التطبيع... المعلن عنه والمقنّع

التطبيع كمفهوم... تاريخيته، سياقاته، المعلن منه والمقنّع. أنواعه... من يسوّق له ومن يقوم به ... المعاهدات ومفهوم السلام وصفقة العصر والتطبيع... كيف يمكن مواجهته وما هي الأدوات؟

 

المحور الأول:

غسان الشامي: أحيّيكم، التطبيع، نعم التطبيع، يا لهذه الكلمة الممجوجة والثقيلة على السمع والقلب لأنها تعني في مراميها الأخيرة على مقياس الصراع الحقوقي مع الكيان والعدو الصهيوني اعترافاً به بطريقةٍ أو بأخرى، تعني تنازلاً عن الحقّ الفلسطيني وتعني كما يحدث الآن أنّ جهاتٍ لم تكن يوماً في محرق الصراع باعت واشترت بأصحابه الشرعيين، لكن مهلاً ألم تكن أوسلو ووادي عربة وقبلهما معاهدة السلام بين القاهرة وتل أبيب تطبيعاً وربّما أكثر بل ربّما كانت اعترافاً كاملاً.  الباحث والكاتب الأردني هشام البستاني كتب عن التطبيع وتاريخه كمفهومٍ ومسار، معه سنلقي الضوء على هذه الآفة الدالّة على الهشاشة الهوياتية العربية الرسمية، سنتحدّث عن أنواع التطبيع كلّها المُعلنة منها والمُبطّنة، عن أوسلو والغرب وصفقة القرن في مسارات التطبيع، وكيف يمكن مواجهتها بعد تقريرٍ عن التطبيع. 

تقرير: 

اعتبرت الدول العربية إسرائيل دولة عدوّةً عَقْب احتلال الصهاينة لفلسطين عام 1948، وبعد قمّة الخرطوم عام 1967 خرجت اللاءات الثلاث "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف".

زار أنور السادات تل أبيب عام 1977، وبعد 16 شهراً وقَّعت مصر معاهدة كامب ديفيد، ثمّ وقَّعت السلطة الفلسطينية معاهدة أوسلو عام 1993 ولحقها الأردن بعد عامٍ واحد، حيث زار رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين سلطنة عُمان وفتح مكتباً تجارياً في قطر عام 1996. وتتالى تحسُّن العلاقات الإسرائيلية مع دول الخليج العربي منذ تسعينات القرن الماضي.    

مظاهر التطبيع مع إسرائيل بدأت منذ سنوات بطريقة ملتوية اتّخذت شكل التعاون الاقتصادي أو الأمني أو التجاري أو الثقافي أو الرياضي بالرغم من استمرار كيان العدو في رفض بنود مُبادرة قمّة بيروت العربية عام 2002، ويُقدَّر إجمالي الصادرات الإسرائيلية إلى أسواق العرب بنحو سبعة مليارات دولار أميركي سنوياً، وظهرت إلى العَلَن الزيارات المُتبادَلة بين وفودٍ من الخليج والكيان الصهيوني.

تسارعت خطوات التطبيع في الآونة الأخيرة بضغطٍ من إدارة ترامب ولا سيّما دول الخليج العربي، فذهبت الإمارات والبحرين إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل ووقَّعت اتفاقيات بحضور ترامب نفسه، فيما وافق السودان على تطبيع العلاقات. 

غسان الشامي: تحيّةً لكم من أجراس المشرق، أستاذ هشام البستاني بادئ ذي بدء هل يمكن أن نفكّك معاً التطبيع كمفهومٍ ومُصطلح بات الآن مُتداولاً بشكلٍ كبيرٍ في الإعلام وفي الأجندة العربية؟

هشام البستاني: أولاً مساء الخير لك وللمُشاهدين، التطبيع كلمة تدلّ بشكلها العميق وفي مختلف المسارات التي تُطرَح فيها والتي هي مسارات الاجتماع أو السياسة أو حتى في ما يتعلّق بالخيول وسأتحدّث عن ذلك، هي تحويل شيء ما كان غير طبيعي ومرفوض في سياقٍ ما إلى أمر طبيعي ومقبول في سياقٍ آخر، يُستخدَم هذا في الاجتماع في ما يتعلّق بالسلوك الاجتماعي، يُستخدَم في ما يتعلّق بتطبيع الخيل وترويضها، ويُستخدَم أيضاً في العلاقات الدولية في عالم الدبلوماسية حين تكون هناك دولتان لم تكن بينهما أيّة علاقات أو بينهما علاقات عدائية أو عدم اعتراف وما إلى ذلك بتطبيع علاقاتهما أي إنشاء علاقات دبلوماسية وتحويل ما كان سابقاً علاقات عدائية إلى علاقات طبيعية. الآن هذا هو الذي يُستخدَم اليوم في ما يتعلّق بتطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، مع "إسرائيل". بكل أسف يبدو أن هناك انتقالاً للمفهوم من عُمقه الذي سأتحدَّث عنه بشكلٍ وافٍ بعد قليل إلى حالٍ سطحية من إنشاء العلاقات الدبلوماسية وتحويل مفهوم مقاومة التطبيع إلى مُعارضة فقط لهذه العلاقات التي هي في الأساس ناتجة من مشكلة أعمق تتعلّق بالاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومشروعه من الأساس. مفهوم التطبيع ومقاومته كما أراه يتعلَّق كما أراه ليس فقط بموضوع العلاقات. 

غسان الشامي: سنأتي إلى مقاومة التطبيع ولكن الآن في الموضوع المفهومي، هذا المفهوم الذي يبدو أنه نخر حتى العظم العربي.

هشام البستاني: بالنسبة لي التطبيع ابتداءً هو الاعتراف بمشروعيّة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني ومشروعه في المنطقة العربية وتحديداً في فلسطين ومحيطها، لأننا كما نعرف المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني ليس فقط مُحدَّداً بالأراضي الفلسطينية أو ما سُمّي لاحقاً فلسطين أو فلسطين الانتدابية، الحدود التي رسمها الاستعمار البريطاني للمنطقة وأطلق عليها إسم فلسطين أو لبنان أو سوريا أو الأردن. إذاً التطبيع في عُمقه هو اعتراف بمشروعيّة هذا الاستعمار الاستيطاني واعتراف بأحقّية النسخة المزوَّرة من التاريخ التي يسوِّقها هذا المشروع لتبرير وجوده، من هنا نستطيع أن نفهم العُمق الأكبر لمفهوم التطبيع، هو ليس فقط إنشاء علاقات مع هذا الكيان بل الاعتراف بمشروعيّة وجوده من الأساس. المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني هو جزء من مروحة من المشاريع الاستعمارية الاستيطانية الأوروبية في العالم، هو يشبه في نفس الاتجاه ما حصل في ما يُسمّى الآن الولايات المتحدة أو أميركا الشمالية بما فيها كندا، أميركا الجنوبية، أستراليا وما إلى ذلك.  

غسان الشامي: أستاذ أريد أن أمشي وإياك خطوة خطوة في الواقع، تاريخيّة هذا المُصطلح في العالم العربي متى بدأ ومَن بدأ بضخّ هذا المُصطلح في موضوع الصراع ما بيننا وبين الكيان الصهيوني؟

هشام البستاني: هذا المُصطلح جديد نسبياً في ما يتعلّق بالصراع العربي الصهيوني، هذا المُصطلح نشأ منذ اتفاقية كامب ديفيد بين الكيان الصهيوني ومصر، وكنتيجةٍ لما ظُنّ في حينه أنه ستكون هناك علاقات طبيعية على المستوى ليس فقط الرسمي وإنما الشعبي، علاقات ثقافية، علاقات في مجال الزراعة، في مجال الصحة وما إلى ذلك، إذاً في مقابل اتفاقية كامب ديفيد في نهاية سبعينات القرن الماضي نشأت حركة شعبية فعَّالة في مصر تريد أن تواجه آثار هذه الاتفاقية وتواجه التطبيع الدبلوماسي والسياسي والثقافي وفي غيره من المجالات في ما يتعلَّق بالعلاقات بين مصر والكيان الصهيوني. من هنا نشأ هذا المُصطلح وانتقل إلى الأردن بعد أن قام النظام في الأردن بتوقيع معاهدة وادي عربة عام 1994 بهذا المعنى، وأصبحت هناك حركة في الأردن أيضاً تُقاوِم آثار هذه المعاهدة، وجود سفارة إسرائيلية في عمّان تقاوم أية علاقات اقتصادية أو ثقافية أو غيرها قد تنشأ في ما يتعلّق بهذا الموضوع بين القطاعات الشعبية أو بين البلدين. إذاً على المستوى الرسمي حصل التطبيع بالمعنى السياسي وعلى المستوى الشعبي انبثقت حركة مواجهة أو مقاومة لهذا الأثر استمرَّت شعبياً.

غسان الشامي: أنت تلاحظ أن دولاً عربية كثيرة تُهرول نحو التطبيع خارج العقل الأميركي الذي يريد مكاسب حالياً في هذه الإدارة ولكن فعلياً مَن يعمل على أن يجعل من التطبيع اعترافاً؟  

هشام البستاني: أنا أعتبر أن كل المنطقة منذ أن نشأت ما بعد الاستعمار هي تتشكّل من كياناتٍ وظيفيةٍ كما أسمّيها أي أنها لا تستمدّ مشروعيّتها من مشروع محلي أو حركة شعبية أو اجتماعية او سياسية محلية، وتحكمها مجموعات حاكمة تشتقّ وظيفيّتها أولاً من هذا الكيان الوظيفي ودوره في شكل العلاقات الدولية القائم، ومن هذا الشكل تُشَرْعِن نفسها بعلاقات وظيفية مع ما تريده القوى الدولية والمشاريع الدولية من المنطقة. علينا أن نفصل ما بين المجتمعات العربية وما بين المجموعات الحاكمة العربية التي كما قلت تشتقّ نفسها وظيفياً، ومن هذه الوظيفية تريد أن تنسج علاقات مع الكيان الصهيوني استناداً إلى هذا الشكل الوظيفي الذي تقوم به في الإقليم وفي شكل العلاقات الدولية. لا يمكن أن ننظر إلى أن مَن يحكم المنطقة العربية اليوم هم يُمثّلون مصالح دولهم في المقام الأول، هم يُمثّلون مصالح هذه العلاقات الإقليمية والدولية والماضي الاستعماري الذي أتى بهم ليحكموا كيانات مُفْرَغة من إمكانياتها التحرّرية، وبالتالي النقطة الأساسية في ما يتعلّق بوجودهم هو البقاء وليس محاولة بناء دولة، هذا البقاء يستدعي منهم أن يؤدّوا الدور الوظيفي المطلوب في ما يتعلّق بوجودهم في هذه المنطقة وطبعاً على رأس ذلك الحفاظ على الكيان الصهيوني وبناء علاقات معه بهذا المعنى. 

غسان الشامي: هناك تطبيع مُعْلَن، سافِر ووقِح ويتنازل عن كل شيء في قضية دائماً اعتبرها الوجدان العربي قضية مُقدّسة، وهناك تطبيع مُقنّع، مُبطّن، ناعم، هل يمكن كشف التطبيع الآخر لأن السافِر مكشوف ولكن المُقنّع كيف يمكن للجمهور العربي أن يكتشفه؟

هشام البستاني: كما تحدّثت هناك هذه الأشكال من التطبيع، الشكل الأول هو الذي بحثناه قبل قليل وهو العلاقات الرسمية المباشرة بين المجموعات الحاكمة في العالم العربي وما بين الكيان الصهيوني، هذا تترتَّب عليه مجموعة من المستويات الأعمق من التطبيع التي قد لا تكون منظورة أمام الناس، مثلاً التطبيع بالمعنى الاقتصادي، سأضرب مثالاً من الأردن، هناك بعض التجار الذين كانوا ولا زالوا ربّما يستوردون الخضار والفواكه وما إلى ذلك، وكانوا يزوّرون بلد المنشأ ويُضلّلون المُستهلكين في ما يتعلّق بمنشأ هذه البضاعة وغيرها من الأمور، هذا تصدّت له حركة مقاومة التطبيع وإلى حدٍّ كبير تمّ وقف أو مقاومة مثل هذا النوع من التطبيع، ولكن هناك تطبيع آخر أعمق أثراً وأكبر ولا يمكن وقفه ربّما، وسأضرب مثالاً أيضاً من الأردن وهو اتفاقية الغاز التي وقّعتها شركة الكهرباء الوطنية المملوكة بالكامل من الحكومة الأردنية لاستيراد الغاز لتوليد 40% من كهرباء الأردن، هذا تمّ رغماً عن الموقف الشعبي الرافض للتطبيع، الكهرباء هذه ستصل إلى كل منزل ومصنع ومحل ومتجر في الأردن، ولا يمكن الاستغناء عن هذه السِلع الأساسية، إذاً هو تطبيع قَسْري تفرضه المجموعة الحاكمة في الأردن على شعبها وتموّله من أموال دافعي الضرائب، مثلاً نشأت حملة من أجل مواجهته ولكنّه أعمق أثراً وأصعب في ما يتعلّق بمواجهته. هناك أيضاً مثلاً مشاريع تتعلّق بالبنى التحتية مثل قناة البحرين، المشاريع الاستراتيجية الكبرى، مشاريع الطاقة، مشاريع الربط الكهربائي، علينا أن ننتبه مثلاً إلى أن هناك فكرة لبناء شبكة إقليمية للكهرباء تربط ما بين مصر، الأردن، سوريا، لبنان والعراق ربّما، هذا أيضاً جزء من مشروع تطبيعي في حال استمرّت اتفاقية الغاز مع الكيان الصهيوني لأن هذه الاتفاقية ستكون جزءاً من آليات توليد الكهرباء حتى في الإقليم. إذاً هناك مجموعة من المستويات، علينا أن نتابع بشكل مستمر ما يُنشَر في الإعلام من هذه المشاريع، وعلى الأغلب كل المشاريع الإقليمية الكبرى لا بدّ من أن تكون هناك يد للكيان الصهيوني فيها، وآخر هذه المشاريع مثلاً هو مُنتدى غاز شرق المتوسّط وهو أيضاً يتعلّق بلبنان اليوم وهو يتفاوض على ترسيم حدوده البحرية من أجل نفس هذا الموضوع، الغاز، إذاً تتشكّل أطر إقليمية تضمّ الكيان الصهيوني سواء بشكلٍ واضحٍ أو مُضْمَر وتندرج هذه الدول في مشاريع كبرى أعمق وأخطر وتنبغي مواجهتها.

غسان الشامي: أستاذ هشام واضح أنك منحاز إلى أن الجهة الشعبية تقاوم التطبيع، مجموعات المجتمع في هذه البلدان تقاوم التطبيع ولكن لم نرَ حتى الآن حضوراً وازِناً لطريقة مقاومة التطبيع، للمجتمع المدني، للمجتمع الأهلي، للجمعيات، للأحزاب، إلامَ تعزو ذلك؟ 

هشام البستاني: ربّما أختلف معك جزئياً في هذا المعنى وهناك أدلّة، الأدلّة أولاً أنه عبر سنوات طويلة جداً مما يُسمّى اتفاقيات السلام بين الكيان الصهيوني ومصر وبين الكيان الصهيوني والأردن لم يتحوّل التطبيع إلى أمرٍ مقبول شعبياً على الإطلاق، فبالتالي نعتبر هذا فشلاً كبيراً لتحوُّل التطبيع من علاقةٍ على المستوى السياسي بين حكومات أو سلطات حاكمة وتحوّله إلى أمرٍ شعبي، إذاً هناك فشل لمشروع التطبيع وهو عنصر أساسي في موضوع التطبيع أي أن يتحوَّل الكيان الصهيوني إلى أمرٍ طبيعي ومقبول من قِبَل الشعوب المحيطة به. لنتذكَّر أن المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني لا يمكن أن يكون مثلما فعل المستوطنون الأوروبيون في أستراليا أو في كندا أو في الولايات المتحدة، أن يبيدوا لعدَّة اعتبارات المجموع السكاني المُحيط بهم، وبالتالي كلمة السر في ما يتعلّق ببقاء الكيان الصهيوني في المنطقة قائم على القبول الطوعي للمجموع الشعبي المحيط بهذا الكيان باعتباره أمراً طبيعياً ولا بدّ من بناء علاقات طبيعية معه. إذاً هناك فشل بهذا المعنى، هناك فشل في ما يتعلّق بالموضوع الاقتصادي، آخر دراسات استطلاعية قام بها ربّما المركز العربي للأبحاث والدراسات في الدوحة أثبت أن هناك نِسَباً هائلة من رفض التطبيع مع الكيان الصهيوني في كل العالم العربي حتى في الجزائر تصل إلى مئة في المئة من المُستطلعين. إذاً هناك تجذُّر حقيقي لرفض التطبيع مع الكيان الصهيوني ولكن تعبيرات هذا الرفض نتيجةً لوجود مجموعات حاكِمة تحكم هذه البلاد وتحكم هذه الشعوب لا يمكن أن يتبلور ذلك كما تتحدَّث أنت إلى أدوات فعلية حقيقية ظاهرة للعيان.  

غسان الشامي: أستاذ هشام أتمنّى بمُتابعتك أن نتحدَّث عن التطبيع الإعلامي وهو خطير جداً، هناك محطات عربية كثيرة دَيْدَنها التطبيع وأيضاً هناك منظمات أعلنت مؤخراً عن مئة مليار دولار، هنا في لبنان منظمات ال NGOS وهي في أغلبها لا يهمّها كل هذا الصراع مع إسرائيل. 

هشام البستاني: في ما يتعلّق أيضاً بالتطبيع الإعلامي، واحدة من أبرز أو بدايات التطبيع الإعلامي هي استضافة شخصيات من الكيان الصهيوني تدافع عن وجهة النظر الصهيونية وتقدّمها إلى المشاهد العربي، هذا كان برأيي من أخطر الأمور التي تمَّت، هي تأخذ النسخة المُزوَّرة من التاريخ، تعرض قضية الاستعمار الاستيطاني مباشرةً وتأخذها إلى كل بيتٍ في العالم العربي وتقدّم وجهة النظر المُضلّلة هذه إلى جمهور واسع. موضوع آخر يتعلّق بالتطبيع هو أنّ أغلب البرامج التي تُطرَح على مستوى الإقليم من قِبَل منظمات أغلبها مرتبطة بحكوماتها أو ما يُسمّى بقطاع المنظمات غير الحكومية وهو بالمناسبة إسم طريف لأن أغلب هذه المنظمات غير الحكومية تأخذ تمويلها من حكوماتٍ ومن منظماتٍ أخرى مرتبطة بهذه الحكومات وتنفّذ مشاريع دَمْجٍ إقليمي، وأهم مشاريع الدَمْج الإقليمي تتمحور حول قضايا مثل التجارة والمياه والطاقة وهي مشاريع بنى تحتية أساسية كما تحدّثت تشكّل ربطاً عضوياً بين بلدان المنطقة، وتشترط في هذا الدَمْج وجود الكيان الصهيوني ضمن هذه المُعطيات. أحد أهم هذه المشاريع، كما نعلم أن الأردن أحد أفقر البلدان في العالم في ما يتعلّق بالمياه، والأردن إلى حدٍّ ما ممنوع من تحلية مياه البحر ومدّ ما يسمّى بقناة البحرين وهي أنبوب بالمناسبة وليست قناة فعلية إلا في حال اشترك مع الكيان الصهيوني في مثل هذه المشاريع. إذاً هناك مروحة من التنظيمات سواء الحكومية أو غير الحكومية التي تشترط هذا التطبيع باعتباره دَمْجاً عضوياً للكيان الصهيوني في المنطقة. 

غسان الشامي: بقليل من الوقت أريد أن أسألك عن الفرق بين الاعتراف والسلام والتطبيع.

هشام البستاني: أنا لا أجد فرقاً كبيراً، أنا أُعرِّف التطبيع بالموقف من المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في فلسطين، أنا أعتبر أن هذا المشروع هو استكمال للمشاريع الاستعمارية السابقة وهو آخر مشروع استعماري استيطاني فعّال في العالم المعاصر اليوم، ومن العار أن يستمر مثل هذا المشروع الاستعماري الاستيطاني الإحلالي في عالمٍ يدَّعي أنه يعتني بحقوق الإنسان ويرفض الظلم إلى آخره، أعتبر حتى أن التطبيع بدأ منذ ما قبل اتفاقيات السلام أي منذ اللحظة التي بدأ فيها البعض يتحدّث عن إنشاء علاقات طبيعية أو الاعتراف بإسرائيل مقابل الاعتراف بدولةٍ فلسطينيةٍ كائناً ما كانت حدودها، هذه هي البدايات الحقيقية للانهيار الذي وصلنا إليه اليوم، القبول بالظلم كأمرٍ واقعٍ حتى ولو على 10% من مساحة فلسطين أو أيّة أرضٍ عربية مُغْتَصَبة أخرى هو بداية لانهياراتٍ مُتتالية يتحوّل فيها الظلم إلى أمرٍ طبيعي وينتهي المشروع التحرّري أو المشروع الذي أسمّيه بمشروع العدالة.

غسان الشامي: إسمح لنا أن نتوقّف مع فاصلٍ ثم نعود، أعزائي انتظرونا. 

المحور الثاني: 

غسان الشامي: تحيّةً لكم مُجدَّداً من أجراس المشرق، ضيفنا في هذا الحوار عن التطبيع الأستاذ الكاتِب والباحِث هشام البستاني من الأردن، أستاذ هشام نعود بالذاكِرة قليلاً إلى قمّة الخرطوم عام 1967، تلك اللاءات الثلاث الشهيرة "لا صلح، لا تفاوض، لا اعتراف"، هل فعلاً كان هناك توجُّس واستشعار أن العرب الرسميين سيذهبون إلى الصلح والتفاوض والاعتراف؟ 

هشام البستاني: ربّما كان الوضع مختلفاً في تلك الفترة ولكن أعتقد أن العام 1967 هو اللحظة التاريخية التي حصل فيها التحوّل، فلنتذكَّر أن مصر حتى في سياق رئاسة جمال عبد الناصر كانت أيضاً تتحدَّث عن القبول بالقرارات الدولية في ذلك الحين وما إلى ذلك. نحن لدينا مشكلة إسمها هزيمة 1967 التي قلبت كل المعايير التاريخية، نتذكَّر مثلاً أن منظمة التحرير الفلسطينية التي نشأت قبل عام 1967 بمعنى أنها كانت تتحدَّث عن تحرير ما احتُلّ من فلسطين عام 1948، بدأت أيضاً بالتحوّل منذ ذلك التاريخ وصولاً إلى خطاب ياسر عرفات الشهير أمام الأمم المتحدة الذي تحدَّث فيه عن عدم إسقاط غصن الزيتون من يده وفُهِم على أنه بداية التحوّل العربي والفلسطيني باتجاه الاعتراف بمشروعيّة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني على الأراضي المُستعمرَة عام 1948 والتحوّل شيئاً فشيئاً من خطاب التحرّر والتحرير بمعنى إنهاء المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في المنطقة العربية إلى خطاب القرارات الدولية والشرعية الدولية والدولتين وما إلى ذلك، هذا هو التحوّل الرئيسي وأعتقد أن لاءات قمّة الخرطوم كانت ربّما النَفَس الأخير في ما يتعلّق بموقف ما يُسمَّى النظام الرسمي العربي من الصراع مع الكيان الصهيوني وبدء التحوّل باتجاه الاعتراف به بشكلٍ واضحٍ والاستناد إلى ما يُسمَّى قرارات الشرعية الدولية في هذا المجال. 

غسان الشامي: ما دور المعاهدات ابتداءً من اتفاق القاهرة وما تلاه في رَسْم سياسة التطبيع وبالتدرّج؟ 

هشام البستاني: أنا أرى أنّ المعاهدات هي حجر الزاوية في تحويل التطبيع من مفهومٍ نظري أو تمكُّن الاستعمار الاستيطاني في المنطقة من شكلٍ نظري إلى شكلٍ عملي فعلي، أن تفتح سفارة للعدو الصهيوني في بلادك يعني أن تعترف بشكلٍ واضحٍ بهذا الكيان، وأن يبني هذا الكيان علاقات اقتصادية واجتماعية وثقافية مع أهل البلد أو ربّما مع جزء منهم هو أيضاً اختراق خطير. التطبيع ليس فقط على المستوى السياسي والاقتصادي ولكن أيضاً على المستوى السياحي، هناك الكثير من الترويج للزيارات السياحية، زيارة المسجد الأقصى وهو تحت هيمنة وسيطرة الكيان الصهيوني هو أيضاً تطبيع مباشر مع هذه الحال واعتراف مباشر بسيادة الاستعمار الاستيطاني الصهيوني على هذه المواقع وعلى هذه الأرض، وأنه هو الذي يتحكّم ويُدخِل ويُخرِج منها مَن يشاء ويمنع عنها مَن يشاء، إذاً هذه المعاهدات هي التي ترتّب المدخل السياسي المباشر الذي يُتيح للتطبيع التغلغُل، الذي يُتيح للكيان الصهيوني أن يتطبّع أي أن يصبح أمراً طبيعياً ومقبولاً ومفروغاً منه بمعنى الأمر الواقع. لا ننسى أن التطبيع يعني فرض هذا الكيان أمراً واقعاً بالرغم من كل الحقائق التاريخية وبالرغم من الرفض الشعبي للتعامُل معه.  

غسان الشامي: هل سهَّل اتفاق أوسلو على العرب الذهاب إلى التطبيع على أساس أن الأصحاب الأساسيين للأرض وقّعوا اتفاقاً مع كيان العدو؟   

هشام البستاني: مئة بالمئة، هذه واحدة من أهم الكوارث التي حصلت في ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية، أنا أرى أن القضية الفلسطينية ليست قضية فلسطينية بهذا المعنى بل هي قضية كل مَن يناضل من أجل العدالة في هذا العالم ولا أراها قضية العرب فقط، هي قضية كل مَن يريد إحلال العدل ومواجهة الظلم في هذا العالم والاستعمار الاستيطاني سواء كان صهيونياً أو غيره، هو أعلى درجات الظلم الذي قد يقع على الشعوب في هذا العالم. بكل أسف تتمّ مواجهتنا بشكل دائم أنه إذا كان الفلسطينيون أنفسهم وقّعوا وطبعاً لا أتحدّث عن مُجمَل الفلسطينيين وإنما عما يُسمّى القيادة الفلسطينية، إذا كان الفلسطينيون مُمثّلين بهذه القيادة قد وقّعوا فكيف يُنتظر من الآخرين أن يكونوا ملكيين أكثر من الملك. أيضاً في الاتفاقيات التطبيعية الأخيرة بين البحرين والإمارات والكيان الصهيوني كنا نسمع تصريحات رسمية من السلطة الفلسطينية مُناهِضة لهذه الاتفاقيات ولكنها أيضاً بصراحة كانت تصريحات مُحْرِجة لهم إلى حدٍّ كبير لأنهم هم أيضاً وقّعوا اتفاقيات، هم نسَّقوا وربما لا زالوا يُنسِّقون أمنياً مع هذا الكيان الغاصِب، فبالتالي هم يُقلّلون من مصداقيّتهم ومن مصداقيّة القضية التي يمثّلونها عندما يقومون بهذا الفعل. إذاً نعم ما يُسمّى اتفاق أوسلو كان كارثة حقيقية في ما يتعلّق بجهود مواجهة التطبيع، فتح المجال أمام مَن يرغب بأن يذهب إلى التطبيع مُستنداً إلى ذهاب الفلسطينيين أنفسهم إلى توقيع اتفاقيات وإلى الاعتراف بشرعيّة الاستعمار الاستيطاني، وهذه حقيقة يجب إعادة قراءتها مرة أخرى. أنا أجد أن مواجهة التطبيع سنتحدَّث عنها لاحقاً ولكن فقط عنوان صغير هو في إعادة تعريف القضية الفلسطينية والعودة بها إلى أصلها باعتبارها قضية عدالة وباعتبارها قضية استعمار استيطاني وليست قضية صراع على دولةٍ وحقوقٍ وما إلى ذلك.

غسان الشامي: في موضوع البحرين والإمارات ومن ثم السودان ومَن سيأتي، هل مُجرَّد أنهم قالوا إن أصحاب الأرض قد وقّعوا معاهدات هل هذا يسمح لهم أو يُعطيهم مُسوّغاً أو تبريراً لأن يذهبوا إلى ما ذهبوا إليه ولم يُطلق أحد منهم رصاصة على هذا الكيان؟    

هشام البستاني: صحيح، مرة أخرى نحن نتحدَّث عن المستوى الرسمي وليس الشعبي، علينا ألا نحاكم المستوى الرسمي هذا على اعتبار أنها أنظمة تقود دولاً وتبحث عن مصالح دولها، علينا أن نتعامل مع هذه الأنظمة على أنها مجموعات حاكمة تبحث عن مصالحها الذاتية وعن مصالح بقائها سواء مُتسلّطة على شعوبها أو موجودة في هذا العالم ضمن شكل العلاقات الدولية والإقليمية الذي يتغيّر اليوم باضطراد. تحدَّثت في بداية الحلقة حضرتك أستاذ غسان عن صفقة القرن، إذاً هناك تغيّرات وعلى هذه المجموعات الحاكمة أن تنضوي وتندرج ضمن هذه التغيرّات وأن تُعيد تشكيل وظيفيّتها ضمن هذه المُعطيات، وبالتالي لن نستغرب أن تقوم هذه المجموعات الحاكمة في هذه البلدان بالهرْوَلة نحو الكيان الصهيوني بإيحاءٍ من الولايات المتحدة أو بضغوطاتٍ أو بتنسيقٍ معها لإعادة تشكيل هذه المنظومة ضمن إعادة ترتيب المنطقة وإعادة ترتيب مُعطياتها. نعم لا يوجد مُبرّر على المستوى الشعبي، على مستوى مصالح شعوبنا، حتى على مستوى مصالح هذه الدول بشكلٍ مباشر ولكن إذا نظرنا إليها على مستوى مصالح هذه المجموعات الحاكمة التي تتسلّط على شعوبها نستطيع أن نفهم لماذا تُهَرْوِل هذه المجموعات بهذا الاتجاه ولماذا تبحث لنفسها عن دورٍ يضمن لها بقاءها لسنواتٍ طويلةٍ قادمةٍ ضمن المعادلات الجديدة التي يُراد لها أن تُفرَض على هذه المنطقة.

غسان الشامي: سيّدي توسَّل البعض من رجال السياسة عبر رجال الدين تلميع وتسويغ التطبيع، بمعنى أننا سمعنا رجال دين يقولون "وإذا جنحوا للسلم فاجنح لها"، بالمناسبة أين يقف الدين من التطبيع من خلال قراءتك للسياقات العامة لما حصل في السنوات الماضية؟ 

هشام البستاني: بالنسبة لي وهو موقف معرفي يتعلّق بالدين، الدين يستطيع أيّ شخص أن يُقوّله ما يريد بأيّ اتجاه كان، كما تحدّثت فيما يتعلّق بالإسلام هناك مَن يقول إن الدين يحضّ على السلام ويستشهد بآياتٍ وأحاديث قد تفيد هذا المعنى، وعلى الجهة الأخرى هناك مَن قد يقول إن الدين لا يقول هذا ويحضّ على الصراع ضد العدوان ويستشهد بآيات وأحاديث تفيد هذا المعنى. أنا أرى أن توظيف الدين بهذا الموضوع قد يكون ضارّاً بمعنى أنه يُصوِّر الصراع مع الاستعمار الاستيطاني الصهيوني على أنه صراع ديني بمعنى أو بآخر. هناك الكثير ممَّن يقدِّمون المشكلة مع إسرائيل على أنها مشكلة دينية مع الدين اليهودي مثلاً، ليس فقط بعض ممثلي التيار الإسلامي هم مَن يقولون ذلك بل هناك من القوى القومية مَن تطرح مثل هذا الموضوع أنه لدينا مشكلة مع اليهود واليهودية مع أن هذا الموضوع ليس هو الموضوع الحقيقي، هناك الكثير من اليهود سواء المُتديّنين مثل ناطوري كارتا أو اليهود العلمانيين مثل الشبكة اليهودية المُناهضة للصهيونية تعارض ليس الاحتلال فقط وإنما تعارض الوجود الاستعماري الاستيطاني الصهيوني من أصله، فبالتالي مشكلتنا مع إسرائيل هي مشكلة استعمار استيطاني، مشكلة الظلم الناتج من هذا الاستعمار الاستيطاني، وبالتالي علينا كما قلت قبل قليل إعادة تعريف هذا الموضوع وتفريغه من هذا الاستقطاب الديني الذي يُستخدَم في بعض الأحيان لإعادة توجيه النظر عن أصل المشكلة، وربّما أيضاً استخدام الدين في تطبيع العلاقات ومحاولة سحب المزيد من الناس بهذا الاتجاه. 

غسان الشامي: بالواقع في السنوات الأخيرة حادَ الكثيرون عن أن الصراع مع الكيان الصهيوني هو صراع حقوقي بمعنى أنه إذا لم تكن هناك كنيسة قيامة أو مسجد أقصى هل نقف جامدين، هل نذهب ونقول للإسرائيلي عافاك الله ونحن أحباب وعدنا أبناء عم، ولكن هنا إسمح لي أن أسألك كيف قرأتَ موقف الإسلام السياسي وتحديداً الإخوان المسلمين من موضوع الصراع مع إسرائيل وموضوع التطبيع معها؟ 

هشام البستاني: في ما يتعلّق بالتيارات الدينية وتيار الإخوان المسلمين بالتحديد عندنا في الأردن وفي دول عربية أخرى واضح أن هناك موقفاً مناهضاً للتطبيع لدى هذه التيارات، وقد أثبتت بشكل مباشر هذا الخطاب، وربّما كان أول افتراق ما بين هذا التيار وبين السلطة في الأردن هو لحظة توقيع معاهدة وادي عربة بشكلٍ أو بآخر، صار هناك افتراق واضح ما بين التيارين، نقول التيارات السياسية بمُجملها في العالم العربي وليس فقط التيارات الإسلامية، هي تيارات ترفض التطبيع ولكن تختلف بالدرجة وفي هذا مشكلة، مثلاً بعض التيارات اليسارية التي أنتمي فكرياً إليها بكل تأكيد تعترف بمشروعيّة قيام دولة إسرائيلية على حدود الرابع من حزيران أو حدود 48، أرى في ذلك مشكلة كبيرة، الاعتراف بجزء من الاستعمار الاستيطاني وإسباغ الشرعية على جزء من مشروع  الاستعمار الاستيطاني ورفض شرعية جزء آخر أعتقد أن في هذا تناقض. مرةً أخرى أنا أرى أنه على الجميع إعادة تعريف وتقييم الشكل المعرفي للقضية الفلسطينية، حتى أنني أرفض في بعض الأحيان استخدام كلمة "قضية فلسطينية" أي تحويل الوجود الطبيعي للناس في المنطقة إلى قضية أو مسألة تحتاج إلى حل، المسألة أو القضية أو المُعضلة التي تحتاج إلى حل وتحتاج إلى تصفية هي المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني في المنطقة. نحن إذاً أمام مسألة أومُعضلة صهيونية ولسنا أمام مسألة أو مُعضلة فلسطينية، عندما نحوّل فلسطين والفلسطينيين إلى سؤال نكون قد سقطنا في الفخ الأول في ما يتعلّق بالتطبيع وبالتعامُل مع المشروع الصهيوني كأمر واقع يتحوّل هو أيضاً إلى جزءٍ من الحل بدل من أن يكون هو المسألة التي تحتاج إلى حل.

غسان الشامي: أريد أن أسألك سؤالين لأستكمل معك جزءاً من هذا الموضوع، أولاً موقع صفقة القرن من التطبيع، أنت كتبتَ في هذا المنحى.

هشام البستاني: صحيح، صفقة القرن هي استكمال لمسارٍ طويلٍ أرى أنه بدأ من الاستعمار البريطاني الفرنسي للمنطقة والذي خلّف في ما بعد من خلال اتفاقيات سايكس بيكو وسان ريمو والاتفاقيات التي تلتها مجموعة من الكيانات الهزيلة زارعاً في وسطها الكيان الصهيوني، وإعادة تشكيل المنطقة بما يضمن نَهْب مواردها وإبقاءها عاجزة عن القيام بمشروع تحرّر وتنمية مستقلّة وإنتاج ما يلبّي حاجاتها وتأمين الأمان والصحة لشعوبها وما إلى ذلك، وبالتالي هذا المشروع يستمر في هذا السياق مُستجيباً للتغيّرات التي حصلت منذ انهيار جدار برلين وتفكّك الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية، وبالتالي إعادة بناء شكل العلاقات الدولية على أسس جديدة لم تكن موجودة مثلما كان عليه الأمر في نهاية الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة وما رافق ذلك من تأسيس لشكلٍ جديدٍ للعلاقات الدولية حينها. إذاً صفقة القرن هي استكمال لهذا المشروع، واضح أن العامل الأساس في صفقة القرن هو إبقاء الهيمنة الصهيونية وهيمنة وأفضليّة الكيان الصهيوني في المنطقة وإعادة تشكيل المنطقة استناداً إلى هذه الهيمنة التي يُراد اليوم أن تُفرَض بشكلٍ كاملٍ وليس بشكلٍ خجولٍ كما كان الأمر قبلها.   

غسان الشامي: أستاذ هشام البستاني كيف يمكن مواجهة التطبيع معرفياً، فكرياً، ثقافياً؟

هشام البستاني: إضافةً إلى الأدوات المُتاحة حالياً في مواجهة التطبيع كظاهرة، رفض وجود السفارات، المُطالبة بإلغاء المعاهدات، مُقاطعة كل البضائع أو الشركات الداعِمة للكيان الصهيوني ليس فقط الشركات الصهيونية وإنما هناك مروحة كبيرة من الشركات الداعِمة للكيان الصهيوني في أوروبا والعالم وما إلى ذلك. أعتقد أنه علينا الرجوع وإعادة تعريف الموقف والتحوّل من مقاومة التطبيع إلى ما أُسمّيه مواجهة الصهيونية، علينا أن نعيد تعريف فلسطين وسحب كلمة مسألة منها وإلصاق هذه الصفة بالصهيونية. المشكلة هي المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني وهو مشروع عدواني لا يتركَّز فقط على فلسطين المُسْتَعْمَرة منذ العام 1948 وما بعد بل هو مشروع يتضمّن الهيمنة على مُجمل المنطقة بشعوبها ويبحث عما أسمّيه الاندماج المُهيمن الذي يُحقّق له الثبات والاستقرار التاريخي على المستوى الطويل والذي يربط المجموعات السكانية المحيطة به بشكلٍ عضوي بهذا الكيان وبمشروعه الاستعماري. إذاً علينا أن ننتقل ونعيد التعريف وأن نتحدَّث عن مواجهة المشروع الاستعماري الاستيطاني على الرغم من كل ما يحدث من قِبَل المجموعات الحاكِمة العربية، من كل الاتفاقات، نحن نراهن على الصيرورة والديمومة التاريخية لقضايانا. وفي النهاية التطبيع ينتصر فقط عندما تقوم الشعوب المُستعمَرة والمُضطهًدة والمُفتقدة حقوقها بالاعتراف بهذا الاستعمار والاضطهاد على أنه أمر طبيعي، طالما لم يحصل ذلك يظلّ أفق التاريخ مفتوحاً على كل الاحتمالات.

غسان الشامي: سيّدي العرب لا يُطبّعون بين بعضهم، أنت تتّجه لأن تقول للشعوب أن عليها أن تنتقل إلى مُجابهة التطبيع، ومُجابهة التطبيع يحتاج إلى آلياتٍ مُعيّنة، على مَن يقع وبأقل من دقيقةٍ إذا سمحت، على كاهل مَن يقع عبء مواجهة التطبيع؟

هشام البستاني: يقع على كاهل نفس القوى المُهتمّة بالتحرّر حتى من هذه المجموعات الحاكمة التي تتسلّط علينا اليوم والتي تأخذنا باتجاه الكيان الصهيوني وباتجاه القمع والتسلّط ومصادرة إمكانيات الشراكة الشعبية في السلطة إلى آخره. كل هذه الملفات المُتعلّقة بالعدالة الاجتماعية، التاريخية، الشراكة في السلطة، مواجهة التطبيع والاستعمار الاستيطاني الصهيوني، الناس هم المعنيون بهذا، المجموعات المُتسلَّط عليها والتي رأيناها تخرج إلى الشوارع في عدّة مواقع وأمكنة في العالم العربي، وأيضاً عبر تاريخ طويل من الاحتجاج ومن التظلّم ومن مواجهة هذه المجموعات الحاكمة هي التي ستستطيع على المدى الطويل أن تنتصر إذا استطاعت أن تجد الإمكانيات التنظيمية التي تؤدّي بها إلى ذلك. لا نراهن على المجموعات العربية الحاكمة لأن مصالحها هي على النقيض من ذلك تماماً، هي التي تقودنا باتجاه التبعيّة والتطبيع مع الكيان الصهيوني، إذاً رهاننا هو فقط على الشعوب وعلى حركة هذه الشعوب في أن تستوعب أنّ حتى أبسط القضايا مثل الخبز مرتبط بهذه الهيمنة الصهيونية والمشروع الإقليمي والدولي الذي يُراد لهذه الشعوب لإبقائها تحت نَيْر التبعية والاستغلال.  

غسان الشامي: أشكرك. دائماً أحاول اكتناه الألم العالِق في قلوب الشهداء الذين سقطوا دفاعاً عن فلسطين، قلوب الجرحى واللاجئين الذين يتمسَّكون بمفاتيح بيوت آبائهم، وفي قلوب مَن لا يزالون يؤمنون أن فلسطين هي القضية والبوصلة والهدف، أحاول هذا كي نعلن قرفنا من المُطبّعين ونبقى أوفياء للحقّ الفلسطيني. شكراً للأستاذ هشام البستاني، شكراً لزملائي في أجراس المشرق والميادين، سلامٌ على فلسطين ومَن أحبّها، سلامٌ عليكم وسلامٌ لكم.