ما بعد الانتخابات الأميركية

على وقع عوامل داخلية متعددة اختار الاميركيون بين دونالد ترامب وجو بايدن ولعل المَلفات الخارجية لا يكترث لها الناخب الأميركي بقدرِ ما ينتخب وَفقاً للوعود الانتخابية على صعيد الداخل.

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مُشاهدينا. على وقع عوامل داخليّة متعدّدة اختار الأميركيون بين "دونالد ترامب" و" جو بايدن، ولعلّ الملفّات الخارجية لا يكترث لها الناخب الأميركي بقدرِ ما ينتخبُ وفقاً للوعود الانتخابيّة على صعيد الداخل. لكن ما يهمّنا في منطقتنا هو شخصيّة الرئيس التي تعكس برنامجه لأربعة أعوام لمعرِفة ما إذا كان الإقليم سيلتهبُ وسطَ حروبٍ مُتنقّلة أم ستُعقَدُ صفقاتٌ كُبرى. عواصم العالم تنتظر معرِفة هويّة الرئيس الأميركي، إلا أنّ (طهران) أعلنت موقفها مبكّراً وهو أنّها لا تهتمّ كثيراً بالرئيس الفائِز باعتبارِ أنّ الأهم هو سياسات الإدارة الجديدة واستراتيجيّاتها تجاه (إيران) ومحور المُقاومة في شكلٍ عام. في المُقابل ملفّاتٌ أُخرى تنتظر قرار البيت الأبيض، من ضمنها سحب القوات الأميركية من (العراق) و(سوريا) وكيف سيكون الموقف الأميركي من الأزمة الخليجية والحرب على (اليمن). الأهم، ماذا عن صفقات التطبيع وفرض الأمر الواقع وإنهاء القضيّة الفلسطينية؟ ودولياً كيف ستتعاطى الإدارة الجديدة مع (روسيا) و(الصين)؟ 

المحور الأول: 

كمال خلف: مُشاهدينا أهلاً بكم إلى هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" نستضيف فيها من (روما) الكاتبة المُُتخصّصة في السياسات الأميركية والشرق أوسطيّة "غايا بلغريني بيتولي"، وهنا في الاستديو الباحث والمُحاضِر الجامعي وأُستاذ العلوم السياسية الدكتور "علي دربج". أُحييكما ضيفيّ العزيزين وأبدأ معك دكتور "علي"، هل يُمكن في هذه اللحظات الوصول إلى خلاصات في الانتخابات الأميركية؟ أي الحديث عن نتائِج، عن سياسات، عمّا ستؤول إليه الأمور، أم من المُبكِّر الحُكم؟ 

علي دربج: تحية لك 

كمال خلف: حيّاك الله 

علي دربج: ولضيفتك الكريمة ولجميع المُشاهدين والمُشاهِدات

كمال خلف: الله يُحييك

علي دربج: طبعاً من المُبكِّر الحديث عن ظهور نتائِج أقلّه في المدى المنظور، أعني ألا نتوقّع ظهور نتائِج إلا بعد حوالى ثلاثة أيام في أقلّ تقدير

كمال خلف: نعم، هذا عن نتائِج الانتخابات. هل يُمكن أن نتحدّث عن خلاصات حتى هذه اللحظة؟ نوع من النتائِج السياسية أو التقييمية دعني أُسمّيها حتى اللحظة وليست نتائِج الانتخابات الأميركية؟

علي دربج: مثلما هو معروف، النتائِج الأولية التي تظهر متقاربة نوعاً ما. يبقى عامل الحسم في النتائِج الأساسية هو الولايات المتأرجحة. هذه الولايات نتائِجها ستحسم إسم الرئيس المقبل 

كمال خلف: نعم 

علي دربج: لكن هناك عقبة تتمثّل في التصويت عبر البريد الإلكتروني. مثلما هو معروف، هذا يتطلب فرزاً ووقتاً 

كمال خلف: ستكون نُقطة جدل في ما بعد في تقديرك؟ 

علي دربج: بالضبط. نحن نعرِف أنّه منذ الأشهر الأولى وخلال حملته الانتخابية كان "ترامب" يشكّك ويرفض في الأساس التصويت بالبريد الإلكتروني لأنّ أغلبيّة قاعِدة "بايدن" متّجهة إلى التصويت عبر البريد الإلكتروني على عكس القاعدة الجماهيرية والشعبية لـ "ترامب" التي في أغلبها تصوّت 

كمال خلف: هذه يُمكن اعتبارها خلاصة، أنا كنت أسأل عن الخُلاصات وليس النتائِج. في تقديرك، يُمكن الاستنتاج أنّ هذه الانتخابات سوف تؤدّي إلى مُشكلة داخلية في (الولايات المتحدة)؟ 

علي دربج: بالتأكيد، الأمور ذاهبة في (الولايات المتحدة) إلى انقسام وإلى، أعني أننا سنشهد أزمة لا يُمكن وصفها بالعابرة بل تتطلّب مدى زمنياً. سنشهد أزمة 

كمال خلف: يعني لن نكون في تقديرك دكتور أمام انتخابات كالانتخابات السابقة، في نهاية الانتخابات تظهر النتائِج ويحتفل الفائِز ويتمنّى له الرئيس الخاسر 

علي دربج: أبداً. نحن مقبلون على أزمة دستورية، هذا مُتوَقّع جداً. في رأيي المرشّحان سيذهبان إلى المحكمة الدستورية العليا 

كمال خلف: سيلجأ المرشّحان إلى المحكمة الدستورية العليا 

علي دربج: بالتأكيد

كمال خلف: إسمح لي أن آخذ رأي السيّدة "غايا"، أسعد الله مساءكِ سيّدة "غايا بيتولي". لديكِ أو ألّفتِ كتاباً عمّا نتحدّث عنه، كتاب تحت عنوان "اهتزاز (أميركا) – تغطية انتخابات 2020"، هذه صورة الكتاب على الهواء. أنتِ مؤلِّفة هذا الكتاب وهذا الكتاب يتحدّث عمّا نمرّ فيه هذه الأيام. هل ما جاء في هذا الكتاب أو الخلاصات والنتائِج والأفكار التي وضعتِها في هذا الكتاب تتماشى مع ما يحدُث اليوم في الانتخابات الأميركية؟

غايا بلغريني بيتولي: بدايةً شكراً جزيلاً على استضافتي، لقد عشتُ في (لبنان) لذلك يبقى (لبنان) دائِماً مُقرّباً على قلبي. بالنسبة إلى مُحتوى كتابي، وفي صورة أساسية ما يدور من أحداثٍ في (الولايات المتحدة الأميركية) الآن، أعتقد أن مجرّد الإشارة إلى أنّ المُشكلة تقتصر على أزمة دستورية نتيجةً لرئاسة "ترامب" هو ضربٌ من التضليل لأنّ الأزمة الداخلية التي تعصف بـ (الولايات المتحدة الأميركية) هي أزمة مُجتمعيّة حيثُ المُجتمع في جزءٍ منه يجنح إلى المزيد من الليبراليّة وجزء آخر يجنح نحو المزيد من المحافظة، وكل ذلك قد تفاقم نتيجةً للتباطؤ الاقتصادي الذي رافق جائِحة "كوفيد 19"، والأمران أدّيا إلى شرخٍ أكبر بين فئات المُجتمع. لا بدّ من أنّ نستذكر أنّه على مُستوى الحزب الديمقراطي، وفي الولايات المتحدة الأميركيّة حزبان أساسيان هما الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري، إذا الحزب الديمقراطي في حدّ ذاته يمُرّ بأزمةٍ كُبرى ولقد ظهرَ ذلك هذا المساء، مساء الانتخابات، حين أحد أعضاء مجلس الممثلين "ألكسندرا أوكاسيا كورتيز" قامت بانتقاد النهج الذي اتّبعته حملة "بايدن" بالنسبة إلى التقرّب من الناخبين وهذه مسألة عادةً لا تحدُث لاسيما عندما لا تكون النتيجة محسومة بعد، والأمر سينسحب على الحزب الجمهوري لأنّ "ترامب" هو خارِجٌ تماماً عن هذا الحزب. ما الذي نعنيه بذلك؟ عندما نتحدّث عن خارجين سرعان ما نتخيّل في (إيطاليا) وفي (لبنان)، نظراً إلى تقارُب المُجتمع، إمكانية تحوُّل ممثل مثل "ريغان" إلى رئيس. لنأخذ "ريغان" مثالاً، كان "ريغان" حاكم (كاليفورنيا) وعمِلَ في السياسة ولم يكن رجل أعمال، أمّا "دونالد ترامب" فهو في شكلٍ أساسي رجل أعمال وليس مُرتبطاً بأيّ حزب ولم يكن يوماً مرتبطاً بحزب. كان في البداية مرتبطاً بالحزب الجمهوري ثمّ الديمقراطي ثمّ كان مُستقلاً فانتمى بعد ذلك إلى الحزب الجمهوري، لذلك لا يُراعي إلا مصالِحه الخاصّة وكل الأحزاب تنظر إليه كشخص خارِج عن هذه المؤسّسات، وقام كذلك بتمويل كل حملاته الانتخابية 

كمال خلف: ماذا تريدين أن تقولي؟ 

غايا بلغريني بيتولي: لذلك هو ليس روحاً حرّة لكنّه لا يميل لأي شخص ولا يُقدِّم أسراره إلى الشعب الأميركي 

كمال خلف: سيّدة "غايا" لماذا تقولين ذلك الآن؟ ما علاقة هذه الدلائل أو علاقة هذه الصفات للرئيس بما سيحصل أو ما يحصل الآن؟ 

غايا بلغريني بيتولي: الارتباط واضح، أقول ذلك لأنّ "ترامب" لا يحترِم قواعد اللعبة. ما عرفناه سابقاً هو وجود رؤساء ومُرشّحين هم أجزاءٌ من المؤسّسة العميقة، هذا يعني أنّهم يتبعون نهجاً مُحدّداً تعتنقه الإدارة للتعامل مع الأمور، وإذا ما أردنا أن نقيم مُقارنةً بديهية مع الأزمة التي حصلت خلال الانتخابات في عام 2000 في (فلوريدا) عندما عرِفنا نتيجةً مُتقاربة بين "آل غور" من الحزب الديمقراطي و"بوش" الإبن من الحزب الجمهوري، المسألة جرى تمثيلها في غضون شهر ومع ذلك كنّا نتعامل مع مُرشّحين كانا طويلي الباع في المجال السياسي وكانا جزءاً من المؤسّسة العميقة وكانا يتّبعان قواعد اللعبة. لكن "ترامب" عكس ذلك ورأينا ذلك حتى في الشرق الأوسط، فهو يقوم باتخاذ القرارات بناءً على نزعاته وفي شكلٍ عفوي في بعض الأوقات ومن الصعب علينا أن نتكهَّن ما قد يفعل. لكن ما نعرِفه في الوقت الراهن هو أنّه بالنسبة إلى فريقيّ "بايدن" و"ترامب"، الفريقان كانا ناشطين في شكلٍ كبير على مُستوى حشد الدعم المالي للمباشرة بمعركةٍ قضائية فعلية معتبرين أنّ المسألة قد تصل إلى ذاك المُستوى وهكذا تبدو الأمور متّجهةً اليوم. فكرة حصول فوز كاسح باتت خارِج المتوقع، وحتى الآن فيما نتحدث لم نصل إلى النتائِج الأخيرة 

كمال خلف: يبدو أنّ "غايا بيتولي"" توافق على تشخيصك دكتور "علي" في ما يتعلّق بأنّه لن تمرّ الأمور في شكل هادئ وسلس في (الولايات المتّحدة). هناك أيضاً حديث أو وصف للرئيس الأميركي بأنّه يُعاني من اختلال في الشخصيّة أو الشخصيّة المُتضخّمة النرجسية المُضطربة، هذا تعتقد يلعب دوراً؟ بمعنى هناك مُشكلة نفسية عند الرئيس "دونالد ترامب" سوف يدفع ثمنها الحزب الجمهوري أو تدفع ثمنها (الولايات المتّحدة الأميركية)؟ 

علي دربج: هناك بالفعل مشكلة تتعلّق بسلوك الرئيس "ترامب"، "ترامب" يعتبر نفسه يتمتّع بنوعٍ من الكاريزما. مثلاً مُحاميه الشخصي الذي تعرّض للمُحاكمة "مايكل كوهين" يقول عبارة معبِّرة جداً مفادها: "ارتباطي بـ "ترامب" ليس ارتباطاً بالسلطة والمال بل هو ارتباط عاطفي"، ثم يختم ويقول: " ملأني "ترامب" وأشعر بأنّ مع "ترامب" كل شيء مُمكن". هنا يتحدّث عن شخصية لا تهتمّ بشيء إسمه قوانين، لا تهتم بشيء إسمه أنظمة. مسألة أنّ كلّ شيء ممكن مع "ترامب"، أي هو يعطيه الروح في نوع من مسألة كسر القوانين والقفز فوق كل شيء إسمه نظام وقانون. بالتأكيد، هذا النوع من الشخصيات إذا قارنتها مع الرؤساء السابقين تجدها غير طبيعية، بمعنى هناك خلل ما يتعلّق في نوعٍ من التعاطي خصوصاً عند اتخاذ القرارات كما تفضّلت ضيفتنا الكريمة وهذه القرارات بعضها كان مُتسرّعاً وبعضها الآخر كان عشوائياً في بعض الأحيان وانعكس ذلك سلباً أحياناً ربما على قاعدته الانتخابية وعلى النتائِج    

كمال خلف: التي نراها الآن في بعض الولايات

علي دربج: بمعنى أنّ الرئيس "ترامب" كان يتصرّف خلال أربع سنوات في شكلٍ مسرحي مع رؤساء العالم من حيث المُصافحة أو الوقوف في المكان وكان يُثير الكثير من التساؤلات حول تصرّفات فيها نوع من العنجهيّة وإلى آخره

كمال خلف: "لورانس دوغلاس" دكتور "علي" وأيضاً سيّدة "غايا" لديه أيضاً كتاب بعنوان، "هل سيرحل؟"، يقول "لورانس دوغلاس": " في الثالث من تشرين الثاني/ نوفمبر"، أي يوم انتخابات أمس، "سيكون هذا التاريخ مدخلاً إلى عاصفة مثالية تُبحِر (أميركا) إلى قلبها من دون معرِفة نتائِجها"، وكأنّ "دوغلاس" تقريباً يتّفق معكِ في ما ذهبتِ إليه وأيضاً مع الدكتور "علي" في أنّ شيئاً ما سوف يحدُث ولن تمرّ الأمور بسلام. لكن ما هي المؤشّرات هنا؟ الكثير من النظريات، أو مَن تحدّثوا مثل حضرتكِ سيّدة "غايا" وحضرتك دكتور "علي" والنُخَب الأميركية وغير الأميركية الأُخرى، عن المُسلّحين والعُنصرية والعُنف ورفض النتيجة والذهاب إلى ربما أزمة في (الولايات المتّحدة) على الصعيد الاجتماعي وربّما الأمني ولاحقاً السياسي لكن ما هي الدلائِل اليوم على الأرض أنّ هذا سوف يحدُث؟ حتى هذه اللحظة ما نراه طبيعياً نوعاً ما، فيه نوع من الانتظار للنتائِج، التعليق على تصويت البريد، هناك مواقف سياسية تؤخذ مواقف حزبية تؤخَذ لكن ليس حتى الآن ثمة شيء خارِج عن الطبيعة. نتذكّر انتخابات "آل غور" و"جورج و. بوش"، سبعة وثلاثون يوماً حتى ظهرت النتائِج في تلك الانتخابات! يعني لا شيء حتى الآن غير مسبوق في الولايات المتحدة يؤكِّد تلك النظريات

غايا بلغريني بيتولي: في الواقع أعتقد أنّ ما هو غير مسبوق هو المُناخ العام، مُناخٌ من الاضطراب على مستوى عام. عندما نستمع إلى مُصطلح "العنصرية المؤسّسة"، وهو مُصطلح نفى "ترامب" وجوده في ما أكّد "بايدن" وجود هذه الظاهرة، فهذا يُعبِّر عن الكثير ويُعبِّرُ عن أنّ العُنصرية موجودة في الخلفية دوماً في (الولايات المتحدة الأميركية) وتطلّ برأسها بين الحين والآخر. بالطبع لم نقُم بعد باحتساب كل الأصوات ولا بدّ من أن ننتظر لبضعة أيام كي ينتهي الاحتساب. في (بنسلفانيا) قد نُضطرّ إلى الانتظار حتى السادس من نوفمبر/ تشرين الثاني، وقد أضرب لكم مثالاً بأننا سنضطر إلى الانتظار في بعض الولايات. إذاً السياق الإجمالي هو سياق الوقت الراهن الذي تشكّل نتيجة تراكُم عناصر عدة مرتبطة بطريقة إدارة الجائِحة وكذلك التباطؤ الاقتصادي الحاد الذي عرفته (الولايات المتحدة الأميركية) خلال رُبعيّ السنة السابقين. القول أنّ الاقتصاد في حلّة جيدة هو سوء تفسير خطير للوضع الاقتصادي. الاقتصاد ليس في وضعٍ جيِّد، وإذا ما أخذنا واقع "وال ستريت" كمثال وكمؤشِّر كذلك على صحّة الاقتصاد، يوجد فارق كبير بين مُعدّلات البطالة وبين أداء "وال ستريت". ونظراً إلى أننا لم نشهد على تظاهرات غامرة في الشوارع بعد، على الرغم من أنّها بدأت في بعض المناطق، هذا لا يعني أنّها لن تحصل فمن شبه المؤكّد أنّها ستحصل وقد رأينا في الأشهر القليلة الماضية، منذ مقتل "جورج فلويد" في الخامس والعشرين من أيّار / مايو، أنّ البلاد عرِفت قدراً كبيراً من الاضطرابات وعرِفنا كذلك حال الممرض الشاب الذي أُرديَ من جانب رجال الشرطة

كمال خلف: يبدو سيّدة "غايا" وأيضاً دكتور "علي" بأنّكما متأكّدان من أنّ أموراً أو اضطرابات ستحدُث في (الولايات المتحدة). على كلّ حال سننتظر لنرى إن كان هذا ما سيحدُث في (الولايات المتحدة الأميركية) أم أنّ الأمور سوف تمرّ في شكلٍ تقليدي وطبيعي. سأنتقل أيضاً إذا سمحتما لي دكتور "علي" والسيّدة "غايا" إلى أيضاً موضوع حلقتنا اليوم، بعد أن تحدّّثنا في هذا المدخل عن (الولايات المتحدة الأميركية) وما يحصل حالياً وما هو تأثير مستقبل السياسات الأميركية على ملفّات المنطقة في شكلٍ مُحدَّد. لديك بعض الإحصائيات تريد أن تذكرها دكتور "علي" قبل أن ندخل في موضوع الحلقة 

علي دربج: لديّ بعض الأرقام خصوصاً عن مسألة التمييز العُنصري في (الولايات المتحدة الأميركية) وفقاً لدراسة نشرها بنك "سيتي غروب" في تشرين الأول/ أكتوبر 2020 أي الشهر الماضي. تقول الدراسة: "أدّى التمييز العُنصري في الإسكان والتعليم والأُجور والإقراض المالي إلى خسارة ستة عشر تريليون دولار من الناتج المحلّي الإجمالي لـ (الولايات المتحدة الأميركية) في الأعوام العشرين المنصرمة، كما تُساهم، وفقاً للإحصائية، فجوة الأمور عند الأميركيين السود في خسارة 2.7 تريليون دولار أُخرى من الناتِج المحلّي الأميركي الإجمالي. وفقاً لبرنامج الإغاثة الأميركي، أدّى الوباء إلى إغلاق 41 في المئة من الشركات المملوكة من السود في (الولايات المتحدة الأميركية) مُقابِل سبعة عشر في المئة فقط من الشركات المملوكة من الأشخاص البيض البشرة". هذه أرقام 

كمال خلف: هذه مُعطيات تُهيّء الظروف كما قالت الدكتورة 

علي دربج: هذه أرقام رسمية صادرة عن مؤسّسات رسمية في (الولايات المتحدة الأميركية) تشير إلى كمّ صارت العُنصرية مُتجذّرة في المُجتمع الأميركي، هذا عدا عن التاريخ العُنصري الحافل لـ "ترامب" الذي تبيّن من خلال البحث أنه مسألة عائلية. والد "ترامب" كان مُنتسباً لإحدى المنظمات المتطر     فة واعتُقِل في الثلاثينات، يعني هنا نتحدّث عن رئيس أكبر دولة في العالم وله تاريخ حافل بالعُنصرية وعن مُعطيات حقيقية عن العُنصرية منتشرة في المُجتمع الأميركي 

كمال خلف: إسمح لي هنا دكتور "علي" أن نتحدّث أيضاً عن منطقة الشرق الأوسط أو العالم العربي تحديداً وملفّات منطقة غرب (آسيا). اليوم هناك انتظار في العالم كلّه لإسم الرئيس الأميركي، وفي الشرق الأوسط كما بقيّة دول العالم هناك اهتمام بمَن سيكون في البيت الأبيض لاحقاً. سيّدة "غايا"، هذا الاهتمام في محلّه في الشرق الأوسط في رأيكِ؟ لأنّ ثمّة تغييرات قد تحصل في المُستقبل القريب في حال بقيَ الرئيس "دونالد ترامب" أو كان "جو بايدن". هل ثمّة تغييرات كُبرى أو تغييرات مُهمّة قد تحدُث في ملفّات تتعلّق بالمنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط؟ اختاري حضرتكِ أياً من هذه الملفات التي يُمكن أن يكون فيها تأثير كبير بناءً على نتائِج الانتخابات الرئاسية الأميركية الراهنة

غايا بلغريني بيتولي: حسناً، أودّ أن أبدأ بمسألةٍ مرتبطة بشخصيّة المُرشّحين الرئاسيين. ما حصل تحديداً مع وزارة الخارجية هو أنّ الكثير من هذه المؤسّسة قد جرى تقويضها على مُستوى الموظّفين وباتت الوزارة تعتمد في شكلٍ أساسي على شخصيّة وزير الخارجية. أعتقد أنّ هذا الجانب سيتغيّر في حال أصبح " جو بايدن" الرئيس الجديد للبلاد، فلن تتمّ شَخْصَنة الوزارات على هذا النحو لاسيّما وأنّ "بايدن" قد عمِلَ كنائب للرئيس "أوباما" ولا شكّ في أنه سيرغب في استعادة بعض أعضاء وأفراد الفريق السابق لـ "أوباما" أو فريقه. ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى الشرق الأوسط وبالنسبة إلى علاقات مثلاً (لبنان) بجيرانكم؟ العلاقات التي تُثير لكم الكثير من المشاكل؟ إن كان الأمر يتعلّق بـ "بايدن" أو "ترامب"، لا شكّ في أنّ الملفّ الأمني سيبقى الأولوية القصوى ولا أعتقد أنّنا سنشهد على تغييرٍ حتى بالنسبة إلى ملفّ (القدس)، ولن نشهد على عودةٍ مثلاً للسفارة إلى مكانها السابق. ربما من الجوانب الأساسية التي قد تؤدّي إلى تغيير في حال إعلان "بايدن" رئيساً هو تبدّل العلاقة مع (إيران). في رأيي هذا الملفّ سيجري تحجيمه بعض الشيء وسنعود إلى تسوية ما 

كمال خلف: دعينا نتوقّف هنا سيّدة "غايا"، أتوقّف هنا عند (إيران) بعدها ننتقل إلى ملفات أُخرى بالتفصيل. بالنسبة إلـى (إيران) قبل أن نذهب إلى فاصل دكتور "علي"، هل تعتقد أنّ ثمّة فرقاً كبيراً سيكون في التعامل بين سواء "جو بايدن" أو "دونالد ترامب"؟ الحديث عن "جو بايدن" وعن أنه يُمكن أن يعود مرّةً أُخرى إلى اتفاقية العمل الشاملة المُشتركة مع باقي دول الخمسة زائِد واحد و(إيران) والعودة إلى اتفاق "أوباما" من جديد ورفع العقوبات عن (إيران) هل هو حديث جدّي حقيقي ممكن أن يحصل؟

علي دربج: بالنسبة إلى تعامُل "بايدن" مع الملف الإيراني وهو الملفّ الأهمّ في منطقة الشرق الأوسط، هناك ملفان يهمّان عادةً أيّة إدارة أميركية أياً كان الفائِز، الملف الإيراني و(إسرائيل). عادةً (الولايات المتحدة) والإدارات الأميركية 

كمال خلف: مرتبطان هذان الملفان، لهما علاقة بالضغط على (إيران) ولهما علاقة بأمن (إسرائيل)   

علي دربج: طبعاً. أُنظر للشرق الأوسط خصوصاً (إيران) من منظار العين الإسرائيلية، من دون ذلك أبداً كلّه كلام فاض. مسألة الربط بـ (إسرائيل) هي مسألة ارتباط وثيق وبنيوي. "بايدن" من المُحتمل جداً، وهذا تحليل، أن يلجأ إلى الفريق السابق الذي أبرم الاتفاق النووي الإيراني ويستعين به 

كمال خلف: لإعادة تفعيل الاتفاق 

علي دربج: لإعادة تفعيل الاتفاق مع التشديد على التزام (إيران) ببنود الاتفاق. وهناك خيار آخر

كمال خلف: لكن هناك، إذا ما أسميناه، أرنب الساحر من القُبعة الذي أخرجه "دونالد ترامب" وهو موضوع الصواريخ الباليستية، يبدو أنّ الأوروبيين حتى أصبحوا يتحدّثون أو لديهم تحفّظات على هذه الصواريخ البعيدة المدى. "دونالد ترامب" قال لهم: "لماذا "أوباما" استبعَد هذا الأمر من المُفاوضات؟ علينا أن نُعيد التفاوض من جديد ونُدخِل هذا الموضوع. الموضوع حيوي بالنسبة إلـى (الولايات المتحدة الأميركية) 

علي دربج: صحّ

كمال خلف: و(إسرائيل)، ويؤيّده الأوروبيون. هل "بايدن" سيتجاوز ذلك؟ 

علي دربج: هنا كنت أتحدّث لك عن النُقطة الثانية أو الخيار الآخر وهو تحديث الاتفاق النووي، وهنا نتحدّث عن ربما إدخال تعديلات تتعلّق بالبند الأساسي وهو الذي يُقلِق (إسرائيل) في الدرجة الأولى. بمعنى هذا عامِل قلق لـ (إسرائيل) ويقضّ لها مضجعها وهو عامِل الصواريخ الباليستية والاستراتيجية التي تمتلكها (إيران). إذا تمّ تحديث الملفّ أو الاتفاق النووي الإيراني وإدخال بند يتعلّق بالصواريخ، هذا أعتقد (إيران) سترفضه

كمال خلف: أكيد، هم أكّدوا ذلك أكثر من مرّة 

علي دربج: أكيد. هذا هو الإطار الذي أعتقد تحرّك فيه "ترامب"، وهو قد يُراهن كما قلت في البداية على الفريق الذي فاوض وأبرم الاتفاق النووي، مثلاً قد يستعين بـ "جون كيري" والفريق المفاوِض السابق 

كمال خلف: هنا إسمح لي أن أسأل السيّدة "غايا" في موضوع (إيران). هناك نظرية سيّدة "غايا" تقول بأنّ "دونالد ترامب" سيكون أفضل في السنوات الأربع المقبلة بالنسبة إلـى (إيران) لأنّه مارَسَ سياسة الضغوط القصوى لأربع سنوات وأراد أن يحصل على ولايةٍ ثانيةٍ من خلال الضغط على (إيران) وتقديم هدايا لـ (إسرائيل) وإلى آخره. لكن في السنوات الأربع التي سيكون فيها "دونالد ترامب" في السُلطة، لن يكون كما هو في الأربع سنوات الماضية، بالتالي سيُطبِّق ما قاله حرفياً بأنه هو الرئيس الذي سوف يمنح (إيران) أفضل صفقة يُمكن أن تحصل عليها. هل تعتقدين أنّ "دونالد ترامب" في السنوات الأربع المقبلة أفضل لـ (إيران) من "جو بايدن"؟ على اعتبار أنّه من الممكن أن يُبرِم تلك الصفقة التي تحدَّث عنها 

غايا بلغريني بيتولي: لا أعتقد ذلك، فبالنسبة إلى طريقة تعاطي (الولايات المتّحدة الأميركية) مع السياسة الخارجية والملفّ الإيراني لا يُمكن إلا أن تتحسّن الأمور لاسيما بالنسبة إلى القيود المفروضة على الشعب الأميركي الذي يدفع الكلفة الباهظة نتيجة العقوبات إلى آخره، بالتالي لستُ مُقتنعة تماماً أن إمكانية حصول هذا الأمر. لكن أكنّا نتحدَّث عن الرئيس "بايدن" أو "ترامب"، وعفواً لابتعادي قليلاً عن الحديث عن (إيران)، لا شكّ أنّ في (الولايات المتّحدة الأميركية) لا توجد شهيّة على الإطلاق للتواجد في شكلٍ مُتعدّد ومُكثّف في الشرق الأوسط، فالتوجّه هو توجُّه نحو الانسحاب وقد رأينا بدايةً في ظلّ ولاية "أوباما" وتعزَّز الأمر في ظلّ ولاية "ترامب" والأمر ليس مُستجدّاً من هذا المُنطلق إضافة إلى أن أحد الإجراءات المعتمدة لكبح لجام (إيران) و"حزب الله" هو الإجراء المالي HIFPA الذي جرى تطبيقه عام 2016  وهو تدبيرٌ وقّعَ "أوباما" عليه في الواقع. لذا لا أعتقد أنّ الأمور ستتحسّن إلى حدٍّ كبير في حال انتخاب "ترامب" وليس "بايدن". ربما الانفراج الوحيد قد يكون على مُستوى المآسي الشعبية التي يتكبّدها الشعب الإيراني نظراً إلى الطريقة التي ينظُر "ترامب" فيها إلى شخصه وإلى الإرث الذي يودُّ أن يتركه على المُستوى السياسي. هو مُستعدٌّ ربما للتراخي بعض الشيء على مُستوى الضغط الشعبي وتنحصر الأمور في هذا السياق، لكن ما يجدُر بنا أن نفهمه في شكلٍ أساسي هو عدم وجود شهيّة في (الولايات المتحدة الأميركية) على الإطلاق للتدخّل أكثر في الشرق الأوسط

كمال خلف: حسناً، سيّدة "غايا بلغريني بيتولي"، دكتور "علي" ومُشاهدينا سنتوقّف مع فاصلٍ قصيرٍ بعده نتحدّث أيضاً عن "صفقة القرن"، الخليج، (سوريا)، و(تركيا) والعلاقة إذا كان هناك وقت مع (روسيا) و(الصين) في القسم الثاني من "لعبة الأُمم" بعد الفاصل

المحور الثاني 

كمال خلف: أُحيّيكم من جديد مُشاهدينا في "لعبة الأُمم"، نتحدَّث في هذه الحلقة عن الانتخابات الرئاسية الأميركية وأيضاً علاقة النتائِج المُقبلة بمنطقة الشرق الأوسط على اعتبار أنّ هناك انتظاراً للرئيس المقبل وهناك اهتماماً في كل العالم لمَن سيكون ساكِن البيت الأبيض الجديد وكيف سيتعامل مع ملفّات مُلتهبة وساخنة في منطقتنا. دكتور "علي"، إذا ما تحدّثنا أيضاً عن موضوع القضيّة الفلسطينية و"صفقة القرن"، لطالما وُصِفَت "صفقة القرن" والجهود التي قام بها صهر الرئيس

علي دربج: "كوشنير"؟ 

كمال خلف: أجل "كوشنير" بأنّها كانت نوعاً من الدعاية الانتخابيّة وإظهار الرئيس "دونالد ترامب" بأنّه قادر على إنجاز ما لا يُمكن أو ما لم يستطع إنجازه أيّ رئيس أميركي آخر خلال السبعين عاماً الماضية من الصراع العربي الإسرائيلي ووصفت بأنّها دعاية، يعني "صفقة القرن" هي لخدمة "دونالد ترامب" انتخابياً. هل تعتقد فعلاً أنّ الأمر هكذا، و"صفقة القرن" ستواجَه بالتجاهُل من قِبَل "جو بايدن" والذهاب مرة أُخرى إلى حلّ الدولتين والتمسُّك فيه؟ إذا فاز "دونالد ترامب" سيهتمّ بـ "صفقة القرن" كما كان مُهتمّاً فيها قبل الانتخابات؟ كل هذه أسئِلة موضوعة على الطاولة الآن في ما يخصّ هذا الملف. لديك إجابات عليها؟ 

علي دربج: أعتقد أنّ الشيء الأساسي الذي سيفعله "بايدن" في حال فوزه هو إعادة الفلسطيني إلى مفاوضات، وبهذا يُحقّق عدّة أمور إيجابية، أولاً لصالِح (إسرائيل) في الدرجة الأولى وأعتقد لصالح أيضاً الفلسطينيين

كمال خلف: "جو بايدن" سيُعيد الفلسطينيين إلى التفاوض؟ 

علي دربج: نعم

كمال خلف: على أيّة قاعِدة؟ 

علي دربج: على قاعدة حلّ الدولتين 

كمال خلف: سيعود "جو بايدن" إلى الحديث عن حلّ الدولتين؟ هم تحدّثوا في هذا الأمر 

علي دربج: طالما أنهم تبنّوا هذه المسألة

كمال خلف: لكن ألا يُعتَبَر هذا دكتور "علي" هدماً لإنجازات يتحدّث عنها "دونالد ترامب" وصهره؟ في أنهم اعترفوا لـ (إسرائيل) وأجبروا الفلسطينيين وأبرموا اتفاقات مع دول عربية وسيبرمون مع أُخرى من دون أية تنازلات؟

كمال خلف: قد يكون جزءاً من خطة "بايدن" للتعامل مع القضبّة الفلسطينية هو هدم جزء مما أنجزه "ترامب"، بالتالي الأمور التي يدعو إليها "ترامب" ستؤدّي إلى الانفجار وستؤدّي إلى بعض العواقب الوخيمة التي تضرّ بنظرة الاستراتيجية الأميركية للتعامُل مع المنطقة في شكلٍ عام. قد يلجأ "ترامب" إلى إحياء التفاوض حلّ الدولتين 

كمال خلف: "ترامب"؟ 

علي دربج: عفواً "جو بايدن"، لكن هنا يُطرح السؤال التالي، ماذا عن مسألة الضمّ؟ الجواب التلقائي هو أنّ الضمّ قائِم. الذي حدث أنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي "نتنياهو" أجّل موعد الضمّ نتيجة الضغوط الدولية وما حدث عليه. لكن إذا نرى على أرض الواقع ما يحدث، في كل أسبوع وكل شهر يُعلنون عن مُصادرة أراض، هذا يعني أنّ "نتنياهو" يلجأ للضمّ والقضم التدريجي. هذا القضم التدريجي يحقّق له مطالبه والمطالب التوراتية التي يضعها اليهود تاريخياً في رأسهم من دون أن يستفزّ المجتمع الدولي ولا يُحدِث المشاكل. بذلك يكون قد حقّق ما يريده في طريقةٍ سلسةٍ وناعمةٍ من دون اللجوء إلى القوَّة الخشنة 

كمال خلف: يعني هنا "صفقة القرن" لن تكون على الطاولة إذا كان الفائز "جو بايدن"، وبالنسبة إلـى "ترامب" سيهتمّ فيها إذا فاز بولايةٍ ثانية 

علي دربج: طبعاً "ترامب" سيواصل "صفقة القرن" وربما يُعطي الضوء الأخضر بشراسة للضمّ 

كمال خلف: نعم. سيّدة "غايا"، هل لديكِ رأي مُخالِف حول هذه الأسئِلة التي طرحناها؟ وأيضاً موضوع "صفقة القرن" وموافقة أو جرّ دول عربية لدعمها والموافقة عليها، هل تعتقدين بأنّ كل هذا سوف ينتهي إذا ما أُعلِن "جو بايدن" رئيساً أو بعد استلامه مهامه؟ 

غايا بلغريني بيتولي: لا، لا أعتقد أن الأمر سينتهي. وبالنسبة إلى العلاقات مثلاً مع (السعودية) ودول الخليج الأُخرى سنشهد على بعض الضغط المُقابِل من الجانب الأميركي لاسيما بالنسبة إلى الملفّ اليمني. لكن في الحديث عن الملفّ الفلسطيني أعود إلى ما ذكرته آنفاً. لسوء الحظ، بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني القضية ما عادت مُتقدِّمة على جدول أعمال السياسة الخارجية الأميركية وتُصبِح قضيّةً ملحّةً فقط بقدرِ ما يهمّ (إسرائيل) وما يهمُّ أمن (إسرائيل). لستُ متأكّدة إنْ كان "بايدن" سيعود إلى طاولة التفاوض لأنّه بكلّ بساطة إن فعلَ ذلك سيُباشِر ولايته بموضوعٍ خارجي فيما يواجه الكثير من القضايا المُلحّة على المُستوى الداخلي. أتحدّث عن مشاكل الاقتصاد وليس الاضّطرابات الاجتماعية فحسب، فلا ننسى أنّ عشرات ملايين الأشخاص قد خسروا وظائِفهم في (أميركا) نتيجةً للجائِحة. وفي العودة إلى الشرق الأوسط أعتقد أنّ "بايدن" سيُركِّز أكثر على قضايا الداخل وكذلك على الملفّات الدولية الأهم بالنسبة إلى العلاقة مع (الصين)، ولا أعتقد أنّه سيرتدّ على ما أطلقه "ترامب" من قرارات، وفي كل حال لا أرى قضايا الشرق الأوسط تتصدّر أجندات "بايدن" 

كمال خلف: نعم. لكن في المقابل هناك تعامُل سوف يتغيّر في المُستقبل إن بقيَ "دونالد ترامب" أو غادر في ما يتعلّق بهذه الملفّات. مثلاً هناك صورة تقليدية، العالم العربي يُتابع الانتخابات الأميركية وفي النفوس والخفايا هناك نظرة تقليدية بأنّ بعض الدول الخليجية التي أقامت علاقات مع (إسرائيل) بالإضافة إلى (السودان) والدول التي سوف تُقيم العلاقات، وتحدَّث عنها "دونالد ترامب"، هذه الدول ستُصاب بخيبة أمل في حال رحيل "دونالد ترامب"، وهي الآن تتوجّه بالدعاء إلى الله أن يبقى أربع سنوات أُخرى لأنّ هذا المشروع سوف يتعرّض لخطر في حال رحيل "دونالد ترامب" ومعه رعاية "جاريد كوشنير". في المقابل هناك رأي آخر يقول إنّ هذه الدول تتعرّض لضغوط ونهب من "دونالد ترامب"، و"دونالد ترامب" يقوم بسلب هذه الدول نقودها ومُدّخراتها في شكلٍ علني ووقِح، وأيضاً يتعامل مع هذه الدول وقادة هذه الدول باستخفافٍ وسُخريةٍ، بالتالي رحيله لن يكون مؤسفاً بالنسبة إليها. أيّ من الرأيين أو المسارين ترينَه الأقرب إلى الواقع الآن بالنسبة إلى هذه الدول؟

غايا بلغريني بيتولي: لا شكّ في أنّ نطاق اختصاص الرئيس الأميركي هو نطاق واسع إلى حدٍّ كبير. في الحديث عن الرئيس الراهن، أن نحرِص على إطلاق الصفات القاطِعة والحديث عن أمور وكأنها إمّا أسود أو أبيض هو تقييم ضيِّق لحقيقة الأمور ولا أوافق صراحةً هذا الرأي. الرئيس، لاسيما "ترامب" مهتمّ بالإرث الذي سيخلّفه، وفي كل حال سواء أكان الرئيس هو "ترامب" أم "بايدن" فسنرى مزيداً من السياسات نفسها واستمرار الوضع الراهن لاسيما على مستوى (سوريا) وقانون "قيصر"، لا أرى تبدّلاً على هذا الصعيد، التبدّلات الوحيدة التي قد أتوقّعها هي على مستوى التعامُل مع الملفّات الداخلية. إذاً، إلى جانب التبدّل الجذري المُحتَمل والمُتوقّع مع (إيران) والتعاطي مع الملفّ الإيراني لا أتوقّع حصول أيّ تبدُّل جذري آخر بالنسبة إلى السياسات الخارجية لاسيّما وأنّ الرئيس في حال فاز قد تحدَّث عن إمكانية تعيين " بيت بوتيدجيدج " Pete Buttigieg الذي كان مُرشّحاً في مواجهة "بايدن" وذلك خلافاً لـ "رايس" التي اعتُبِرت متقدّمة في الأمور المرتبطة بالسياسة الخارجية

كمال خلف: دكتورة "غايا"، أشرتِ إلى موضوع (سوريا) لكن أيضاً بالنسبة إلى التيارات الإسلامية، سنسأل دكتور "علي" عن (سوريا) كذلك، لكن السؤال عن التيارات الإسلامية في العالم العربي التي يُقال بأنّ "دونالد ترامب" سمح لـ (الإمارات) و(مصر) و(السعودية) بضربها، تيّار "الإخوان المُسلمين" تحديداً، بينما كانت الإدارة الديمقراطية تحتوي هذه التيارات الإسلامية عبر دول أُخرى مثل (تركيا) و(قطر). هل تعتقدين بأنّ عودة الديمقراطيين سوف تُعيد التيارات الإسلامية إلى الواجهة من جديد كما كانت في العامين 2011 و2012 عندما دُعِمَت وتمّ التنسيق معها من قِبَل إدارة "أوباما"؟ 

غايا بلغريني بيتولي: أعتقد أننا بالطبع سنشهد تبدُّلاً على هذا المستوى، كذلك لا يُمكننا بصراحة أن نقول إنّ "ترامب" هو غير ديمقراطي فهو رئيس (الولايات المتحدة الأميركية) وجزء كبير من السكان قد صوّتوا له. قد لا نتوافق مع سياساته ونعتبره أخرقاً أو هزلياً لكن رئاسته قائِمة على انتخابات ديمقراطية وإلا سنشهد غداً ثورة في (أميركا) وآمل ألا يحدث ذلك بالطبع 

كمال خلف: دكتور "علي" في موضوع (سوريا)، كان ما كُشِف قبل الانتخابات بأيام أنّ "دونالد ترامب" طلب الإفراج عن ستة أميركيين وأرسلَ مبعوثين في شهر آب/ أغسطس إلى الرئيس السوري "بشّار الأسد"، أُرسِلَ أيضاً اللواء "عباس إبراهيم" من (لبنان) إلى (الولايات المتحدة الأميركية) للحديث حول هذا الموضوع في شقّه الإنساني. النتيجة، يبدو أنّ (دمشق) رفضت إعطاء مُكافأة أو إعطاء هديّة للرئيس الأميركي قبل الانتخابات بالإفراج أو التعاون بالإفراج عن هؤلاء المُعتقَلين أو المُختفين في (سوريا). هذا سوف ينعكِس في سياسات "دونالد ترامب" إذا كان رئيساً؟ في المقابل "جو بايدن" كيف سيتصرّف؟ سيسحب الجنود الأميركيين، سيُعيد التعامل مع الكُرد في شمال شرق (سوريا) في نفس الطريقة التي يتعامل بها "دونالد ترامب" الآن معهم؟ 

علي دربج: بالنسبة إلى مسألة الانسحاب من (سوريا)، طُرِحَ في السنة الماضية ودائماً هناك كلام عن أنّ "ترامب" سيسحب القوّات الأميركية لأن هناك مشاكل أهم ليعالجها مثلاً وطرح شعاره الشهير "أميركا أولاً"، لكن السؤال الذي يتوقّف عنده الإنسان، هل سيترك "ترامب" (سوريا) لـ (روسيا)؟ 

كمال خلف: في الأربع سنوات المقبلة

علي دربج: لأنّ اللاعِب الأقوى والفاعِل أيضاً في (سوريا) هو (روسيا) وتأتي بعدها (إيران) و(تركيا). هل إذا انسحب، ونحن قلنا إنّ الإدارة الأميركية دائِماً توزِن الأمور من منظارٍ إسرائيلي، ونحن نعرِف القرار الشهير الذي اتخذه "ترامب" الذي حتى البنتاغون لم يكن يعلم به وهو سحب حوالى ألف جندي من (سوريا) لكنهم استمهلوه وطالبوه بالتريّث، وتبيّن أنّ (إسرائيل) أيضاً كان لها دور كبير في بقاء هذه القوات. هل من المعقول أن يترك الساحة في (سوريا) لـ (روسيا)؟ أنا لا أعتقد أن هذا الشيء سيحدث

كمال خلف: نعم، "جو بايدن" لن يترك الساحة 

علي دربج: حتى أيّاً كان الرئيس 

كمال خلف: لن تُترَك الساحة في (سوريا). حسناً. سيّدة "غايا بلغريني بيتولي، بالنسبة إلـى "نتنياهو"، كانت هناك علاقة بين "دونالد ترامب" و"نتنياهو" أشبه بنوعٍ من التخادُم إذا صحّ التعبير، التوظيف بين رجُلين مأزومَين "نتنياهو" في (إسرائيل) و"دونالد ترامب" في (الولايات المتحدة الأميركية)، وكل شخص كان في حاجة إلى الآخر. مُستقبل "نتنياهو" سيُصبِح على المِحكّ في (إسرائيل) إذا فاز "جو بايدن" في تقديرك؟

غايا بلغريني بيتولي: نتذكّر بالطبع أنّ العلاقة مع (إسرائيل) خلال إدارة "أوباما" كانت مُتوتّرة إلى حدٍّ كبيرٍ حتّى على المُستوى الشخصي بين "أوباما" و"نتنياهو"، هذا مُستهلّ الكلام. المسألة لا يُمكن أن ننساها وبالطبع "بايدن كان نائِب الرئيس "أوباما" وهذه مسألة تبقى راسِخة في خلفيات الأمور. ولكن بالطبع أوافق على أنّه في طُرُقٍ ما لا بدّ من إبراز التقاطُعات ما بين الصعوبات التي يواجهها "نتنياهو" على المستوى الداخلي وكذلك الصعوبات المُحتملة التي واجهها وقد يواجهها "ترامب" في (الولايات المتحدة الأميركية)، وأعتبر أنّ هذه المُقاربة وهذه المُقارنة صحيحة، وصراحةً اعذروني، أنا مُستيقظة منذ 48 ساعة ولذلك قد يبدو التعب عليّ. رجاء ذكّروني بقسمٍ من السؤال كان قد فاتني ولا أُريد أن أُسقِط أيّ جزء منه بالطبع 

كمال خلف: لم نُلاحِظ أيّاً من التعب ما شاء الله عليكِ، مُشرِقة في شكلٍ لافت، لكن سؤال آخر. تحدّثتِ عن "نتنياهو" ومستقبل "نتنياهو" أو العلاقة الرديئة التي كانت مع "أوباما" والتي يُمكن أن تعود كذلك إلى العلاقة مع "جو بايدن". لكن بالنسبة إلـى "محمّد بن سلمان" دكتورة، هل مستقبل "محمّد بن سلمان" مرتبِط بـ "دونالد ترامب" خاصةً وأنّ الرجُل يطمح لأن يستلِم الحُكم. هو وليّ عهد ويريد أن يكون الملك ويبدو أنّ لديه اعتماد على "دونالد ترامب" في هذه المسألة وأيضاً لديه مُشكلات مثل موضوع قتل الصحافي "جمال خاشقجي"، موضوع احتجاز بعض رجال الأعمال السعوديين في (السعودية)، موضوع التعامل أيضاً مع بعض المسؤولين السعوديين منهم عمّه وزير الداخليّة المُقرَّب من (الولايات المتحدة) وغير ذلك من المشاكل والأزمات الأُخرى. هل مُستقبل "إبن سلمان" أيضاً سوف يكون مُضطرباً؟ أو سيكون "إبن سلمان" في حالٍ سيّئة في حال فوز "جو بايدن" وستكون الحال عكس ذلك في حال فوز "دونالد ترامب"؟ 

غايا بلغريني بيتولي: أعتقد بالطبع أنّ انتخاب "بايدن" لا يُشكِّلُ أمراً إيجابياً بالنسبة إلى "محمّد بن سلمان" وقد ذكرتُ ذلك سابقاً حيثُ تحدّثت أنّه في ظلّ إدارة مُحْتَمَلة لـ "بايدن" قد نشهدُ على ربّما فتورٍ في العلاقات بين (الولايات المتحدة الأميركية) وبعض بلدان الخليج لاسيّما (السعودية). لا أرى إلى أيّ حدٍّ من شأن ذلك أن يؤثِّر في دور "محمّد بن سلمان" في الأوساط السياسية الداخليّة. لا شكّ في أنّ التأثير سيكون حاضراً لكن لا نعرِف إلى أيّ مدى

كمال خلف: رأيك دكتور

علي دربج: أرى أنّ "بايدن" سيتّجه إلى إعادة تقييم العلاقات مع (السعودية) في الدرجة الأولى. هو عنده تحفّظات كثيرة لأنّه يرفع شعارات حقوق الإنسان ويقف كثيراً عند مسألة قَتْل "الخاشقجي". مسألة الحرب على (اليمن) أيضاً "بايدن" يضعها في أولوياته 

كمال خلف: هل سيعرِضها؟

علي دربج: سيعمل حسبما هو يُصرِّح 

كمال خلف: على وقفها 

علي دربج: على وقفها 

كمال خلف: يعني تتوقّع أنّ الديمقراطيين سيندفعون إلى وقف الحرب في (اليمن) وفي المقابل سوف يُعاد تقييم العلاقة مع (السعودية)

علي دربج: هذه الحرب ترتدّ سلباً على صورة (أميركا) خصوصاً مسألة الدعم التسليحي والمجازر التي تحدُث في (اليمن)، هذا يرتدّ سلباً على المُجتمع وعلى صورة (أميركا). الأطنان من الأسلِحة وعدم مُراعاة أيّ قانون دولي من قِبَل التحالف العدواني على (اليمن)، ونحن نعلم أنّ الداعم الأساسي والرئيسي واللوجستي والعسكري هو (الولايات المتحدة الأميركية). يعني في يدها وقف الحرب

كمال خلف: دكتور "علي دربج" أُستاذ العلوم السياسية، الباحِث والمُحاضِر الجامعي جزيل الشُكر على حضورك، انتهت الحلقة. أيضاً السيّدة " غايا بلغريني بيتولي" الكاتبة المُتخصّصة في السياسات الأميركية والشرق أوسطية أيضاً شكراً جزيلاً لكِ كنتِ معنا مُباشرةً من (روما). أشكُر مُنتِج هذه الحلقة "زاهر أبو حمدة" وأيضاً في الإخراج "بترا أبي نادر" وألقاكم في الأُسبوع المُقبل بمشيئة الله. إلى اللقاء 

 

    

 

 

البرنامج

إعداد
كمال خلف
تقديم
كمال خلف
المنتج
زاهر أبو حمدة
إخراج
بترا أبي نادر
الايميل