الإعلامي ريكاردو كرم

 

المحور الأول

زاهي وهبي: مساء الخير. بهدوءٍ وصبرٍ ورويّةٍ بنى ضيفنا عمارته المهنية. سعى دائِماً لأن يكون له صوته الخاصّ ونكهته الفريدة ونجح في ذلك. نجحَ في ذلك حين استطاع استنطاق الكثير من الشخصيّات التي نادراً ما تظهرُ في حوارات مُتلفزة. حاور قادةً ونجوماً ورجال أعمالٍ من مُختلف أنحاء العالم. الطفل الذي وُلِدَ يوماً ليكتشف أنّ أباه قد غادر الدنيا قبل أن يُبصِر هو النور صار زوجاً وأباً لثلاثة أطفالٍ يعتبرهم إنجازه الأهمّ، لكن حتّى هذه التجربة لم تخلو من اختبارٍ صعبٍ على كلّ أب. وبين الطفولة والأبوّة رحلةٌ حافلةٌ تستحقّ أن تُروى، وإلى حينه، إلى أن يرويها ضيفنا في كتاب يُضاف إلى كتابيه نفتح معه الليلة ما اتّسع الوقت له من صفحات المهنة والحياة. "بيت القصيد"، بيت المُبدعين العرب يُسعَد باستقبال الإعلاميّ اللبناني اللامع الأُستاذ "ريكاردو كرم". أهلاً وسهلاً شرّفت "بيت القصيد"

ريكاردو كرم: مساء الخير أُستاذ "زاهي". شكراً على هذه المُقدِّمة، حلوة كثيراً 

زاهي وهبي: في البداية دعني أبدأ من الآخِر، من انفجار مرفأ (بيروت)، الانفجار الكارثي الذي أصاب من جملة ما أصاب بيتك ومكتبك وموقع التصوير أثناء عملك، كنت تُجري حواراً مع "تمارا داني شمعون". هل تجاوزت الآثار النفسية لهذه الكارثة أم لا تزال تحت وطأتِها؟

ريكاردو كرم: أنا أعتقد أنّ جرحَ المرفأ جرح بليغ وعميق جداً ومن الصعب أن نخرج منه بسهولة وسرعة قياسية، نحتاج إلى وقت كي نتعايش مع هذه المأساة. ربما في أوقاتٍ للحظات نُفكِّر في هذا ونقول: هذا الشيء حلم أو حقيقة؟ هذا الشيء كابوس أم واقع؟ توجد صعوبة كبيرة. أنا دفنت أصدقاء لي والمسألة لم تكن سهلة. لا أريد أن أحكي عن الأمور الماديّة التي هي طبعاً أيضاً بالغة الصعوبة 

زاهي وهبي: ولكن الشهداء والجرحى والمُعوّقين بسبب هذه الكارثة هم الأهم. أولادك الذكور الثلاثة الله يخلّيهم كانوا قي البيت في (الأشرفية) وقت الانفجار وكانوا لوحدهم حسبما أخبرتني

ريكاردو كرم: كانوا في البيت لوحدهم، ونحن عادة منذ أن بدأت جائِحة "كوفيد 19" نقطن في الجبل. ذاك اليوم قرّرت زوجتي أن ينزلوا معها إلى (بيروت) كي يزوروا طبيب الأسنان ويلعبوا الـ "تنس"، وكانت معلمة اللغة العربية لأحد أطفالي قادمة لتراه. إذاً كانوا مع المُساعِدة في البيت، ونحن كان كل واحد منّا في مكان. طبعاً الانفجار حصل والبيت تكسّر كلّه، والفتاة المِساعدة معهم لم تدرِ ماذا تفعل. طلبت منهم أن ينبطحوا للوهلة الأولى، ثم طلبت منهم أن يقتربوا من الحائط لأنهم ظنّوا في البداية أنه زلزال، ثمّ نزلوا إلى الكراج الـ Parking ومكثوا هناك لثلاث ساعات حتى رجعنا إلى البيت 

زاهي وهبي: رغم كل ما مرّ علينا من مآسٍ ولا يزال يمرّ للأسف نُصِرّ على البقاء في (لبنان) وفي (بيروت) وأنت تنصح أولادك حسبما أعرف أن يبقوا في هذا البلد، في (لبنان). ما سرّ هذه العلاقة مع (لبنان) ومع (بيروت) بالنسبة لك طبعاً؟

ريكاردو كرم: كما تعلم، أنا أمضيت سنوات عديدة من حياتي أتجوّل من مكان إلى آخَر، من بلد إلى آخر. زرت (السند) و(الهند)، (الصين) (بيونس آيرس) و(أميركا)، ما تريده 

زاهي وهبي: جلت ثلاثة أرباع العالم يُمكننا أن نقول 

ريكاردو كرم: لكن في كل مرّة كان عندي هذا التوق للعودة إلى (بيروت). (بيروت) مدينة تجمع كل الأضداد، كل التناقضات. (بيروت) عشقتها عندما انتقلت مما كان يُسمّى "المنطقة الشرقية" إلى "المنطقة الغربيّة"، أنا كنت طبعاً أعيش في مكان فيه أحكام مُسبقة، كنت أخاف

زاهي وهبي: فيه نظرة نمطيّة للآخَر

ريكاردو كرم: طبعاً. كنت أخاف أن أمشي في (بيروت) في (شارِع الحمرا). أنا وأصدقائي في "الجامعة الأميركية في (بيروت)" كنّا ننزل صباحاً من الفُندق الذي كنّا نعيش فيه إلى حرم الجامعة الرئيسيMain Campus ونعود معاً في آخر النهار. إذاً، في "الجامعة الأميركية" تعرّفت على الآخر

زاهي وهبي: على نماذج مُتنوّعة من اللبنانيين 

ريكاردو كرم: وبدأ عندي هذا الشَغَف في الحوار، في الإنصات للآخَر، في الاستماع إليه، وطبعاً كل شيء إسمه رأفة، Compassion، محبّة للآخر، الـ Empathy، كل هذه الأمور في رأيي زرعتها الجامعة الأميركية بي، هذه القِيَم الأساسية هي من صنع "الجامعة الأميركية"

زاهي وهبي: كم هو مُهمّ معرِفة الآخر عن قُرب؟ أي آخر مختلف عنك في الرأي، في الفِكر، في الدين، في الطبقة، في العرق

ريكاردو كرم: هذا مصدر غنى وإثراء. نحن اليوم أبناء كلّ هذه التجارب وكل هذه اللقاءات وأنا أقول لنفسي إنني لِما كنت اليوم الشخص الذي أنا عليه لولا كل هذه الخبرات التي أختزنها من لقاءاتي المُتنوِّعة أينما كنت في العالم

زاهي وهبي: نعم. أُريد أن أختُم حول انفجار مرفأ (بيروت) الذي حصل. كنت حضرتك في فندق "لو غراي" تُصوِّر مع "تمارا داني شمعون"، التي أهلها كانوا ضحية جريمة مُروِّعة ونجت هي بأُعجوبة، وحصل الانفجار في تلك اللحظة التي كنت تحاور فيها "تمارا داني شمعون". فندق "لو غراي" للذين لا يعرِفونه قريب جداً على مرفأ (بيروت). ما الذي حصل بالضبط وكيف تصرّفت؟

 ريكاردو كرم: أولاً، من حظّي أنني كنت في فندق "لو غراي" لأنّ مكتبي يطلّ على مرفأ (بيروت)، والمكتب لم يبقَ شيء منه أبداً 

زاهي وهبي: المكتب أقرب

ريكاردو كرم: المكتب على (الصيفي) ويطلّ على المرفأ، لم يبقَ شيء منه أبداً. عادةً بين الساعة السادسة والسابعة عندي الـ Trainer الذي أقوم برياضتي معه في المكتب منذ أن بدأَت جائِحة "كورونا"، لكن بين السادسة والسابعة كان عندي تصوير لحُسن حظّي. طبعاً كل واحد منّا ظنّ أنّ الانفجار حصل في المكان الذي هو فيه. في أول لحظة قالوا إنّ الانفجار في "لو غراي"، الانفجار في صالة الأفراح في الطابق الأرضي لذا أنا لم أُفكِّر في عائلتي. كما تعلم في هكذا أمور تُفكِّر في أولادك وفي زوجتك أولاً 

زاهي وهبي: هذا أوّل ما يخطُر في البال 

ريكاردو كرم: لم أُفكّر لأنني أعرِف أنّ الأولاد بعيدون في البيت وزوجتي ليست معي في الفندق ما يعني أنّني أنا فقط في خطر. للحظة واحدة قلت: "انا نجيت من الحادثة" وتذكّرت ما حدث معي في عام 2012 عند اغتيال الجنرال "وسام الحسن" 

زاهي وهبي: كان الاغتيال تحت مكتبك 

ريكاردو كرم: كان تحت مكتبي في (ساسين)، وكل أعضاء الفريق حينها عولجوا في المستشفى لأسبوعين تقريباً. إذاً فكّرت بـ "تمارا"، يعني أوّل صورة تبادرت إلى ذهني هي "تمارا" 

زاهي وهبي: أحسست بالمسؤولية تجاهها 

ريكاردو كرم: طبعاً، الانفجار رماني إلى الأمام وهي رماها إلى يميني ولم أكن أريد أن أرجع وألتفت إلى الوراء. خفت من أن أنظر إلى الوراء وأراها في المكان الذي لا أحب أن أراها فيه. هذه البنت منذ ثلاثين سنة أخبأتها المُربيّة في الخزانة ولم يقضوا عليها وبقيت على قَيْد الحياة، فعاشت حياتها من دون أب ومن دون أُم ومن دون وأخ ومن دون أخ آخر

زاهي وهبي: كيف تصرّفت "تمارا" باختصار في تلك اللحظة؟ 

ريكاردو كرم: كانت تلبس أبيض وكانت تضع علم الثورة، عندما نظرت إليها وجدتها كلّها أحمر، مثلي أنا، مثلنا كلّنا 

زاهي وهبي: نعم أُصِبتم كلّكم طبعاً 

ريكاردو كرم: لكن "تمارا" عندها هذا العناد وعندها صلابة وقوّة، هي بنت هذه التجربة الصعبة وكان صديقها إلى جانبها. صديقها أيضاً "قبضاي"، وطبعاً بدأوا هم بالاهتمام بالآخرين، يعني بدل أن يُفكّروا في أنفسهم ركضوا صوب كل فريق العمل وكل الشباب والصبايا 

زاهي وهبي: كأنّ قدرنا كلبنانيين جيل بعد جيل أن نتوارث المآسي ونعيشها، أعني كل جيل يعيش تجربته ومعموديّته بنفسه. "ريكاردو"، قبل أن أُكمل الأسئِلة نذهب برفقتك ورفقة "سحر حامد" إلى منزلك، نستمع إليك في "قطع وصل" ثمّ نعود إلى الأستديو

قطع وصل - ريكاردو كرم:

- المشهد الإعلامي اليوم يحتضر كيلا أقول ينهار، كل شيء تغيّر. هناك أناس واكبوا الأبجدية الجديدة مثلما هو لازم، في المقابل هناك أشخاص أو مؤسّسات لم ينجحوا في مواكبتها. في الإجمال لم يعُد هناك سقف لمُطلق أيّ شيء، وهذا التفلّت من كل ما هو معايير وقيود وقدسية واحترام للمهنة غيّرَ هذا المشهد 

- لا أعتقد أنّ هناك موضوعاً لا أرغب في طرحه أو أتجنّب مناقشته على الهواء، المواضيع كلّها مفتوحة ومُتاحة لكن هناك قيمة أساسية بالنسبة لي أركض دائِماً وراءها وهي احترام الآخر واحترام الذات. كل موضوع فيه احترام للآخر أنا مستعد لمناقشته 

- بعد كل هذه السنوات من اللقاءات وكل الحوارات التي أجريتها أبرز ما تعلّمته هو ألا آخذ نفسي على محمل الجدّ. أبرز ما تعلّمته أنّ السعادة ليست مُنزّلة وأنّ نحن من يبنيها، إنها امتحان يومي. الشُهرة فانية وأهم ما نصنعه في حياتنا هو هذه العائِلة التي نبنيها والتي نرجع إليها في آخر النهار. مهما حقّقنا ومهما فعلنا ومهما كانت النجاحات التي في إمكاننا أن نُعانقها وفي إمكانها أن تكون جزءاً من حياتنا، ثم نرجع إلى البيت ونكون لوحدنا ونكون في قمّة التعاسة؟ السعادة الحقيقية هي في هذه العائِلة التي نبنيها 

- أنا أجد الماضي جميلاً في كل تقلّباته وسذاجته وبراءته وحماقاته وثغراته. حلو أن نتذكّره ونتمنّى أن نرجع إليه، لكننا نعرِف في نفس الوقت أنّ هذا مُستحيل. أنا أجد أنّ الخبرات التي نكتسبها على مرّ السنين والحكمة التي تصير جزءاً من حياتنا ثمينة إلى درجة أنني شخصياً لستُ مستعداً لأن أُعطيها مقابل أي شيء آخر. الماضي حلو، أريد أن أتذكّره على أنّه حلو ولا أُفكِّر أبداً أن أرجع إليه 

- حضن الوطن هو طبعاً الحضن الأساسي الذي نلتجئ إليه في أوقاتنا الحزينة وأوقاتنا السعيدة، وحضن العائِلة هو الحضن الدافئ الذي دائِماً نحتمي به أيضاً. أقول دائِماً لزوجتي ولوالدتي وأولادي إنني حضنهم في المقابل وإنني سندهم أيضاً 

- العالم كلّه يتغيّر بسرعة قياسية ومهما حاولنا أن ننافسه أو نُزاحمه هو أقوى منّا، هو سيهزمنا، نحن أسرى هذا التغيير حتى لا أقول عبيداً لهذا التغيير. كل ما في إمكاننا أن نفعله هو أن نعيد الإنسانية أكثر إلى قلوب الناس حتى يُحبّوا أكثر ويشعروا بالآخرين أكثر

زاهي وهبي: من (غدراس) الجميلة، بلدة (غدراس) في (جبل لبنان) نعود إلى "بيت القصيد". لماذا يحتضر الإعلام في رأيك؟

ريكاردو كرم: لأسباب عديدة، الأسباب عديدة. أولاً المشهد الإعلامي تغيّر أينما كان في العالم. اليوم، العالم الافتراضي هو سيّد الموقف وعلينا ألا ننسى أنّ في العالم كله نسبة 50 أو 60 في المئة هم من أعمار أقل من 25 سنة وكل هؤلاء لا يتابعون التلفزيون 

زاهي وهبي: حريّة أكثر هذا العالم الافتراضي؟ 

ريكاردو كرم: حريّة نعم لكنها حرية من دون سقف، والحريّة من دون سقف هي في النهاية مثل "العصفوريّة"

زاهي وهبي: من دون أخلاق أحياناً 

ريكاردو كرم: لا أخلاق ولا قيود، القيود حلوة. في بيتنا اليوم، أنت في بيتك اليوم وأمام أولادك تضع قيوداً لنفسك. يعني تعرِف نفسك ويمكنك أن تقول كلاماً ولا يمكنك أن تقول كلاماً آخر أمامهم. كل شخص اليوم في حياته اليومية يضع قيوداً لنفسه، هذه القيود لا تُكبِّلنا بل على العكس تجعلنا نحترِم أكثر أنفسنا ونحترم الآخرين. اليوم هذا العالم الافتراضي في رأيي فتحَ قرعَ الطبول لكلّ الناس، كائن مَن كان يقول أي شيء كان

زاهي وهبي: أبرز ما تعلّمته خلال هذه السنوات من عشرات لا بل مئات الضيوف الذين حاورتهم أُستاذ "ريكاردو"؟ هل هناك خُلاصة لهذه التجربة؟ هل هناك عنوان؟ هل هناك مانشيت عريضة؟  

ريكاردو كرم: أكيد توجد خلاصات في رأيي. نحن في هذا المشوار الذي أتأمّل أن يستمرّ لوقت طويل، تراكم التجارب تعلّمنا في كل يوم شيئاً جديداً، رؤوس عديدة نتلقّفها ونتعلّم منها. لكن ربما أكثر ما تعلّمته، مثلما قلت في التقرير، إنني لا آخذ نفسي على محمل الجدّ. أعني هناك أناس يلعبون دور النجم والنجومية وهذا الشيء ليس موجوداً عندي في حياتي. أنا ربما إنسان مؤمن، والإيمان ساعدني في بداياتي 

زاهي وهبي: لا تعيش كوجه معروف، كإنسان مشهور في حياتك اليومية، كوجه تلفزيوني كما يعيش كثيرون 

ريكاردو كرم: كما تعلم، نلت الشهرة في عُمرٍ مبكرٍ جداً وكنت دائما أقول لربّي: "ساعدني لكيلا أسكَر بنشوة النجاح ونشوة الشُهرة"، أناس يوقفونك على الطريق ويتكلّمون معك. قبلاً لم يكن عندنا هذا الإنترنت والبريد الالكتروني، كانت تأتينا رسائل وكانت حلوة وما زلت أحتفِظ بعدد كبيرٍ منها. إذاً، أن يكتب لك الناس ويفكّرون بك ويحبّونك ويلتقطون صوَراً معك هو شيء جميل، لكن هذا الشيء من اللازم أن يجعلك تتذكّر أنك حينما تتوقّف عن هذا العمل تضيع. أنا دائِماً كان عندي ليس هاجس بل احتمال أن يتوقف هذا العمل في يوم من الأيام، وأنا لا أريد إذا توقّفت عن هذا العمل أن أنكسِر

زاهي وهبي: نعم، وتعيش كآبة أو خيبة أو إلى آخره. حسناً، كم هو مهم، وقد يكون السؤال تقليدياً، لكن كم هو مهم أن يظلّ الإنسان يتعلّم على سيرة التجارب والضيوف والحوارات والآخَر؟ كم هو مهم في كل يوم أن نتعلّم مهما بلغنا من العُمر ومهما بلغنا من التجربة؟ 

ريكاردو كرم: أكيد، الحياة هي مدرسة مستمرّة 

زاهي وهبي: وأنا صراحةً أسأل السؤال لكي يسمعنا الشباب والمُراهقون الذين اليوم عليهم أن يُفكّروا في المستقبل وكيف يشقّون طريقهم

ريكاردو كرم: أنا أفهم هواجسهم وأفهم مخاوفهم في نفس الوقت، لكن نعود ونقول اليوم أولادنا، أولادك وأولادي، نجالسهم ونتعلّم منهم. عندما أستمع إليهم يخبرونني أموراً لا أعرِفها، يتحدّثون معي في الرياضة، يتحدّثون معي في الطبّ، يتحدّثون معي في اللغة، يتحدّثون معي في أمور عديدة 

زاهي وهبي: يجدّدون لنا تفكيرنا في أسئِلتهم التي صارت غائِبة عن بالنا 

ريكاردو كرم: وأخجل من نفسي أحياناً لأنني لا أعرف بماذا أجيبهم عن أسئِلة يطرحونها عليّ لأنهم سبقوني في الكثير من الأمور. طبعاً نتعلّم من الكلّ ونعود إلى قصة المُثقّف، حين يسألونني عمّن هو المُثقّف أقول لهم: المُثقّف هو مُطلق أيّ إنسان. يُمكن أن يكون بوّاب العمارة مُثقفاً، ويُمكن أن يكون أُستاذ جامعة مُثقفاً. الثقافة هي تراكُم تجارب الحياة 

زاهي وهبي: قد يكون معه الكثير من الشهادات وليس مُثقفاً 

ريكاردو كرم: صحيح 

زاهي وهبي: أعني الثقافة غير العِلم ودائِماً نقول هذا الشيء. من خلال تجربتك في هذه الحوارات التي صوّرتها مع شخصيّات استثنائية في الحقيقة، مَن هم أكثر صراحةً النساء أم الرجال؟ 

ريكاردو كرم: لا الرجال ولا النساء. في رأيي التلفزيون، وأنت تعلم أُستاذ "زاهي"، أنت أُستاذ الكلّ 

زاهي وهبي: العفو 

ريكاردو كرم: أعتقد أنّ كل ضيف أستضيفه، مثلما بدأنا عندما باشرنا في التصوير وضعوا لنا بعض المساحيق على وجوهنا، كل إنسان أستضيفه 

زاهي وهبي: يلبس Mask

ريكاردو كرم: طبعاً، ومن اللازم ذلك. ليس جيّداً أن يُستضاف الإنسان ويتعرّى من كلّ شيء. حلو أن يترك الناس عن أنفسهم صورة جميلة وجذّابة ولا يدخلون في ما إذا كان عنده حبّة في وجهه هنا أو حبّة هناك. كل الناس يقولون الحقيقة، لكن من الجميل أن يوصِلهم المُحاوِر إلى البوح بأقصى ما يُمكن قوله في النهاية 

زاهي وهبي: وجدت نفسك مرتاحاً أكثر أمام الرجال أم أمام النساء؟ أنت حاورت شخصيات مع حفظ الألقاب مثل الامبراطورة "فرح ديبا"، مثل "الملكة نور"، مثل "زها حديد"، مثل إلى آخره، والرجال أيضاً. كنت ترتاح أكثر أمام السيّدات أم لا؟ 

ريكاردو كرم: سأقول لك، ولا مرّة فكّرت في جنس الآخر مثلما ولا مرّة فكّرت حقيقةً في جنسية الآخر أو دين الآخر أو مُعتقده، ربما هذا الشيء جاء مع الوقت. لو طرحت عليّ هذا السؤال في بداياتي لكان الجواب يختلف، لكن اليوم لا، ولا مرّة أفكِر فيمن هو أمامي وما هو وكيف هو. السؤال يُطرح 

زاهي وهبي: لماذا تعتبر أنّ حوارك أو لقاءك "عُمر الشريف" هو أشرس اللقاءات التي قمت بها؟ 

ريكاردو كرم: "عُمر الشريف" هو إنسان مزاجي، ما من شك في ذلك، والجلوس معه ليست مسألة سهلة وليست مُستحبّة. أنا حاورته ثلاث مرّات، وكان في كل مرّة كان عنده هذا العناد وهذا العُنف في أجوبته، ليس إنساناً سَلِساً. أعتقد أنّه وصل إلى مرحلة تخوم النجاح وما عاد يبحث عن شيء آخر. إذاً المُقابلات التي كان يعطيها أو الحوارات التي كان يُدلي بها كانت لإرضاء صداقات وأصدقاء خجلاً منهم، لأنه ربما التقى بك في مناسبة عشاء ووعدك بلقاء. آخِر همّه كان أن يُعطي مُقابلة. في المرة الأولى التي التقيت به كان نائِماً، كان عندنا تصوير في الساعة الخامسة ووصلنا لعنده وأيقظناه من النوم لكن مزاجه كان سيّئاً ولم يكن يريد أن يظهر على التلفزيون. لاحقاً نزل من غرفته في الفندق وبدأنا الحوار، السؤال عن "فاتن حمامة" كما أذكُر جنّنه وشتمني. طبعاً حينها لم يكن هناك شيء مباشَر وكان كلّه مُصوّر ومُسجّل، فنظّفنا التسجيل وخذفنا منه هذا المقطع 

زاهي وهبي: هذا أيضاً حصل معي مع السيّدة "فاتن حمامة". عندما سألتها عن "عُمر الشريف" جنّت وطلبت منّي لاحقاً أن أقصّ السؤال من التسجيل وقصصته، وربما هذه أول مرّة أقولها. غريبة قصة الحب هذه والزواج الذي لاحقاً انتهى في هذه الطريقة بينهما، رغم أنهما ظلا يُحبّان بعضهما أعتقد في شكلٍ أو في آخر 

ريكاردو كرم: أكيد، أكيد. بقيا أصحاباً على كل حال وصداقتهما طبعاً كانت ضمن قيود معيّنة

زاهي وهبي: صداقة لدودة 

ريكاردو كرم: لكن أريد أن أقول لك شيئاً وهذا الشيء أقوله لأول مرة. في سنة 2005 كان عندي مشروع برنامج إسمه "شرّفتونا"، الذي هو النسخة العربية لبرنامج فرنسي يقدِّمه "دروكير" إسمه "فيف مون ديمانش"، برنامج ضخم وكبير جداً. صوّرنا أول حلقة حينها في (فرنسا) وكانت كلفته عالية جداً وباهظة، وحاولت حينها المُنتِجة "بري كوشان" أن تبيعه لكن السعر كان مرتفعاً جداً. ذهبت لأقابل "فاتن حمامة" وأخذت لها الحلقة الـ Pilot التي صوّرتها مع "عُمر الشريف" كي أفسِّر لها عن البرنامج وأقول لها كيف سيكون هذا البرنامج إذا صوّرنا حلقة معها. حينها بعنا البرنامج كلّه، وفي جزء من البرنامج يأتي "وليد توفيق" ويغنّي له أُغنية على العود، وبدأ "عمر الشريف" في البكاء وكان يبكي ويبكي وطبعاً هذا الشيء كلّه مُصوّر. فطلبَت منّي وقف التسجيل فأوقفته. قالت لي: "أرجوك، أرجوك، لا تُظهِر "عُمر" في هذه الطريقة، لا تُظهره أمام الجمهور إنساناً مكسوراً ضعيفاً، لأنه كان هكذا في آخر أيّامه. لا أنسى هذه القصة 

زاهي وهبي: لاحظ حرصها عليه أيضاً. أيّها أمتع اللقاءات التي أجريتها "ريكاردو"؟ 

ريكاردو كرم: هناك أعتقد فئات مُختلفة. أولا اللقاءات التي فيها تحدّ أكثر وهي مع المثقفين طبعاً كانت لقاءات صعبة. أعني لقائي مع "أمين معلوف"، لقائي مع "بيرسي كامب"، لقائي مع "ريمون خوري"، لقائي مع "رياض الريّس، لقاءات عديدة مع المثقفين دائماً ما تكون بالغة الصعوبة لأنك لا تُحاور إنساناً عادياً، عليك أن تنهل من كل شيء يعرِفه حتى لا تتموضع أنت في الأخير في الزاوية ولا تعرِف كيف تُجيب. إذا هذه فئة فيها تحدّ أكثر. لقاءاتي مع الكبار ربما روت ظمأ عندي. منذ صغري، منذ صغرنا كلّنا كنّا نشتري مجلات ونشاهد صوَر كلّ هؤلاء المشاهير، لكن أن نلتقي بهم ونجالسهم! هذه كانت مسألة مهمة جداً. أعني "فرح ديبا" عندما جالستها للمرة الأولى، كنت أجالس إمبراطورة، وكنت على وشك أن أعتقد أنني إمبراطور أجالسها. كما تعلم كنت لا أزال ولداً وأحاور القادة الكبار، هذا أيضاً روى ظمأ عندي. الذين أمضيت وقتاً مسلياً معهم أكثر هم ربما، سُررت مع "زها حديد" لأنّ المقابلة كانت مثل "ماتش تنس" بيني وبينها، مثل مع "أغاسي"، طابة عندها طابة عندي، هي ترفع الصوت وأنا أرفع الـ Doze من عندي. إذاً، في بعض الأوقات هناك مقابلات تجعلك مسروراً لأنّ تحسّ وكأنك في مباراة مع الآخر ومَن هو أقوى من الآخر. إذاً، هذه اللقاءات كلّها باختلافها كانت حلوة، لكن طبعاً هناك لقاءات كانت فاشلة ولم تكن ناجحة

زاهي وهبي: الفشل أحياناً يتحمّله الضيف أم المُضيف؟ 

ريكاردو كرم: كلاهما. لكن المُضيف يضع كل ثقله ويضع كل وِزره ويضع كل طاقته 

زاهي وهبي: هل واجهك نوع من الضيوف الذين مهما فعلت ومهما سألت وكيفما لففت وبرمت السؤال لا جواب عندهم!

ريكاردو كرم: صحيح

زاهي وهبي: لا جواب عندهم أعني يشفي الغليل، لا جواب عندهم حلو 

ريكاردو كرم: لأنّك أنت تضع نفسك أيضاً مكان المُشاهِد، المشاهِد في انتظار جواب وأنت يهمّك أن يكون جواب الضيف مفرِحاً ومُسرّاً للمشاهد لكي يُتابع المقابلة. طبعاً بعض المقابلات كان فيها شاشة أجوبة كثيرة وفي المقابل هناك أناس لم أُراهن عليهم كثيراً وكان عندهم غزارة في الأجوبة في المقابل

زاهي وهبي: كانوا مُفاجئين ومُدهشين في أجوبتهم وفي ربما شخصيّتهم أيضاً. كنت تشتغل وثائقي عن السيّدة "فيروز" التي هي حلم ربما كل إعلامي ليس فقط لبنانياً، يُمكننا أن نقول في العالم العربي والعالم، لماذا لم يُبصِر النور؟ 

ريكاردو كرم: جاءتني دعوى بكل بساطة من مُحامي السيّدة "فيروز" والعمل انتهى، أعتقد أنّه سيُبصِر النور في يوم من الأيام. للأسف لم يُعرَض وكنت أرغب أن تطّلِع عليه السيّدة "فيروز" وتشاهده. استغرق معنا خمس سنوات لأنك تُنتِج برنامجاً 

زاهي وهبي: لكن لم يكن هناك لقاء مع السيّدة "فيروز" 

ريكاردو كرم: لا، لم تكن موجودة 

زاهي وهبي: لم تكن موجودة ولكن أناساً يتحدثون عنها وشهادات 

ريكاردو كرم: طبعاً، طبعاً. هي أولاً كانت، وأعود وأُكرّر هذا الموضوع، هي كانت موافِقة على هذا العمل

زاهي وهبي: رغم أنّ "ريما الرحباني" إبنتها نفت أن تكون موافِقة مؤخراً وهاجمتك بشدّة بعد أن كنت أوّل من أشار إلى أنّ الرئيس الفرنسي "ماكرون" سيزور السيّدة "فيروز"، وفعلاً عندما جاء إلى (لبنان) زارها وتلقّيت أنت هجوماً لاذعاً من "ريما الرحباني" 

ريكاردو كرم: كما تعلم أنا لا أجيب عادةً على هكذا كلام، أعني أترك الكلام، ليقول ما يقوله الشخص الذي وراءه   

زاهي وهبي: كل الاحترام طبعاً لـ "ريما" وللسيّدة الكبيرة "فيروز". غضضت النظر عن الوثائقي؟ أعني خلص ضُبَّ في الصناديق ولن يُبصِر النور؟

ريكاردو كرم: لا، أكيد سيُبصر النور في يوم من الأيام 

زاهي وهبي: رغم اعتراض "ريما"

ريكاردو كرم: إذا في إمكانها أن توقفه يمكنها أن توقفه. أنا لغاية الآن لم أُقرّر أيمتى سأنزله، لكن في اليوم الذي سأُنزله إذا في إمكانها هي أن توقفه يمكنها أن توقفه، قد يكون ذلك بعد سنة أو بعد سنتين أو ثلاث سنوات أو أربع أو خمس سنوات، الوثائقي منته طبعاً والأيام بيننا 

زاهي وهبي: على كل حال، سنتابع معك أُستاذ "ريكاردو كرم" ولكن نتوقّف لحظات مع استراحة سريعة ثمّ نُتابع "بيت القصيد" 

المحور الثاني 

زاهي وهبي: مُشاهدينا نُتابع "بيت القصيد" مع الإعلامي المُتميِّز الأُستاذ "ريكاردو كرم". "ريكاردو" لو تسنّى لك محاورة أحد الذين رحلوا ولم تُحاورهم، مَن تختار؟ 

ريكاردو كرم: "فيديل كاسترو"، "هوغو تشافيز" 

زاهي وهبي: لماذا هاتان الشخصيتان؟ 

ريكاردو كرم: لأنهما سطّرا التاريخ في طريقة مُغايرة، لأنهما عاندا الزمن، عاندا ... مهضومة جداً

زاهي وهبي: هذه هرّة "بيت القصيد" 

ريكاردو كرم: ما إسمها؟ 

زاهي وهبي: إسمها "بيروت بي سي" 

ريكاردو كرم: "بيروت بي سي"، أهلاً، أنا عندي هرّة إسمها "ناتاشا" 

زاهي وهبي: أنا عندي "أوريو"، هرّ إسمه "أوريو"

ريكاردو كرم: أنا أسميتها "ناتاشا" لأنّ إبني الوسط إسمه "نديم" والكبير "طلال" و"شريف"، أخذنا حروف ن ط ش من كل واحد منهم فأصبحوا "ناتاشا"

زاهي وهبي: حلو أن يكون عند الأطفال علاقة مع الحيوانات، تظهر شفافية الطفل في هذه العلاقة، صحيح؟

ريكاردو كرم: طبعاً

زاهي وهبي: إذاً اخترت الشخصيّتين لأنهما 

ريكاردو كرم: عاندا الزمن، عاندا طبعاً الإمبريالية، وهذا لا يعني أنني ضدّها ولا أنا معها، أنا لا أتحدّث عن هذا الموضوع، لكن حلو أن يحاول الإنسان تسطير التاريخ مثلما يجد أنّه الأفضل له ولشعبه. أنا أنحني أمام تجربتهما وكنت أرغب طبعاً اللقاء بهما، حاولت لكن الزمن غدرني وكان أسرع منّي 

زاهي وهبي: حلو الاختيار، أن تختار "كاسترو" و "تشافيز" مع أنّ هناك انطباعاً عندنا "ريكاردو" ربما ذُكِرَ لك قبلاً، أنك محاور طبقي، بمعنى تنحاز لمحاورة الملوك والأميرات والملكات وإلى آخره. ما هو ردّك؟

ريكاردو كرم: أتعلم، على مدى خمس وعشرين سنة إذا حاولنا أن نحصي كل هذه اللقاءات التي أجريتها نجد أنّ العائِلات أو أفراد العائِلات المالكة الذين حاورتهم عددهم عشرة، والمشاهير الذين حاورتهم عددهم ربما أربعين أو خمسين شخصاً، ورجال الأعمال يبلغ عددهم ما يقرب من أربعين إلى خمسين، والباقون كلّهم مُختلفون، مبادرون، شباب، مثقفون، صحافيون، كتّاب. أعني عندك فُسيفساء كبيرة جداً لكن هذه الصفة لازمتني لأنني أعتقد ربما أنني أتقن اللغات الثلاث وهناك أناس ربما لم يتقبّلوا وجود مُحاوِر لبناني

زاهي وهبي: عربي ويتحدّث بالعربية 

ريكاردو كرم: حتى هناك أُناس كانوا يقولون إنّه لست أنا من أكتب أسئِلتي ولست أنا من أكتب لقاءاتي ولست أنا الذي أُحضِّر لكل هذه اللقاءات وأنّ لغتي لغة سطحية كثيراً وغبر مُنمّقة ومُصطلحاتي أيضاً بدائية، هناك أناس كثر كانوا يكتبون هذه الأمور. في بداياتي كنت ربما ضعيفاً قليلاً، ثم لاحقاً اشتغلت على نفسي وطوّرت نفسي وهذا طبيعي في الحياة 

زاهي وهبي: المُثابرة مهمّة 

ريكاردو كرم: أكيد، ثم إسمي أيضاً لم يُساعِد، أنا ولدت في (فنزويلا) في (أميركا اللاتينية) 

زاهي وهبي: أعلم ذلك 

ريكاردو كرم: وأيضاً "ريكاردو" لا يركب في عالم عربي. هذه الأمور كلّها جعلتني أو وضعوني بسبب هذه الأمور في إطار مُعيّن لازمني 

زاهي وهبي: وكأنك المحاور الارستقراطي أو المُحاور البورجوازي إلى آخره. مَن أكثر شخص عذّبك حتّى استطعت اللقاء معه في الآخِر؟

ريكاردو كرم: في البدايات كلّهم، الامبراطورة "فرح ديبا"، "جيهان السادات"، الأمير "طلال بن عبد العزيز"، "عُمر الشريف"، لم أُجرِ لقاءً كان سهلاً  

زاهي وهبي: سؤال أودّ أن يسمعه الشباب اليوم. هل هناك وصفة للنجاح؟ أعني هل هناك "روشتّة" ممكن أن نعطيها لشاب اليوم في بداياته المهنية في أيّ مجال، خصوصاً في المهن التي تحت الضوء؟ 

ريكاردو كرم: يا ليت، ليت هناك وصفة معيّنة. هناك إيمان بالذات وشغَف في العمل، أهم شيء هو العمل. اليوم عندما أرى كل هؤلاء الشباب الذين يشتغلون عندي في مكاتبي أو في أماكن أُخرى، دائماً يظنّون أنّ العمل هذا هو وظيفة من الساعة التاسعة لغاية الساعة السادسة. عند السادسة يغادرون وعند التاسعة يأتون ولا يفكّرون أنّ هذا العمل يعيش معك في يوميّاتك ولا وقت له 

زاهي وهبي: وهو حياتك كلّها، شغفك  

ريكاردو كرم: ينام معك ويقوم معك والتحديات أنت تضعها على نفسك كي تتطوّر وتُطوِّر عملك وتكبر ولاحقاً تستقلّ ولا تبقى موظفاً إذا كنت ترغب ألا تنضوي تحت مؤسّسة أو تحت لواء مؤسّسة معيّنة. لذا أتأمّل أن الشباب كلهم يفكّروا أن العمل والعمل هو الأساس في نجاحنا

زاهي وهبي: كم الاستقلاليّة هي حريّة في نفس الوقت؟ 

ريكاردو كرم: حريّة وخوف في نفس الوقت. عندما قرّرت أن أُنشِئ شركة خاصة بي كانت مُجازفة كبيرة، في النهاية أنا مَن حتى أستطيع أن أُنشئ شركة وأستطيع أن أُسوِّق وأروِّج لبرامج وأبيع برامجي؟ أنا لم تكن عندي علاقات في العالم العربي لكن ذهبت حينها إلى (الإمارات) للمرة الأولى وإلى (المملكة العربية السعودية) حتى أبيع برامجي، ومَن كان يريد أن يستقبلني؟ كنت أطرق الأبواب كلها وأطلب مواعيد، أنا كنت معروفاً في بلدي ولم نكن نذهب إلى الخارج والفضائيات. إذاً دائِماً عندك هذا الخوف وهذا التحدّي الكبير لكن في الوقت نفسه عندك حريّة مُطلقة لأننا نعرِف جيداً كيف هو الإعلام في (لبنان). أنت تكون دائِماً تحت أصحاب المؤسّسة وتحت 

زاهي وهبي: جناحهم، تحت جناحهم 

ريكاردو كرم: أكثر من جناح 

زاهي وهبي: تحت سلطتهم 

ريكاردو كرم: سلطتهم، هذه هي الكلمة    

زاهي وهبي: تحت سلطتهم إذا أردت وليس تحت جناحهم. في موضوع أريد أن أقترب فيه قليلاً من الشخصي، أنا أعلم إنّك ولدت وكان والدكَ رحل عن هذه الدنيا مثلما قلنا في المُقدِّمة. ولدت ونشأت في (فنزويلا) وجدّتك لأمّك هي شخصيّة مهمّة جداً في حياتك، لماذا؟ لماذا الجدّة، هذه الجدّة بالذات؟ 

ريكاردو كرم: أعتقد أنّ هذا السؤال إذا طرحته على كل الناس تكون إجابتهم هي نفسها. ربما الجدّات في عالمنا العربي عندهنّ صلابة كبيرة، عندهنّ إيمان وعندهنّ قوّة شخصية واستطعنَ تربية أجيال مختلفة، استطعن تأسيس عائِلات في زمن صعوبات، في زمن حروب وليس فقط الحرب اللبنانيّة عام 1975 بل حرب الـ 1958 وحروب قبلها أيضاً

زاهي وهبي: "سفر برلك" وكل التاريخ مليء بالأزمات الطاحنة

ريكاردو كرم: عند عودتنا من (فنزويلا) ارتمينا في أحضان جدّتي، وهي جدّة رائعة ومُحِبّة، أعطتنا الكثير من الحبّ وجعلت هذا الحب يدخل إلى قلوبنا وجعلتنا بالتالي نُحب الآخر

زاهي وهبي: كيف انعكس عليك غياب الوالد أو عدم وجود الوالد؟ 

ريكاردو كرم: لم أشعُر به في صِغري لأنني كنت ضمن عائِلة مُحبّة جداً أحاطتني وأعطتني الكثير من الحنان والاهتمام. أعتقد عند مُراهقتي أحسست بأنني في حاجة لوجود أب إلى جانبي، لكن أنا إنسان عندي الكثير من الحكمة Wisdom، وكنت أُدرِك أنّ هذا الشيء لن يحدث ولم يحدث وألا وجود لأحد يُمكنني أن أتكّل عليه سوى نفسي. في كل حياتي كان عندي استقلالية وAutonomy وهي أنني مسؤول عن نفسي وعن شخصي وهكذا كانت كل حياتي، عكس الصورة المنطبعة في أذهان الناس في أنّ الأمور كلّها كانت مهيّأة لي 

زاهي وهبي: ميسّرة، طريق مفروش بالسجاد  

ريكاردو كرم: سجّادة حمراء، لكن كانت هناك صعوبات كثيرة 

زاهي وهبي: بعد أن صرتَ أباً هل أدركت أكثر مدى الخسارة التي يعيشها الناس مثلنا الذين لم نعِش مع آبائنا؟

ريكاردو كرم: قلت لك قبلاً أنا لا أعيش في الماضي أبداً. الماضي حلو رغم صعوباته، أنا أعيش اللحظة وأجد أنّ أولادي أعطوني الكثير من الحبّ من دون أن يعلَموا، وبالتالي أغدقتُ عليهم بالحب. هذا التوازن الذي سمحوا لي بالعيش فيه أعيشه كل يوم وأعطاني سعادة. أنا إنسان سعيد

زاهي وهبي: الله يخلّيكم عائِلة سعيدة مغمورة بالحبّ أنت والسيّدة "يُمنى" زوجتك والأولاد "طلال" و"نديم" وشريف". عشتم تجربة صعبة مع "نديم"، والحمد لله الله شفاه، ولكن أن يُصاب طفل بسرطان الدم أو "اللوكيميا" مسألة ليست سهلة خصوصاً على الأهل. قد يكون الطفل غير مُدرِك تماماً أحياناً ما الذي يواجهه ويُعانيه. ما الذي تركته بك هذه التجربة 

ريكاردو كرم: قوّتني أكثر، زادتني صلابة وإيماناً، جعلتني أفهم أنّ الأسى والعذاب يغذيان عندك الرغبة في العيش وتتمسّك أكثر بالحياة. جعلتني أُصارِع وأُحارب وأُناضل أكثر إلى جانبه نضالاً ليس فقط في الشقّ الطبّي، هو نضال في يومياتك. أنا أعتقد أنني استطعت أن أنجح مع زوجتي في تجاوز هذه المأساة الكبيرة التي طبعاً غيّرت كل حياتنا وحافظنا على ديمومة عائِلتنا وعلاقتنا أنا وزوجتي. في الكثير من الأوقات ربما الثنائي الزوجي يتأثّر طبعاً، وينكسر هذا الرابط المتين الموجود. نحن رابطنا أكثر متانة 

زاهي وهبي: كم استمرّت فترة العلاج والمُعاناة؟ 

ريكاردو كرم: ثلاث سنوات ونصف السنة 

زاهي وهبي: ليست قليلة. كم كان عُمر "نديم" آنذاك؟ 

ريكاردو كرم: ثلاث سنوات ونصف السنة وتجاوزنا هذه المرحلة حينما كان عُمره سبع سنوات. كانت هناك صعوبات كثيرة وليال صعبة جداً 

زاهي وهبي: ما الذي قوّاكم؟ ما الذي شدّ عزيمتكم على مواجهة هذه التجربة؟ 

ريكاردو كرم: أعود وأقول لك، العذاب الذي كنّا نعانيه هو الصريخ والبكاء والأنين والوجع والألم اليومي الذي كنّا نعيشه في كلّ لحظة. تعيش في جوّ، ليس فقط جوّ إبنك بل جوّ المرضى الآخرين الموجودين في نفس المُستشفى الذين نراهم كل يوم والذين حالاتهم في أغلب الأحيان أسوأ وأكثر قساوة من حال إبنك. أنت تعيش في جوّ غيّرَك من داخلك وجعلَ رؤيتك تتغيّر وأفكارك تتغيّر. أنت فهمت ما هي الأولويّات في الحياة 

زاهي وهبي: تغيّرت نظرتك للحياة

ريكاردو كرم: طبعاً. فهمت ما هي أُسس الحياة. أساس الحياة أن تَحبّ وأن تكون محبوباً والباقي كلّه تفاصيل، أن تُحبّ الآخر. من أجل هذا قبل قليل كنّا نحكي وتحدّثت لك عن الناس الذين لا يجد الحبّ طريقاً إلى قلوبهم ويعيشون في الظُلمة، يعيشون في الغيرة والحسد ولا يعلمون أنّ في مكانٍ آخر هناك سعادة وفي مكان آخر هناك حبّ وهناك شخص ينتظر إذا عبرت الطريق وأعطيته يدك تكون أسعدته

زاهي وهبي: "ريكاردو" الله يخلّيكما لبعضكما أنت و "يُمنى" ويخلّي لكما أولادكما الثلاثة ويحمي أطفال العالم كلّه. أُريد أن أنتقل إلى موضوع آخر، نسمع رأياً من المهندسة المعماريّة والصديقة "منى حلاق" في موضوع البيوت التراثيّة وأهمّيتها لأنّ انفجار مرفأ (بيروت) وضعَ هذه المسألة في الواجهة وأنت تعرِف (الجمّيزة) و(مار مخايل) وكم فيهما مبانٍ تراثية. نسمع "منى حلاق" ونسمع تعليقك على ما ستقوله "منى" 

المهندسة المعمارية منى حلاق: البيوت التراثيّة هي تأريخ للمدينة ولناسها. الناس يُخطئون عندما يظنّون أنّ البيت التراثي هو ثلاث قناطر وقرميد بل هو الناس الموجودين في البيت والأشياء التي تحدث على الطريق، الشجر في حديقة البيت، السور المحيط به هو جزء من المدينة. من أجل هذا، البيوت التراثية هي ليست المتاحف بل هي الناس الذين عاشوا في هذه البيوت، البيوت التي لا تزال تحمِل ذاكرة المدينة بكل أجزائها، الجزء المعنوي وأيضاً الجزء المادي بمعنى الأشغال التي تصير فيها والناس الذين يحتسون القهوة على بلكون البيت، هذا الشيء لم يعُد يحدث. كلّما تغيّرت العمارة يتغيّر استعمالها وتتغيّر طريقة الحياة، هي تأريخ لطريقة حياة المدينة. من أجل هذا نحن نهتمّ بالتجمّعات التراثية وليس بالبيوت التراثية، أعني نحن نقول إنّه مهم عندما عشرة بيوت تقيم شارعاً مع حدائق هذه البيوت، مع علاقة هذه البيوت ببعضها البعض وعلاقتها بأناسها، هذا أهم من بيت لوحده لأن البيت يكون حينها متحفاً. حتّى نتمكّن من المحافظة على التجمّعات التراثية والمباني التراثية في (لبنان)، الحلّ الوحيد أن يصدُر قانون حماية الأبنية التراثية. جرّبنا في عام 1997 وفي عامي 2007 و2017 مع ثلاثة وزراء ثقافة وكان مشروع القانون يصل إلى المجلس النيابي وينام. حتى نتمكّن من القيام بهذا الشيء نحتاج إلى وزير ثقافة مهتمّ بالتراث وحكومة تفهم قيمة التراث ومجلس نيابي يصرّ على أنّ هذه أولوية مثل الأكل والشرب، فإن شاء الله نستطيع أن نصل إلى وقتٍ نمرّر فيه هذا القانون ليكون هناك ما يشبه الإطار الذي يُمكّننا من المُحافظة على أبنية تراثية بدل أن نركض وراء الوزارات ونستجدي ترميم هذه البيوت والمُحافظة عليها أو نُعذِّب أهلها فيضطرون إلى المكوث فيها من دون أن يتمكنوا من ترميمها، يتحمّلونها لأنّ عندهم ذكريات حميمة وعاطفيّة فيها لكنهم لا يمتلكون مدخولاً مادياً منها. ما وجدت أنّه مؤذٍ كثيراً وصدمني بصراحة، أنه في هذه المُصيبة التي بالنسبة لي، أنا أعيش في (بيروت) ولم أتركها ولا يوم، هذه أكبر كارثة حصلت لـ (بيروت) ضمن الحرب الأهليّة، أكثر من الحرب الأهليّة.، لأنها حرب في لحظة تدمّرت فيها بيوت تراثيّة أكثر من كل الحرب اللبنانية، ومع هذا كلّه ليلة الانفجار بالذات كان هناك أناسٌ في هذه الصيدلية نزلوا إليهم أناس كلهم دماء فقالوا لهم: "إذا أردتم نأخذكم على بيت وغداً نحكي معكم عن كيف تبيعوننا العقار". في نفس لحظة الانفجار كان هناك أناس يُفكِّرون كيف سيجنون المال جرّاء هذا الانفجار. هذا الشيء مُحزِن فعلاً، وإذا هناك مشكلة في البلد وفي (لبنان) تعيقه من التقدّم إلى الأمام هي هذه العقليّة الماديّة التي فيها كلّ شيء يُباع ويُشترى بالمال. لحُسن الحظّ هناك أُناسٌ لا يُشتروا بالمال مثل هؤلاء الناس الذين نحن نرمّم لهم بيتهم الآن ولا يمتلكون ثمن زجاجه لكنّهم رفضوا أن يبيعوا بيتهم 

زاهي وهبي: لحُسن الحظّ هناك أصوات مثل صوت "منى حلاق" حريصة على المدينة وعلى طابع المدينة التراثي والثقافي وإلى آخره والإنساني في الدرجة الأولى 

ريكاردو كرم: "منى" نفتخر بها ونكبر بها، وأنا أزعل أنّ إنسانة مثل "منى"، التي هي جندي مجهول ومعلوم في نفس الوقت، كرّمتها الدولة الفرنسيّة ولم تُكرِّمها الدولة اللبنانية. إنسانة مثلها تشتغل منذ سنوات عديدة في سبيل هذه الأبنية التراثية، "بيت بيروت" "منى" هي وراءها على كل حال. إذاً طبعاً نحن في حاجة لثلاثمئة مليون دولار لإعادة إعمار الأبنية التراثيّة في منطقتي (الجمّيزة) و(مار مخايل) 

زاهي وهبي: والتي هي جزء من هويّتنا، هي الهويّة. ما الذي يُميِّز مدينة عن مدينة أُخرى في هذا العالم؟ ما الذي يُميّز مكاناً عن مكان؟ 

ريكاردو كرم: مثلما ذكرت "منى"، لا نريد أن نتحدث فقط عن التاريخ وعن التراث البنائي أو العُمراني، عندك  

زاهي وهبي: التراث الإنساني 

ريكاردو كرم: الإنساني، الناس الذين يلعبون "طاولة الزهر" على الشرفة 

زاهي وهبي: ويتحدّثون مع بعضهم البعض من بلكونٍ إلى بلكون

ريكاردو كرم: السيّدة التي تنشر غسيلها، هذه أمور أحياناً ربما ننتقدها لكن هذه جزء من تراثنا، وهذه حلاوتها. أنا سكنت في (الجمّيزة) لمدة عشر سنوات، جزء منّي (الجمّيزة)، إبني "طلال" ولِدَ في (الجمّيزة) وكان بيتي هناك

زاهي وهبي: لهذا اخترت أن يكون هذا الموضوع ضمن حلقتنا. أنت قلت أكثر من مرّة إنّك لا تُحبّ العودة إلى الماضي، ولكن لو صار لك أن تعيش في حقبة ماضية من حقبات (بيروت)، أيّ زمن تختار؟ 

ريكاردو كرم: ربما الستّينات 

زاهي وهبي: لماذا؟ لا تعرفها في "الستّينات"؟ لم تعش فيها في تلك الفترة

ريكاردو كرم: لا، لكن كان للحلم مُتّسع، كان عندنا قُدرة على الحلم. اليوم نحن نعرِف، مع أنّ أنت وأنا والمُشاهدين طبعاً أحلامنا كبيرة وطموحاتنا كبيرة لكننا نعلم أنّ هذا كله محدود، هناك حدود لكل شيء. حينها كان كل شيء مُتاحاً، كانت حقبة طبعاً فيها ازدهار (لبنان)، ازدهار الثقافة في (لبنان)، الازدهار السياحي في (لبنان)، كانت حقبة مهمة

زاهي وهبي: من آخِر حواراتك أُستاذ "ريكاردو كرم" حوارك مع فخامة رئيس الجمهورية اللبنانية الجنرال "ميشال عون". ما هي الخلاصة التي خرجت بها؟ ما هي الزاوية الجديدة التي قاربت فيها الرئيس؟ 

ريكاردو كرم: سأقول لك، أنا لا أستطيع أن اُعلِّق على برنامج أو لقاء أنا أجريته، وأنا طبعاً استمعت إلى آراء الكثير من الناس ويُمكنني أن أوكِّد لك أنّ رئيس الجمهورية كان حسب أقوال الناس مرتاحاً كثيراً والذي كان يريد أن يستمع إلى أجوبة استمع. أجاب الرئيس على الكثير من الأمور، تحدّث عن الكثير من الأمور للمرة الأولى. كان لقاءً في رأيي ناجحاً رغم طبعاً أنّ البلد مقسوم، قسم مع وقسم ضد، وأنا أعتزّ بهذه التجربة 

زاهي وهبي: تقول، لو كتبت مذكّراتك الآن لكان الكلّ خاصموك. لماذا؟ ما فيها هذه المُذكّرات؟ ماذا تُخبّئ؟

ريكاردو كرم: هناك حقيقة، ليس فقط حقيقة الضيوف بل حقيقة الناس والبيوتات التي دخلتها. دخلت إلى بيوت كانت أبوابها مُغلقة وفُتِحَت لي فدخلتها واستمعت إلى تفاصيل. عشت يوميات أناس معروفين جداً في البلد وفي العالم العربي. أعرِف أموراً كثيرة وأتأمّل أن يسمح لي المُستقبل بتدوين هذه الأمور كلّها، ليست مُذكّرات لكن يومياتي التي كتبتها. أنا أكتب يومياتي وأُسجِّلها وأتأمّل أن أتمكّن من جمعها كلها وألا تخلق مشاكل كما أظن. لكن أعود وأقول لنفسي، إذا أناس كانوا قد غادروا الحياة، هل تكتب عنهم؟ ما أهميّة الكتابة عنهم إذا كانوا أناساً لا تعرِفهم؟ الأهميّة اليوم هي في اليوم، في الحاضر، ونحن نعيش في بلد من الصعب أن تدخل إلى هكذا تفاصيل دقيقة قد تؤدّي إلى أمور قد تكون غير مُستحبّة يعرِفها العامّة

زاهي وهبي: نعم. لغاية الآن في جعبتك كتابان هما "حاورتهم" و"باريس اللبنانية" 

ريكاردو كرم: نعم 

زاهي وهبي: والكتاب الثالث قريب؟ 

ريكاردو كرم: فكّرت في ذلك لكن الناس حتى لا يقرأون اليوم وقد تغيّر كل شيء. إصدار الكتاب مُكلِف جداً وقد يذهب الناس اليوم إلى الـ iPad ويقرأون الكتب على الـ iBox، وأنا إذا أصدرت كتابي مَن سيقرأه؟ لكن من الجيد أن تكون عندك تجربة أدبية. على بالي أن أكتب شيئاً له علاقة بي أنا، على بالي ربما أن أسرُد شيئاً من حياتي أنا، من الأمور التي عشتها

زاهي وهبي: من سيرتك الشخصيّة؟

ريكاردو كرم: سيرتي كبيرة جداً، أن أكتب مشوار حياتي؟ لا، أنا بعيد جداً عن هذا الموضوع، لكن حقبة معيّنة من حياتي كي أُساعِد غيري في نضالهم 

زاهي وهبي: حتى أنّك عشت ذروة عزّ الفضائيات إذا أردنا أن نقول، أعني التلفاز في فترة عزّ عزّه. ممكن أن تكتب تجربتك التلفزيونية، نظرتك والمُتغيّرات التي تكلّمت عنها في بداية الحوار

ريكاردو كرم: لكن اللغة، لغة الإعلام تتغيّر كل يوم وربما في رأيي هذه اللغة عندما أُريد أن أكتب تجربتي قد تكون لغة جامدة وقديمة ولا يستسيغها الشباب. أريد أن أحكي للشباب تجربتي التي فيها نضال وفيها صراع مع الوقت ومع الزمن وصراع مع 

زاهي وهبي: ما أصعب شيء في هذه المهنة؟

ريكاردو كرم: أصعب شيء أنّ أصحاب المؤسّسات سواء كانت مكتوبة أو مقروءة أو مسموعة تُحارب نجوم المؤسّسات

زاهي وهبي: ويصير صاحب المؤسّسة كأنه منافس للوجه الذي يظهر عنده على الشاشة، هذا في الغرب موجود أيضاً؟ 

ريكاردو كرم: لا أعتقد 

زاهي وهبي: نعم

ريكاردو كرم: أعني لم تكن عندي تجربة في الغرب حتى أتمكّن من إعطاء رأيي، لكن حسب قراءاتي، وأنا أقرأ كثيراً، لا أعتقد. عندنا في (لبنان) اليوم، خصوصاً في (لبنان) مَن هو الأهم؟ صاحب المؤسّسة صانع النجوم أو النجم؟ ينسى أحياناً صانع النجوم أنّ مؤسّسته نجحت لأنّ فيها نجوماً، وليس في كل يوم يُمكنك أن تصنع نجماً في المؤسّسة. إذاً، أن يتكيّف الإنسان في هذا الجو ويعيش هذه الضغوطات ليست مسألة سهلة 

زاهي وهبي: هل هناك برامج تلفزيونية اليوم في (لبنان) وفي العالم العربي تحرِص على مشاهدتها؟ 

ريكاردو كرم: لا أتابع برنامجاً في شكلٍ دوري، على العكس، أُتابع برنامجاً كي أعرِف ما هو الموضوع ومَن هو الضيف. وأنا هنا حقيقةً أشكُر بعض الصُحف اللبنانية التي ما زالت لغاية اليوم عندها صفحة التلفزيون بحيث تعرِف مَن سيكون ضيفاً مع فلان. اليوم مثلاً مع "زاهي" سيكون الضيف فلاناً فأُتابع، واليوم مع "لانا" عندها هذا الموضوع فأُتابع، واليوم مع "رابعة" هناك موضوع فأُتابع، أعني أتابع حقيقة ً مواضيع معيّنة وضيوفاً معيّنين. لا يُمكنني ألا أتابع حلقة مع "أدونيس" مثلاً، هناك أناس أحب أن أتابعهم أكيد، على العكس أبحث عن هكذا حلقات وألهث وراءها حتى أستمع 

زاهي وهبي: هل تجد صعوبة في إيجاد ما يُثري؟ ما يُغري للمُتابعة؟ 

ريكاردو كرم: أكيد. ربما اليوم نحن نعيش مأساة في (لبنان)، مأساة الرابع من آب، مأساة الـ "كوفيد 19"، نعيش الانهيار الاقتصادي المالي. إذا اليوم السياسية تأخذ حيّزاً كبيراً وربما لولا هذه الأمور التي نعيشها أنا ما كنت اليوم دخلت عالم التغريدات و "تويتر" مثلاً. أنا ولا مرّة كنت أُغرِّد وأكتب، أنا منذ السابع عشر من أكتوبر/ تشرين الأول بدأت في الكتابة وتعرّفت على الكثير من الزملاء، على عالم لا أعرِفه أبداً. إذاً أدخلني إلى مكان أستمتع فيه     

زاهي وهبي: تُعبّر فيه عن رأيك

ريكاردو كرم: ليس فقط رأيي، هناك أولاً الكثير من المقالات التي يتم تداولها وتتم مُشاركتها مع الآخرين وأحب أن أقرأها وأدخل عليها. إذاً اليوم أعود وأقول لك، لغة جديدة لكنني أحاول أن أتأقلم معها 

زاهي وهبي: في مبادرة تكريم لا يسنح لنا المجال كي نتحدّث موسّعاً عنها، إن شاء الله في لقاءات مقبلة، تقول إنّك نادم على تكريم شخصيّتين، مَن هما؟ مِن عشرات الشخصيات التي تكرّمت  

ريكاردو كرم: دعنا لا ندخل في لعبة الأسماء. شخصية لبنانية تمّ تكريمها سنة 2016 في (القاهرة)، وشخصيّة سعودية تمّ تكريمها سنة 2010 في (بيروت). أعتقد إنّه ربما في بداية سنة 2010 تمّ اختيار هذه الشخصيّة في طريقة لن أقول اعتباطية لكن في طريقة سريعة لأنه طبعاً لم تكن عندنا هذه التجربة ولم تكن عندنا هذه المنهجية الواضحة. وفي عام 2016 أيضاً لأنّ الشخص الذي كان فائِزاً اعتذر عن القدوم ونحن عندنا أحد الشروط أنه يجب أن يكون الفائز حاضراً في حفل التكريم وتمّ اختيار الشخص الثاني، وأنا لا أعتقد أنّ هذا الشخص كان يستحق هذه الجائِزة لكن الظروف شاءت والقدر شاء 

زاهي وهبي: ماذا بقيَ من أحلامك؟ 

ريكاردو كرم: أحلم أن يكبر أولادي ويفتخروا بالأب الذي كنته. لا أحب أن يفتخروا بالشخص الذي يطلّ على الشاشة أو الشخصية العاملة التي هي أنا. أحب أن أنجح كأبّ لأنّ هذا طبعاً امتحان صعب جداً وهو أن تتمكّن من أن تبني أولادك مثلما من اللازم أن يكونوا وليس كما أنت تريدهم أن يكونوا. مثلما هو مفروض حتّى يعانقوا المُستقبل، مثلما هو مفروض حتى يواجهوا المُستقبل. هذه عمليّة صعبة جداً في عالم مُلبّد جداً وصعوبات جمّة وكبيرة جداً. إذاً أتأمّل أن أنجح في هذا الامتحان وأتأمّل أيضاً أن تُحافِظ حياتي مع زوجتي على هذا القَدْر من السعادة

زاهي وهبي: كيف تتعامل "يُمنى" مع شهرتك؟ 

ريكاردو كرم: عندما تعرّفت عليها لم تكن تعرفني 

زاهي وهبي: هذا أحسن شيء 

ريكاردو كرم: أبداً، لأنّ "يُمنى" لم تكن تتابع تلفزيون أبداً ولا حتّى التلفزيون المحلي أبداً. تقرأ كثيراً، نحن نقرأ كلانا كثيراً، في المساء نقرأ كثيراً. إذاً لم تكن تعرِفني وأحبتني لشخصي أعتقد، وما أحببته فيها أنها لا شيء عندها تحب أن تُظهِره. أعني Nothing to prove، لا تبرهِن على شيء، وهذه ميزة مهمة جداً، ألا يكون عند الإنسان شيء ليبرهنه كي يثير إعجاب الآخرين، أن يكون إنساناً طبيعياً وعفوياً 

زاهي وهبي: نُحمِّلك سلامات حارّة لـ "يُمنى" 

ريكاردو كرم: شكراً 

زاهي وهبي: وقبلات للأولاد، والله يخلّيكم عائِلة حلوة وناجحة. أتمنّى لك المزيد من النجاح والتوفيق أُستاذ "ريكاردو كرم"، نوّرت "بيت القصيد"

ريكاردو كرم: أُستاذ "زاهي" سعادة لي أن أكون معك، طبعاً هذا مكسب لي وطبعاً علامة لي وأتأمل أن تظل طبعاً تُناضل في ظلّ كل ما نعيشه من عتمة ومن أمور صعبة 

زاهي وهبي: نوّرت "بيت القصيد"، أهلاً وسهلاً. شكراً لفريق العمل والشُكر الأكبر دائِماً لمُشاهدينا في كل أنحاء العالم. نلتقيكم الأُسبوع المقبل بإذن الله 

 

 

البرنامج

إعداد
زاهي وهبي وغادة صالح
تقديم
زاهي وهبي
المنتج
غادة صالح
إخراج
علي حيدر
الايميل