قطار التطبيع: كيف يتوقف؟

في مثل هذه الأيام قبل عشَرة أعوام بَدأ ما سمي الربيع العربي وتنقّل في أكثر من بلد عربي، وفي ذِكراه العاشرة يبدو أنَّ خريف فلسطين يتحوّل تدريجياً الى شتاء قاس في ظلِّ قطارِ التطبيع المنطلق من أبو ظبي والمنامة الى الخرطوم والرِباط.

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مُشاهدينا. في مثل هذه الأيام قبل عشرة أعوام بدأ ما سُمّيَ بـ "الربيع العربي" وتنقّل في أكثر من بلدٍ عربيّ، وفي ذِكراه العاشرة يبدو أنّ خريف (فلسطين) يتحوّل تدريجاً إلى شتاءٍ قاسٍ في ظلّ قطار التطبيع المُنطلِق من (أبو ظبي) و(المنامة) إلى (الخرطوم) و(الرباط) والمُحتَمل وصوله إلى (الدوحة) و(الرياض) 

وزير الاستخبارات الإسرائيلي إيلي كوهين: أنا على يقينٍ بأنّ مزيداً من دول الخليج والدول الأفريقيّة ستنضمّ إلى الاتفاق. أنا كوزيرٍ للاستخبارات سأُشرِك قوّاتنا في مواجهة الخطر الإيراني وأنا متأكّدٌ من انضمام دولٍ أُخرى مثل سلطنة (عُمان) و(السعوديّة) و(الكويت) و(التشاد) ومزيدٍ من الدول في شمال (أفريقيا). هذه مصلحةٌ مُشتركة لأنّهم يريدون الأمن والرخاء 

كمال خلف: وكأنّه تسابق بين العواصم العربيّة، والأخطر هو توصيف التطبيع بأنّه انتصار كبير لاسيّما في مسألةٍ كشطْب (السودان) من قائِمة الإرهاب أو الاعتراف الأميركي بالسيادة المغربيّة على الصحراء، فهل تستغلّ الأنظمة الحقّ الفلسطيني في الشؤون الداخليّة؟ وهل هذا يُفسِّر الهدايا الوداعيّة لإدارة "ترامب" المهزومة؟ وهل ما يحصل هو ارتدادات ما حصلَ في السنوات السابقة من تظاهراتٍ وفتنةٍ طائفية وتسعيرٍ في الخطاب المذهبي والسياسي والعدوان الخارجي ووصولنا حالياً إلى رحلة توظيف إعلان المكاسب إقليمياً بعد تمزيق الوطن العربي؟ وفي مقابل كل ما يجري ماذا يفعل الفلسطينيون والقوى الرافِضة للتطبيع؟ ما هي أدوات المواجهة ووقف هذا المسار؟ هل المُراهنة على الشعوب والجماهير هي مُراهنةٌ صحيحة وألا بدّ من تأطير هذا الرفض بآليّاتٍ ونهجٍ مُضادٍّ لسياسات التطبيع؟ 

المحور الأول: 

كمال خلف: مُشاهدينا، في هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" نستضيف من (لندن) مدير "مؤسّسة المُجتمع المدنيّ السوداني - مواطن" الدكتور "صلاح البندر"، ومن (عمّان) الكاتب السياسي الدكتور "لبيب قمحاوي"، ومن (رام الله) الباحِث في العلاقات الدوليّة والأكاديمي والدبلوماسي الدكتور "علاء أبو عامر". أُحييكم ضيوفي جميعاً وأبدأ مباشرةً في الموضوع. اسمحوا لي أن أبدأ من عند الدكتور "لبيب قمحاوي"، حيّاك الله دكتور "لبيب" وأسعد الله مساءك

لبيب قمحاوي: مساء الخير

كمال خلف: العالم العربي اليوم بين مندِّدٍ وشاجِبٍ ومُستنكِرٍ للتطبيع ولهذه الحال المحمومة بالعلاقة مع (إسرائيل) والتحالف معها وبين مَن يُبرِّر ذلك بقضايا مُختلفة داخليّة وخارجيّة ومَن يلقيه على الفلسطينيين ومَن يقول حقّقنا مكاسب داخليّة ومَن يقول تعِبنا إلى آخره، أكيد حضرتك تتابع أكثر منّي ما يجري. لكن بين الأمرين لا بدّ من أنّ هنالك أسباباً عميقة للحال التي وصلت إليها الدول العربية حالياً بعيداً عن المُبرّرات وبعيداً عن الشَجْب والبيانات. هناك أسباب موضوعيّة أوصلت الدول العربيّة إلى ما نحن عليه اليوم، هل يُمكن تلخيصها من وجهة نظرك دكتور؟

لبيب قمحاوي: الموضوع باختصار شديد، العداء العربي الإسرائيلي مرّ في ثلاثة مراحل. الأولى الهزيمة العسكرية في عامي 1948 و1967، والثانية الهزيمة السياسية في "كامب ديفيد" وبعده (أوسلو) ولاحقاً (وادي عربا)، والآن نشهد الهزيمة الثالثة هي الهزيمة التاريخية التي توِّجَت في "اتفاقات أبراهام"، وهذه الهزيمة هي في غاية الخطورة لأنها تُشكِّل الآن قبولاً عربيّاً رسمياً بالرواية الصهيونية بأنّ (فلسطين) هي لليهود وتاريخياً هي وطن اليهود. لذلك سُميَت "اتفاقات أبراهام"، للإشارة إلى أنّ الهزيمة التي نحن في صددها هي هزيمة تاريخية، هزيمة لكلّ الفلسفة العربيّة التي تستند إلى حقٍّ عربيٍّ فلسطينيٍّ مشروعٍ في (فلسطين). هذا الكلام مع أنّ الذي قام به والذي نفّذه هي الأنظمة العربيّة، إلا أنّ الأنظمة حريصة على أن تزجّ بشعوبها لتجعل موضوع التطبيع موضوعاً جماهيرياً شعبياً وليس موضوعَ أنظمة حُكمٍ اتّخذت سياسات مُعيّنة في هذا الاتّجاه. هنا أريد أن أقول لك نُقطة الأساس 

كمال خلف: نُقطة الأساس نستمع إليها وأيضاً أريد منك دكتور في شكلٍ واضح ومُخْتَصر ومُكثَّف، ما يمرّ به العالم العربي اليوم هو كَبوَة، هو محطة، موضة سمّها ما شئت ولكن هل هي طارِئة أم نحن أمام تحوّلات كُبرى في الصراع العربي وفي مفهوم الصراع العربي الإسرائيلي؟ هل نحن على أبواب مرحلة جديدة مُختلِفة كليّاً عن المرحلة التي انطلقت في العام 1948 التي اعتبرَ فيها العرب أنّ تحرير (فلسطين) هو واجب الأُمّة العربيّة والإسلاميّة؟ هناك مرحلة ثانية جاءت لاحقاً لها علاقة بالتسويات على حدود 1967، قبول دولة فلسطينية على حدود 1967. نحن الآن في المرحلة الثالثة، قبول (إسرائيل) بالكامل، والحق الإسرائيلي بالكامل، والعلاقات مع (إسرائيل) بالكامل. هل دخلنا المرحلة التالية أم هذا شيء طارئ مُرتبط بالأشخاص الموجودين الآن في القرار؟ 

لبيب قمحاوي: هو ليس شيئاً طارئاً وهو أيضاً ليس انعكاساً لسياسات خاطئة أو مُمارسات سياسية خاطئة، هي تتويج لحال انهيار عربي عام سببها أنظمة حُكم متواصِِل على مدى العقود الماضية، وهي أيضاً ليست حالاً طارِئة، هي بداية، هي مدخل لتغييرات إقليمية هائِلة ستُصيب العُمق العربي من (النيل) إلى (الفرات)، وهذا الكلام يجب أن يكون الجميع واعين له. القضيّة لم تعُد قضيّة محصورة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، القضيّة الآن بكلّ بساطة تغلغُل (إسرائيل) في العُمق العربي بأكمله والسيطرة على هذا العُمق وثرواته. لذلك نحن لا نتكلّم أبداً عن حال طارِئة ولا نتكلّم عن قضيّة ظرفيّة أو وقتيّة ستزول بزوال هذا الحاكم أو ذاك، هي بداية لمُخطّط إقليمي ودولي 

كمال خلف: لمسار إقليمي ودولي. دكتور "صلاح البندر" أسعد الله مساءك. آخذ رأيك بدايةً في هذه التحوّلات قبل أن أطرح عليك بعض الأسئِلة المُتعلِّقة بالاستفسار حول هذه التحوّلات، مآلاتها على الأقل حالياً في المرحلة المُقبلة. تفضّل دكتور

صلاح البندر: تحيّة لك ولـ "الميادين" وللأحباب من (عمّان) ومن (رام الله)

كمال خلف: حيّاك الله

صلاح البندر: في تقديري الشخصي، القضيّة لم تمرّ بمراحل إنما هي استمرار متواصِل للصراع بين محورين، محور أصلاً من الأساس كان يعمَل دائِماً على تصوّر الصراع كأنّما هو صراع فلسطيني إسرائيلي أو إسلامي يهودي، ومحاولة تجريده من قيمته الحضاريّة وتجريد القضية من وضعها المركزي ضدّ المشروع الاستيطاني الصهيوني. هذا الصراع في المفاهيم ليس صراع الليلة أو أمس، هو مستمرّ منذ سنوات طويلة، منذ أكثر من مئة سنة يعني. في تقديري أنّ ما حدث الآن هو مُجرّد خطوة في مراحل متعدّدة مرّ بها الصراع العربي الصهيوني، والصراع مُستمرّ ولم ينتهِ بعد. في نظرة إلى مشاريع الاستيطان الموجودة في مناطق أُخرى من العالم، في (أفريقيا)، لأنّ مشاريع الاستيطان لم تبدأ في (فلسطين) إنما بدأت مشاريع الاستيطان في (أُستراليا)، في (أميركا الجنوبية)، في (أفريقيا)، انهارت كلّ أنظِمة الفصل العُنصري بعد سنوات كثيرة جداً، مئة وعشرين سنة في المتوسِّط. ففي تقديري، ما يحدث الآن هو مُجرّد فترة جديدة في صراع مُستمرّ 

كمال خلف: حسناً، السؤال الآن دكتور "صلاح"، لماذا نحن هنا؟ لماذا نحن وصلنا إلى هذه المرحلة في العالم العربي؟ في نظرة إلى عشر سنوات ماضية هناك تحوّلات شهِدها العالم العربي، هذه التحوّلات نُظِّر إليها من قِبَل الكثير من النُخب العربية والأحزاب والتيارات على أنّها مرحلة "ربيع" ونهوض ومرحلة الجماهير ومرحلة الديمقراطيّة وإلى آخره. لكن وصلنا بعد عشر سنوات إلى هنا، إلى هذه المرحلة 

صلاح البندر: التوصيف لها بأنّها مرحلة "ربيع عربي" هو في حدّ ذاته كان مجرَّد وَهْم. هو صراع كبير جداً استمرّ لسنواتٍ طويلة وتمّ إجهاض هذا العمل في كلّ قُطرٍ بدأ فيه هذا الصراع بين القوى الدكتاتوريّة والأنظمة القمعيّة في تحالفاتها مع الغرب وانتهى إلى هزيمة الجماهير ووضعها تحت أنظِمة ما زالت أسوأ من الأنظمة التي انتفضت أصلاً عليها. هذه القضيّة يجب أن ننظر إليها، أنا أعتقد أنّ السنوات العشر الماضية دفعت عدداً كبيراً من الدول العربيّة إلى المحطّة قبل الأخيرة من جهنّم، بمعنى أنّ مستوى الجماهير ومعيشتهم ومُعاناتهم أصبحت أسوأ مما كانت عليه تحت الأنظِمة التي قضت عليها لأنّ الأنظمة الجديدة التي استلمت الحُكم كانت مُجرَّد محاولة لقَطْع الطريق على التغيير الجذري والنهوض بالأُمَّة العربية

كمال خلف: نعم 

صلاح البندر: في إطار ما حدث في كل الدول، انظُر إلى كل هذه الدول العربية التي حدثت فيها انتفاضات قوية جداً، تمّ إجهاض حركة الجماهير وقُطِعَت الطريق عليها بتنصيب أنظمة أُخرى عن طريق إنقلاب، عن طريق التآمُر، عن طريق الصفقات والرشاوى والتدخُّل الفظّ على المُستويين الإقليمي والدولي. في تقديري، الهدف من مُصادرة هذا الحقّ للجماهير لأنّهم يعلمون عِلمَ اليقين أنّ الجماهير في هذه المنطقة هم في شكل أساس ومبدئي ضد هذا المشروع الاستيطاني الصهيوني

كمال خلف: دكتور "علاء أبو عامر" في (رام الله) حيّاك الله مُباشرةً. دكتور، تقول إنّ ما يجري هو صَهْينة للمنطقة في إحدى مقالاتك، صَهيْنة المنطقة في أيّ معنى؟ كيف يُمكن أن تتحوّل هذه المنطقة إلى فضاء صهيوني في شكلٍ كامل؟ "شيمون بيريز" في المناسبة يتقاطع مع الفِكرة التي تتحدّث عنها. "شيمون بيريز" يقول: "جرَّب العرب قيادة (مصر) للمنطقة مدة نصف قرن، فليجرّبوا قيادة (إسرائيل) هذه المرّة". هذا ما يحصل فعلاً دكتور "علاء"؟ 

علاء أبو عامر: هذا ما يحصل فعلاً، هذا هو واقع ربما نشاهده الآن بما يفعله الإماراتيون من ترديد للأناشيد الصهيونية والتغزّل بالصهيونية والتغزّل بـ (إسرائيل) وتبنّي الرواية الصهيونية للصراع في (فلسطين) وحول (فلسطين)، هذا بداية صَهْينة. لكن في الأساس علينا أن نُعرِّف ما هي الصهيونية. الصهيونية ليست كما يعتقد كثيرون لها علاقة باليهودية، الصهيونية هي فكر استعماري يعود إلى القرن السادس عشرـ له علاقة بـ "مارتن لوثر" الذي دعا إلى تهجير اليهود إلى (فلسطين) لإقامة وطن هناك لهم لأن في الكتاب الذي كتبه في تلك الفترة "المسيح ولِدَ يهودياً" قال إنّ "المسيح" لن يعود إلى الأرض إلا إذا تجمّع اليهود في (فلسطين) لأنّ "المسيح" سيخرج منهم وهذه هي بداية الفكرة الصهيونية عملياً التي لم تكن تلتقي مع اليهودية. لذلك، عندما تقبل هذه الأنظمة العربيّة بالوجود الصهيوني وجعله وجوداً طبيعياً وحقيقياً وله تاريخ ويُمكن التحالُف معه، هذه صَهْينة في حدّ ذاتها لأنّ الصهيوني هو كلّ مَن يؤمن بحقّ اليهود في (فلسطين) مهما كانت جنسيّته. الموضوع ليس له علاقة بالديانة اليهودية، له علاقة بالفِكرة العامة. هذه الأنظِمة عندما تقبل بالتحالف مع (إسرائيل) وفي مُعاداة الشعب الفلسطيني وفي مُعاداة حركات المُقاومة في (فلسطين) و(لبنان) وفي مُعاداة شقيق إسمه (إيران) وفي مُعاداة حتى الآن (تركيا) وفي مُعاداة كلّ القوى الرافِضة للوجود الصهيوني، فهذه صَهْينة بكلّ ما للكلمة من معنى. الصهيونية ليست مُجرَّد فكرة يهودية أو استيطان يهودي في (فلسطين)، الفكرة أهم ونحن نرى أنّ مَن يخدِم الصهيونية الآن هم الصهاينة المسيحانيين مثل "ترامب" وأمثاله 

كمال خلف: دكتور، هناك حال مُستغربة في العالم العربي حالياً، واحدة منها ذكرتها حضرتك وهي أنّ التطبيع ليس على طريقة اتفاق (وادي عربا) أو اتفاق "كامب ديفيد" بل هناك أرض تؤخَذ. أنت تعرف قبل "كامب ديفيد" حصلت حرب عام 1973 وكان "السادات"، يعني كانت هناك ظروف. الآن ما يجري هو غرام، هناك نوع من الحبّ، هناك نوع من الدفء دعنا نُسمّيه بين مَن يُعلِن التطبيع وبين (إسرائيل)، هذا مُستغرَب. لكن أيضاً من الأشياء المُستغرَبة هو تقديم هذه الدول العربية أو استجابة هذه الدول العربية لإدارة أميركية راحلة، مهزومة. يعني الآن "كوشنير" يضغط على بعض الدول العربية مثل (السعودية) كما يُقال و(قطر) وإلى آخره وكذا، وضغط على (السودان) وعلى (المغرب) وإلى آخره. لماذا تستجيب هذه الدول العربية لإدارة راحلة؟ يعني اليوم حول (المغرب)، يُقال بأنّ (المغرب) اشترى عصافير في السماء، اشترى سمكاً في الماء في موضوع (الصحراء) لأنّ ما أصدره "دونالد ترامب" كان بياناً، يعني "بايدن" قد يمسح هذا الكلام عندما يستلم الرئاسة. هل فعلاً هذه الدول العربية حقّقت مكاسب من خلال ما تمّ الإعلان عنه؟ أم هي عملية تبرير؟ 

علاء أبو عامر: يجب العودة إلى ما ذكرته، إلى كتاب "شيمون بيريز". "شيمون بيريز" في عام 1993، في زمن توقيع اتفاقيات (أوسلو)، في زمن مؤتمر (مدريد) والمُفاوضات العربية الجماعيّة مع كيان الصهاينة طرح فكرة، أنه يجب على دول الخليج، أو الدول المُعتدلة كما سمَّاها في كتابه، أن تتحالف جميعاً في مواجهة (إيران) ومواجهة حركات الإسلام السياسي. يعني ما يحدث الآن من مبرِّرات مِن قِبَل (الإمارات) و(السعودية) و(البحرين) وغيرها هو نفس ما قاله "شيمون بيريز" في التسعينات. يعني الفِكرة ليست جديدة، الفِكرة قديمة ولكنها جُدوِلَت وطُبِّقت على مراحل وكان يجب أن تكون هذه الخَلْخَلة في المنطقة، هذه الفوضى الخلاقة التي قالت عنها "كونداليزا رايس" بما يُسمَّى إنشاء شرق أوسط كبير يضمّ (إسرائيل) ويضمُ دولاً أُخرى، يجب أن تحصل فحصلَ "الربيع العربي" الذي دمَّرَ النسيج الاجتماعي في كثيرٍ من الدول وخلَقَ الحال الطائِفية التي انشغَلَ بها العرب مذ ذاك التاريخ وأصبحَ الإعلام الموجًّه من دول الخليج موجَّهاً باتجاه (إيران) والأن أصبح موجَّهاً في اتجاه (تركيا) بعد الخلافات مع "الإخوان المسلمين" وبعد أن شعروا أنّ "الإخوان" ممكن أن يتآمروا عليهم بعد خطاب "الغنّوشي" في الـ "إيباك" وغيرها من الأمور التي حصلت وطبعاً برعايةٍ ودَفْعٍ صهيوني. يجب دائِماً أخذ الأمور في هذا الإطار وليس عزلها في حالٍ مُعيّنة تجري حالياً أو ظروفٍ تجري حالياً، لا، هي قضية بُرْمِجَت ورُتِّبَت إلى أن تصل إلى هذه الحال التي نراها الآن 

كمال خلف: دكتور "لبيب قمحاوي"، قبل أن أسألك أُريد أن أعرِض مقالاً لحضرتك عنوانه لافِت للغاية وهو " التسابق العربي نحو التطبيع- تحيا (إسرائيل) وتسقُط (فلسطين)". يقول ضيفنا "لبيب قمحاوي" في هذا المقال: " "الخطورة تكمُن في ما لو استمرّ مسار التطبيع العربي من دون أيّة مُقاومة حقيقية من الداخل من الجماهير العربية لذلك المسار، عندها سوف ينحدر مفهوم مجّانيّة التطبيع إلى درجة استجداء التطبيع وتُصبِح (إسرائيل) هي المُتفضِّلة على العرب بقبولها التطبيع وقد تطلُب ثمناً مُتزايداً لذلك. وفي هذا السياق من المُهم استراتيجياً أن تشعُر (إسرائيل) طوال الوقت أنّ مسار التطبيع المجَّاني هو أمر مرفوض من قِبَل الشعوب العربية وأنّ عليها أن تدفع ثمناً حقيقياً لذلك. التطبيع المجّاني مع (إسرائيل) سيؤدّي أيضاً إلى اختراق السيادة الوطنيّة العربيّة على الأراضي العربية، فاستعمال أراضي بعض الدول العربية مثل (الأُردن) و(العراق) ودول الخليج و(السعودية) وغيرها لمرور وتمرير بعض المشاريع الإقليمية المُرافِقة لمرحلة التطبيع مثل شبكة أنابيب الغاز وربما النفط والمياه في مرحلةٍ لاحقةٍ وكذلك شبكة السكك الحديدية التي ستربط عُمْق العالم العربي بميناء (حيفا) والكيان الإسرائيلي في شكلٍ عام، يعني أنّ كلّ هذه المشاريع وغيرها سوف تحظى كمشاريعٍ إقليميةٍٍ بحمايةٍ خاصّةٍ تفوق حقوق السيادة الوطنية لدول العبور، و(إسرائيل) ستكون في هذه الحال هي اللاصِق الذي يربط كل مشروع من هذه المشاريع معاً". دكتور "لبيب"، هناك مراهنة من قِبَلك على موضوع الجماهير والجماهير العربية. الجماهير العربية في حالٍ يُرثى لها الآن. العواصم التي كانت رافِعة للجماهير العربية والتي كانت نَبَض الجماهير العربية أُنظر إليها الآن، من (دمشق) إلى (بيروت) إلى (بغداد) إلى عواصم أُخرى في العالم العربي. الناس تجوع اليوم، الناس اليوم في حاجة للقمة العيش، هناك حصار لهذه الشعوب. لم تعُد تلك الجماهير تُفكِّر بالقضيّة الفلسطينية أو من يُطبّع أو من يذهب للتحالف مع العدو، الجماهير تريد لقمة الخبز الآن. هل تجوز المُراهنة على الجماهير العربية دكتور؟  

لبيب قمحاوي: لا حلّ آخر، يعني لا خيار أمام العالم العربي سوى الجماهير العربيّة. للأسف، ما وصَفت به هذه الجماهير كلام صحيح ولكن، ستسوء الأمور أكثر من خَلَلِ التطبيع ومشاريع التطبيع لأنّ عين (إسرائيل) الآن على الموارِد العربيّة من غازٍ ونفطٍ ومياه، كل هذه القضايا الآن تحظى باهتمام (إسرائيل) وستُصبِح هي الهدف. الأرض أخذتها، احتلَّت كامل الأرض الفلسطينية والآن هي في صَدَد احتلال كافّة الموارِد العربيّة وهذا سيضع المواطن العربي في حالٍ من الدنق والجوع وقد نستبدل ثقافة الهزيمة التي فتحت الباب أمام التطبيع المجّاني بثقافة الغضب لشعبٍ سيُصبح شعباً جائِعاً ولا يجد أمامه أيّة وسيلة سوى أن يغضب ويثور. ممكن ألا يثور لأسبابٍ سياسيّةٍ لها علاقة بـ (فلسطين) 

كمال خلف: لكن يُقال له اليوم دكتور "لبيب"، يُقال له: "أنت جائِع لأنك ضدّ (إسرائيل)، وقِّع على اتفاق مع (إسرائيل) تشبع". أُنظر إلى (السودان)، لم يعودوا إرهابيين الآن، كانوا إرهابيين ولم يعودوا إرهابيين

لبيب قمحاوي: كما حكى "السادات"، إسمح لي 

كمال خلف: وُعِدوا بالمال والعسل والسمن الآن لأنهم قاموا بتحالفٍ واتفاق مع (إسرائيل)

لبيب قمحاوي: إسمح لي. كما قال "السادات" للشعب المصري إنه إذا قمنا بسلام سيأكُل الشعب سمناً وعسلاً ولوزاً ولم يأكل ذلك بل أكلَ هواء فقط. لذلك الآن صمود الشعب المصري والشعب الأُردني ضدّ التطبيع بعد مُعاهدتي "كامب ديفيد" و(وادي عربا) يؤكِّد أنّ الشعوب مهما سُحِقَت لها في النهاية موقف، يجب أن تأخذ موقفاً على الرغم من أنّ سياسة التطبيع والسلام هي سياسة مرتبِطة بأنظمةٍ وليس بشعوب، فالشعوب تمتلك إمكانيّة إمّا المقاومة السلبية أو المُقاومة الغاضبة والإيجابيّة. أنا أعتقد أنّ المقاومة السلبيّة انتهت الآن في حقبة السلام المُرتبِط بالحروب والهزائِم ليُتولَّد الآن غضب إيجابي نشِط مرتبِط بتطبيعٍ مجّاني سيؤدّي إلى خسارة العرب لكرامتهم وسيادتهم على ثرواتهم وعلى كلّ ما يمتلكون فوق الأرض وتحت الأرض

كمال خلف: أنت تعرِف موضوع الجماهير دكتور "لبيب"، كأنّ إدارة "دونالد ترامب" من خلفه. أجروا فحصاً، أجروا Test للعالم العربي. دعني أنقل أيضاً وآخذ رأي الدكتور "صلاح البندر" في هذه المسألة، مسألة الجماهير دكتور. عندما تمَّ إعلان (القُدس) موحَّدة تحت السيادة الإسرائيليّة، دكتور "صلاح" في (لندن) لم تكن هناك ردّة فعل في العالم العربي. تعلم قضيّة (القدس) و(المسجد الأقصى) وقُدسيّة هذه المسألة، لم تكن هناك أيّة ردّة فعل في العالم العربي. ضمّ (الجولان) إلى (إسرائيل) والاعتراف بها لم يكن فيه أيّة ردّة فعل. إعلان "صفقة القرن" وألا شيء للفلسطينيين لم يلقَ أيّة ردّة فعل. الإدارة الأميركيّة أجرت Test للمُطبّعين العرب، قالت لهم: "أنتم خائِفون من الجماهير؟ انظروا إلى الجماهير، لن يتحرَّك أحد، اطمئنّوا"، وبدأت الخطوات والكلّ يُطبِّع من دون أيّة ردود فعل شعبيّة في هذه الدول أو في غيرها 

صلاح البندر: يا أخي الكريم أنا لا أستخدم كلمة تطبيع، هو مُخطَّط تطويع وتتبيع، وبهذا المفهوم هو خطّ مُستمرّ يحدَّد بوضوح. إذا استخدمنا مُصطَلحاً حقيقياً لما يجري نستطيع أن نفرِز (الكيمان) بين الذين يسيرون كأنظمةٍ وتجمّعات وأفكار خلف مشروع مُقاومة هذا المُخطّط الإستيطاني الصهيوني وبين القوى الأُخرى التي تتحالف لأجل أن تفرِض على الدول العربية تاريخياً أعني، نفس نَهْج التطويع والتتبيع. استخدامنا لكلمة تطبيع نفسها غلط، استخدام الإعلام العربي لهذه الكلمة هو في حدّ ذاته قبول بما يجري من مُخطّطات. منهج التتبيع والتطويع السائد، الجماهير العربية لن تصمُت ولن تسكُن ولن تستسلم. أُنظر بعد أربعين سنة وأكثر على "كامب ديفيد" وعلى (وادي عربة) أو حتى مُحاولة من هذه الاتفاقيات الفرديّة أن تأخُذ شكل مُبادرة السلام العربية كما حدث في اجتماع (بيروت) سنة 2002 أو في قمّة (الرياض) سنة 2007. أنظِمة مُتهالِكة هي أصلاً جزء من أساس المُشكلة وليست جزءاً من الحلّ في أيّة حال من الأحوال

كمال خلف: نعم

صلاح البندر: مسلسل الانتفاضة الذي تحدَّثت عنه أو أشرت إليه وضَّح بصورةٍ جليّة أنّ عند المواطن العربي ما زالت جَذْوة الانتفاضة موجودة على هذا المُخطّط وعلى هذا التحالف بين الأنظمة العربيّة والاستعمار العالمي في أشكاله المُختلفة وصنيعته المشروع الاستيطاني الصهيوني الذي لا فرق بينه وبين المشروع الاستيطاني الصهيوني الذي لا فرق بينه وبين المشروع الاستيطاني الأبيض الذي كان في (أفريقيا) أو في (أستراليا) أو في (أميركا اللاتينية). المشاريع الاستيطانيّة الصهيونيّة لم تكُن الأولى في تاريخ البشريّة. أُنظر أين الآن بعد الكفاح والاستمرار الذي بذلته الشعوب في (أفريقيا) للتخلُّص من المشروع الاستيطاني الأبيض. في نفس النَهْج لم يتحدّثوا ولم يقبلوا، حتى كلمة تطبيع لم تُقبَل، هي كلمة تطويع وتتبيع، هذه هي أصلاً الفكرة. إذا أنت تمسّكت بالمُصطلح الصحّ تستطيع أن تصل إلى الحلّ الصحّ 

كمال خلف: هذا التتبيع دكتور "صلاح"، هذا التتبيع والتطويع يُقال لأنّ هذه الأنظِمة خائِفة من خطر (إيران) أو خطر (تركيا) وتُريد الحماية الإسرائيليّة. يُقال أيضاً أو حتى هناك نظريّات وكتابات وتقارير حولَ ذلك إنّ (الولايات المتّحدة الأميركيّة) تُهيّئ لانسحابٍ من المنطقة وتُريد أن تكون (إسرائيل) هي مَن يُدير الإقليم حالياً وإنّ هذه الدول تُنسِّق مع (إسرائيل)

صلاح البندر: لا يُمكن، لا يُمكن يا أخي هذا وَهْم. لا يُمكن، حتى التحالف الامبراطوري العالمي، الامبراطوريّة البريطانية والامبراطوريّة الأميركية لم تستطع بتحالفاتها الأُخرى في إطار "حلف الأطلسي" وتوابعه أن تفرِض على الأُمّة العربيّة هذا النَهْج في خلال على الأقل المائتي سنة الماضية، أعتقد أنّ هذا وَهْم. ما زالت جَذْوة النضال والانتفاضة عندنا لأنّ القضيّة الفلسطينية هي قضيّة تحرّر وطني. عندما كانت قضيّة تحرّر وطني وجدت القبول من (اليابان) إلى "تشي غيفارا"، حوّلوها يا أخي إلى قضيّة صراع إسلامي يهودي وإلى صراع فلسطيني إسرائيلي وسلبوها من قِيَمِها. أنا يا أخي الحبيب ذهبت سنة 1996 بعد اتفاقيّة "كامب ديفيد" الأخيرة مع السلطات الإسرائيلية برعاية "كلينتون"، ذهبت لتخليص مواطن سوداني أفريقي الأصل ذهب وكان عُمره ثماني عشرة سنة والتحق بالحركة الفلسطينية تحت إطار أنّها حركة تحرُّر وطني. أول إجابة وأوّل سؤال للسلطات الإسرائيلية، قالت لي: "هذا الشخص إذا فقط شرَحَ لنا، هو أفريقي ولا علاقة له بالعروبة، ما الذي أحضره من (دارفور) لقتل المواطن الإسرائيلي؟ إذا أجاب على هذا السؤال يُمكننا أن نُطلِق سراحه غداً". ولكن هذا الشاب "موسى عبد الرحمَن خميس" الذي أمضى سنوات في (عسقلان) وفي (فيشكيلون) كان يعتقد بأنّ ما جذبه هو أنّ قضيّة التحرّر الوطني الفلسطيني هي الأساس وهذا الذي دفعه حين كان عُمره ثمانية عشر عاماً إلى الالتحاق بالثورة الفلسطينيّة. الثورة الفلسطينية هي ثورة وحركة تحرّر وطني، بهذا المفهوم تستطيع أن تستعيد عصرها الذهبي، لم يفعل العرب أيّ شيء. أرجع بك يا أخي إلى نقطة ينساها كثير من الناس كثيراً، في ما يتعلّق مثلاً بـ "مؤتمر الخرطوم لـ اللاءات" في أُغطس / آب 1967، مَن كان في قيادة هذا المؤتمر؟ كان رئيس منظّمة التحرير الفلسطينية "أحمد أسعد الشُقيري". أوّل رئيس لـ "منظّمة التحرير الفلسطينية". قد لا يعرِف الكثيرون أنّ "أحمد الشُقيري" عليه رحمة الله والدته سودانيّة، من (طول كرم) نعم ولكن والدته سودانيّة الأصل. جاء هو و"شفيق الحوت" و"سعيد السبع" كممثل لـ "منظمة التحرير الفلسطينية" وأصرّ على أن يخرُج "مؤتمر الخرطوم" بـ اللاءات الثلاثة. لذلك تحقِد (إسرائيل) وتحقِد الصهيونية العالمية وحلفائِها على هذا الصمود السوداني الذي يمتدّ إلى الثلاثينات، قد لا يعرف ذلك المواطن العربي 

كمال خلف: دكتور، كل هذا الكلام الذي تقوله مُحق وأكيد الشعب السوداني وشخصيات سودانية لها دور كبير، لكننا نتحدّث عن اليوم، اليوم دكتور. لاءات (الخرطوم) كانت قبل عقود، الآن ماذا يجري في (السودان)؟ 

صلاح البندر: أخي الكريم، الشعب السوداني تضامَن مع الشعب الفلسطيني قبل الجامعة العربيّة. ثورة عام 1936؛ انعقدت في (الخرطوم) سنة 1936 حملة تضامن مع (يافا)، لماذا؟ لأنّها حركة ضدّ الاستغلال، حركة ضدّ الاضطهاد، حركة ضدّ التتبيع، حركة ضدّ الاستلاب، حركة ضدّ الاستيطان 

كمال خلف: دكتور "صلاح"، إسمح لي وضيوفي أيضاً ومُشاهدينا أن نتوقّف مع فاصلٍ قصيرٍ نعود ونُكمِل بعده مسألة الربيع العربي وعلاقة الجماهير بما يجري حالياً أو تأثير التيارات العربيّة في الحال العربيّة الراهِنة، بعد الفاصل مباشرةً 

المحور الثاني               

كمال خلف: تحيّة من جديد مُشاهدينا في "لعبة الأُمم". سأنتقل إلى (عمّان) بالإذن من الأُستاذ "علاء" حالياً لأنّ الدكتور "لبيب" سيُغادرنا الآن لارتباطات. دكتور "لبيب"، بما أنّك ستُغادرنا نتحدّث عن المُستقبل أيضاً. حال المواجهة الحاليّة لهذا الاندفاع نحو التحالف مع (إسرائيل) لا علاقة لها بالشجب والاستنكار لكن الوضع مُعقَّد في شكلٍ كبير في العالم العربي، تيّارات وأحزاب وحكومات أيضاً رافِضة للتطبيع. ما هي السُبُل الأنجع في تقديرك لوقف هذا المسار؟ هل يجب وقفه فعلاً أم تركه يمضي إلى نهاية المطاف حتى تكون عمليّة فرز واستقطاب جديدة ورسم خارطة تحالفات جديدة في هذه المنطقة؟ حتى هناك انتقاد بأنّ وسائِل مواجهة هذه الحال الراهنة الجديدة في العالم العربي هي وسائِل تقليدية قديمة ليس لها علاقة بالاتهام بالخيانة ولا العمالة وإصدار البيانات، بالتالي لا بدّ من شيءٍ جديدٍ يواجِه هذه المرحلة الجديدة، كيف ترى ذلك دكتور؟

لبيب قمحاوي: هناك مساران مُتلازمان يجب أتباعهما في تفس الوقت. أولاً لا فائِدة تُرجى من أنظمة الحُكم العربيّة في شكلٍ عام. يعني الأنظمة التي تنصاع إلى ولد مثل "كوشنير" في طريقه إلى الخروج من الحُكم لا يجب أن نتوقَّع منها أيّة خطوة إيجابيّة. المسار المطلوب الآن من شقّين، الأول والأهم أن يتمّ تفعيل الوضع داخل (فلسطين) المُحتلّة. على الفلسطينيين أن يتجاوزوا "السلطة الفلسطينية" فهي امتداد وظلّ للاحتلال، وأن يبدأوا طريقتهم الخاصّة في النضال تحت الاحتلال باعتبار ذلك وسيلة لتنشيط وتفعيل آليّة الصراع وإفهام العالم العربي والعالم الخارِجي بأنّ هذا الصراع لم يقف ولم يمُت وهو حيّ، ولا يُمكن أن يكون حيّاً إلا إذا انبعثَ من الداخل الفلسطيني، هذا أولاً. ثانياً على المُستوى العربي، على الجماهير العربيّة أن تصِل إلى قناعة أنّ ما تقوله أنظِمة الحُكم القائِدة لها لا يعني بالضرورة أنّ هذا هو الصحيح. على هذه الجماهير أن تعلَم بأنّ مُستقبل أولادها ومُستقبل الأجيال الجديدة منها ستكون خاضعة لسطوة النفوذ الإسرائيلي. التكنولوجيا المُتقدِّمة بيد (إسرائيل)، الإمكانات الماليّة بيد (إسرائيل) أو الكيان الإسرائيلي والحركة الصهيونية في شكلٍ عام، والنفوذ العسكري والسياسي من خلال (أميركا) بيد الكيان الإسرائيلي. إذاً، على الجماهير أن تتأكَّد أنّ مصالِحها أصبحت مباشرةً في خطر وليست ترجمة لصراع فلسطيني إسرائيلي أو صراع عام 

كمال خلف: حاولت هذه الجماهير دكتور "لبيب قمحاوي"، حاولت الجماهير في مطلع 2011 أو في نهاية 2010 إزاحة هذه الأنظمة واستبدالها، ولكن تبيّن أن تيّارات المُعارَضة هي أفسد من الأنظمة وأكثر انبطاحاً من الأنظِمة وجلبت "الناتو" لتدمير (ليبيا) وإلى آخره وأنت تعرِف القصّة كلّها. أشكرك دكتور "لبيب قمحاوي" الكاتب السياسي من (عمّان) الذي يغادرنا الآن  

لبيب قمحاوي: شكراً لك 

كمال خلف: أُستاذ "علاء" أُكمِل معك لكن إسمح لي أن أعرض رأياً للأسير المُحرَّر الأُستاذ "أنيس صفّوري" في مقال له بعنوان "بين ربيع العرب وخريف القيادة". يقول "أنيس صفّوري" عندما طُرِح السؤال، لماذا لم تكن القضيّة الفلسطينية حاضرة في "الربيع العربي"؟ "لم يكن القصد البحث عن المصلحة الفلسطينية فقط بل كان تساؤلاً عن حقيقة ما جرى في الوطن العربي، هلّ كانت ثورة أم احتجاجات أسقطت أنظمة من ورق؟ ولإدراك الأمر المُشترك بين القضيّة الفلسطينية وحقيقة الثورة في "الربيع العربي" تكمُن الإجابة الراجحة، بمعنى الثورة التي تنبع من الشعور بالتضامن الجماعي الذي يصنعه الوعي والإدراك لمُناهضة الظُلم والقهر الذي يدفع بدوره إلى التغيير نحو الأفضل. فأيّ تضامنٍ جماعي يكون مع الفئات المظلومة إذا لم يكن إنسانياً؟  فكيف لي أن أهتِف "عيش، حريّة، عدالة اجتماعيّة" ولا ألتفت إلى الحدود التي يسكُن جوارها شعبٌ عربيٌّ مُحاصَر لا يمتلكُ قوتَ يومه لأنّه فقط سعى إلى الحريّة" يقول الأسير المُحرَّر "أنيس صفّوري". دكتور "علاء أبو عامر" في (رام الله)، المسألة تحتاج فعلاً إلى بحث طويل، لكن كما قلت قبل قليل، استبشرنا بالجماهير وبالتيارات المُعارِضة وأنّ هذه الأنظمة أنظمة خانِعة، أنظِمة تأتمر بالأمر الأميركي وتنصاع للإرادة الأميركية، وإذ بتيّارات المُعارضة التي تزعَّمت وتصدَّرت "الربيع العربي" تكون أكثر لعنةً من الأنظمة على الشعوب، واستسهلت مسألة جَلْب القوى الأجنبيّة للمنطقة. قبل يومين كنت أُعيد مُشاهدة فيلم وثائقي حول "حرب الخليج" وكيف استمرّت المسألة طوال أشهُر، من أُغسطس/ آب حتّى العام التالي لاستصدار قرار يسمح للأميركيين بالدخول إلى (السعودية) لتحرير (الكويت). اليوم هذه القوى أو ما تُسمَّى "قوى التغيير" بين قوسين استدعَت (أميركا) مئات المرّات والقوى الأجنبيّة. في (ليبيا) دمَّروا (ليبيا)، في (العراق)، في (سوريا)، أنظر ماذا فعلوا بـ (سوريا). هذه قوى التغيير التي تدَّعي أنّها ديمقراطيّة وستُغيِّر وإلى آخره، بمعنى أنه عندما استبشرنا بالجماهير وإذ بدأنا نترحَّم على الأنظمة السابقة. دكتور "علاء" هل تسمعني؟ يبدو أن الدكتور "علاء" لا يسمعني. تسمعني الآن   

علاء أبو عامر: أعِد السؤال فقط، أعِد السؤال

كمال خلف: والله السؤال طويل لكن أنا كنت أتحدّث عن البديل 

علاء أبو عامر: آخر شيء. أنا سمعتك في البداية، آخر شيء فقط 

كمال خلف: آخر شيء كان يتعلّق بأنّنا استبشرنا بحركة الجماهير وقوى التغيير وإذ بنا نترحَّم على الأنظمة السابقة 

علاء أبو عامر: في واقع الحال يجب التمييز بين مرحلتين من احتجاجات الشعوب العربيّة. في البداية كانت بعض الاحتجاجات مُحقّة، لا نستطيع أن نصف كل مَن نزِلَ إلى الشارع أنّه كان عميلاً وكان هدفه تدمير بلده. ولكن في المرحلة الثانية التي هي مرحلة ركوب هذه الموجة وتجييرها للأهداف الصهيونية الأميركيّة بمعاونة بعض العرب تمويلاً وتسليحاً وتدريباً دخلنا في المرحلة الأُخرى التي هي مرحلة تدمير الأوطان لمصلَحة الصهيونيّة والاستعمار الغربي والإرادة الأميركية التي أرادت تطويع هذه الشعوب وهذه الثورات لتجييرها في مصالِحها لما يحصل الآن. يعني في البداية هناك بعض المطالب المُحقّة، هناك شعوب بأكملها نزلت إلى الشارع، عشرات آلاف الأشخاص الذين لم يكونوا يعلمون إلى ماذا ستؤول هذه الأمور. لو سألتهم اليوم، هل ستنزلون إلى الشارع لو علِمتم ما سيحصل؟ لقالوا لا. يعني حدث شرخٌ كبير ما بين التيارين الأساسيين في المنطقة العربيّة أي التيار الوطني والقومي من جهة مع التيار الإسلامي وكان هناك صِدام، صِدام بدافع الصعود إلى السلطة، ونحن نعلم أنّ إدارة "أوباما" سعت في شكل أو في آخر إلى التقرُّب من التنظيمات الإسلامية من أجل أن تكون بديلة للحركات القومية التي قال يوماً ما " يفكيني بريماكوف" أنّ الصراع الأساسي يدور في المنطقة ما بين الحركة الصهيونية والحركة القوميّة العربية. ما حصل هو ضرب الحركة القومية العربيّة بغضّ النظر عن طبيعة الأنظمة أكانت استبدادية أو دكتاتورية لكنّها كانت وطنيّة وقوميّة بالمعنى العام، يعني كانت مع وِحدة الأُمّة العربية بغضّ النظر عن تصرّفاتها في الداخل. لذلك، رأينا أنّ مُعظم الثورات لم تكن (فلسطين) شعاراً منها لأنه كان شعاراً مُجمَع عليه بين الحاكم والمحكوم. أمّا الآن، جُيِّرت هذه الحركات حتّى جعلوا منها عدوّاً، يعني أصبحت الآن الحركة الإسلامية عدوّ لأنظِمتها. هذا كلّه اصطُنِعَ اصطناعاً، وهذه الحركات بعضها شارك في ذلك في وعي أو غير وعي، فأصبح أداة وأصبح "حصان طروادة" في أيدي الغرب والصهيونية. وسمِعنا بعض مشايخ الإسلام وكيف كانوا يدعون إلى الاتحاد مع اليهود وأنهم إذا سيطروا على السلطة مثلاً في (سوريا) فهُم لن يُعادوا (إسرائيل)، ولا تخافوا من ذلك وإلى آخره، وأنّ اليهود أقرب لهم من النصارى. كثير من القضايا التي لعِبت دوراً كبيراً في تفريغ الصراع والصِدام مع (إسرائيل) من مضمونه وتحويله إلى صِدام داخلي، هي الأُخرى التي هي مكوِّن أساسي وتاريخي من مكوِّنات الأُمّة العربية. كلّ ذلك تمّ اللعب عليه وتهيئته. إذا عُدنا إلى مؤتمر "هرتزيليا" عام 2011 فهو دعا إلى إحداث صِدام ما بين الشيعة والسنّة، وهذا الذي يحصل كما قلت لك هو مُخطّط، مُخطّط أميركي له علاقة بوثائِق صهيونية قديمة من التسعينات وما قبل ذلك. تفسيخ المنطقة، تدمير النسيج الاجتماعي وتحويله إلى دول طوائِف. هذا ليس موضوعاً سرّياً بل علنياً، كلّ شخص يعرفه وكل شخص ممكن أن يصل إليه. المُصيبة الكُبرى أن تذهب هذه الدول في هذا الاتجاه وهي تعلم مآلات ما سيحصل. هل مع السلام مع (مصر) توقفت الصهيونية عن عداء (مصر)؟ هل مع السلام مع (الأُردن) توقفت عن عداء الشعب الأُردني وتجويعه؟ 

كمال خلف: دعني آخذ إذا سمحت لي دكتور "علاء"، إسمح لي أن آخذ رأي الدكتور "صلاح" في ما نتناقش به حالياً وأيضاً دكتور "صلاح" نتحدّث عن المآلات. أيضاً ما يحصل الآن إلى ماذا سوف يؤدّي في المرحلة المُقبلة، هل ستكون المنطقة تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة وهذه الدول ستدور في فضاء إسرائيلي؟ أم أنّ القوى المُمانِعة لما يجري حالياً ستقوم بعمل ما؟ هل سيؤدّي ذلك إلى احتكاك عسكري بالضرورة بين قوى رافِضة لما يجري في المنطقة وقوى تؤيِّده؟

صلاح البندر: يا أخي الكريم، المُخطّط أكبر مما أنا وأنت نتصوّر. المُخطّط كان واضحاً وهو تحويل المناضلين إلى ناشطين. كل هذه المنظّمات التي تحدّثت عنها وشاركت في ما يُسمّى بـ "الربيع العربي"، وهو هزيع في كل المفاهيم، وتمويلها من أجهزة استخبارات غربية ومُنظّمات صهيونية معروفة بالإسم وعلانية. إذا رجعت مثلاً إلى ما تدفعه مؤسّسات التمويل الأميركية إلى المنظّمات التي شاركت في كل "الربيع العربي"، في كل دول "الربيع العربي"، ستجد أنّها جزء من مُخطّط مُعلَن ومرسوم لمُحاولة تحويل مُناضلي هذه الدول إلى ناشطين، فأصبحَ النشاط الاجتماعي والسياسي هو مهنة واحتراف ومصدر دخل، بل ولبعض الناس أصبح Business

كمال خلف: يعني يتحوّل الناشطون دكتور، هذه مسألة، مسألة أُخرى هناك بعضهم ذهب وتعالج في (إسرائيل)، بعضهم قال إنّ أوّل شيء سنفعله هو السلام مع (إسرائيل)  

صلاح البندر: هذا جزء من الخطة                 

كمال خلف: بعضهم الآخر شرّع لـ "الناتو" الدخول إلى بلده، البعض الآخر استدعى قوى أجنبيّة للاعتداء، يعني تحوّلت المسألة من ناشِط أو مُعارِض يتموّل من هنا وهناك إلى حال 

صلاح البندر: نعم، لأنّ القضية الأساسية بالنسبة له أنّه أصبح جزءاً من مُخطط، وبالتالي أنا أعتقد أنّ ما يُسمّى "الربيع العربي" هو مثل كلمة "التطبيع" وهو أصلاً مُحاولة لعدم استخدام المُصطَلح الأساسي والرئيسي. أعتقد أنّ المُشكلة أننا كلّنا نُشارِك في ترويج هذه المُصطلحات لتضليل المواطن العربي العادي. لم يكن هنالِك ربيع عربي لأنّ كل ما حصل في الدول العربية أو أغلب الدول العربيّة هو تمويل.  لنتكلّم عن (السودان) مثلاً، ما يحصل الآن في (السودان) هو قَطْع طريق لانتفاضة جماهيرية عارِمة للتخلُّص من نظام كل الناس أجمعوا على أنه كان نظاماً في طريقه إلى مزبلة التاريخ، حتى من داخل النظام نفسه. ولكن بمجرَّد النظر إلى مَن كان يقف حول التمويل ومَن كان يموِّل في هذه العمليات ومَن كان الذي يُساهم في تخطيط التنفيذ والتدريب ودعم كل هذا المُخطّط، تكتشف في كل لحظة أنّ الأموال كانت أموالاً صهيونية وأموال استخبارات غربيّة. مَن استلَم الحُكم الآن، لأكون واضحاً معك، مَن استلم الحُكم الآن من المُكوِّن المدني هو الذي اختطفَ هذه الانتفاضة السودانية، التي في اليوم التاسع عشر من هذا الشهر سنحتفل بمناسبة انتصارها. ولكن تمّ اختطاف الانتفاضة وفَرْض قيادة أو مُكوِّن مدني جديد مُرتبِط بحبال سريّة وتمويل غربي استخباراتي صهيوني. المؤامرة صهيو- ماساونية التي حصلت في (السودان) لاستلام نظام الحُكم وقَطْع الطريق على انتفاضة الشعب السوداني. هذه حقيقة واقعة، كلّهم، من رئيس الوزراء الذي يتولّى الملفّ حالياً إلى شركائه من المُكوِّن العسكري مرتبطين بأجهزة أمن واستخبارات وتمويل غربي وصهيوني 

كمال خلف: ما يحصل دكتور بالضرورة سيؤدّي في ما بعد إلى حرب، إلى احتكاك عسكري، إلى انتفاضة عسكرية ربما في الأرض الفلسطينية إلى آخره؟ 

صلاح البندر: دعكَ من (السودان)، أنا أقول لك كلاماً واسمع كلامي وسجِّل عندك. المنطقة العربيّة بهذا الاستمرار في المهانة والاستمرار في قَمْع الشعوب العربية ستشهد عُنفاً لم تشهده أيّة منطقة في العالم. وأقول لك، إذا كان يعتقد الناس أنّ ما حدث الآن هو أننا تجاوزنا ما يُسمَّى بالإرهاب، نحن عائِدون مجدّداً إلى أفظع من الإرهاب لأنّ مع هذه المهانة واستمرارها الشعوب العربيّة ستنتفض وستعرِف أنّ طريقها هو القضاء على هذه المهانة. سأحكي لك فقط حكاية بسيطة قد لا تكون مزعِجة. فشلت انتفاضة أو ثورة 1905 في (روسيا) القيصريّة وهرب "لينين" إلى (زوريخ) في (ألمانيا) فجاءت مناضلة ألمانية "روزا لوكسِنبرغ" من (ألمانيا) وقالت له: "يا لينين هذا ليس مكانك، مكانك هو أن تعود إلى (روسيا)، ولكن قبل أن ترجع إلى (روسيا) دعنا نجلس ونستعيد دروس انتفاضة عام 1905 الفاشلة". فكتب "لينين": "ما العمل"؟ وهو كُتيِّب من 32 صفحة تمّت طباعته وتهريبه إلى (روسيا) ورجع "لينين"، وخلال خمس إلى ست سنوات  

كمال خلف: وقاد الثورة البولشيفية

صلاح البندر: انتفضت الثورة البولشيفية وتغيّر ليس وجه (روسيا) فقط بل تغيّر وجه العالم

كمال خلف: دعنا نسأل الدكتور "علاء" إذا كان موافقاً على أنّ المنطقة العربيّة ذاهبة إلى جولةٍ جديدةٍ من العُنف على خلفيّة هذه التبايُنات التي تحصل حالياً أم أنّ القوى الحيّة في هذه المنطقة الرافِضة للهيمنة الإسرائيلية يُمكن أن تُعيد ترتيب مهامها، أن تُعيد صوغ خطابها لمرحلة جديدة. ممكن أن نأمل ذلك دكتور "علاء" في دقيقة واحدة لأنّه انتهى وقت البرنامج 

علاء أبو عامر: الأمل دائِماً موجود ولكن هذا الموضوع يتطلّب وقتاً. يجب أولاً توحيد الصفّ الفلسطيني ويجب إعادة الاعتبار للمُنطلقات الأولى الفلسطينية. أما إذا بقينا كما نحن الآن، في هذا الانقسام والصِراع على سلطة وهمية واستغراق الفلسطيني في الصراع الداخلي أكثر مما في الصراع مع الصهيوني، كل ذلك ربما مؤجَّل إلى مرحلة ستأتي، لا شك ستأتي. لن تقبل الأُمّة العربية ولا الأُمّة الإسلامية هذا الخضوع المُهين. هذا يُسمَّى كما قال الزميل أو الصديق، هذا التتبيع والإذعان الكامل للإرادة الصهيونية الأميركيّة. لا، هذا الموضوع لن يطول طويلاً، ستنتفض الأُمّة لا شك. لن تبقى هذه الأُمّة في حالها الراهنة وستكتشف مع الوقت هذه الأنظمة أنّ رهاناتها على أنّ الجماهير ستبقى صامتة ولن تنتفض، هذه رهانات خائِبة وليست حقيقة 

كمال خلف: شكراً جزيلاً لك دكتور "علاء أبو عامر" من (رام الله)، أشكرك جزيل الشُكر، وأيضاً دكتور "صلاح البندر" من (لندن) شكراً جزيلاً لك، ومشاهدينا "لعبة الأمم" انتهت. أشكُر مُنتِج الحلقة "زاهر أبو حَمدة" وأيضاً في الإخراج "بترا أبي نادر". ألقاكم الأربعاء المُقبل بمشيئة الله. إلى اللقاء