جو بايدن والإقليم

يتسلمُ جو بايدن مَهمّاتِهِ وسطَ أزَماتٍ داخليةٍ، أكدَ أنهُ سيعملُ على حلِّها أوْ إيجادِ حلٍّ لها سريعاً ولا سيما الانقسامُ في الشارعِ الأميركيِّ وانتشارُ فايروس كورونا، فماذا عن مَنطقتِنا وأزَماتِها المتلاحقةِ؟

 

كمال خلف: سلام الله عليكم مُشاهدينا في "لعبة الأُمم". يتسلّم "جو بايدن" مهمّاته وسط أزماتٍ داخليّة أكّد أنّه سيعمل على حلّها سريعاً ولاسيما الانقسام في الشارع الأميركي وانتشار فيروس "كورونا"، فماذا عن منطقتنا وأزماتها المُتلاحقة؟ "بايدن" أعلن أنّ (أميركا) عادت إلى اللعبة وأنّه سيُعيدها إلى المسار الصحيح في العالم

رئيس الولايات المتحدة الأميركية جو بايدن: أعلَمتُ قادة العالم أنّ (الولايات المتّحدة الأميركية) عادت إلى اللعبة، وتسنّت لي فُرصة أن أتحدّث إلى ستةٍ من قادة العالم والتفاعُل كان ممتازاً ومليئاً بالتوقّع والحماس وكلهم يتوقّعون المُضيِّ قُدماً. قلت حين أعلنّا، أنّ الرئيس التالي سيرِثُ عالماً مليئاً بالفوضى ودولةً منقسمة لكنّ الاستجابة من حلفائِنا وأصدقائِنا في أنحاء العالم كافةً تدعونا إلى الحماس وكلّي ثقة أنّنا سنتمكّن من إعادة وضع (الولايات المتّحدة) على مسار الاحترام الذي كانت تحظى به من قبل

كمال خلف: وهنا السؤال، كيف سيُعيد "بايدن" مكانة بلاده، وما طبيعة تدخّله في الشرق الأوسط؟ هل سيُدير الأزمات أم سيجِد لها حلولاً؟ أم يُجمِّد الخلافات مع اتّباع التفاوض مع (إيران) والدبلوماسيّة النشطة لفرض حلّ الدولتين وانفتاحٍ وتطبيعٍ أكبر مع (إسرائيل)؟ وهل ينتهج مسار الاحتواء مع (تركيا)؟ ماذا عن "الإخوان المُسلمين" وهل سيعودون إلى سياسة "باراك أوباما" عبر دعم المُعارضات وتغيير الأنظِمة؟ وهل يمتلكُ أجندةً لـ (سوريا) و(العراق) و(اليمن) و(ليبيا)؟ وكيف سيتعاطى مع وعوده الانتخابيّة؟ ما مصير ملفّ الصحافيّ "جمال خاشقجي"؟ في مقابل ذلك هل فعلاً الإقليم على رأس أوليّات إدارة "بايدن"؟ وهل يُمكن التعويل عليها؟ 

أمين عام حزب الله في لبنان السيّد حسن نصر الله: بالنسبة للأميركيين، عندهم ثابِت أساسي ووحيد أو الأول إن لم يكن الوحيد وهو (إسرائيل) والتفوّق الإسرائيلي. لذلك تعليق آمال واعِدة وتغييرات جوهريّة واستراتيجية في السياسات الأميركية في المرحلة المقبلة، لا أحد يعلِّق آمالاً ولا يغشّ نفسه ولا شيء 

كمال خلف: وإذا كانت مصالِح (أميركا) هي أولويّة الإدارة الجديدة فهل يعني ذلك مواجهة مع (روسيا) مثلاً؟ أم نحن أمام تقاسُمِ نفوذ في الملفّات المُعقَّدة في الإقليم؟ 

المحور الأول 

كمال خلف: مُشاهدينا، في هذه الحلقة من "لعبة الأُمم" حولَ "جو بايدن" وسياسته في الإقليم هنا في هذه المنطقة أستضيف من (واشنطن) رئيس "معهد الشرق الأوسط في واشنطن" الدكتور "بول سالِم"، ومن (دمشق) رئيس "مركز المُعطيات والدراسات الاستراتيجية" الدكتور "عماد فوزي الشعيبي". أُحييكما ضيفيّ العزيزين. أبدأ من (واشنطن) مع الدكتور "بول سالم"، ستكون معنا في القسم الأول دكتور "بول سالِم" بينما في القسم الثاني سنكون فقط مع الدكتور "الشعيبي" وسنعرِض أيضاً مُشاهدينا عدداً من التقديرات لمراكز أبحاث في العالم حول المرحلة المُقبلة في ما يتعلّق بالشرق الأوسط وأيضاً آراء لبعض الكُتّاب، لكن طبعاً في القسم الثاني من الحلقة. دكتور "سالم" أسعد الله أوقاتك بدايةً، والسؤال الذي يتردَّد الآن بعد مشهد التنصيب، بدا أنّ "جو بايدن" يقطع مع الماضي تماماً وأنّ (أميركا) تفتح صفحة جديدة وتتنفّس هواءً جديداً حسب تعبير "كاميلا هاريس"، لكن هل تعتقد بأنّ الأزمة الداخلية عملياً انتهت في (الولايات المتحدة الأميركية)؟ أم أنّ إدارة "بايدن" ستكون مشغولة بما جرى خلال الفترة الماضية وبالتالي هذا سيكون له تأثير على أولوية النظر في الملفّات الخارجية؟ 

بول سالِم: أولاً مساء الخير لك وللضيف الكريم وكل المُشاهدين

كمال خلف: مساء النور           

بول سالِم: ما من شكّ أنّ الاهتمام الأساسي لإدارة الرئيس "بايدن" سيكون أولاً في الشأن الداخلي وعملياً في تحديات الجائِحة وتأثيرات الجائِحة الاقتصادية والاجتماعية. الانقسام السياسي مهمّ وتكلَّم عنه كثيراً الرئيس "بايدن" ولكن الإدارة كإدارة عملياً لا تستطيع أن تُعالِج هذا الشيء في شكلٍ مُباشِر، ستكون مُنشغِلة بالسياسات الصحيّة والاقتصادية وإعادة إطلاق عجلة الحياة في الداخل الأميركي. في الشأن الخارجي الأولوية لن تكون للشرق الأوسط وسنصل في حديثنا إلى الشرق الأوسط، يوجد اهتمام كبير من قِبَل "جو بايدن" وفريق عمله كما ذكر الربورتاج في أن تعود (أميركا) إلى علاقاتها لنقُل السابقة قبل مجيء الرئيس "ترامب" والنظر إلى المُستقبل، إلى التحديات الكونيّة إذا جاز التعبير مثل التغيُّر المناخي ومثل تحدّي الجائِحة وإعادة لملمة وبناء شيء من التعاون الدولي، المؤسّسات الدولية، القانون الدولي، الأُمم المتحدة وإلى ما هنالك، إعادة بناء العلاقات الأميركية مع الحلفاء في (أوروبا) و(آسيا)، إذاً أولويات كثيرة. في الشرق الأوسط، الشرق الأوسط في شكلٍ عام ليس في أعلى سلّم الأولويات ولكنه موجود بطبيعة الحال. لدى الرئيس "بايدن" فريق عمل متمرِّس ومُخَضْرَم بالأخصّ في شأن الشرق الأوسط ونستطيع أن نقول إلى حدٍّ ما إنّ هذا استمرار لفريق عمل الرئيس "أوباما". إذاً نستطيع أن نقول نعرِف هؤلاء الرجال والنساء، العديد منهم فاوضوا (إيران) على الاتفاق النووي. في عناوين السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط حكماً كما تمّ الإعلان عنها سابقا إرادة العودة إلى الاتفاق النووي مع (إيران)، إعادة فتح مسار التفاوض مع (إيران) لتعزيز المسار النووي وفتح التفاوض ربما على مسارات أُخرى

كمال خلف: إسمح لي أن نتحدّث دكتور "سالم" عن هذه الملفات تباعاً 

بول سالِم: تفضّل

كمال خلف: لكن قبل ذلك "أنطوني بلينكن" وزير الخارجية الأميركية الحالي الجديد تحدَّث للجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس واستمعنا إليه، سألوه في جلسة الاستماع أو المناقشة يوم أمس، سألوه في أغلب الملفات منها (ليبيا)، سألوه عن (سوريا)، عن (إيران)، عن (العراق) واغتيال "قاسم سليماني" وكل هذه المسائِل. ماذا يُمكن أن تستنج سيِّد "بول سالم" من خلال الإحاطة التي قدَّمها "أنطوني بلينكن" يوم أمس أمام الكونغرس؟ 

بول سالِم: صحيح، نستنتج أولاً أنّ المسار الأميركي الإيراني، وهو مهم كمسار ثنائي ومهم بالنسبة إلى (العراق) و(سوريا) و(لبنان) و(اليمن) وعدّة ملفّات، سيكون من المسارات الحامية دبلوماسياً. لا شكّ أنّ هناك أسئِلة كثيرة حول كيفيّة تعاطي (إيران) أو الدولة في (إيران)، و(إيران) أيضاً أمام انتخابات رئاسية وعليها هي أيضاً أن تُحدِّد خياراتها بالتفاوض أو عدمِه مع (واشنطن) ولا تمتلك (واشنطن) الأجوبة الإيرانية

كمال خلف: نعم 

بول سالِم: أمّا في المسار اليمني وهو ربما الأخطر إنسانياً من حيث الكلفة البشرية، هناك إرادة من هذه الإدارة لأن تنخرِط دبلوماسياً في هذا المسار بالتعاون والضغط ربما على بعض الأطراف، من جهة الأطراف الخليجية السعودية وغيرها، ولـ (إيران) أيضاً شيء من الكلمة في (اليمن)، والأطراف اليمنيين. والحيِّز الكبير من الصراع هناك هو حيِّز الصراع اليمني المُعقّد والمَحلّي والقديم ولكن (أميركا) مُهتمّة بهذا الملف

كمال خلف: نعم

بول سالِم: الملفّ الليبي سيهتمّون به ولكنه ربما ليس بنفس الأولوية لأنّه ليس بنفس ربما الخطورة الإنسانية أو البشرية أو حتى الاستراتيجية، ويعتمِد الحلّ في (ليبيا) على إحراز تقدُّم مع الرئيس "إردوغان" ومع (تركيا). العلاقة الأميركية التركية سيّئة وصعبة جداً لعدَّة أسباب، أولاً بسبب الغَزَل التركي الروسي والسياسة التركية المَرِنة تجاه التطرّف الجهادي إذا جاز التعبير وأيضاً تصرُّف الرئيس "إردوغان" السُلطوي جداً، بالأخصّ أنّ هذه الإدارة 

كمال خلف: حسناً، دكتور "سالم" إسمح لي أن آخذ رأي الدكتور "الشعيبي"، دكتور "الشعيبي" حيّاك الله

عماد فوزي الشعيبي: أهلاً وسهلاً 

كمال خلف: في ما يتعلّق بـ (سوريا)، وأنت تُحدِّثنا من (دمشق) الآن، سنتحدَّث عنه في القسم الثاني من الحلقة إذا سمحت لنا، لكن ما أبرز التغيّرات دكتور "الشعيبي" التي يُمكن أن تطرأ على السياسة الخارجية الأميركية في المنطقة العربية هنا والإقليم؟ هناك مَن يقيس، مع ملاحظة ذلك على نهج "باراك أوباما"، بمعنى أنّه قد تعود السياسة الأميركية إلى ما كانت عليه قبل أربع سنوات ماضية. إلا أنت تعرِف دكتور أنّ الأمور تغيَّرت كثيراً في المنطقة وجَرَت مياه كثيرة في النهر، كل شيء تغيَّر ولم يعُد تيّار الإسلام السياسي صاعداً. فشلَ هذا التيار فشلاً ذريعاً في (ليبيا) على سبيل المثال والاعتماد على (تركيا) لم يعُد ممكناً، (تركيا) أصبح لديها مشروع مُستقلّ وبعيد أو يتضارب أحياناً مع المصالِح الأميركية والأمور ليست كما 2010-2011 دكتور

عماد فوزي الشعيبي: بالتأكيد. حضرتك أجبت، الأمور تغيَّرت والمياه لا تجري في النهر نفسه مرّتين، بمعنى استعادة طريقة "أوباما" حتى ولو كان الرئيس الأميركي الجديد الآن يعتمد على مجموعة من الذين عمِلوا مع إدارة "أوباما" إلا أنّ هذا لا يعني الاستقراء، هذا النوع من الاستقراء استقراء فاسِد كما يُقال في المنطق. القضيّة في اختصار شديد أنّ هنالك مُتغيِّرات كثيرة قد حدثت، إذا كنّا نريد أن نتحدَّث عن علاقة الولايات المتّحدة الأميركية بـ (روسيا) سنرى لهجة عدائية أعلى وسنرى مُحاولة للتفاهُم والعودة إلى اتفاقيّة "ستارت" المُحدثَة من جديد، بمعنى "ضربة على الحافِر ضربة على النافِر" كما نقول. في ما يتّصل بـ (الصين) ستخفّ درجة العداء وسيتمّ في نفس الوقت ربما، نحن نضع احتمالات، محاولة التفاهُم على بعض الأمور الاقتصادية. إذا كان المقصود المنطقة، في ما يتّصل في الشأن الإيراني سوف يتمهّل "بايدن" لمُحاولة أن يدخل في مُفاوضات مع الإيرانيين في مُحاولة أولى. أعتقد إنّها ستكون أولى وأخيرة لأنّ الإيرانيين قد أوضحوا بأنّ طريقتهم في التفاوض هي عدم التفاوض، أي لا تفاوض قبل إزالة العقوبات. وبالتالي هو سيُحاول أن يُدخِل موضوع الصواريخ النُقاطية، التمدّد الجيو بوليتيكي الإيراني وبعض الملفّات الأخرى. أعتقد أنّ الطريقة التفاوضية التي يُرسيها الإيرانيون سوف تكون مُتباعِدة أو مُنفرِجة عن هذا التوجُّه وبالتالي سوف نشهد اتفاقاً في مدى قصير حسب تقديري الشخصي إلا إذا كانت هنالك تداخُلات من الدولة العميقة في (الولايات المتّحدة الأميركية) في مُحاولة لإطالة الأمر التفاوضي من ستّة أشهُر إلى سنة ولكن هذا الأمر سوف يُدخِل السياسة الخارِجية الأميركية في حال عدم الموثوقيّة لأنّه قال في برنامجه الانتخابي بأنّه سوف يعود إلى الاتفاق النووي. ردّت اليوم (إيران) مباشرةً بأنّها مُستعِدّة للعودة إذا عادوا، "إذا عُدتم عُدنا"، أي في هذا المعنى. ننتظر ونرى، في ما يتصل بـ (سوريا) سنترُك هذا الأمر 

كمال خلف: سنتحدَّث لاحقاً. لكن أيضاً هناك ملفّات تتعلّق بـ (اليمن) دكتور، (ليبيا)، (العراق) والعلاقة مع (السعودية) 

عماد فوزي الشعيبي: دعني أقول لك شيئاً 

كمال خلف: إسمح لنا أن نمرّ عليها مروراً سريعاً دكتور، تفضّل

عماد فوزي الشعيبي: سريعاً، هذه ليست على الأولويّات للرئيس الأميركي، هو مُنشغِل ولديه مشكلات كثيرة ولديه حال عدم تعيين التي سوف أُكرّرها كثيراً في هذا اللقاء. الملفّان السوري واليمني وربما حتى الليبي لن يكونوا على درجة الأولوية وربما سيُترَكون لفترةٍ إلى أن تحدُث أحداث تُغيِِّر هذه الأولويّة، باختصار شديد 

كمال خلف: حتى نتحدّث أو نختم الملفّ الإيراني ونتحدَّث عن ملفات أُخرى دكتور "سالم" نحن في حاجة إلى تقييمات سريعة إذا سمحت في الوقت القصير هذا وأنا أعرِف أنّ المنهج البحثي يحتاج إلى شرح وتعميق، لكن بما أننا في برنامج تلفزيوني أطلُب منك تقييمات سريعة إنْ أمكنك دكتور "سالم". استراتيجية الضغوط القُصوى على (إيران) انتهت إلى الأبد أم يُمكن أن يلجأ إليها "بايدن" في وقتٍ ما؟

بول سالِم: لم تنتهِ، الضغوط موجودة ومُستمرّة وفي رأيي ستعودان (الولايات المتحدة) و(إيران) إلى الالتزام وسيُرفَع عدد كبير من هذه العقوبات المرتبطة بالاتفاق النووي، ولكن الرئيس "ترامب" وضعَ عقوبات أُخرى غير متّصلة. إذاً سنكون في حالٍ مُزدوجة من رفع بعض العقوبات واستمرار البعض الآخر لمُحاولة التفاوض على الملفّ النووي

كمال خلف: ممكن أن يعمد "بادين" إلى تخفيف العقوبات كمدخل إلى الاتفاق أو التفاوض مع (إيران)؟ أي رفع العقوبات أولاً أو جزء منها أولاً؟ 

بول سالِم: نعم، أظنّ أنّ هذا قد يكون من عدّة "الشُغل"، هناك مجموعة واسعة من القرارات والعقوبات وقد يلغي البعض منها ليُعطي مؤشِّراً إيجابياً نعم 

كمال خلف: كيف سيتعامل مع اعتراض الحلفاء دكتور "سالِم" أي (إسرائيل) ودول الخليج حيث قبل ساعات من تنصيبه أو أيام من تنصيبه كان التوتُّر على أشدِّه وكان الحديث عن حرب؟ كيف سيتعامل مع المُعترضين من الحلفاء الإقليميين؟ 

بول سالِم: المُعترضون الاقليميون أي دول الخليج ليسوا في أيّ موضع أو موقع لأية أعمال حربيّة وهذا أمر مفهوم. دول الخليج تطالب أن تكون شريكة في أيّ تفاوُض موسّع مع (إيران) وهذا قد يحصل إذا تمّت مُفاوضات بعد العودة إلى الاتفاق النووي. (إسرائيل) تستمرّ دائِماً في التهويل والضغط على أيّة إدارة أميركية ولا تتنازل عن هذا الموقف المُتقدِّم ولكن فريق عمل "بايدن" و"بايدن" نفسه يعرِف (إسرائيل) جيداً ويعلم أنّ (إسرائيل) لن تقوم بأيّ عمل في الأخصّ في أول مدة لولاية رئيس الجمهورية، إذاً هم نوعاً ما مطمئنّون أنّ لديهم هم والإيرانيون على الأقل سنة لتوضيح مسارٍ ما 

كمال خلف: في ما يتعلّق بالصواريخ البالستيّة والنفوذ الإيراني في المنطقة أو الدور الإيراني في المنطقة مسألتان تحدَّث بهما "جو بايدن" وسمِعنا "أنطوني بلينكن" يُشير إليهما. المسألة هنا عُضوية مرتبطة بالاتفاق النووي أم الأمر مفصول؟ أي سيتم الاتفاق على البرنامج النووي أو على العودة إلى "اتفاقية العمل الشاملة المُشتركة" ثمّ الحديث عن هذه المسائِل، كيف يُمكن أن نفهم؟ 

بول سالِم: صحيح. الأمر واضح ومنفصل كليّاً. يوجد اتفاق نووي وعلى (الولايات المتّحدة) و(إيران) أن يعودا إلى شروط هذا الاتفاق من دون حاجة عملياً إلى تفاوض جديد. تطرح (الولايات المتّحدة) بالإضافة إلى العودة إلى الاتفاق السابق وتطرح بالتعاون مع الدول الأوروبية أن يفتحوا في شكلٍ تعاوني مُفاوضات إضافيّة لتعزيز الاتفاق، هذا أمر مستقلّ، وتطرح (الولايات المتّحدة) أيضاً أن تفتح مُفاوضات إضافيّة حول البرنامج الصاروخي وتواجُد أو تدخّل (إيران) في المنطقة. في رأيي، الاتفاق النووي ستتمّ العودة إليه بنجاح بين هلالين وستتمّ بداية مسار تفاوضي، ولكن في رأيي من دون أيّة نتيجة فعلية أو من دون جدوى ولكن تفاوض من أجل التفاوض وكسب الوقت إذا جاز التعبير، وعلينا أن نلفُت إلى أنّه بالنسبة إلى الإدارة الأميركية الخطر النووي هو شيء والأمور الأُخرى شيء آخر وهي ليست في نفس الأهمية والأولوية

كمال خلف: دكتور "شعيبي"، في ما يتعلّق بـ (السعودية)، "جو بايدن" يقول بأنّه سيُعيد تقييم العلاقة مع (السعودية). هل يستطيع إعادة تقييم هذه العلاقة؟ ومن أين سيبدأ في تقديرك، من ملف معتقلين؟ حقوق إنسان؟ ملف "خاشقجي"؟ بيع الأسلِحة؟ حرب (اليمن)؟ من أين سوف يبدأ في تقييم هذه العلاقة إن كان في رأيك يستطيع ذلك؟

عماد فوزي الشعيبي: في تقديري الشخصي سيعود إلى السياسة الواقعيّة. الكلام قبل استلام السُلطة شيء وبعد استلام السُلطة شيء آخر، هناك مصالِح متبادلة بين الطرفين، قضايا حقوق إنسان، "خاشقجي" إلى آخره وهذه تُستخدَم لزمنٍ آخر. الآن ستُطوى هذه الصفحات وسيعودون إلى السياسة الواقعية للتفاهُم حول المصالِح المُشتركة والقضايا المتّصلة بالتوازن في المنطقة، قضيّة (اليمن) ستكون إحد المحاور التي سوف يتمّ النقاش فيها، هو يتحدث عن أنّ الموضوع اليمني يجب أن ينتهي. لنتذكّر أنّ الموضوع اليمني نشأ في الأصل في عهد "أوباما" أي في عهد الديمقراطيين، وأن يقول الآن بأنّه يُريد أن يُنهي، كيف سيُنهي وما هي الآليّة؟ هذا الموضوع متّصِل بشؤون إقليمية أيضاً، ما هي الأثمان وأين سيُعطى هنا وسيؤخذ هناك؟ هذه التفاصيل في تقديري الشخصي ستحتاج إلى وقت للبتّ فيها. ولكن أنا لستُ مُقتنعاً بأنّنا سنشهد علاقة سيّئة بين (الولايات المتحدة الأميركية) - "بايدن" وبين (السعودية) أو دول الخليج. حتى البعض يظن بأنّه قد ينتقم بسبب العلاقة الجيِّدة بين طاقم الحُكم في (المملكة العربيّة السعودية) وبين "بايدن" 

كمال خلف: بين "ترامب"، لكن المسألة دكتور أخذت طابعاً شخصياً في العلاقة بين قادة الخليج وبين "دونالد ترامب". عندنا هنا في المنطقة كما تعرِف المسألة تبدو شخصيّة بين "ترامب" وبين بعض القادة في دول الخليج 

عماد فوزي الشعيبي: تنشأ علاقة شخصية جديدة بين بعض القادة وبين "بايدن" من جديد، يعني القضية هي في السياسة كما تعلم حضرتك وأنت أُستاذ فيها، لا توجد علاقات شخصيّة في المعنى النهائي للكلِمة، توجد مصالِح. هذه المصالِح أحياناً تأخُذ بُعداً شخصياً، في اللحظة التي تتكلّم فيها المصالِح ستُنحّى العلاقات الشخصية ويعود مشهد جديد من العلاقات الشخصية إن أحببت التي تخدُم في النتيجة النهائية المصالح 

كمال خلف: نعم. دكتور "سالم"، أيضاً في ما يتعلّق يـ (السعودية)، استمعنا للمُرشّحة الآن في منصب الاستخبارات الوطنيّة على ما أعتقد تقول أمام الكونغرس، أمام لجنة العلاقات الخارجية، بأنّها سوف تكشِف عن تقرير الـ CIA المُتعلِّق بالصحافي "جمال خاشقجي". هل تعتقد أنّ "جو بايدن" سيتعامل أو سيكشِف كل تفاصيل هذه القضيّة وسيُدين الفاعلين؟ وبالتالي أنت تعرِف، هذا سيؤدّي إلى توتُّر العلاقة مع حليفٍ استراتيجي لـ (الولايات المتّحدة) أي (المملكة السعودية)

بول سالِم: أولاً أوافق الضيف من (دمشق) أنّ العلاقة الأميركية – السعودية ربما في السياسة الدوليّة كما أشار في شكلٍ عام مبنيّة على المصالِح، والعلاقة السعودية عميقة وقديمة وكبيرة لها علاقة بالطاقة، بموقع الدولار في الاقتصاد العالمي، في الجيو سياسة، يعني تحالفات وتعاون ومصالِح مُشتركة على ملفّات عديدة. ولكن توجد مُشكلة إجرائيّة إذا جاز التعبير أو شخصانيّة، بمعنى أنّ وليّ العهد السعودي الأمير "محمد بن سلمان" صحيح لديه مُشكلة سياسية في (الولايات المتّحدة)، سياسيّة بالمعنى الإعلامي، سياسيّة في الكونغرِس الأميركي، لها أبعاد لا يستطيع الرئيس "بايدن" أن يتجاهلها لأسباب داخليّة. فالتحدّي سيكون كيف ستستمرّ وحُكماً ستستمرّ العلاقة العميقة الأميركية السعودية وكيف تتم مُعالجة هذه المُشكلة القياديّة. هل ستكون العلاقة مثلاً مع وزير الخارجيّة فقط؟ أستبعِد أن يأتي وليّ العهد إلى (الولايات المتّحدة) في أيّ مُستقبل منظور، هذا أمر غريب وغير مألوف في العلاقة الأميركية السعودية. إذاً العلاقة ستستمرّ، الإشكال وكيفية مُعالجة قضيّة "الخاشقجي"، لأنّ الإعلام الأميركي والكونغرس الأميركي والحزب الديمقراطي وفي الأخصّ الجزء التقدّمي من الحزب الديمقراطي متعلِّق كثيراً بهذه القضيّة 

كمال خلف: أُخِذَ انطباع دكتور "سالم" بأنّ "دونالد ترامب" شكّلَ حماية شخصيّة وحماية قويّة لوليّ العهد السعودي "محمد بن سلمان" في قضيّة "خاشقجي" تحديداً وبعض القضايا أيضاً المرفوعة في المحاكم الأميركية مثل قضيّة مالِك "أمازون" وغيرها من القضايا. الآن الأمور ستختلِف في تقديرك؟ 

بول سالِم: أظن ستختلف، لا أعرِف تفاصيل كيف ستختلف ولكن الرئيس "بايدن" لن يتدخّل في مجرى قانوني أو ربما حتى مجرى إعلامي أو إعلاني، فقد تكون هناك مطبّات لـ (السعودية) في الكونغرس الأميركي وفي الرأي العام الأميركي ولكن من الواضح أنّ الرئيس "بايدن" وفريق عمله يُدرِكون جيّداً أنّ المصلحة الأميركية في أن تُسوّى العلاقة الأميركية السعودية وأن تكون ثابتة. توجد مشاكل شبيهة مع الرئيس "إردوغان" في المحاكم في (نيويورك) مثلاً وحاول الرئيس "ترامب" أن يتدخل ويحمي الرئيس "إردوغان" راجياً منه بعض التنازلات التي لم تحصل، فلا نعرِف تفاصيل المجرى ولكن لا توجد علامات استفهام حول العلاقة الأميركية السعودية الأوسع 

كمال خلف: قبل أن تُغادرنا دكتور وقبل أن نذهب إلى فاصل عندي مجموعة نقاط أيضاً وأريد أن أعود خطوات قليلاً إلى الوراء في ما يتعلّق بـ (إيران). حلفاء (إيران) ممّن يُسمّون في المُصطلح الدولي "الحلفاء من غير الدول"، أي "حزب الله" و"حركة أنصار الله" في (اليمن)، "الحشد الشعبي" في (العراق)، ما هي ملامح التغييرات في التعاطي مع هذه القوى؟ حركة "أنصار الله" قبل أيام صنّفها "دونالد ترامب" كحركة إرهابيّة، يبدو أنّ الإدارة ستُراجع هذا الأمر حسبما سمِعنا في الأيام الأولى. هناك غارات شُنّت على "الحشد الشعبي"، أيضاً على "حزب الله" هناك مُحاولة للعزل وإلى آخره. هل تعتقد أنّ ثمة تغييرات في التعاطي مع هذه القوى في المنطقة؟ 

بول سالِم: كما ذكرت، في ما يتعلّق بـ "الحوثيين" إذا اختصرنا الإسم هناك احتمال أن تتم العودة عن هذا القرار الذي جاء في آخر أيّام "ترامب". لا أظن أنّنا سنرى تغييراً في التصنيف بالنسبة إلـى  "حزب الله"، الأمر صعب جداً في الكونغرس الأميركي وفي (أميركا) في الوقت الحاضر ولكن واضح أنّ التعاطي من قِبَل إدارة الرئيس "بايدن" ستُشبه نوعاً ما التعاطي أيّام إدارة الرئيس "أوباما" مع اختلافات كما ذُكِر، بمعنى التاريخ لا يتكرّر كليّاً وإلى ما هنالِك، ولكن (أميركا) ستكون في تفاوض صعب مع (إيران) ومع استمرار الضغوطات على (إيران) واستمرار ضغوطات على "حزب الله" وعلى "الحوثيين" وربما على "الحشد الشعبي" أيضاً. ولكن أيضاً سيكون هناك باب للنقاش وباب للحوار، هذا قد يفتح المجال لتسهيل تشكيل حكومة في (لبنان)، قد يفتح المجال لتسهيل إيجاد تهدئة أو مخرج في (اليمن)، قد يفتح المجال لإيجاد مسار تعزيز الدولة والمسار الإيجابي في (العراق). سيكون هناك حشد دبلوماسي بالأخصّ في السنة الأولى من هذه الإدارة وإذا نجح هذا الحشد الدبلوماسي كان به، أمّا إذا فشِلَ هذا الحشد الدبلوماسي قد يذهب بعد ذلك الرئيس "بايدن" إلى خيارات أُخرى. أنا أشكرك وأشكر الجمهور، أنا مضطر أن أترك إلى برنامج آخر ولكن تحية

كمال خلف: حسناً ستغادرنا الآن، لكن في شكلٍ سريع "بول سالم"، مع الشكر الجزيل وأعرِف وقتك، "صفقة القرن" والتعامل مع القضيّة الفلسطينية باختصار شديد

بول سالِم: باختصار جزء من "صفقة القرن" عُلِّقَ مع اتفاقات التطبيع، الذي كان موضوع ضمّ (إسرائيل) لكلّ المستوطنات في الضفة الغربيّة. هذا أمر مُعلّق مع اتفاقات التطبيع وسيبقى مُعلّقاً. القطيعة مع الفلسطينيين التي حصلت أيام "ترامب" سيتم عكسها، إدارة "بايدن" ستنفتح على السلطة الفلسطينية وتفتح علاقات دبلوماسية ومساعدات للأونروا وستُحاول إدارة "بايدن" إحياء المسار التفاوضي الإسرائيلي الفلسطيني مع قبول اتفاقات التطبيع التي حصلت أيّام "ترامب" والبناء عليها، وشكراً لك

كمال خلف: شكراً جزيلاً دكتور "بول سالم" رئيس "معهد الشرق الأوسط" كنت معنا مباشرةً من (واشنطن). دكتور "عماد فوزي الشُعيبي" تبقى معنا طبعاً في الجزء الثاني الذي سنتحدّث فيه أيضاً عن ملفات هذه المنطقة وعن (سوريا) في شكلٍ رئيسي، فاصل ونعود إلى "لعبة الأُمم" 

المحور الثاني 

كمال خلف: تحيّة من جديد مُشاهدينا في "لعبة الأُمم". قبل أن أتوجّه إلى (دمشق) إلى الدكتور "عماد"، فقط نعرِض للاستطلاع الذي أجرته صفحات برنامج "لعبة الأُمم" على مواقع التواصُل الاجتماعي حيثُ طرحَ البرنامج السؤال التالي: هل يهدأ الإقليم في عهد "جو بايدن" وتتوقّف الصراعات؟ النتائِج في المُجمَل على كلّ الصفحات لا تُعطي أملاً كبيراً في أن تتوقّف الصراعات، على "فيس بوك" 70 % نعم مقابل 30% كلا، أي 30% نعم ستهدأ 70 % لن تهدأ، أي الأغلب يتحدّ  ث عن أنّ الصراعات لن تتوقّف، على "تويتر" 73% لن تتوقّف الصراعات و27% نعم ستتوقّف، على "إنستاغرام" 74 % لن تتوقّف الصراعات و26% ستتوقّف الصراعات. ليس هناك تفاؤل وربما أنا أخطأت التعبير أو التقدير، ليس هناك تفاؤل كبير مع "جو بايدن" بالنسبة إلى متابعي البرنامج على صفحات التواصُل الاجتماعي. أيضاً مُشاهدينا، هناك رأي لـ "ميشيل دن" من مركز "كارنيغي للشرق الأوسط" تحت عنوان " انتخاب جو بايدن رئيساً سيؤثِّر في شكلٍ أساسي على مواطني الشرق الأوسط وشمال أفريقيا". "ميشيل دن" في "مركز كارنيغي" يقول: "لا شكّ أنّ قادة المنطقة الذين بنوا علاقات وثيقة مع "ترامب"، على غرار "محمد بن سلمان"، "محمد بن زايد"، "بنيامين نتنياهو"، "رجب طيّب إردوغان" و"عبد الفتّاح السيسي"، خسروا الحماية الخاصّة التي كان يوفّرها لهم "ترامب" في البيت الأبيض. صحيح أنّ "بايدن" لن يقوم باستعداء أو استفزاز هؤلاء القادة، الذين تربطه مع العديد منهم علاقات جيدة، أو زعزعة استقرار هذه الدول، لكنّه لن يتصرّف كما فعل "ترامب" وكأنّه مدين لهم بالمعروف. فعلى سبيل المثال، انتقد "بايدن" حماية "ترامب" لـ "محمد بن سلمان" من الاستهداف الدولي الذي لقيه بعد مقتل "جمال خاشقجي" فضلاً عن دعم "ترامب" غير المشروط لـ "السيسي"، لا بدّ من الانتظار والمُراقبة". دكتور "عماد فوزي الشُعيبي" في (دمشق)، قبل أن نتحدّث عن (سوريا) أُريد تعليقاً منك على ما طرحناه قبل الفاصل حول (السعودية) ودول الخليج والعلاقة معها والحماية "الترامبيّة" إذا جاز التعبير لبعض القادة في هذه المنطقة كما ذكر مركز "كارنيغي" 

عماد فوزي الشعيبي: لا أتّفق مع "مركز كارنيغي" في هذه الطروحات، المصالِح هي المصالِح والعلاقات الشخصية هي ظاهر هذه المصالِح. في تقديري ستعود المياه إلى مجاريها في شكلٍ طبيعي مع دول الخليج، وكل ما هنالِك أنّه سوف يتمّ التغيير فقط في الشكل. أي هذه العلاقة المُفرِطة في حميميّتها يُمكن أن تُستبدَل بعلاقة طبيعية كما هي العادة أو تُصبِح علاقة حميميّة أيضاً. ما الذي يمنع أن تحدُث تلك العلاقة الحميميّة؟ السؤال الذي يطرح نفسه هنا، تلك العلاقة التي بُنيَت بين دول الخليج أو بين (الولايات المتّحدة الأميركية) ودول الخليج هل أتت فقط بعقليّة "ترامب" أم فقط بأدائه؟ أتت بعقليّة الدولة العميقة في (الولايات المتّحدة الأميركية)، مصلحة الأمن القومي الأميركي، وبالتالي غُلِّفَت لدى "ترامب" بهذه الطريقة. الطريقة أو الشكل ليس مُهمّاً، المُهم هو مضمون تلك العلاقة الذي في تقديري سيستمر. الخليج هو آخر مكان يُمكن أن نتصوّر تبدّلاً قد يحدث بخصوص العلاقة مع عهد "بايدن"، وقضيّة "الخاشقجي" كانت أداة تُستَخدم ضدّ "ترامب" وليس ضدّ (السعودية) في صورة أو في أُخرى. اليوم هذا الموضوع يُطوى، لا تتوقّف الدول عند الأشخاص لا تتوقّف عند هذه القضايا، هذه قضايا شكليّة في النتيجة وأنا آسف، هذه قضايا حقوق إنسان وقضيّة حياة إنسان وإلى آخره مع كامل الاحترام، لكن أنا أتحدّث عن كيف تُفكِّر الدول 

كمال خلف: نعم. في موضوع صفقة القرن واعتراف "دونالد ترامب" بـ (القدس) عاصمة لـ (إسرائيل) ونقل السفارة والسماح بالتوسُّع الاستيطاني وقطع العلاقة مع "منظمة التحرير " وقطع المُساعدات عن الأونروا، كل هذه المسائِل دكتور "الشعيبي" من الصعب على "جو بايدن"، أو حتى لا يُريد العودة عنها كلّها وفي بعضها أعلن وموقفه واضح، موضوع نقل السفارة واضح والأمر غير خاضع للمراجعة. ما هي حدود المُمكن والمُتاح وغير الممكن وغير المتاح في التعاطي مع ملفّ (فلسطين)، مع ملفّ الصراع العربي الإسرائيلي أو ما يُسمّى حالياً الفلسطيني - الإسرائيلي بكل أسف، لكن ما هي الحدود أو الهوامش التي يُمكن أن تتحرّك فيها إدارة "بايدن"؟   

عماد فوزي الشعيبي: باختصار شديد، البناء على البناء. لن نرى "إخراج الزير من البئر"، البناء على البناء. "صفقة القرن" ستُعتبر بمثابة قاعدة تفاوضية يُبنى عليها لمرحلة قادمة بسبب أنّ "صفقة القرن" لم تأتِ فقط من بنات أفكار "ترامب" وصهره، جزء منها مبني من تيّار موجود في (الولايات المتّحدة الأميركية) يعتقد أنّ الدور الوظيفي لـ (إسرائيل) قد بدأ بالتراجع وأنّ هذا الدور الوظيفي الذي بدأ في التراجع يستدعي إنهاءً للصراع العربي الإسرائيلي في صورةٍ أو في أُخرى خاصةً أنّ هذه المنطقة مُقبلة على استثمارات غازيّة ونفطية آن أوانها  والمؤشّرات واضحة، المؤشّرات تتصل بمحاولة السرعة في إنجاز ملفّ ترسيم الحدود بين (لبنان) وبين (إسرائيل). وضع هذا الملفّ على نارٍ ساخنة له مؤشّرات، المؤشِّر هو الاقتصاد، أيضاً مُحاولة إنهاء الصراع. بمعنى آخر، "صفقة القرن" وُلِدت ميتة، لماذا؟ لأنّها تغاضت عن حقوق شعب بأكمله. أنا بمُجرّد أن سمِعت بأنّ هنالِك صفقة قلت: "ربما هنالك مُحاولة لإيجاد ضرب من المُساومة التاريخية أو المُصالحة التاريخية" إلى آخره، لكن الطريقة التي قُدِّمت فيها "صفقة القرن" هي أقرب إلى "صُلح (فرساي)"، أقرب إلى صُلحٍ مُذِلّ يؤدّي إلى ما بعده، إلى استمرار الصراع مرّة أُخرى 

كمال خلف: في تقديرك دكتور "شعيبي"، سيكون "جو بايدن" وإدارته مهتمّين باستكمال هذا المسار؟ كانت إدارة "ترامب" تُحاول جرّ (السعودية) ودول أُخرى أيضاً إلى التطبيع، في اعتقادك "بايدن" سوف يستمرّ في هذا المسار أم سيكتفي بما أنجزته الإدارة السابقة؟

عماد فوزي الشعيبي: سيستمرّ ولكن بعد مرور فترة، على الأقل سنة، لينتهي من بعض الأمور الشائِكة لديه في الداخل إذا استطاع أن يخرُج منها أو أن يلتفت إلى الأمور الخارجيّة بهذا الشكل، وستستمر الأمور بقوى العطالة، قوى القصور الذاتي، بمعنى أخذت دفعتها وتستمرّ بعد ذلك ويُطرَح الموضوع للنقاش وللمُفاوضات وستعود الأمور مع "منظّمة التحرير الفلسطينية" مرّة أُخرى والمساعدات للأونروا. أي كل هذه المواقف المُتشنّجة اليمينية للغاية التي اتّخذها "ترامب" سيتمّ تعديلها تعديلاً طفيفاً تهيئةً لوضعٍ تفاوضيٍّ قادم. ولكن، ما لم يتمّ تعديل "صفقة القرن" لكي تكون مُناسِبة لمنطقة مُستقرّة في المعنى السياسي لكي يتمّ الاستثمار فيها، الاستثمار الاستراتيجي الذي تحدّثنا عنه قبل قليل، ما لم يتمّ تعديل ذلك هُم يحرثون في المياه، بمعنى لن تؤدّي إلى نتيجة في تقديري الشخصي

كمال خلف: دكتور، إسمح لنا أن نعرِض رأياً لوكالة "بلومبيرغ" حولَ ما كنّا نتحدَّث عنه تحت عنوان "بايدن" يبدأ ولايته وسط ظروفٍ مؤاتيةٍ في الشرق الأوسط"، قالت وكالة "بلومبيرغ": " مع اقتراب تولّي إدارة "بايدن" زمام الأمور تقوم العديد من الأطراف المُتحارِبة بالتخفيف من حدّة نشاطها في توقُّعٍ لدور أميركي أكثر نشاطاً في المنطقة. ما يجري في الشرق الأوسط حالياً حال من الوفاق. انتهت الأزمة الخليجية بعد عودة العلاقة بين (قطر) من جهة وبين دول المُقاطعة من جهة ثانية، وكذلك إلى سعي (تركيا) لتحسين علاقاتها مع دولٍ جمعها بها خِصام شديد كـ (اليونان) و(فرنسا) من جهة، والدول التي تُعلِن الحرب على "الإخوان" كـ (السعودية) و(الإمارات) و(مصر)"، تقول "بلومبيرغ". "وفي ما يتعلّق بالصراع الإسرائيلي - الفلسطيني تلعب عدّة قوى إقليمية كـ (مصر) و(الأُردن) وعالمية كـ (فرنسا) و(ألمانيا) أدواراً من أجل عودة المُحادثات المتوقّفة بين الجانبين، والانقسام الفلسطيني قد ينتهي بعد إعلان السلطة الفلسطينية تنظيم انتخابات عامة وترحيب "حماس" بهذه الخطوة وتأكيدها على أنّها ستُشارِك فيها". دكتور "عماد فوزي الشُعيبي"، هذه ربما إطلالة من "بلومبيرغ" على مُختلف الملفّات. أولاً. آخذ تعليقك على ما قالته "بلومبيرغ" دكتور 

عماد فوزي الشعيبي: ليس لديّ تعليق مُباشَر على هذا الأمر، هي تكهّنات في هذه المرحلة. باختصار شديد دعني أقول لك عزيزي، السياسة القادمة لـ "بايدن" يكتنفها مبدأ عدم التعيين بالرغم من كل محاولاته للتعيين، يقول سنفعل كذا. حال السيولة والميوعة التي وُضِعت فيها (الولايات المتّحدة الأميركية) سواء في أُفولها الاقتصادي، أقول أفولاً وليس نهاية طبعاً، أُفولها الاقتصادي في مواجهة (الصين)، هذا واحد، ووضعها بعد "كورونا" سيجعل الاهتمام الداخلي على رأس الأولويّات. الباقي سيكون كما يُقال: إذا كان لدينا طريق على "البانكيت"، على الطرف الآخر، لأنّه سيغرق في مجموعة مُشكلات، مشكلات كبيرة اقتصادية. أعطيك مثالاً على ذلك قرأت عنه منذ يومين؛ هو يريد أن تكون (الولايات المتّحدة الأميركية) الدولة الأُولى في العالم التي تُنتِج السيارات الكهربائية. حسناً، هذا شيء جيِّد، مثل Teslaوغيرها. الدولة العميقة متّصلة تماماً بشركات النفط للاستخراج لأنّ التداخل الروسي في المسألة السورية حصلَ في عهد "أوباما" وليس في عهد "ترامب" وورِثَ الأمر "ترامب" وإدارته وتمّ التعامل في صورةٍ أو في أُخرى. نمط التفكير العدائي للدولة العميقة التي تُمثِّلها الآن الإدارة الديمقراطية ضدّ (روسيا) قد ينعكِس سلباً في الملفّ السوري في صورة أو في أُخرى إلا إذا كان التوجّه  

كمال خلف: دكتور، هناك نقطة قبل أن نختُم. تعيين "برت ماكورك" منسقاً للشرق الأوسط وشمال (أفريقيا) في إدارة "بايدن" حالياً، الرجل له علاقة أو من أشدّ المتحمّسين كما يوصف لتسليح الميليشيات الكُردية الانفصاليّة. "جو بايدن" أيضاً له مواقف كثيرة تتعلّق بالكُرد، هذا سيُشجِّع على انفصال الكُرد أو سيُشجِّع الميليشيات الكردية والفصائِل الكردية في شرق (سوريا) على الانفصال؟ أي سنشهَد هكذا مسار خلال السنوات الأربع المقبلة؟ 

عماد فوزي الشعيبي: انفصال كردي هذا شبه مُستحيل، المنطقة ليست كرديّة لنكون واضحين. انفصال كردي هذا غير مُمكن، ولكن محاولة شقّ البلاد في هذه الطريقة واتّخاذ "قسد" رأس حربة لها، هذا قد يكون أحد الاحتمالات التي سيعملون عليها. لكن هذا الاحتمال منوط في صورة أو في أُخرى بمجموعة تفاهمات إقليمية ودولية إضافةً إلى ديناميكيات الصراع التي ستحدُث 

كمال خلف: دكتور "عماد فوزي الشعيبي" رئيس "مركز المعطيات للدراسات الاستراتيجية". هناك الكثير من الأسئِلة لا بدّ من طرحها في ما يتعلّق بـ (سوريا) والمنطقة، الوقت يحكُمنا جميعاً، أشكرك جزيل الشُكر كنت معنا مُباشرةً من (دمشق). أشكُر "بترا أبي نادر" في إخراج هذا البرنامج، "زاهر أبو حمدة" منتِج هذه الحلقة أو منتِج البرنامج، وألقاكم الأربعاء المُقبل بمشيئة الله. إلى اللقاء