صلاح الدين الجورشي القيادي في تيار الإسلاميون التقدميون - الجزء الرابع

مستقبل الإسلام السياسي وطروحاته في تونس.

محمّد علوش: كحال غيرهم من الجمعيات والأحزاب والمنتديات، أحدثت الثورة التي اجتاحت البلاد في زمن بن علي زلزالاً داخل القوى التي تجمّعت يوماً تحت مظلّة (الإسلاميون التقدميون)، فعادت المقولات السياسية للبروز من جديد. فأنشئت أحزابٌ وجمعيات واستأنف منتدى الجاحظ وهو لسان حالهم نشاطه المكثّف. إلا أنّ تحدياتٍ من نوعٍ آخر برزت من جديد، تغوّل السلفية الجهادية على الفضاء الإسلامي وفشل الحركات الإسلامية في تطبيق الرؤى التي جاءت من أجلها بعد وصولها إلى الحكم. فما هو الذي غيّرته الثورة من وجهة نظر هؤلاء؟ وكيف السبيل لمواجهة التحديات؟

أهلاً بكم إلى الجزء الرابع من الحوار مع القيادي في تيّار (الإسلاميون التقدميون) صلاح الدين الجورشي.

نرحّب بكم أستاذ صلاح الدين الجورشي في الحلقة الرابعة من هذه السلسلة. أهلاً وسهلاً بك.

 

محمّد علّوش: أهلاً وسهلاً ومرحباً.

 

محمّد علّوش: طبعاً انطلقنا من منتدى الجاحظ باعتباره أبرز تجلّيات الفكر أو تأطير لفكر الإسلاميين التقدميين. أريد منك أن تحدّثنا قليلاً عن طبيعة هذا المنتدى، الهدف من تأسيسه والدور الذي قام به.

 

صلاح الدين الجورشي: عندما انفصلنا عن دائرة حركة الاتجاه الإسلامي، بدأنا نفكّر في ما هي الصيغ التي من خلالها يمكن أن نحقّق انتظامنا الذاتي الداخلي، وأيضاً يمكن من خلالها أن نبلّغ أفكارنا التي نطبخها في هذه الأطر، وكانت البداية مع مجلة 1521 التي كانت منبراً فكرياً عمّقنا من خلاله العديد من الأطروحات الأساسية بالنسبة إلى الإسلاميين التقدميين، ثمّ بقينا نبحث عن إطار أو هيكل يدعمنا في هذا التوجّه. وهنا لا بدّ أن نشير إلى مسألة مهمة جداً، كان بإمكاننا أن نطالب بتشكيل حزب سياسي، ولكننا لم نختر الحزب السياسي وإنما اخترنا جمعية ثقافية، لماذا؟ لأننا نعتقد بأنّ من أخطاء الإسلاميين تورّطهم المباشر في العمل السياسي من خلال تشكيل أحزاب أو جماعات تهدف إلى تغيير السلطة وإقامة ما يعتبرونه حكماً إسلامياً.

نحن اقتنعنا بأن هذا الأسلوب في التسييس والانغراس في العمل السياسي يعتبر خطأ استراتيجياً لسببين. السبب الأول أنني أريد أن أحكم، ولكن بماذا سأحكم؟ ما هي مضاميني؟ ما هي مشاريعي؟ ما هي برامجي واختياراتي؟ هنا أزمة الاختيارات وأزمة البدائل قوية وفادحة لدى عموم الإسلاميين. الأمر الثاني، عندما أنا أريد أن أغيّر، أعتقد بأنّ التغيير سيكون عن طريق السلطة، ولذلك أسعى إلى الوصول إلى الحكم. انطلاقاً من وصولي إلى الحكم سأبدأ بعملية التغيير، أي تغيير في بناء المقلوب او في هرم مقلوب بمعنى أن أبدأ بالسلطة لكي أغيّر المجتمع، وهي تتناقض مع الشعارات الأولى التي رفعها الإسلاميون في البداية، التغيير العميق والأساسي والذي له إمكانية أن يستمر وينفتح على المستقبل، هو التغيير الذي يبدأ من تحت، يبدأ من الناس، يبدأ من تغيير المفاهيم لدى المواطنين، من تغيير سلوكهم وفهمهم لطبيعة العلاقات السياسية والاجتماعية. لهذا قرّرنا أننا لن ندخل في لعبة البحث عن السلطة والمشاركة في الحكم أو الوصول إلى الحكم. توجّهنا إلى أمر لأول مّرة نطرحه في تونس على مستوى الداخل.

 

محمّد علّوش: أنتم كإسلاميين تقصد أم كعموم العاملين في الحقل الاجتماعي والسياسي؟

 

صلاح الدين الجورشي: كعناصر كانت موجودة داخل الجماعة وداخل الإطار الحركي الإسلامي الإخواني إلى مستوى الواقع، فنحن قرّرنا بأن نراهن على ما أصبح لدينا ثابتاً من الثوابت، هو المجتمع المدني. المجتمع المدني كان من المصطلحات الأولى التي استعملناها نحن كأشخاص قادمين من داخل دائرة الإسلام السياسي، وبدأنا نفهم بأنّ المجتمع المدني ليس مجرّد شعار، وإنما هو قوة فاعلة يمكن أن تُبنى ويمكن أن نساهم نحن في بنائها من خلال تفعيل دور الجمعيات. الجمعية ليست هيكلاً فارغاً أو مجرّد رقم، الجمعية هي جزء من خلايا في جسم مجتمعي يمكن أن يتأثّر ويؤثّر، وبالتالي يمكن أن تلعب هذه الجمعية دورها. ولذلك قرّرنا أن نؤسّس منتدى.

لماذا أسّسنا منتدى وأطلقنا عليه منتدى الجاحظ؟ في البداية لم يكن اسم المنتدى هو الجاحظ، وإنما كنّا نفكّر أن نبنيه، واخترنا له عنواناً هو التحرير والتنوير، الاستفادة من عنوان كتاب للشيخ طاهر بن عاشور والذي يعتبر هو رمز إصلاحي في تونس، فكلمة التحرير والتنوير أثارت مخاوف الأجهزة السياسية والأمنية. ما معنى تحرّر؟ وما معنى تنوير؟ فابتعدنا عن ذلك، فقرّرنا أن نختار له عنواناً آخر هو ابن رشد، ابن رشد باعتباره عقلانياً، باعتباره كذا، فقيل لنا لا، هناك جمعيات أخرى تحمل اسم ابن رشد، كانوا الحقيقة يضايقوننا. في النهاية اخترنا الجاحظ. لماذا اخترناه؟ أولاً لأنه مفكّر، ناقد اجتماعي وأيضاً لأنه يحاول أن يفكّك الظواهر والأشياء، ودعانا نفكّر أنه ما يُقال أنّ عينيه جاحظة، بمعنى أردنا أن نؤكّد رؤية العين، وذلك شعارنا الذي اخترناه في العين الثاقبة التي تحاول أن تنظر بجحوظ لهذا الواقع وما يخفي وراءه، وبالتالي اعتبرنا أنّ هذه التسمية يمكن أن تنطبق. هل تعرف ماذا قيل لنا في تلك الفترة؟ قيل أنتم ستختصون في الجاحظ، قلنا كيف سنختص بالجاحظ.

 

محمّد علوّش: تقصد وزارة الداخلية؟

 

صلاح الدين الجورشي: رئيس الحكومة نفسه في وقتها كان الهادي البكوش، اعتقد بأننا سنقف عند ذلك الأمر، قلنا طيّب في البداية نحن نقوم بإرهاصات ولادة الجاحظ وما قبله، وبعد ذلك نتحدّث عن الجاحظ وكيف ولِد واحتفلت به عائلته، وفي الحلقة الرابعة عن ماذا سنتحدّث، فأقنعناهم بأن شخصية الجاحظ هي مرجع بالنسبة إلينا لكن نحن لن نقف عند حدود دراسة شخصية الجاحظ وإنما سننظر في الواقع، ودخلنا في تجربة كانت ثرية.

 

محمّد علّوش: أين وجه الاعتراض لدى السلطة السياسية إذا كنتم ابتداءً أنتم رفضتم الانخراط في العمل السياسي أو الدخول في حقله ووجدتم أنه لا، العمل ينبغي أن يُستثمَر في العمل الاجتماعي، في الميدان الاجتماعي؟ أين كان قلق السلطة وهاجسها؟

 

صلاح الدين الجورشي: سيّدي الأنظمة المُستبدّة تخشى من كل شيء وترتاب من كل شيء. حتى لو تأتي إليها وتقول لها أنا أودّ أن أكون شخصاً منزوياً في مكان مُعيّن وسأتحرّك على مستوى عشرة أمتار فقط، ستبقى تنظر إليك نظرة الريبة إذا لم يكن ولاؤك واضحاً ومؤكداً لها، ومعروف بأننا نحن بدأنا في أية فترة عام 89، وهي كان بن علي يُمسك بالسلطة، أمسكها بوعد كبير، بيان سبعة تشرين الثاني في الحقيقة هو بيان ديمقراطي يتحدّث عن الحريات، لكن هذه هي اليافطة الحمراء التي يستعملها الذين سيصارعون الثيران، ففي الحقيقة رفع هذه الراية الحمراء لكي يُغري النخب ويُغري الأحزاب، فنحن في تلك الفترة حصلنا على تلك الرخصة، لكن وهو حتى في تلك الفترة الأجهزة الأمنية كانت تفكّر لمدى بعيد، وبالتالي كانت تخشى من كل شيء، وبما أننا كنا نحن في حركة الاتجاه الإسلامي أو في الجماعة الإسلامية، فكان يُنظَر إلينا هل يمكن أن نلعب دوراً لصالح بن علي ولصالح السلطة لمواجهة خصومه السياسيين الموجودين في تلك المرحلة وهم الإسلاميون، وهنا يجب أن نلاحظ أنه قيل لنا بأنكم أخذتم رخصة المنتدى في مرحلة القمع للإسلاميين، هذا ليس صحيحاً، نحن أخذناه عام 89، وقتها جماعة النهضة أخذوا صحيفة الفجر، وبالتالي كانوا ينشطون في العلن وشاركوا في الانتخابات عام 89. إذاً نحن أخذنا الهيكل، ولكن أخذنا الهيكل وأجرينا حفل استقبال بعدما نلنا الترخيص، ولكن لم ننشط إلا في عام 2004، نحن نلنا الترخيص عام 89.

 

محمّد علّوش: فترة طويلة؟

 

صلاح الدين الجورشي: فترة طويلة لماذا؟ وقتها حصلت المعركة مع الإسلاميين وقرّرنا أن نجمّد نشاطنا فلم ننشط، عقدنا ندوة صغيرة جداً بمناسبة الحصول على الترخيص وبعدها دخلنا في سبات عميق، لماذا؟ لأننا رفضنا أن نكون شهود زور وأن ننشط في مرحلة تشهد قمعاً شديداً جداً للإسلاميين ولحركة الاتجاه الإسلامي.

 

محمّد علّوش: لم يكن بطلب من السلطة السياسية دخولكم في السبات الشتوي والصيفي؟

 

صلاح الدين الجورشي: لا، هم أشّروا على أنيابهم وظنوا أننا سنكون حلفاء لهم ونساعدهم على قمع الإسلاميين أو على الأقل لتبرير هذا القمع، فوجدوا بأننا قلنا هذا خطأ، هذا أمر لا يمكن أن ننخرط فيه، ولذلك قرّرنا أن ننسحب من هذا المجال، وفي هذا السياق نفسه معناها وأنا كنت من الناس مسؤول في رابطة حقوق الإنسان وكنت أناضل مع بقية رفاقي في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ضدّ القمع والدفاع عن الحقوق.

 

محمّد علوش: طبعاً انطلقتم وبدأتم عام 89 كان المؤتمر الأول عام 2004، المؤتمر الثاني عام 2007 وكان هناك سلسلة من المؤتمرات، لكن ممّا وُجّه من نقد لمنتدى الجاحظ أنه لم يستطع أن يستقطب فئة الشباب التي كان بالأصل يحرص عليها. هذا سؤال طرحناه على الأستاذ محمّد الكوماني، هو أحد طبعاً رواد هذا المنتدى، فكانت الإجابة على الشكل التالي.

 

محمّد الكوماني: أعتقد أن منتدى الجاحظ كجزء من الجمعيات الثقافية في تونس تعاني من استقطاب ربما محترم للشباب لأسباب عديدة. أولاً في مرحلة ما قبل الثورة كان هذا المنتدى مستهدفاً، التقليديون يتّهمونه بأنه فكر ربما منحرف والسلطة تعتبره جزءاً من الإسلام السياسي وبالتالي لم تُتَح فرصة التعاطي الإيجابي معه. بعد الثورة، وقعنا في نوع من الاستقطاب السياسي الحزبي، وطرحت شعارات لم تُعر الأهمية اللازمة للثقافة.

 

محمّد علوش: ابتداءً، هل بالفعل أخفق المنتدى بأن يوصل رسالته إلى الشباب التونسي؟

 

صلاح الدين الجورشي: غير صحيح والدليل على ذلك أنّه مما أقلق الحكومة والسلطة في ذلك الوقت من نشاط المنتدى أنه استطاع ونجح في استقطاب عدد لا بأس به من الشباب.

 

محمّد علوش: من الإسلاميين؟ من الشباب لكن من أية توجهات؟

 

صلاح الدين الجورشي: من الشباب، إسلاميين وغير إسلاميين.

 

محمّد علّوش: كان يستقطب الجميع؟

 

صلاح الدين الجورشي: كان يستقطب الجميع ويجب أن نستحضر الصورة. المنتدى كان يتحرّك في فضاءٍ مضادّ ومعادٍ، كانت هناك حال من الجمود والخوف تسيطر على المجتمع بشكل عام والمجتمع المدني بشكل خاص، كان عدد الجمعيات المستقلّة بالمعنى الفعلي والحقيقي للكلمة لا تتجاوز تسع أو عشر جمعيات، والبقية هي بالمئات والآلاف هي جمعيات تمت السيطرة عليها من قِبَل السلطة ووزارة الداخلية وكانت مؤطَّرة أمنياً. لذلك كان منتدى الجاحظ حالة نادرة، مجموعة تتّجه في بحر ضدّ حركة الأمواج، ولهذا منتدى الجاحظ تمكّن في تلك المرحلة من أن يكون هو المنبر الوحيد الذي تنظَّم فيه نشاطات تتحدّث عن قضايا جوهرية، بما في ذلك قضايا تمسّ الإسلام السياسي والفكر الإسلامي، وتعرّضنا إلى مضايقات، أنا بصفتي كنت رئيس المنتدى كم من مرة أدعى إلى وزارة الداخلية وأذهب للأمن السياسي وتجرى معي تحقيقات وأوقّع على محاضر يطالبونني من خلالها أن أقيّد نشاط المنتدى، أن لا أدعو فلاناً وأن أمتنع عن استقبال فلان، ولكن كنّا دائماً بأسلوبٍ ذكي ومرن نحاول أن نفرض استمرارية وأن نحمي هذه القبة الصغيرة في هذا الفضاء المعادي، وكل المثقفين الكبار المعروفين، كل التيّارات عندما تسألها تقول لك بأن المنتدى لعب دوراً مهماً في منطقة صحراوية. ولهذا أنا ما زلت أعتقد بأنّ العمل الميداني الجمعياتي الذي ينطلق من سعي لإعادة تأسيس حقيقي لمجتمعات مدنية فاعلة هو إحدى الأدوات المهمة لتغيير الأوضاع وأيضاً تغيير الأفكار.

 

محمّد علّوش: إذاً بدأتم بخطوة اعتبرتموها أساسية، وهو الفصل ما بين مضماري السياسة والاجتماع، وقررتم العمل في الميدان الاجتماعي.

 

صلاح الدين الجورشي: الميدان الثقافي.

 

محمّد علّوش: الثقافي. الاستاذ محمّد الكوماني كان أحد روّاد هذا المنتدى؟

 

صلاح الدين الجورشي: كان الأمين العام.

 

محمّد علّوش: جميل، لكن ما بعد الثورة اقتحم غمار السياسة وأسّس ما عُرِف بحزب الإصلاح والتنمية، وهناك شخصية أخرى، فتحي التوزري إذا لفظته بشكل صحيح، أيضاً له تجربة سياسية أخرى. هنا نتحدّث إذاً عن فشل منتدى الجاحظ والعودة من جديد من الميدان الثقافي إلى السياسي للإصلاح المجتمعي؟

 

صلاح الدين الجورشي: لا، الذي حصل ماذا؟ أنه عندما قامت الثورة، الثورة كانت في تونس زلزالاً بالمعنى العميق للكلمة، زلزال ليس فقط لأنه ترتّب عنه هروب بن علي وتغييرات في النظام السياسي وصعود لطبقة سياسية جديدة كانت في المعارضة أو كانت مهّمشة، هذا جزء من الزلزال أو من تداعياته. الجزء الأكبر هو، طُرِح السؤال ما العمل بعد الثورة؟ وهنا الإسلاميون التقدميّون ما كان يمكن لهم أن يبقوا موحَّدين في منهجهم أو في نشاطاتهم فتعدّدت السّبُل والأبواب، هناك من اختار العمل الحزبي السياسي، هناك من اختار أن يقوم بالعمل الاجتماعي الميداني، وهناك من اختار أن يواصل العمل الثقافي، والآن بعد خمس سنوات من التجربة ومن محاولة التفاعل مع تداعيات الثورة، الآن عاد الاقتناع للعديد من الإسلاميين التقدميين الذين شاركوا في مرحلة سابقة، عاد إليهم الهاجس الثقافي وبدأوا يؤكّدون أنّ العمل الثقافي جزء أساسي من استراتيجية التغيير، لأنه خمس سنوات جرّبنا في تونس أحزاباً سياسية بما فيه الحزب الذي أسّسه الصديق محمّد الكوماني، ماذا كانت النتيجة؟ اختاروا أن يحلّوا أنفسهم واكتشفوا بأن العمل السياسي الحزبي دوّامة لا يمكن أن تفضي بك إلى شيءٍ واضح، بل إن حركة النهضة وقد وصلت إلى السلطة وحكمت وأصبحت هي تقود الترويكا في وثائقها الآن اكتشفت بأنها أخطأت الدخول إلى السلطة بتلك الطريقة ولو أنها فازت في الانتخابات. إذاً السياسة تغري ولكنّها، لأنّ سياسة غير قائمة على مضامين وغير قائمة على مفاهيم واضحة وعلى أخلاقيات سياسية واضحة، فإنها يمكن أن تدمّر أصحابها أو تضعهم في منعرجات خطيرة ومن دون نتائج.

 

محمّد علوش: لعلّ الأستاذ زياد كريشاني يتّفق معك في ما يتعلّق بالعودة إلى المضمار الثقافي، لأنه يقول كلّ تغيير حقيقي في مجتمعاتنا لا بدّ من أن تسبقه ثورة ثقافية تعيد بناء الذات. هل نتحدّث هنا عن عودة أخرى أو ردّة من السياسة إلى الثقافة مرة أخرى لدى هذه الأحزاب؟

 

صلاح الدين الجورشي: ليس لدى الأحزاب.

 

محمد علوش: لا، أنا أقصد لجماعة الإسلاميين التقدميين.

 

صلاح الدين الجورشي: هناك عناصر كثيرة. مثلاً الأستاذ أحميدة النيفر أسّس ولديه جمعية مهمة تعمل في هذا الاتجاه، منتدى الجاحظ استأنف نشاطه والآن هو مُقدم على إعادة هيكلة نفسه من أجل أن يدرك خصائص المرحلة الجديدة والتحديات التي تواجهها المرحلة الجديدة، لأنّ الفقر الثقافي في تونس ما زال كبيراً. صحيح الشعارات تغيّرت، سقف الحريّات أصبح عالياً جداً، ممكن أن تؤسّس حزباً، وفي لحظة من اللحظات وصل عدد الأحزاب لأكثر من 300، لكن ما هو وزنها؟ اذهب إلى المواطنين في تونس واسألهم ما رأيكم في الأحزاب السياسية. هناك نقد شديد في وجه الأحزاب السياسية من خلال الممارسة التي عشناها مدة خمس سنوات، النتائج ضعيفة.

 

محمّد علوش: اسمح لي هنا نقطة أساسية ولا أدري إن كنت تتّفق مع بحث أعدّه علي بن مبارك حول الإسلاميين التقدميين في تونس. يقول أنّ حزب الإصلاح والتنمية كاعتبار وجه سياسي أتى من خلفية إسلاميين تقدميين باء بالفشل كغيره من الأحزاب السياسية. بمعنى آخر، سؤال يطرح نفسه، ألا يُعتبَر هذا فشلاً للمنظومة الثقافية التي كان يحملها أيضاً الإسلاميون التقدميون لأنهم لم يتمايزوا حتى في السياسة عن غيرهم من الأحزاب؟

 

صلاح الدين الجورشي: لا، أن يفشل المرء في السياسة لا يعني أنّ الأفكار التي يحملها هي خاطئة بالجملة.

 

محمّد علّوش: ربما تكون مثالية، غير واقعية.

 

صلاح الدين الجورشي: لا، هو لم يستطع الحزب أن يترجم هذه التوجهات الفكرية الثقافية التي هي مهمة وأساسية، لم يستطع أن يترجمها في برامج سياسية ولم يستطع أن يجنّد حوله العدد الكبير من المواطنين، وهذا ما يُقر به حتى الأستاذ محمّد الكوماني. ما أريد قوله بأن الوعي أو إعادة بناء الوعي الفكري والثقافي مسألة مهمة جداً، وما يجري في تونس من هذا الصعود للحركات العنيفة وانتشار منهج الإرهاب إلا دليل على ماذا؟ دليل على أن المعركة في الحقيقة ما زالت معركة فكرية وما زلنا نحتاج إلى إعادة تصحيح ثقافة أو الخطاب الإسلامي، أي  ننقله من مستوى أداة كحرب واحتواء على السلطة إلى أداة تحرّر، تحرّر عقلي وتحرّر فكري وتحرّر اجتماعي. فلذلك لا أعتقد بأنّ التجربة السياسية لحزب الإصلاح والتنمية وإن فشلت لكنها يمكن أن تكون وسيلة للتشكيك في الخطاب من خلال التساؤلات التي طرحناها.

 

محمّد علّوش: ما الذي أثّرت به الثورة في أدبيات الإسلاميين التقدميين؟ بمعنى غيّرت من الأولويات في المشروع، بدّلت من التصوّرات لديهم؟

 

صلاح الدين الجورشي: هناك تأثيرات مهمّة، ولكن هذه التأثيرات هي تتّجه نحو ماذا؟ نحو أولاً الاعتقاد بأنّ المنعرج السياسي لا يمكن أن يكون هو المدخل لتجديد الفكر والثقافة، لكن لا يعني ذلك أنّ هذا الفكر والثقافة يجب أن يتمّ في أماكن مُغلقة وفي صالونات لا يعرفها المواطنون. لا، هي تتمّ من خلال بناء علاقة جدلية تفاعلية مع المشاكل المطروحة في المجتمع، وأنا برأيي الإسلاميون التقدميون كأشخاص ليس كتنظيم، التنظيم قلت لك فشلنا به لكن كأشخاص بقوا يدافعون عن تجارب تونس والتجربة التونسية الديمقراطية، الاستقطاب الأيديولوجي، وقفنا ضدّ هذا الاستقطاب بين علمانيين وبين إسلاميين، وكأننا أمام جبهتين متعارضتين في المُطلَق، وإنما طالبنا باعتبار أنّ هاتين الجبهتين يجب أن تتحاورا، يجب أن تؤسسا لتجارب مشتركة ولقواسم مشتركة ويجب أن تكون فرصة أنّ كل طرف يقوم بالمراجعات الجذرية المطلوبة منه، سواء من طرف العلمانيين أو من طرف الإسلاميين. إذاً الاستقطاب الثنائي رفضناه بقوة. ثانياً طالبنا بأن السياسة الدينية في تونس فاشلة من عهد بورقيبة إلى الآن وأنّ هذه السياسة الدينية كانت عنصراً أساسياً في خلق فراغ ديني. هذا الفراغ الديني أنتج لنا هذه الجماعات.

 

محمّد علّوش: ما الذي تقصده بالسياسة الدينية؟ تقصد الدولة؟ كيف تدير ؟

 

صلاح الدين الجورشي: كيف إدارة الفضاء الديني.

 

محمّد علّوش: من قِبَل الدولة.

 

صلاح الدين الجورشي: من قِبَل الدولة ومن قِبَل المجتمع. المساجد سقطت بسرعة في أيدي جزء كبير منهم، في أيدي  السلفيين، العلاقات داخل المساجد، وقعت معارك داخل المساجد، اكتشفنا بأننا لا نملك أئمة وإطاراً دينياً قادراً على مخاطبة التونسيين وبالخصوص الشباب في مرحلة ما بعد الثورة.

 

محمّد علوّش: كيف تفسّر لنا، وأسمع منك الإجابة بعد الفاصل، تمدّد ظاهرة السلفيين على كلا التيّارين، التيّار العقلاني المُتمثّل بالإسلاميين التقدميين أو تيّار الإسلام السياسي المُتمثل بحركة النهضة؟

بعد الفاصل مشاهدينا، أرجو ان تتفضلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمد علوش: نحيّيكم من جديد مشاهدينا ودائماً مع الأستاذ صلاح الدين الجورشي، وهو من رواد فكر الإسلاميين التقدميين في تونس.

قبل الفاصل، سألنا في ما يتعلق بتمدّد ظاهرة السلفية بكلّ أنواعها، لا سيما الجهادية منها على كل الطروحات التي ما قبلها. هل تعتقد أنها، لا أدري، المصطلح قد يكون مناسباً أم لا، أنها ردّة ثقافية اجتماعية نحو مزيد من التشدّد، أم تُفسَّر بأنها إخفاق شديد لدى ما يحمله التنويريون من الإسلاميين التقدميين وكذلك الإسلام السياسي؟

 

صلاح الدين الجورشي: هي ظاهرة معقّدة، بمعنى أنه لا يمكن تفسيرها بالعامل الواحد، ولكن ما يجب الإشارة إليه في هذا السياق، أولاً أنّ تجربة بن علي على المستوى الثقافي والديني كانت كارثية، لأنّ المساجد تحوّلت في عهد بن علي بشكل كامل إلى أبواق للسلطة، وبالتالي لم يعد هناك أي خطاب ديني سواء كان تقليدياً أو غير تقليدي، وإنما كان خطاباً تبريرياً تستعمله السلطة لإثبات شرعيتها ومشروعيتها. ولذلك عندما وصلنا إلى مرحلة الانفجار وحصلت الثورة، لم نجد أنفسنا أمام مؤسسات دينية، أو لديها خلفية دينية قادرة على أن تملأ الفراغ. الأمر الثاني أنّ أهمّ شيء جاءت به الثورة هو السقف العالي للحريّات، وبما أنّ الصراع مع السلفية لم يبدأ معنا بعد الثورة وإنما بدأ قبل ذلك، والمعلوم أن تنظيماً مسلحاً كان اسمه عقبة ابن نافع رفع السلاح منذ أواخر 2005 ومطلع 2006 في وجه السلطة والسلطة تدخّلت وضربته بقوة.

 

محمّد علّوش: كان موجوداً آنذاك بهذه التسمية؟

 

صلاح الدين الجورشي: هذه الخليّة تشكّلت في السرّ، وعناصر منها جاءت من الجزائر، ودخلت في مواجهة مسلّحة مع الجيش والأمن، وقُضِي على جزء كبير منها، قُتِل منها حوالى 16 والبقية وُضِعوا في السجون، وبدأ العدد يكبر، في عهد بن علي كان من بين هؤلاء حوالى 1000 او أقل بقليل، إضافة لنزعة الأمن أنه دائماً يوسّع ويوقف ناساً ويعتقل.

 

محمّد علّوش: كانوا حوالى 1000 نزيل في السجون من التيّار السلفي خلال فترة بن علي وينتمون إلى كتيبة عقبة بن نافع؟

 

صلاح الدين الجورشي: جزء كبير منهم ينتمي إلى كتيبة عقبة، ولكن بعد الثورة مباشرة في مرحلة حكومة الباجي قائد السبسي تمّ إصدار عفو وتشريع عام شمل كل المساجين بمن فيهم هؤلاء، وهؤلاء عندما خرجوا وهؤلاء الآن يتحمّلون تاريخاً فيه دماء وفيه شهداء بالنسبة إليهم وفيه مقوّمات، فبشكل سريع استثمروا مناخ الحرية العالية وبدأوا في عملية التوسّع الكبير وأنشأوا أنصار الشريعة.

 

محمّد علّوش: أبو عيّاض التونسي يُعتبَر منهم؟

 

صلاح الدين الجورشي: هو مؤسّس.

 

محمّد علّوش: هو مؤسّس لأنصار الشريعة، لكن أقصد مَن الذين تورطوا في أعمال 2005 2006 ونزلاء السجون؟

 

صلاح الدين الجورشي: هو تواصل معهم لكن هو كان في أفغانستان وتم اعتقاله.

 

محمّد علّوش: قاتل في أفغانستان؟

 

صلاح الدين الجورشي: في أفغانستان وتم اعتقاله، وبعد ذلك سُلّم للسلطات التونسية، ولكن لم تعدمه لأنه كان هنالك تعهّد بعدم إعدامه، فبقي فترة في السجون إلى أن جاءت الثورة وخرج. إذاً استثمار تلك الحال، الحال المفتوحة على جميع الجهات وعلى جميع الأطروحات، هنا طُرِح سؤال كبير، هؤلاء الشباب الذين بعد ذلك سيلتحقون بأنصار الشريعة لم يجدوا إجابات عن أسئلة مُقنعة في الداخل، صراع الأحزاب السياسية في تونس جعلهم يدخلون في نوعٍ من الهيجة من أجل الوصول إلى السلطة، ونسَوا أنّهم جزء من النخبة التي لديها مسؤوليات تجاه الشباب في تونس وتجاه الشعب، فعجزت هذه النخب عن أن تقدّم إجابات ثقافية ودينية واجتماعية واقتصادية لهؤلاء الشباب، وبدأت هناك حيرة، ورغم انطلاق الثورة وبِدء التأسيس لنظام ديمقراطي، لكن الشباب التونسي وجد نفسه، جزء منه كبير، أمام خيارات من أسوأ الاختيارات، إما الحرقان أي المغامرة عبر البحر للذهاب إلى الشمال إلى أوروبا، والكثير منهم ماتوا في البحر، أو أنهم ينعزلون عن السياسة وعن الأحزاب السياسية، ولذلك فقدت الأحزاب السياسية جزءاً كبيراً من شبابها الذي استطاعت أن تستقطبه في بداية الثورة، وإما التوجّه إلى الخطابات الراديكالية التي توحي بأنّ التغيير الحقيقي لن يتمّ عن طريق الديمقراطية ولن يتمّ عن طريق هذه الأحزاب وهذه النُخب وإنما عن طريق إقامة إمارات تابعة لخليفة.

 

محمّد علّوش: فحصلت عملية انتعاش لدى التيّار السلفي الجهادي؟

 

صلاح الدين الجورشي: حصل انتعاش وانتعاش خيالي.

 

محمّد علّوش: هل رصدتم شيئاً من التسرّب من تيّارات إسلامية كانت توصَف بالاعتدال أو ما هو قريب من الاعتدال إلى السلفية الجهادية، وكذلك من تيّارات غير إسلامية في الأساس؟

 

صلاح الدين الجورشي: في الحقيقة، التيّار السلفي الجهادي استثمَرَ بشكلٍ كبير ليس في أوساط الحركة الإسلامية التقليدية، وإنما استثمر في الأحياء الشعبية وفي المناطق المهمّشة ومن داخل المعتقلين من الحقّ العام في السجون، وبالتالي قوته استمدّها من استثمار حال القلق الاقتصادي والاجتماعي والثقافي داخل الأوساط التونسية المحرومة، وبالتالي هو أطّر هؤلاء الشباب وجعلهم يعيشون بناء على وعود، وعود كبيرة، ولكنّ هذه الوعود هي في الحقيقة وعود وهمية، لأنّه قال لهم بأنّه يجب أن نتخلّص من هؤلاء، هذه النخبة بما فيها جماعة النهضة التي اعتبروها بأنّها خانت الإسلام لأنها تخلّت عن الشريعة في الدستور، وقالوا أيضاً بأنّ ما أصبح يسيطر الآن على الوضع في تونس هم العسكر، هم الأمن ويسمّونهم بالطاغوت والطواغيت، وبالتالي اعتبروا بأن تغيير الأوضاع في تونس في لحظةٍ ما يجب أن يتمّ عن طريق العنف. حاول أنصار الشريعة أن يفعلوا ذلك ولكن تنظيم القاعدة يختلف عن تنظيم داعش، تنظيم داعش جاء كتطوّر نوعي في سياق ما يُسمّى بالسلفية الجهادية، والذين يقرّون الآن بأنه لا دعوة ولا هناك تأجيل المعركة مع أنظمة الحكم، وبالتالي بدأوا يعملون.

 

محمّد علّوش: عودة من العدو البعيد إلى العدو القريب.

 

صلاح الدين الجورشي: إلى العدو القريب، وبالتالي قرّروا الدخول في مواجهة ضدّ النظام في تونس لأنهم يعتقدون.

 

محمّد علّوش: هذا في مرحلة أنصار الشريعة أم في مرحلة كتيبة عقبة ابن نافع، وهي تطوّرت عن؟

 

صلاح الدين الجورشي: بعدما دخلت أنصار الشريعة في مواجهة مع السلطة.

 

محمّد علّوش: في 2012 و2013.

 

صلاح الدين الجورشي: بدأوا عام 2012 لكن وصلوا إلى مستوى عام 2013 مع اغتيال شكري بلعيد ومحمّد البراهمي، وبالتالي وقتها باتت المواجهة مفتوحة بين الطرفين، لكن أنصار الشريعة بسرعة وجدوا أنّ قواعدهم تُستقطَب بشكل سريع من قِبَل أنصار داعش، وبالتالي حصل انقلاب في الموازين داخل ظاهرة ما يسمّى بالسلفية الجهادية، وبالتالي أصبح الطرف الأقوى والأقدر على الاستقطاب وعلى التنظيم وعلى التأثير وعلى التأطير وعلى توجيه الضربات هو داعش.

 

محمّد علّوش: سؤال يطرح نفسه بعيداً عن الأسباب السوسيولوجية. هل هناك أسباب سياسية أدّت إلى مثل هذه الظاهرة؟

 

صلاح الدين الجورشي: بطبيعة الحال. السبب السياسي الرئيسي هو الفصل بين الاقتصادي والسياسي، أنا عندما أبشّر بالديمقراطية، الديمقراطية فيها جانبان، الجانب الأول هيكلي وتحقيق التداول السلمي للسلطة من خلال تنظيم انتخابات نزيهة، وجود مؤسّسات دستورية قوية، هذا الجانب الهيكلي السياسي، لكن هناك جانب مضموني يتعلّق بما الذي ستقدّمه الديمقراطية. الديمقراطية تقدّم الحريّات، شيء جيّد، الديمقراطية ترسخ فكرة حقوق الإنسان شيء جيّد، لكن الديمقراطية في مجتمعاتنا وفي كل المجتمعات إذا لم تقدّم حلولاً لمشاكل اقتصادية واجتماعية، فإنّ هذه الديمقراطية تصبح فارغة، وهنا يدخل عنصر الدور الذي قامت به الفئات الفاسدة ورجال الأعمال الفاسدين وعناصر من المنظومة السابقة التي فقدت مصالحها، ثمّ هناك أطراف اقليمية لا تريد أن توجد ديمقراطية حقيقية، والآن أنت تعرف حسب التقارير الدولية تونس تعتبر استثناء في العالم العربي في مجال الحريّات والديمقراطية، هناك أطراف لا يسعدها لأنّ العدوى مخيفة، وبالتالي هناك أطراف إقليمية تلعب دوراً لعرقلة ولتأجيج الصراع من أجل خلق نوع من حال الحرب الأهلية لإجهاض تجربة الانتقال الديمقراطي.

 

محمّد علوش: وهذا ما يساعد على انتعاش ظاهرة السلفية الجهادية كونها تستثمر دائماً في مناطق الفراغ السياسي، لكن أستاذ التاريخ المُعاصر في  الجامعة التونسية الدكتور عبد اللطيف الحناشي يقول أنّ من أسباب ارتفاع أعداد الجهاديين التونسيين سواء كان في تونس أو في دول الجوار أو حتى في سورية، لأننا نحن نتحدّث عن رقم يُعتبر الثاني في العالم العربي بعد السعودية، تقريباً حوالى 3000 مقاتل، يقول هو يعود لما شهدته البلاد من دعاية سياسية ودينية مركّزة ضدّ النظام السوري زمن حكومة الترويكا منذ نهاية 2011 وحتى 2014.

تقديرك، هل هناك صواب بهذا الكلام أم فيه مبالغة أم فيه نوع من تصفية الحساب مع حكومة كانت تُعتبَر من لون إسلامي؟

 

صلاح الدين الجورشي: هناك هجوم مركّز دائماً يقع على تجربة حكومة الترويكا، لكن في الموضوع الذي أثرتموه، يجب أن نقول ونؤكّد بكل موضوعية أنّ حركة النهضة لم تحسن تقدير أهمية هذه الظاهرة التي كانت تبرز وتتطوّر أمامها، وهي التي تستطيع أن تواجهها.

 

محمّد علّوش: لم يكن هناك نية مُبيتة، الاتهام الذي يوجَّه إليها أنه كان هناك نية مُبيتة؟

 

صلاح الدين الجورشي: حركة النهضة وقيادتها خاصة كانت تتصوّر بأن هذه الظاهرة الدينية الجديدة التي وُلِدت في عهد بن علي، في الفترة الأخيرة من عهد بن علي، كانت نتيجة التصحّر الديني، وبالتالي هؤلاء الشباب الذين التحقوا بالسلفية الجهادية في الحقيقة التحقوا بها من باب الاضطرار، فظنّت قيادة حركة النهضة بأنّها قادرة على أن تستوعب هؤلاء الشباب وأن تدمجهم ضمن مشروعها السياسي، ولذلك حاولت فتح حوار معهم قبل انتخابات المجلس الوطني التأسيسي من أجل إقناعهم بضرورة الانتخابات لكي لا يسمحوا بأن تستفيد منها القوى العلمانية، ثم استمرت محاولة استيعابهم داخل الأطر، لكن كان واضحاً منذ البداية أنّ تنظيم أنصار الشريعة رفض أولاً أن يشارك في الانتخابات، ثانياً رفض أن يعطي أيّ شرعية لحركة النهضة، رفض أن يتعامل مع قياداتها وخاصة عندما صدر خطاب معروف للظواهري يقول بأنّ حركة النهضة خانت الإسلام بعدما قرّرت أن لا يقع التنصيص على الشريعة الإسلامية في الدستور الجديد. وبالتالي حركة النهضة وجدت نفسها أمام قوّة مناهِضة لها، وهذه القوّة سرعان ما تطوّرت آلياتها فأصبحت تهدّد حتى حركة النهضة في حدّ ذاتها، ولذلك الآن القول بأنّ هنالك تحالفاً بين النهضة وبين داعش أو أنصار الشريعة، هذا ادّعاء، ولكن أنه يجب أن نقول بأنه في مرحلة الترويكا وبقيادة حركة النهضة هناك فشل ذريع في التعامل مع هذه الظاهرة، مّا أدّى إلى تغيير العلاقات السياسية في تونس.

 

محمّد علّوش: الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في شهر يناير 2016 يقول أنّ تردّي الأوضاع الأمنية والاقتصادية يعود إلى مخلّفات تجربة حكم الإسلام السياسي، أي هو يتّهم الإسلام السياسي بالمسؤولية المباشرة عن بروز ظاهرة التطرّف في تونس. تقديرك، وهو صديق الآن للشيخ راشد الغنوشي، ما مدى صوابية بالفعل فشل الإسلام السياسي في الحكم أدى إلى هذه الظاهرة؟

 

صلاح الدين الجورشي: ساهم لأنه في تلك المرحلة، كانت مرحلة فيها اضطرابات واسعة، مثلاً من الأمور المهمّة، والآن بدأوا يُقرّون بها الإخوة في حركة النهضة، أنّهم لم تكن لهم سياسة دينية واضحة، لم تكن لهم خطة لاستيعاب هذا الغليان وهذا الصعود الديني السياسي في البلاد، في مستوى خارج الأطر التقليدية المعروفة لدى حركة النهضة، بمعنى أنّه هناك عدداً كبيراً، تقريباً تجاوز 600 أو 700 مسجد تمت السيطرة عليها من قِبَل السلفيين في تونس والأطراف القريبة منهم، وبالتالي حركة النهضة يجب أن تقرّ بأنّه لم تكن لديها رؤية وسياسة دينية جديدة إصلاحية تُعيد هيكلة هذا الفضاء الديني وتجنّبه الاختراقات.

 

محمّد علّوش: لو نحن وسّعنا الآن زاوية الرؤية تجاه هذه الظاهرة، لا نجدها موجودة فقط في تونس، هي موجودة في عديد الدول العربية، وربما حتى في بلاد غير إسلامية، في أوروبا نشهدها بشكل ملحوظ، وبالتالي البعض يقول بأنّ الإسلام السياسي ليس له دور في هذه الظاهرة لا من قريب ولا من بعيد، وإن تزامن ظهورها مع ظهوره في السلطة السياسية، ويذهب إلى تحميل المسؤولية للفكر الديني بشكل عام.

تقديرك أيضاً، هل هذه الإشكالية هي في مكانها الصحيح توضَع؟

 

صلاح الدين الجورشي: الحركة الإسلامية سواء كانت النهضة أو غير النهضة، هذه حركات سياسية تعتبر نفسها امتداداً للحركة الإصلاحية الدينية، وبالتالي هي تبشّر بخطاب، وإذا كانت انتقلت من مستوى المعارضة إلى مستوى السلطة، فهي تتحمّل المسؤولية في كيفية إدارة هذه الظاهرة. صحيح، هي ظاهرة تتجاوز تونس، ولكن كان بالإمكان أن تكون تونس أقلّ تأثّراً بهذه الظاهرة نتيجة تاريخ الحركة الإصلاحية في تونس، نتيجة وجود نخبة مستنيرة، نتيجة قرب هذه النخبة من أوروبا، وبالتالي تأثير فكر الأنوار في تونس، نتيجة التعليم الذي لعب دوراً كبيراً في إعادة هيكلة المجتمع التونسي، نتيجة وجود طبقة وسطى تخلق التوازن على مستوى النظام السياسي. كلّ هذه العوامل كان يمكن أن تكون لصالح تونس، لكن السؤال هو، رغم وجود هذه العوامل المهمّة في بناء المجتمعات الديمقراطية والمجتمعات الجديدة، الآن تونس أصبحت أحد البلدان الأساسية في تصدير هذه النوعية، في التحاق جزء من شبابها بهذه المحرقة الموجودة على مستوى البلاد العربية والإسلامية. هنا يجب أن نطرح السؤال، وهنا في رأيي يجب أن يتحمّل الجميع مسوؤليته بما في ذلك حركة النهضة.

 

محمّد علّوش: الحديث ليس من يتحمّل المسؤولية، وإنما كيف تتولّد هذه الظاهرة؟

 

صلاح الدين الجورشي: تتولّد بالتفاعل.

 

محمّد علّوش: بالتفاعل، لكن الدكتور ناصر حامد أبو زيد في حوار مع قنطرة عام 2011، بعد بداية الثورة في تونس، أجري معه حوار ويتحدّث طبعاً، يتحدّث عن ظاهرة الإشكالية في الفكر الإسلامي السنّي، ويُرجِع ذلك إلى ما استقرّ عليه أهل السُنّة وهو المذهب الأشعري مّا ولّد جموداً في هذا الفكر وبالتالي الإصلاح يأتي من هنا. نشاهد ماذا يقول وأنا أريد تعقيباً منك إن شاء الله.

 

إصلاح الفقه في الإسلام: يقول الباحث والمفكّر الإسلامي ناصر حامد أبو زيد في حوار مع موقع قنطرة عام 2011: "حسب رؤيتي، فإنّ الاتجاه السُنّي في الإسلام قد تجمّد إلى حد كبير على الوضع الذي صاغه الأشاعرة المحافظون في القرن التاسع الميلادي. علينا أن نعيد التذكير اليوم في الأسس الفقهية التي تجاهلها علماء السُنّة تجاهلاً شبه تام، فمن دون إصلاح الفقه في الإسلام، لا يمكن إصلاح المجتمعات الإسلامية".

 

محمّد علّوش: تقديرك أستاذ صلاح الدين، هل التوصيف الذي ينطلق منه الدكتور ناصر حامد أبو زيد على أننا نحن إشكاليتنا الآن في الظواهر الآن التي هي معرقلة للنمو الحضاري في العالم العربي والإسلامي تعود لما استقر وترسب تاريخياً من منظومات فكرية أخذت طابع القداسة كما يقول هو، وهو مثل المنظومة الأشعرية التي كانت توليفة ما بين الحاكم، حسبما يعبّر هو، توليفة ما بين الحاكم وبين السلطة الدينية؟

 

صلاح الدين الجورشي: هذا إذا دخلنا في اختراق الظاهرة والبحث عن أسبابها العميقة، بطيعة الحال نتجاوز عند هذا التوجّه، نتجاوز المستوى السياسي ونبحث عن مستوى العمق الفكري والتراكم التاريخي، فيصبح هنا كلام أبو زيد صحيحاً إلى حدّ ما، ولكن أنا برأيي أنّ القول الآن في تونس وفي غير تونس، خاصة في منطقة المغرب العربي، أن الرد على هذا النوع من التفكير الديني الذي تبشّر به أنصار الشريعة أو داعش باللجوء وبالاحتماء بالمالكية وبالأشعرية، هذا في الحقيقة لن يكون علاجاً بالمعنى الجذري والعميق للكلمة. الردّ على هذا الطرح وعلى هذا التصوّر وعلى هذا الخطاب يكون بمراجعات أكثر جذرية لإعادة بناء الفكر الديني الإسلامي بشكلٍ جديد ووفق التطوّرات التي حصلت في مجتمعاتنا.

 

محمّد علوش: هو يعتمد العقل كمرجعية ومحلّ.

 

صلاح الدين الجورشي: يعتمد على تحرير النص وإخراجه من التأويلات المُغلقة والموجَّهة بشكل أحادي. نحن بحاجة إلى إعادة تفكيك الفكر الديني وإعادة بنائه من جديد، لأنه كل مرة عندما تأتي وتخاطب الرأي العام تجد نفسك أمام مقولة ملغومة.

 

محمّد علوش: الفيلسوف الجزائري محمّد شوقي الزين له سلسلة كتب في ما يتعلّق بنقد العقل الديني في العالم الإسلامي، يرى أنّ علاقة غالبية المفكّرين الإسلاميين الذين يعتمدون على العقل، أنّ العقل دائماً في قراءة النص الديني يُمثّل عائقاً أساسياً أمام إحياء الخطاب الإصلاحي، هو بحسب ما يقول، كونها علاقة غزلية وتبريرية لم ترتقِ بعد إلى مستوى التمييز والمسافة النقدية الضرورية لكل إنتاج وفعالية، أي دائماً علاقة وكأنها علاقة تكبّر، إعجاب بالعقل، قياساً على ما ينقص الآخرين، وليست قائمة بالفعل على محك أساسي ويقف عند الاختزالات الحقيقية التي يمرّ فيها العقل الديني؟

 

صلاح الدين الجورشي: جزء من كلامه صحيح، لأنّه عندما نتعامل نحن بشكل عاطفي وقائم على ردود الفعل، واللحظة الراهنة هي التي تجعلنا نعود من جديد إلى البحث عن إجابات من داخل المنظومة الدينية من دون مراجعتها مراجعة جذرية وجدية، أي من دون إعادة البناء ومنها التعامل مع المرجعية الإسلامية، من دون هذا بطبيعة الحال فسنجد أنفسنا أمام صراع ظرفي قائم على ردود الأفعال، فنحن بحاجة إلى أن نخوض تجربة جديدة، أن نخلق محاضر.

 

محمّد علوش: كيف ستقنع العقل السلفي الجهادي الذي يُتَّهَم بأنّه يكفّر ومن بعد التكفير يشرّع القتل لكل مخالفٍ له بمثل هذا الطرح؟

 

صلاح الدين الجورشي: لا، هو هذا في الحقيقة مشروع حربي، هو يقدّم لنا، هذه الجماعات تقدّم لنا مشروعاً حربياً، والمشروع الحربي إذا تعاملنا معه باطار الاستراتيجية العسكرية هو يقوم على ميزان القوى، وهم يحاولون أن يكسّروا ميزان القوى على حساب تفكيك المجتمعات من داخلها وإعادة بنائها أي تحويلها إلى جيوش في معركة كبرى على الصعيد الدولي ستنتهي في سنواتٍ قليلة في أقصى الحالات بفشل هؤلاء، هي ستكون تجربة دموية حربية من دون أفق. ولذلك هؤلاء لا يقدّمون حلولاً، لا يقدّمون رؤى جديدة يمكن أن نناقشها، هم يقدّمون.

 

محمّد علّوش: أنت ماذا تقدّم لهم؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنا أقول لهم بأنّ مشروعكم لن يصل إلى تحقيق ما تريدونه. إذا أردتم أولاً تغيير الواقع فالواقع ليست مشكلته في من يحكم، ولكنّه في مضامين وفي سياسات وفي اختيارات، وجزء كبير من هذه الاختيارات تأتي من خلال، نفكّك الواقع الموجود ونحاول أن نبحث له عن اختيارات بديلة من خلال تشغيل العقل. من دون تشغيل العقل، لن يكون هناك فكر إسلامي جديد، ومن دون تشغيل العقل لن تكون هناك حلول حقيقية للمسلمين، سنُدخِل المسلمين في متاهات وفي مغامرات جماعية خطيرة لن تؤدّي إلا إلى المزيد من تفكيك المسلمين وتوسيع المسافة بينهم وبين الغرب.

 

محمّد علّوش: كلّ الشكر والتقدير لكم الأستاذ صلاح الدين الجورشي، من روّاد فكر الإسلاميين التقدميين شكرًا لك على هذا اللقاء.

نرجو أن نكون مشاهدينا قد قدّمنا مقاربة ولو بالحدّ الأدنى في ما يتعلّق بهذا الفكر وطروحاته. كلّ الشكر والتقدير لكم، وعلى أمل اللقاء بكم في الأسبوع القادم. إلى اللقاء.