه وكفّروه، وقرأنا كل كتبه ولم يكُ هنالك أيّ كفر في ما قاله إنما قدّم آلية لقراءة النصّ القرآني والنصّ النبوي.

 

محمّد نور الدين جباب: صحيح وهذه استثمرت سياسيًا في ما بعد.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد دكتور يوسف يودّ أن يسألك تفضل دكترو يوسف؟

 

يوسف الصديق: وماذا لو حوّلنا الأسئلة حول الإسلام والقرآن إلى أسئلة إنتلوجية؟  وماذا لو بحثنا في الوَحي؟ أيوجَد هناك فرق بين ما أوحاه الله للأرض بأن ربّك أوحى لها، أو ما أوحاه للنحل وأوحينا إلى النحل وما أوحاه إلى محمّد وموسى ويونس الخ؟ هل هناك فرق؟ أليس لي الحق في أن أضع هذه المسألة وأن استخرج تعريفًا للوَحي؟ هل الوَحي كما قال طه حسين هو أفكار تأتي لرسول مُعيّن أو لنبيّ مُعيَّن ثم يُصيغوها بلغته ولغة قومه؟ أم أنّها مباشرة كما يعتقد جلّ المسملين؟ الآن مباشرة كلمات الله بألفاظها ورفعها وهمزها الخ، هل هذا يعني أنني صرت مُلْحدًا؟ أو صرت كافرًا؟ هذا السؤال الذي أضعه على مَن تدخّل الآن الأستاذ نور الدين من فضلك إن أردت.

 

يحيى أبو زكريا: الكلمة لك دكتور محمّد؟

 

محمّد نور الدين جباب: شكرًا أنا أتفهّم بعُمق المفكّر الكبير الدكتور يوسف. أتفهّم بعمق انشغلاتي وأتابعه، لكن أستاذ يوسف الشرط التاريخي الآن من حق أي إنسان أن يُغامِر، أو أن يركب المجهول. من حقه، لكن الشرط التاريخي الآن والوضع التاريخي الذي نعيشه الآن في العالم العربي لا يُلبّي بسهولة مثل هذه الانشغالات، أو مثل هذا الطرح. من حق الإنسان أن يفكّر كما يشاء، وبالطريقة التي يشاء، ويستخلص النتائج التي يشاء إنّ ما نعيشه شرطًا تاريخيًا دكتور يوسف، وأنت تعرف ذلك جيّدًا شرطًا تاريخيًا مَن لا يتعامل بسهولة مع مثل هذه الأسئلة، لا يتعامل معها والجانب السياسي استثمر هذه الأزمات. إذًا أنا لا أرفض الانشغالات، ولكن ليس من السهل أن تطرح هذه الأسئلة لأنّ في تقديري أستاذ يوسف، هناك أسئلة أخرى نحن مطالبون أن نوسِّع القاعدة العلمية للمجتمع أن ننشر التعليم أكثر، وأن ننشر العقلانية قبل أن نتحدَّث عن الإلحاد وعن وجود الله وعن الوَحي، هناك قضايا أخرى مُلحَّة القضاء على الأميّة، والقضاء على البؤس في العالم العربي نخلق الشروط المناسبة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور محمّد في هذه النقطة الأخيرة دعني أسأل مُجدَّدًا مُفكّرنا الرائع الدكتور يوسف.

دكتور يوسف، هنالك مشكلة في العالم العربي كبيرة جدًا، وأتصوَّر أنّها واحدة من أسباب انتكاسة هذه الأمَّة وعدم يقظتها، إنّها دائمًا كانت لدينا أفكار نهضوية تنويرية، وأفكار عملاقة، لكنّ هذه الأفكار العملاقة لا تصل إلى الجماهيري المشغولة بالبطاطا والخبز. والأفكار التنويرية لا وجود لها في الشارع اللبناني، الشارع الجزائري، الشارع المصري، في الشارع التونسي، في الشارع الموريتاني، الشارع محكوم ببؤس شديد كما قال الدكتور محمّد نور الدين جباب. لماذا هذا التنوير الذي لم يصل إلى الجماهير على عكس النهضة الأوروبية؟

النهضة الأوروبية استطاعت أن توصل الأفكار إلى المجتمعات التي استطاعت أن تقيم دولة المواطِنة لاحقًا. نحن في العالم العربي هناك قطيعة بين الفُقهاء والمُفكّرين، أو بين الكنائس كما سمّيتها ودُعاة التنوير، بين دُعاة التنوير والجماهير، وبالتالي الجماهير صارت ضائعة لا تعرف إلى أية وجهة تتوجّه ولهذا كل مَن جاء تحكّم في أذقان العرب والمسلمين.

 

يوسف الصديق: أنا لا أوافق على هذه المعادلة بين ضرورة أن نستنير، وضرورة أن نبقي على وجودنا حتى لا نجد الخبز. إنّ القرن الثامن عشر الذي أحدث الهزّة الأوروبية، والثورة الفرنسية. والثورات هناك كان الناس يحتاجون الخبز، كانوا في بؤس كبير يجب أن تقرأ التاريخ للقرن الثامن عشر والسابع عشر، عندما كان الناس في أشدّ البؤس. وهناك في القرن التاسع عشر فيكتور هيغو البؤساء، البؤساء كانوا أكثر من غير البؤساء، ولكنّ الفكر عندما ينزل، وهذا حجّة على المسلمين. عندما ينزل الفكر، فليس هناك مشاغل أخرى غير أنّه نزل الفكر مثلًا قضية محمّد الذي جاء بالإسلام ألم يكن هناك بؤس؟ ألم تكن هناك أشياء أكثر فجائية؟ وأكثر التماسًا؟ وأكثر وحدة لكي نعتني  بالله الواحد والوحدانية الخ؟

كانت هناك كل المسائل هذه، ولذا أنا لا أربط بين وضعية المجتمعات المُحتاجة إلى الخبز، والمُحتاجة إلى التمدّن، والمُحتاجة إلى الكساء والتعليم الخ بما جاد علينا في مجتمعاتنا، وبما جاد علينا من أفكار العباقرة. لا بدّ من أن نعتقد أنّ هذه الأفكار لا بدّ من أن تُعنى بالحماية قبل كل شيء حتى يأتي الوقت الذي يمكن أن نستعملها في جامعاتنا وفي كتاتيبنا، وفي مدارسنا.

أنا تمامًا ضد الارتباط بين ما يُسمَّى بمرحلة النموّ، والتي لم نبلغها الآن حتى النموّ الاقتصادي نحن في تأخّر كبير. لكن الفكر لا بدّ من أن يكون محميًا مهما كان تطاوله على الأفكار القديمة. 

 

يحيى أبو زكريا: صحيح صحيح. طبعًا، وهذا يجرّنا إلى صُلب موضوعنا اليوم. 

دكتور محمّد نور الدين مَن يُعطي الشرعية للقَتَلَة؟ مَن يُعطي الشرعية للمجرمين؟ عندما قُتِلَ المسرحي الجزائري عبد القادر علولة رحمة الله عليه والجلالي اليابس عالِم الاجتماع وعشرات المفكّرين الجزائريين ونحن دفعنا ضريبة هذا الاقتتال بين السلطات والجامعات، وقلت عندها في الجزائر إنّ المُبْدِع إذا مال إلى السلطة قتلته المعارضة، وإذا مال إلى المعارضة قتلته السلطة، وإذا بقي حياديًا قتله الإثنان. مَن يُعطي الشرعية للقَتلَة دكتور محمّد نور الدين؟

 

محمّد نور الدين جباب: الذي يُعطي الشرعية هو الأزمة التاريخية، هي التي تُعطي الشرعية، هي الأزمة التاريخية، وتأخّرنا التاريخي هو الذي يُعطي، هو تخلفنا الذي يُعطي الشرعية للأزمة التاريخية. لو تخطّينا هذه المرحلة التي نتحدَّث عنها لما قُتٍلَ هذا أو ذاك. نحن نعيش أزمة تاريخية، ونعيش تأخّرًا تاريخيًا، وسيطرت ثقافة تقليدية جامِدة أُحادية نتيجة هذه الأزمة، وهي التي تُعطي الشرعية، وليس فردًا. وهذا الفرد أو ذاك أو هذه المجموعة أو تلك هي نِتاج لهذه الأزمة التاريخية هؤلاء إذا صحّ التعبير، هؤلاء ضحايا التاريخ الذين يقتلونهم، هم ضحايا التاريخ ضحايا الأزمة التاريخية. نحن نعيش تخلّفاً  تاريخيًا، ولهذا في تقديري أنا يجب أن ننظر للمسألة من هذه الزاوية، ولا أقول إنّه عندما نطالب بحماية الفكر. 

مَن يحمي المُفكّر في الغرب؟ المفكّر لم يحمَ، قدّم تضحيات. كثيرٌ من المُفكّرين ركبوا المجهول في العالم، أنا أفكّر وأطالب بالحماية، وأعتقد أنّ هذه مسألة يجب أن نناقشها. المُفكّر في جانب المغامرة في الغرب ركبوا المجهول قُتِلوا أيضًا في الغرب، وتمت تصفيتهم في الغرب أيضًا. هذه معركة كبيرة من أجل أن نخطو خطوة نحو التقدّم، ونرتقي بالتاريخ. هناك ثمن يجب أن يُدفَع، البعض للأسف يريد أن يفكّر كما يشاء، ولا يدفع الثمن. للأسف، هذا منطق التاريخ العالمي يقول في لحظات مُعيّنة البعض يدفع الثمن، لكن بشكل عام أريد أن أشير أستاذ يحيى أنّنا نعيش أزمة تاريخية، نحن ضحايا هذه الأزمة الكبيرة بالتالي هذه الأزمة.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف الغرب صحيح دفع أثماناً، لكن انتقل إلى ما يُسمّى بدولة الرفاهية والطمأنينة، في العالم العربي المُفكّر يُسحَق ويُقتَل، تفضّل دكتور يوسف.

 

يوسف الصديق: والله أنا آسف لأطلب الحرية كمفكّر، أنا لا أطلب الحماية كمُفكّر، ولا أطلب الحماية للأستاذ نور الدين كمُفكّر، وأنا ما أطلب له فقط الحماية كمواطن كمواطن له الحق في التعبير من دون أن يضرّ غيره، أنا لا أضرّ بأيّ إنسان. عندنا رأيت أنه في سنوات التسعين وحقب الإعدام من طرف هؤلاء القَتَلة لأنني أعتقد أنّ الكتاتيب لم تعد تفي، وفعلت ما يُسمى بالصوَر المُسترسلة بالكارتون حتى أمرّر قصص القرآن إلى الأطفال، اتهمت وحكمت بكل الجرائم من الكويت إلى موريتانيا، وحُرِّم بيع هذا الكتاب وصدوره في أيّ مكان حتى في الجزائر جاء وزير التعليم واشتراه من باريس ألبومات، وهو منعها في الجزائر زمن الرئيس بن شديد رحمه الله. لذلك أنا أطالب فقط بحمايتي كمواطن بأن يكون القانون معي، وفي أن أفكّر من دون ضَرَر، وبأن أصدر أفكاري من دون أن أضرّ أيّ إنسان. وإن قمت بضَرَر أيّ إنسان فإنّني أقبل المحاكمة من محكمة عادلة تقول إنّه أضرّ بالناس، وأنا لم أضرّ بأيّ إنسان عندما قلت إن الوَحي هو الوَحي بأفكار لا بألفاظ لأنّ الألفاظ إنسانية الألفاظ ( ق ذ باء) إنسانية. وحاشا ربك أن يكون له شفتان، ويكون له لسان وكذا وكذا، وإنّما يأتي لنبيّه بالأفكار، هذا الذي قلته إن كنت قابلًا للمعارضة، فأنا أقبل المعارضة، وإن كنت قابلًا للمحاكمة، على هذه المحاكمة أن تكون قانونية إنسانية فإنّني أقبلها. ولكن ليس هناك محاكمة إنسانية إذا كانت الأفكار مُتعدّدة، وقد سمح بها الله مثلًا أنا بدأت بالبنت التي كتبت ونقلت صورة الكوفيد الخ.

الله قد طلب منّا أن نعانده في كلامه فليأتوا بسورة من مثله، فهو دعانا إلى أن نقلّد، وأكيد لا ننجح، وهو يعلم الله عزّ وجلّ أنّنا لن ننجح. فما بال هذه المحكمة تُحاكِم إنسانًا مغربيًا التي نقلته البنت التونسية آمنة شرقي لماذا يحكم على شيء طلبه منّا الله، فليأتوا بآية من مثله، حاولت أن آتي بآية فضحك الناس وعرفوا أنه لا علاقة له بالقرآن فشل، فما هو المشكل؟ والمُتنبيّ والمعريّ وبَيْرَم التونسي كلهم قاموا بهذه الفذلكة التي لا نتائج دينية لها أبدًا، وإنّما هي تغذّي أولئك الذين يحكمون الآن في الأفكار وهم الكنيسة غير القانونية التي تحكمنا من زمن العباسيين أو حتى قبل ذلك لحد الآن.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف كل المسلمين يقولون نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وجد إبليس أكبر دليل على حرية المعتقد لو كان الله يريد أمّة مؤمِنة موحّدة لأعدم إبليس. الله حاور إبليس ودعا أنبياءه إلى مُحاورة الطُغاة كما دعا موسى إلى مُحاورة فرعون. المشكلة يا دكتور يوسف أنّ الإسلام شيء والمسلمون شيء آخر. الإسلام يدعو إلى حرية التفكير، ونحن ندعو إلى حرية التكفير للأسف الشديد، الإسلام يقول إقرأ وبعض المسلمين يقولون إذبح تلكم المشكلة التي نعاني منها.

دكتور محمّد نور الدين.

 

يوسف الصديق: ونسينا اقرأ تمامًا.

 

يحيى أبو زكريا: صحيح دكتور محمّد، أنت طالبت بحماية المثقف اليوم. للأسف المثقف المُستنير يُقدّم لأمّته، ويُقدّم لشعبه، لكن عندما يكبر لا يجد مَن يعالجه، ومَن يُطببه. يفتقد حتى لقمة الخبز، ورأينا مُفكّرين كنّا نجمع لهم مالًا من أجل أن يُعالجوا أنفسهم. في هذا العالم العربي قيمة الفكر لا مكانة له للفكر لا موقع له لا دور له. لاعب كرة قدم أفضل من كل مفكّري العرب في عُرف الشباب العربي وحتى الدول العربية. وقيمة الفكر مفقودة نهائيًا في العالم العربي، فإذا قُتِلَ مفكّر مَن ذا الذي سيتحرّك له؟

 

محمّد نور الدين جباب: في تقديري سبب واضح لأن هذه المجتمعات لا تهتمّ بالثقافة ليس لها مشروع ثقافي ولا مشروع حضاري. هي أصلًا ليست بحاجة إلى المُثقّف، ربما المُثقّف في لحظة مُعيّنة يُعدّ عبئًا على هذه الأنظمة وعلى هذه الشعوب لأنّها مجتمعات رَيْعية، تعيش على الرَيْع وعلى الفساد وعلى شراء الذِمَم وعلى الرشوة الاجتماعية، فهي ليست بحاجة للمُثقّف صاحب المشروع صاحب الرؤية، ليست بحاجة للمُثقّف النقدي ربما في لحظة معينة تستاء منه ولا تقبله، هذه مسألة واضحة لا تحتاج إلى اجتهادات كبيرة. الأمَّة الآن لا تمتلك الذين يسيطرون على النُخبة ويسيطر على السلطة السياسية لا يمتلكون مشروعًا لا حضاريًا ولا اجتماعياً ولا اقتصاديًا، لا يمتلكون أيّ مشروع هم مجتمعات قائمة على الاستبداد والظلم وعلى الرَيْع، فالمُثقّف عبء لا يحتاجون إلى هذا المُثقّف هذه المسألة بتقديري بسيطة جدًا.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف كلمة جميلة ربما الأمَّة لا تريد مُثقّفين ولا تنويريين، ربما الأمَّة تريد رُعاعَ مَن يُقدِّم لها حكايات ويُصنّفها هذا في الجنة وهذا في النار. الدكتور يوسف، أنا أبدع إذًا أنا مقتول، هل ستظلّ هذه المعادلة في العالم العربي؟

 

يوسف الصديق: لا، أنا أقل تشاؤمًا من الأستاذ محمّد، وأقل تشاؤمًا منك. أعتقد أنّ المُفكّر مطلوب من المجتمعات حتى ولو كانت مجتمعات أمّية، لكن بعد أن يكون قد استوفى حياته وبعد أن يكون قد تعرّض للقَمْع الخ.

مثلًا نحن نعيش الآن بعد الاستقلال على شخصية عندما توفى وكان زيتونيًا، وكان استاذًا وكان مفكّرًا وهو الطاهر الحدادي لم يأتِ إلى جنازته، ولم يُشيّعه سوى 4 أو 5 أشخاص. لكن الآن التونسي مهما كان مستوى عِلمه يفتخر بالطاهر الحداد على أنّه أصل النظري لما نتمتّع به الآن من تحرير المرأة، ومن مجلة الأحوال الشخصية. المُفكّر إن كان إبن خلدون أو شوقي وغيرهما هو الذي يأتي بعد أن تغيب الشمس كما قال هيغل. يقول هيغل إن طائر المنارفا لا يظهر إلا في الليل عندما تكون اليوم يوم الكد والعمل والتفاهة احصل على الطعام التفاهة اليومية.

 

يحيى أبو زكريا: دكتور يوسف لكن نزار قباني يقول حتى الطيور تفرّ من وطني. الدكتور يوسف الصديق من تونس الحبيبة شكرًا جزيلًا لك. الدكتور محمّد نور الدين جباب من الجزائر الحبيبة شكرًا جزيلًا لك. هي كلمة إن قلتها تموت، إن لم تقلها تموت، إذًا قلها ومت.

 مشاهدينا وصلت حلقتنا إلى تمامها إلى أن ألقاكم هذا يحيى أبو زكريا يستودعكم الله الذي لا تضيع أبدا ودائعه.

 

"دين ضدّ الدين" علي شريعتي

يحاول علي شريعتي أن يطهّر الفكر الإسلامي من عناصر الجمود والركود، سواء التي لصقت به عبر عصور التخلّف، أم التي أدخلها الاستعمار ويُقدِّم أطروحة الإسلام شيء، والمسلمون وفَهْمهم للإسلام شيء آخر. ويبدأ التصحيح عند شريعتي بتحرير الإسلام من الوكلاء الذين باتوا يتكلّمون باسم الله ورسوله ليصبح الإسلام ثقافة الجماهير كل الجماهير، وأن يخرج من احتكار بعض المتاجرين بالدين.

 

البرنامج

إعداد
د. يحيى أبو زكريا
تقديم
د. يحيى أبو زكريا
المنتج
منى عبد الله
إخراج
محمد يحيى
الايميل