الشاعرة السودانية روضة الحاج

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. هي من أبرز الأصوات النسائِيّة في المشهد الشعري السوداني في شكلٍ خاصّ والعربيّ في شكلٍ عام. امرأة مبدعة لا تكتملُ بغير القصيدة كما تقول، وبلا الشعر تعتبر نفسها زائِدةً على الحياة. قصيدتها مشغولةٌ بتفاصيل كثيرة لكنّ المرأة تحتلُّ حيّزاً واسعاً فيها وتتعدّاها إلى مُعظم نصوصها شعراً ونثراً ودراساتٍ تُسلِّط الضوء على إبداع النساء السودانيّات، فالمرأة السودانيّة تحضُر بقوّةٍ على الصُعُدِ كافّةً وقد رأيناها تتقدّم الصفوف في الانتفاضة الأخيرة، تلك الانتفاضة التي كان موقف شاعرتنا منها مثار جدلٍ ونقاش. "بيتُ القصيد"، بيتُ المُبدعين العرب يُسعَد بالإضاءة على تجربة سيّدةٍ عربيّةٍ سودانيةٍ مُبدعة هي الشاعرة المُتميّزة " روضة الحاج"، أهلاً وسهلاً في "بيت القصيد" عبر الأثير

روضة الحاج: مرحباً بك الشاعر والإعلامي المتألّق الأُستاذ "زاهي وهبي". أنا سعيدة جداً بأن أكون في "بيت القصيد" هذا المساء

زاهي وهبي: ونحن سعداء بوجودكِ ومن خلالكِ تحيّة إلى (السودان) وشعب (السودان) وكل التضامن وكل المشاعِر الصادقة تجاه ما حدث وكارثة الفيضان الذي ضرب الكثير من المناطق. نقول لكِ الحمد لله على السلامة لك ولكل مَن يسمعنا ويُشاهدنا 

روضة الحاج: شكراً جزيلاً لك ولكل أهل (لبنان) الحبيب الجميل على هذا التضامن، وأهل (السودان) يعرفون الصبر على المكان جيداً ويعرِفون بناء الحياة من جديد تماماً كأهل (لبنان) الذين أيضاً نُشاطرهم الحُزن في الأحداث الأخيرة ونتمنّى السلام لكل أنحاء الوطن العربي، شكراً 

زاهي وهبي: شكراً سيّدتي، شكراً. تقولين: "أنا بغير الشِعر جُملة غير مكتملة وامرأة زائِدة على الحياة". لماذا يعنيكِ الشِعر إلى هذه الدرجة؟ إلى هذا الحدّ؟ 

روضة الحاج: لأنّه بابي إلى الحياة ونافذتي نحو الأمل، لأنه لساني عندما أعجز عن التعبير، لأنه مُلتجأي وخلوتي، لأنه أنيسي ولأنه صاحبي الذي خاطبته مرّةً الـذي للآن يوماً ما خذلني 

زاهي وهبي: تقولين أيضاً سيّدتي وشاعرتي أنّ الشعر منهج حياة وفلسفة كونيّة. أليس في هذا القول شيئاً من غلوّ الشُعراء ومُبالغة الشعراء في النظر إلى الشِعر؟ 

روضة الحاج: إن لم نُغالِ فماذا نفعل؟ وأنت شاعر، أحياناً نشتطّ ونتطرّف في محبتنا وفي اندماجنا واندغامنا مع ما نؤمن به حدَّ تصوّرنا أنه منهج حياة، وأنا أحياناً أشعُر أنّ الشِعر بالفِعل هو كذلك

زاهي وهبي: نعم. هل لا يزال الشِعر له تلك السطوة وذاك التوهُّج الذي كان عند العرب سابقاً؟ 

روضة الحاج: نعم. إذا حدّثتك عن (السودان) فأنا أُحدِّثك عن سُمْر أعتقد أن الشِعر يُمثِّل بالنسبة لهم بالضبط رغيف حياة حقيقي وليس مجازياً، ما زالت أُمسيات الشِعر تكتظّ بالسودانيين الذين يأتون من كل أنحاء المدينة ليستمعوا إلى شاعِر وليستمعوا لقصيدة. ما زالوا يتبادلون في رسائِلهم عبر الهواتف المحمولة الآن القصائِد وما زالوا يُشاركون في الخَدمَات أو الخِدمات التي تُقدِّم هذا النوع من خِدمات الرسائل النصيّة الشِعريّة وغير ذلك. بالنسبة إلى العالم العربي، وسائِل التواصل الاجتماعي كانت وسيلة قراءة للرأي العام الشِعري في الوطن العربي، لذلك أستطيع أن أقول بملء فمي، ما يزالُ الشعرُ بخير

زاهي وهبي: على كل حال نحن نشهد للسودانيين بأنهم شعب مُثقّف وشعب مُتعلِّم، وأنا كان لي الحظّ أيضاً أن حاورت العديد من رموز (السودان) الحبيب وعلى رأسهم الكبير "الطيّب صالِح" رحِمه الله وأطال في عُمركِ 

روضة الحاج: رحِمه الله 

زاهي وهبي: سيّدتي، ممكن أن نستمع إلى شيء من الشِعر كبداية؟ 

روضة الحاج: نعم

زاهي وهبي: تفضّلي

روضة الحاج: يُسعدني أن أبدأ، يعني أنا حاولت أن أختار قصائِد قصيرة لأنني في الحوار، عندما أكون أنا المُحاوِرة، أتمنّى أن يقرأ ضيفي قصائِد قصيرة ولكني سأبدأ بقصيدة طويلة ثمّ أعِدك إن شاء الله باختيار القصائِد القصيرة التي طُلِبت منّي أيضاً 

زاهي وهبي: تفضّلي

روضة الحاج:

ما لي أنا، ما لي أنا أشطارُ ملءَ مواجعي لغةً وأصدحُ بالغناء؟ 

ما لي أنا أقتاتُ أسئِلةً تقودُ لبعضها، حتى ما، ماذا، كيف، أين، متى وما؟ 

ما لي أنا أشتاقُ، يعصِفُ بي حنينٌ آمرٌ، أخشاه وَيحي كيف جاء؟  

وأنا التي أخفيتُ كل وشيجةٍ تُفضي إليّ

عبَرَتُ قافلةً إلى حيثُ البدايات انتهاء 

أوصدتُ هذا الباب من زمنٍ وغلّقتُ احتمال العودِ يوماً للوراء

أمشي على أطرافِ ذاكرتي مخافةَ أن تُفيقَ مواجداً هدهدتها بـ عسى ولا 

بابان تدخُلُ كلُّ أوجاعي إلى رئتيّ جحيماً منهما 

أنّي ارتضيتُ العُمرَ شعراً جامحاً قلِقاً 

وأنّي جئتُ من نون النساء، قلبي على نون النساء 

أنا لم أُحبِّذ أن تكون حكايتي قَدماً على قدرِ الحذاء 

فضّلتُ طُلّي وابلاً يسقي ظماءَ بيادر حَبّ الظماء

ضدّانِ نخرُجُ للحياة توحّداً، طَلّانِ نقترحُ الدروب كما نشاء 

ونُقرِّرُ التاريخَ يأتي شاهداً أنّا معاً 

فجميعُ مَن في الأرض من طينٍ وماء

أنا لا أُجيدُ القولَ إلا إن أردتُ 

وربّما فضّلتُ صمتي قبل إدراكي الصباحِ وبعد إتيان المساء 

يا "شهريارُ"، الشعرُ أجدرُ بالبقاء 

يا "شهريارُ" الحبُّ أجدر بالبقاء 

قد جِئتُ محضَ صبيّةٍ مزهوّةٍ بالجُرح، عاشقةٍ لهذا الكبرياء 

بعضي هناك لم يزل، لكنني البعضُ الذي اختار الحياة 

تختالُ في وجعي القصائِدُ والمداءاتُ الجُفاء

كل المرائي كالمرايا تستحيلُ إلى سياجٍ من شتاء 

من أيّ مُعتِمةٍ سيلمعُ مهربي؟ ولأيّ برٍّ تُبحِرُ الأضدادُ في لغتي هباء؟

هذي ندوبُ مودّتي، صحبٌ مضوا وهزائِمٌ علِقت بباب القلب أثبتها الرفاقُ الراحلون 

يتبادلون أماكناً جفّت ليخضرّوا، فهلّ يتذكّرون؟ 

هُم حمّلوني وزرَ عطرٍ لا يُغادِرُ، أسلموني لاحتياجيهم وفاةُ والمدى حولي سجون 

لو يعرِفُ الأحبابُ حسرتنا بقوا، يوماً يُعبّئ فيه أورِدةَ الغيابِ 

بصمتهم وبصدقهم، بغنائِهم وشجارهم كل التفاصيل التي منها نكون 

لا شيءَ يوحِشُ مثل صوتٍ غابَ في الضوضاءِ وازدحمت به النبراتُ

غادرَ سمْعنا لكنّه مِلءُ العيون 

وأنا هناك على تخومِ الغيب، عند العودِ واللا عود 

أرقُبُ من وراء الأُفقِ آل، أمتدُّ كالحُلمِ المُعزّي

نسكُب التأويلَ في عينيه أشواقاً، فقد يدنو المنال

ونظلُّ نفتحُ في فضاءِ الروحِ أقبيةَ السؤال 

ظِلانِ شرطُ بقائِنا، شمسٌ معلّلةٌ بألفِ روايةٍ 

تعِبَت من التحديقِ في غُرَفِ الظلال 

نهرانِ كالنيلين يكونُ سرّنا في أننا نمشي معاً 

نجتازُ أسباب النهايةِ عابرينِ إلى المُحال

لا بِعتُ ذاكرتي للونِكَ، لا اشتريتَ تدفُّقي 

ولذا ظللنا منذ قال الله "كنّ" كنّا، ونمشي ما نزال 

زاهي وهبي: جميل. قصيدة فيها أكثر من باب وأكثر من موضوع. فيها الشجن وفيها نَفَس قريب من التصوُّف في بدايتها، ثمّ فيها المرأة والرجُل وكل المشاغِل التي تُميِّز قصيدتكِ في شكلٍ عام. في ما يتعلّق بالشجن خصوصاً في بداية القصيدة هل هو شجن الشعراء في شكلٍ عام أم هناك شجن سوداني خاصّ كما هناك شجن عراقي مثلاً إلى آخره؟ 

روضة الحاج: سؤالك كبير لكنّني أُحاول أن أُجيب باختصار ما استطعت لأنّك تفتحُ باباً على كثير مما يُمكن أن يُقال في هذا الجانب ولعلّكَ قد أشرت، تصوُّف السودانيين الفطري جزء من التصوّف هذا الذي أشرت إليه، لا أُسمّيه حزناً ولا أُسمّيه زهداً ولكن يُمكن أن أُسمّيه شجناً. قلّما ينجو سوادني من هذا الشجن، قلّما ينجو سوداني من هذه الروح المُتصوّفة التي تعُمّ الأمكنة والبيوت السمراء البسيطة والطيّبة، ولعلّي قد أخذتُ نصيبي كاملاً غير منقوص، وربما أضفتُ إليه بعض الشجن النسائي المُندسّ تحت الوسادات وخلفَ الدموع المنسكبة على الوسائِد ليلاً 

زاهي وهبي: على كل حال عساهُ دائِماً شجن مثمر على وزن الشجر المُثمر، أن يكون الشجن مثمراً دائِماً 

روضة الحاج: جميل 

زاهي وهبي: سيّدتي، في موضوع المرأة التي تحتل حيّزاً واسعاً، كما قلنا في التقديم، من اهتمامكِ سواء من خلال القصائِد أو من خلال الكُتب التي ألّفتِها في إضاءة على تجارب مُبدعات سودانيات. هل تؤمنين بجنسٍ جندري للأدب؟ أم هناك خصوصيّة فقط لأدب المرأة يُميِّزه عن أدب الرجُل؟ 

روضة الحاج: هذا المِحور يأخذ الكثير من الجدال والنقاش الذي يتجدّد مرّة بعد أُخرى في أروقة المُثقّفين والمُهتمّين بالأدب، ويوم أن قلت إنّني لا أجد حَرَجاً في تسمية ما تكتبه المرأة بالأدب النسوي، أُديرَ معي الكثير من النقاش بعضه لا يخلو من العتاب لأنّ الكثير من المُبدعات العربيات يعتقدن أنّ هذه التسمية هي نوع من "الحرملِك" الأدبي يقيمه الرجُل حتى يقول: "أنتنّ أيتها المُبدعات هذا مكانكنّ". أنا أؤمن بإنسانيّة الأدب، صحيح الشعر يظل شعراً والرواية تظلّ رواية واللوحة التشكيلية تظلّ كذلك إلى آخر ذلك من أنواع الفنون، ولكنني في ذات الوقت أيضاً أقول ببساطة، إذا كانت نظرتنا نحن كنساء إلى الحياة وإلى الوجود وفلسفتنا تجاه الأشياء وإجابتنا على أسئِلة الحياة تختلف كليّاً عن الرجل، الزوايا التي ننظر منها لكل شيء في الحياة هي زوايا مُختلفة بالضرورة، لا أتوقّع أن يأتي نتاجنا أيضاً مشابهاً لما يكتبه الرجُل 

زاهي وهبي: تماماً 

روضة الحاج: هذه هي الخصوصية التي أتحدّث عنها عندما أُقرّ بمُصطلح "أدب نسائي" 

زاهي وهبي: وفي هذا الإطار دعينا سيّدتي نستمع إلى رأي من الروائيّة والناقدة المصرية المعروفة السيّدة "شيرين أبو النجا"، نستمع إليها في "قطع وصل" ثمّ نعود إليكِ 

قطع وصل – شيرين أبو النجا: النسويّة هي رؤيا للحياة وفكر يُقدِّم نعم ليس خصوصيّة للنساء، أنا أرفُض الخصوصية كامرأة، ولكن النسويّة تُقدِّم مكاناً مساوياً للنساء، مساوياً لمكان الثقافة الذكورية. في معنى آخر، نحن نحاول إيجاد بعض التوازن لهذه الثقافة الذكوريّة المُهيمنة عبر إدخال ثقافة نسويّة أمامها، يجب أن يكون هناك توازن بين الإثنين. ومن هنا نقول "الأدب النسوي" وهو الأدب الذي يتبنّى ويُقدِّم رؤية نسويّة في وسط هذه الثقافة السائدة. مُشكلة الفنّ النسوي والأدب النسوي في شكلٍ عام أنّه يتمّ الخلط بينه وبين مشاريع التنمية. الأدب هو الأدب، هو أحد أشكال التعبير وهو أحد الأشكال التي تتطلّب نفس الموهبة ونفس الإمكانيات الفنيّة لدى الكاتبة، فبالتالي لا أتوقّع أن تكون مثلاً رواية نسوية وتُخاطبني بلغة مشاريع التنمية. الرواية هي رواية والقصّة هي القصّة والمسرح هو المسرح والتمثيل هو التمثيل والفن هو الفن. الفنّ النسوي ليس مشروعاً تنموياً، الرواية النسويّة أو القصيدة النسويّة هي أيضاً قصيدة لها كل الإمكانيّات الفنيّة ولها كل المُفردات اللغويّة التي أتوقّع أن تلجأ إليها الشاعرة ولكنّها تحمِل رؤية نسويّة، رؤية تختلف عن الرؤية التي يُقدِّمها مثلاً الشاعر. مُخاطرة كبيرة منّي أن أقول إنّ النسوية أيديولوجيا، أقول ذلك وأنا أعلم إنّها مخاطرة فيها مُغامرة لكن هناك أيديولوجيا في الموضوع. هي إشكاليّة ولكن يجب طوال الوقت ألا نُخرِج القصيدة أو الرواية النسوية من مجال الفن ونضعها في مشاريع التنمية. الدفاع عن حقوق النساء يأتي من خطاب، ويُمكن للرواية أن تتبنّى خطاباً في شكلٍ فنّيّ، في شكلٍ فنّيّ ممتِع مثل أية رواية أُخرى والقصيدة يُمكن أن تتبنّى ذلك أيضاً في شكلٍ شاعري مثل أيّة قصيدة أخرى 

زاهي وهبي: إذاً استمعنا إلى الروائيّة والناقدة الأُستاذة "شيرين أبو النجا" مشكورة، مُداخلة قيّمة. أتتّفقين مع ما تفضّلت به؟ 

روضة الحاج: أتّفق جزئياً، شكراً جزيلاً للدكتورة "شيرين" على هذه المُداخلة أيضاً. كما هو واضح، نحن نتّفق على جزء، ولو كان هذا اللقاء مباشراً بيني وبينها لاستفسرتها أكثر عمّا تعنيه بالتنمية، لعلّ هنالك رؤية ما لم تتّضح لي من خلال ما قالت، ولكننا نتّفق كثيراً على خصوصيّة ما تُقدّمه النساء، وعلى العكس أنا أرى أنّها ميزة تفضيلية وليست المرأة قادرة على التقاط بعض التفاصيل، هي قادرة على الإضافة إلى ما اعتدنا عليه من قراءات في مجال الرواية والشعر وأظنّ أنّ بصمتها أصبحت واضحة في ما تكتُب، وهذا ما يُميِّز النصّ النسوي، أنني عندما أقرأ النص أعرِفه لشاعرة 

زاهي وهبي: مسألة الإيديولوجيا وتحوّل النسوية إلى نوع من إيديولوجيا، أعتقد قالتها بتحفُّظ أو بتردّد ولكن فعلاً نرى اليوم في العالم أن النسوية تحوّلت إلى نوع من الإيديولوجيا المُعاصِرة إذا صحّ التعبير 

روضة الحاج: نعم، ولا أعتقد أنّ هذا دليل عافية ولا دليل صحّة. نحن في حاجة إلى رؤى أكثر انفتاحاً على الحياة وعلى الوجود وعلى الشراكات الإنسانية لبناء حياة أجمل للإنسان ولتفهُّم بعضنا البعض وليس للتمترُس خلف الأيديولوجيات 

زاهي وهبي: مشواركِ سيّدتي كشاعِرة وكاتبة وناشطة في مجالات متعدّدة هل كان أصعب أم أسهل كونكِ شاعرة أو ناشطة مع تاء التأنيث؟ 

روضة الحاج: والله أُستاذ "زاهي" أنا الآن أسأل نفسي، هل ظلمت الشِعر؟ هل كنت خائِنة للقصيدة عندما كانت فلسفتي أنني يجب أن أُعطي كل ما أستطيع إعطاءه في المجالات المُختلفة كما تفضلت وذكرت، عملت في مجال المرأة والصحافة 

زاهي وهبي: والإعلام والصحافة 

روضة الحاج: والإعلام نعم والأمومة والبيت والمسؤوليات الأُسرية وكتابة الشعر. دائِماً كثير من الشاعرات كنّ يردّدنَ أنّ الشعر له أنانيّة لطيفة، هو لا يُحبّ أن يكون 

زاهي وهبي: له شركاء

روضة الحاج: نعم، أن يكون له شركاء وأنت علم يمتاز الحوار عنك كشاعر وتعرِف كل هذا الذي سأقوله بالضرورة، ولكن لم يكن في الاستطاعة التفرُّغ له ولا تدليله. الكثير من القصائِد ضاعت، الكثير من المطالِع غابت ولم تعُد مرة أُخرى، الذي أعرِفه عن القصيدة أنها شديدة الأنِفة وشديدة الكبرياء، عندما تطرُق لا تعود مرة أًخرى      

زاهي وهبي: هذا ما كنت أريد أن أسأله، بمعنى إذا أهملنا تسطير الفِكرة التي تأتي أو تُلهَم إلينا لا تعود في وقتٍ آخر، يعني إذا أجّلنا الكتابة الشعريّة لا تعود القصيدة وهي ليست طوع إرادتنا 

روضة الحاج: صحيح، وسبحان الله لم نتعوّد أو لم نتعلّم هذا الدرس. كلّنا يكتُب الآن لسنوات طويلة وما زلنا نظنّ أنّ في إمكاننا أن ننجِز أعمالنا ثمّ نعود إلى القصيدة فنجدها في انتظارنا. كل مرة أرتكب ذات هذا الخطأ وذات هذه الحماقة، قصيدة تقف بكل جلالِها وبهائِها ثمّ أنشغِل عنها بشيءٍ ما وأعود فأجدها قد غادرت، ولعلّي قد عبّرت عن ذلك في بعض النصوص القصيرة والطريفة أيضاً 

زاهي وهبي: مثلا؟ 

روضة الحاج: مثلاً أقول، أرجو أن أجد النص قريباً: 

تمُرّ القصيدة مثل الأميرات في الحُلل الباهرة 

تُنادي عليَّ: لقد جئتُ فانتبذي بي مكاناً قصياً 

على عَجَلٍ أنا كالغيمة الماطرة 

أقول لها: أمهليني قليلاً، سأنشُرُ هذا الغسيل 

أُرتِّبُ فوضى المكانِ، أرُدُّ على هاتفي وأعود 

حنانَيكِ أيتها الآسرة، تذكّرتُ أيضاً 

فبعض الضيوف سيأتوننا للغذاءِ وأحتاجُ وقتاً كطبّاخة ماهرة 

قفي، سأُذاكرُ درسين لابني عن الجبر والنافل الذاتي، فانتظريني

سأحضُرُ حالاً، رويدك سيّدتي الساحرة قفي لي قليلاً ولا تُعجليني

لعلّي سأسمعُ عن هذه الأرض شيئاً يسُرُّ، فنشرةُ أخبارنا العاشرة 

ويُسلِمني كلُّ شيءٍ إلى كلِّ شيءٍ وأغرقُ في الواجبات الملحّةِ والآمرة 

وأركضُ بين المهام العصيّةِ والقاهرة 

وحين أعود إليها وقد أنهكتني التفاصيلُ

ألمحُ رِقعتها فوق مكتبتي، "وداعاً، مللت فغادرتُ أيتها الشاعرة" 

زاهي وهبي: أعانكِ الله شاعرتي، جميل جداً. إسمحي لنا أن نتوقف مع استراحة قصيرة نُتابع بعدها "بيت القصيد" مع الشاعرة السودانية المُتميِّزة السيّدة "روضة الحاج"

روضة الحاج: 

من حقّ غيري أن يكونَ كما أراد

حتى متى؟ حتّى متى سنظلّ أسرى ما نرى؟

في الكونِ مُتّسعٌ لآلاف الرؤى 

وهناك زاويةُ الحياد 

من حقّ غيري أن يكونَ كما أراد 

لو شاء جلّ ثناؤه، لو شاء جلّ ثناؤه 

كنّ جميعاً نُسخةً مكرورةً من بعضِنا 

فكر ولون واعتقاد  

الله، يا لدمامة الدنيا إذاً 

لو أنّنا شيءٌ مُعاد 

الروضُ أجملُ باختلافِ ورودهِ 

فالحُسنُ يُظهره التضاد 

من حقّ غيري أن يكونَ كما أراد  

المحور الثاني      

زاهي وهبي: نُتابع "بيت القصيد" مع ضيفتنا الشاعرة الأُستاذة "روضة الحاج". سيّدتي سؤال ممكن أن تجيبيني عليه بإيجاز لو سمحتِ، كيف ترين حضور المرأة السودانيّة في المشهد العام والمشهد الثقافي في شكلٍ خاص انطلاقاً من اشتغالكِ على الموضوع، هل تنظرين إلى الأمر بعين الرِضا أم بعين أُخرى؟

روضة الحاج: وددت لو كان في الإمكان أن تكون هذه الإجابة طويلة لأنني مُعجبة جداً بنضالات المرأة السودانيّة وهي نضالات باكرة جداً اقتحمت وتجاوزت كل النساء في مُحيطها العربي والإفريقي بل والعالمي في سبقها السياسي والعِلمي، دخلت إلى السلك القضائي منذ سنوات طويلة، وصلت إلى قاضي محكمة عُليا، وصلت إلى رُتبة فريق في القوّات النظاميّة، أنجزت الكثير جداً على مُستوى الحياة العامّة. على المُستوى الثقافي صحيح أنّنا تأخرنا بعض الشيء، كانت هنالِك شاعرات ولكنّهنّ شعبيّات، وبالتالي حاصرتهنّ اللغة في إطار (السودان) لكنّهنّ كنّ مؤثرات جداً خاصةً في المجتمعات التقليدية وفي المُناسبات وغير ذلك، وهذا محور أنا لي فيه الكثير من القول والكثير من البحث

زاهي وهبي: نعم، طبعاً مشكورة، أضأتِ          

روضة الحاج: الآن هنالك أجيال مُبدِعة جداً تتقدّم

زاهي وهبي: جديدة 

روضة الحاج: نعم، الكثير من الأصوات المبشِّرة 

زاهي وهبي: إن شاء الله نقرأ لكِ مؤلّفات عن هذه الأجيال الجديدة. نحن رأينا في الانتفاضة الأخيرة المرأة السودانيّة حاضرة بقوّة واستمعنا إلى "الكنداكات" إذا جاز التعبير

روضة الحاج: نعم

زاهي وهبي: يؤخذ عليكِ شاعرتي وسيّدتي أنّكِ قبِلتِ في العشر الأواخر من حُكم الرئيس "عُمر البشير" منصب وزيرة الثقافة ولم تأخذي موقفاً إلى جانب الانتفاضة. ما تعليقكِ على هذا القول؟ 

روضة الحاج: أنا أشكرك لأنك سألتني، لم يسألني أحد حتى الآن. لم يقل لي أحد لماذا قبلتِ؟

زاهي وهبي: نعم، لماذا؟ 

روضة الحاج: باختصار شديد أُستاذ "زاهي"، باختصار شديد أقول لك لماذا قبِلت. أولاً أنا ظللت مُمسكة بملفّ الثقافة والسياحة كنائِبة في البرلمان السوداني 

زاهي وهبي: نعم أعرِف ذلك 

روضة الحاج: وكنائِبة لرئيس اللجنة المعنيّة بهذا الأمر. وكنت كثيرة المُلاحظات وكثيرة التوجيه لوزارة الثقافة ولوزراء الثقافة حول بعض النقاط الجوهريّة في الشأن الثقافي والسياحي في بلادنا. في الثقافة أنا كنت وما زلت أعتقد أنّ الكثير من مُشكلات (السودان)، وقد ينطبق ذلك على بلدان أُخرى، الكثير من المشكلات السياسية هي في الواقع مُشكلات ثقافيّة ترتدي هذا اللبوس السياسي 

زاهي وهبي: صحيح

روضة الحاج: وأننا لم نُفلِح عبر وزاراتنا المُختلفة، لم نُفلِح في أن نجعل الثقافة هي قائِدة العرب الوطنية وظللنا كمُثقفين وكوزارات أيضاً نتبع السياسي، نحن العربة وهو الحصان، وهذه الصورة ظلّت مقلومة لزمن طويل. في الرجوع إلى دفتر النضالات العربيّة 

زاهي وهبي: يعني حضرتك كنتِ تريدين أن تضعي الحصان أمام العربة من خلال قبولكِ بالمنصِب؟ 

روضة الحاج: نعم، وكنت أُريد أن أُجنِّب بلدي ما نحن فيه الآن. الآن كل شيء تردّى في (السودان) عشرة أضعاف عن الوقت الذي ثار فيه الناس. الظروف الاقتصادية التي أخرجت الناس، معذرة أخي الكريم، الظروف الاقتصادية التي دفعت بالناس إلى الخروج إلى الشارع الآن هي أسوأ عشر مرّات أو عشرين مرّة. الانتخابات كان قد تبقّى لها ثمانية أشهُر، وأنا عليمة بفسيفساء السياسة والحرب والسلام والثقافة في (السودان)، أعرِف أنّ هذا البلد لا يحتمل أن يقفِز إلى المجهول في أيّة حال من الأحوال. من منضدة وزارة الثقافة وفي أوّل اجتماع مع مديرية الإدارات قلت إنّ من حقّ الناس في الشارع الذين خرجوا، من حقهم أن يُعبّروا عن رأيهم وأنّ هذه رسالة قاسية يرسلها الشباب وعلينا أن نستوعبها. أنا لم أستنكر على الناس، على العكس أنا كنت معهم في خروجهم ولكن كنت أرى أنّ من واجبي أن أحقن دماء أبناء شعبي وأُحاول أن أُقدِّم شيئاً يُفيد وينفع الناس لأنّ كل الثورات التي خرجت في العالم العربي كانت نتيجتها

زاهي وهبي: هل تشعرين بالندم؟

روضة الحاج: لا إطلاقاً، إطلاقاً

زاهي وهبي: أعني على قبول المنصب ولو لعشرة أيام فقط

روضة الحاج: لا. أنا لم أُحدّد العشرة أيام هذه أخي الكريم، هذه أقدار الله. يعني أراد الله أن آتِ في هذا الزمن، لم آتِ لكي أكون وزيراً للدفاع ولا للداخلية، أتيت لأُسهِم في ما أجيده واتّخذت هذا القرار وأنا أعرِف أنّ الدولة في أضعف أوقاتها في ذلك الوقت وأنّ التظاهرات عارِمة، لكن لو كنت أستطيع أن أمنع بلدي من الدخول في الوحل الذي دخلَت إليه لفعلت ذلك. يعني هذه كانت نيّتي في هذا الأمر 

زاهي وهبي: هل فشلت الانتفاضة السودانيّة في تحقيق ما يصبو إليه شباب (السودان) وشعب (السودان) العزيز؟ 

روضة الحاج: لا أستطيع أن أقول فشِلت ولكنّها سُرِقت شأن كل الثورات 

زاهي وهبي: من قِبَل مَن سُرِقَت؟ 

روضة الحاج: من قِبَل القوى السياسية التي دائِماً وفي كل مكان تتربّص بثورات الشعوب، وأنا كنت أعرِف أنّ هذا السيناريو هو الذي سيقع. الشباب الذين خرجوا إلى الشوارِع لم تكن لديهم ألوان سياسية لا ميول مُعيّنة إنّما خرجوا يُطالبون بحياة كريمة لشعب (السودان) وهذا مطلب نبيل، لا أحد يُمكن أن يقول: "لماذا خرجتم بهذا المطلب"؟ حتى الرئيس نفسه إذا سألته الآن لا يستطيع أن يقول لك: ليس من حق الناس أن يعبِّروا عن رأيهم ولا أن يطمحوا لحياةٍ أفضل"

زاهي وهبي: قبل أن نعود إلى القصيدة، سؤال أخير حول هذا الأمر، الآن في رأيكِ ما هو دور المُثقف أو الشاعِر أو الكاتب أيّاً كان مجال عمله الإبداعي والأدبي، الآن في ظلّ الظروف الحاليّة التي يعيشها (السودان) وأقطار عربيّة كثيرة تعيش ظروفاً مشابهة. ما المطلوب منكِ ومن نُظرائك؟ 

روضة الحاج: المطلوب من المثقف ومن المُبدِع، وأنا أُفرِّق بين المُبدِع والمُثقّف، المطلوب منهم قيادة المجتمعات، المطلوب منهم فتح نوافذ الأمل، المطلوب منهم التصدّي للعمل العام. يعني ظللت دائِماً، وأيضاً هذا الرأي كان أخي "زاهي" مثار الكثير من الجَدَل وأنا كنت أُحرِض على أن يلجأ المُثقفون إلى باب السياسة، يعني ظللنا نقول أنّ السياسة لعبة قذرة وأنّها كذا وأنّها كذا. إذا كان المُثقف والمُبدِع قادراً على التعبير عن أشواق الناس وعن اختلاجاتهم وعمّا يدور في نفوسهم هل يُعجِزه أن يكون معبّراً عن آمالٍ في حياة كريمة ومساهماً في تشريعات تضمن هذا الحقّ وقائِداً لمركب الحياة؟ يعني أنا والله لا أُريد أن أقصم ظهرك ولكن لو أصبحَ "زاهي وهبي" وزير الثقافة في (لبنان)، لو أصبحت "لطيفة البصير" وزيرة الثقافة في (المغرب) كم ستكسب الثقافة وستكسب المُجتمعات وسيُزهِر الأمل وستكون هنالِك رؤية جديدة؟ أنا لا أدري مَن الذي وضعَ هذه الأسلاك الشائِكة بين المُثقفين والمُبدعين وبين العمل العام وبين العمل السياسي! إذا كنّا نحب بعضنا 

زاهي وهبي: الأنظمة، الأنظمة سيّدتي. السلطات السياسية والسلطات الدينية وغيرها 

روضة الحاج: لكن علينا أن نزيلها 

زاهي وهبي: لو سمحتِ لي، لو سمحتِ لي كيلا يُداهمنا الوقت ويبقى عندنا مجال لطرح موضوعات أُخرى، نذهب برفقتكِ إلى (القاهرة)، نراكِ ونستمع إلى ما ستقولينه في "قطع وصل" ثمّ نعود إلى الحوار المباشِر

قطع وصل - روضة الحاج: 

- بالنسبة لي كشخص اختارَ الكتابة طريقاً للحياة يُمكن أن أقول إنّ الكتابة أجمل ما في الحياة، لكن كإنسانة، كامرأة، كأُمّ، السلام أجمل ما في الحياة 

- كبرت فكبرت معي أدوات الكتابة الشعريّة وأصبحت الناقدة التي تسكنني تتحكّم أحياناً في بعض الأشياء، "هذه ليست مناسِبة" و "لو غيّرنا هذه"، امتلاك أدوات العمل له جوانب إيجابيّة وجوانب غير إيجابيّة. بالنسبة لي أنا لا أرى مدّاً أعلى من الشِعر لا أرى عرشاً أرفع من الشاعِر، لا سفير ولا وزير ولا غيره. الشاعر أرفع من ذلك لأنّ كل هذه مناصب في الحياة العامّة تذروها الرياح وتتغيّر والذي يبقى هو الشعر

- ما يخيفني، أتوقّع أنه ما يُخيف مُعظم الناس في هذا الكوكب، الزمن. الزمن غير مأمون، الزمن قُلّب كما يقولون ومفاجآته كثيرة. أخاف المرض ليس لأنه اختبار قاس فقط ولكن لا أُريد أن أُثقِل على أحد في هذه الحياة حتى أبنائي لا أُريد أن أكون ثقيلةً عليهم. أمّا ما يُقلقني فهو أنني دائِماً أكون في موقع سوء الفَهْم في طريقة أو في أُخرى على الصعيد الشخصي الضيّق والصعيد العامّ أيضاً 

- أُفضِّل النهارات الطيّبة، النهارات التي تحملُ أخباراً غير الحرب وغير الفيضان وغير الدمار وغير القتل. النهارات التي تحمل الحليب للصغار، للأطفال، وتحمل الفرح لقلوب الأُمّهات. طال انتظارنا لهذا النهار حتى لا نكره، نُحبّ حتى لا نكره وحتى لا نُعلِم أنفسنا الكراهية لأننا إذا مشينا في هذا الطريق قد يصعُب علينا معرفة طريق العودة إلى الحبّ ولذلك علينا أن نُحبّ، هذا أفضل لنا، لنعيش إنسانيتنا الحقّة ولكيلا يجد الكُره أو تجد الكراهية طريقاً إلى أنفسنا 

زاهي وهبي: جميل. إن شاء الله يُسعِفنا الوقت في التطرُّق إلى ما تفضّلتِ به. أولاً عدم الطمأنينة للأيام وللدهر، هل عبّرتِ عن هذا القلق شعراً؟ القلق من الأيام، من الزمن، من الوقت، من العُمر ربما 

روضة الحاج: ربما كان هناك بعض القصائِد القديمة، الآن لا يحضُرني النصّ بعينه لأعبّر عن هذا القلق لكنّه قلق يتسرّب وينسلب بين ثنايا القصيدة أيّاً كانت 

زاهي وهبي: سيّدتي وشاعرتي في شعركِ هناك مسحة غنائيّة أو نبرة غنائيّة، نفس إنشادي إذا جاز التعبير. سؤالي هو، من أين لكِ هذه النبرة الغنائيّة؟ ولماذا؟ 

روضة الحاج: أعتقد أنّه من ذاتي، ذاتي المؤمنة بالغنائية كلونيّة للشِعر. وأعتقد أنّ كثيراً مما يُشكى منه من انصراف الناس عن الأُمسيات الشِعرية وانصرافهم عن الشِعر بعد أن كان هو المُعبِّر الأوّل عن الناس في كل أنحاء الوطن العربي، وانسحاب البساط شيئاً ما من تحت أقدام الشِعر لصالِح الرواية وكل هذا الذي يُقال أعتقد أنّ السبب الرئيس فيه هو عمُّد تغييب الغنائيّة عن الشِعر، وكأنّها أصبحت دعنا نقول موضة قديمة. الشعراء الآن ميّالون في شكلٍ أو في آخر للقصيدة الفلسفية والقصيدة 

زاهي وهبي: الذهنية 

روضة الحاج: المُعقّدة لفظياً والقصيدة الذهنية إلى آخر ذلك، لكنني أعتقد أنّني بنت هذا النوع من الشِعر 

زاهي وهبي: تأكيداً على كلامكِ، مُعظم النصوص التي عاشت عبر التاريخ، عبر الأزمنة منذ نشيد الأناشيد ومنذ الإغريق واليونان إلى يومنا هذا هي نصوص فيها شيء من الغنائيّة إن لم تكن غنائية بالمُطلق 

روضة الحاج: صحيح

زاهي وهبي: هل نستمع إلى شيء قبل مواصلة الأسئِلة، نستزيد شعراً لو سمحتِ 

روضة الحاج: نعم

زاهي وهبي: تفضّلي

روضة الحاج: ألتزمُ بالقصائِد القصيرة وأنا بنت القصائِد الطويلة. أقرأ قصيدة "نشيد المفازات" 

زاهي وهبي: تفضّلي 

روضة الحاج: 

وتساقطوا، وتساقطوا لمّا هززتُ شجيرة المعنى ولم أكُ أقصدُ 

جفوا متى ولِمّا وكيف وما يزال الموعِدُ 

قد كنتُ أسقي ودّهم بدمي وأُمعِنُ في الوفاءِ وأجهدُ

يا رِفقةً يبست وكنتُ أظنّها من فرط إيماني بها ستُخلّدُ 

ردّوا على القلبِ اليتيم بياضه فبمثله قد لا يليقُ الأسودُ 

وتساقطوا لمّا أضأتُ وجوههم عرَضاً ومصباحي خفيتٌ مُجهدُ

كانت دماي تسيلُ من أشداقهم وجِلدي على أظفارهم وقصائِدي مذبوحةٌ وتغرِّدُ 

يا رِفقةً صدّقتها وظننتها ستُسرمدُ 

وتساقطوا لمّا هَما مطري فُجائِيّاً يُدمدمُ في الفضاءِ ويُرعِدُ

صاروا عُراةً، غادروا ألوانهم أو غادرتهم ربما فتسوّدوا 

طاروا غرابيناً أَصيحُ وراءهم لا تبعدوا، لا تبعدوا

وتآكلوا، كانت دواب الأرضِ تشربُ ظلّهم وأنا بمحراب الهوى أتعبّدُ 

حتى إذا سقطوا احتضنتُ ظلالهم وزرعتها وسقيتها كي يحصدوا 

وحرستُها وحرستُهم لكنّهم لم يصمدوا 

زاهي وهبي: جميل، جميل جداً. أين شِعركِ سيّدتي من القضايا العربيّة العامّة، مما يحدُث في وطننا العربي، مما يحدُث في (فلسطين) مثلاً، مما تتعرّض له القضيّة الفلسطينيّة من طَمْس ومن مُحاولة القضاء عليها إذا جاز التعبير؟ 

روضة الحاج: نعم. أولاً أنا أعتقد أنّ كل دواويني، ربما عدا الأخير، لا بدّ من أن تتضمّن نصّاً ما يعرِض للهمّ العام، للهمّ العربي والهمّ السوداني والهمّ الإسلامي والهمّ الفلسطيني تحديداً، وأنا من هذا المنبر ومن "بيت القصيد" أشكر الذين اختاروا قصيدتي لتكون

زاهي وهبي: لتُدرّس في (فلسطين)

روضة الحاج: نعم، لتكون ضمن المنهج الفلسطيني، "تغريبة المطر". وهكذا أعتقد أنّ واجب كل المثقفين وكلّ المُبدعين أن يُعبِّروا، صحيح يُعبّروا عن الذات الإنسانيّة والبشريّة، وهذه هي قضيّة الشِعر الأولى لكن لا بدّ من أن يُعبّروا عن الهمّ العام وعن هموم أوطانهم. لا بدّ من أن تكون الأوطان حاضرة أيضاً في دفاتر الشعراء 

زاهي وهبي: قبل أن نختُم ويكون مسك الختام شعراً من حضرتكِ، مَن هم شعراؤكِ؟ مَن هم الشعراء الأقرب إلى نفسكِ وإلى ذائِقتكِ الشِعريّة 

روضة الحاج: هذا أصعب سؤال في هذا الحوار الجميل معك 

زاهي وهبي: لا بدّ 

روضة الحاج: نعم، لكنني يصعُب عليَّ، دائِماً كنت أتجنّب الوقوع في فحّ الأسماء. الواقع، أنا قرأت لكلّ الشعراء الذين استطعت أن أقرأ لهم، ليس الآن ولكن باكراً. منذ العاشرة من عُمري قرأت حتى الذين لم أفهم ما معنى الذي كتبوه من الشعراء الجاهليّين وشُعراء عرب مُعاصرين ومن شُعراء سودانيين كبار وغيرهم، وبالتالي بدا لي أنّ تسمية أحد فيه ظلم كبير لآخرين ربما بالتأكيد أثّروا في هذه المسيرة 

زاهي وهبي: وجدتِ لنفسك مخرجاً من حَرَج الإجابة 

روضة الحاج: صدّقني أنا مؤمنة بذلك. جميعهم أثّروا بي في طريقة أو في أُخرى  

زاهي وهبي: إن شاء الله في لقاءات مُقبلة بإذن الله هنا في "بيت القصيد"، داخل البيت نفسه نستقبلكِ ونتحدّث في القضايا التي لم نستطع أن نتطرّق إليها، عملكِ في الإعلام، مجلّة "سمرا"، أيضاً موقفكِ من قصيدة النثر إلى آخره ولكن أشكركِ على هذا الوقت الذي أعطيتنا إياه وأترُك لكِ مسك الختام شعراً

روضة الحاج: أنا أشكرك أيضاً قبل أن أختار القصيدة الأخيرة، وأقول لك: نجن جميعاً الذين نُحبّ الأدب ونُحبّ الشِعر ونكتبه أحياناً نُقدِّر كثيراً ما تفعله أنت كشاعِر وإعلامي وما يفعله "بيت القصيد" في كل فريق عمله الممّيز

زاهي وهبي: نحاول

روضة الحاج: شكراً لكم، شكراً لكم 

زاهي وهبي: شكراً، تفضّلي 

روضة الحاج: سأقرأ قصيدة "الغريب" وهي ليست طويلة 

ومُحتشداً بالأساطيرِ والغَيم وذكرياتي القديمةِ 

تدخل ذاكرتي بالتعاويذِ والشِعر 

تطمُرها بالغناء الحزين 

تعودُ كما يرجعُ الجندُ بعد خساراتهم، تركوا نصفهم في العراءِ

وجاؤوا لنُكمِلهم بالزغاريد والنُصُب العالية

أتدري؟ لعلّي تركتُ السؤالَ "متى" خارِجَ الوقتِ 

ثمّ أتيتُكَ باللامبالاةِ، فامكُث كما شئتَ أو غادر الآن لا فرقَ

كل المواقيتِ لي والأماكن تُشبه أضدادها 

والتضاريس مسخٌ تحوِّره رغبة العابرين

أتعرِفُ أنّي هنا منذ عشرين عاماً؟

زرعتُ الظلال التي تجلس الآن فيها

حرستُ القصائِدَ بالصلوات الوئيدة

غنّيتُ للريحِ حتى تنام

وهدهدتُ صبرِيَ بالصبرِ حتى كبُر

تعلّمتُ من أُمّنا الأرض نذراً يسيراً من الدرسِ

سامحتُ نفسي وغفرتُ خطيئاتها 

وأحببتها رغم كل اعوجاج قناعاتها بالحياة 

تقبّلتها بالعيوب الندوب وما زلتُ ألتمِسُ العُذر لي وللآخرين 

الذين يظنّون أنّ الكمالات ممكنةٌ واحتفيتُ بعجزي وضعفي

وما زلت أكسِرُ في كل يومٍ بفأس المحبّةِ جزءاً من الصخرة القاسية

زاهي وهبي: ألف ألف ألف شكر 

روضة الحاج: شكراً أُستاذ "زاهي" شكراً 

 

  

                                                                                             

   

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل