صلاح الدين الجورشي القيادي في تيار الإسلاميون التقدميون - الجزء الثاني

أسباب نشوء تيار الاسلاميين التقدميين، ما هيأهدافه، وبماذا تميز؟ وهل يصنف ضمن فئات الإسلام السياسي ام لا؟ ما هي أبرزطروحاته ومقارباته لكيفية النهضة العربية والإسلامية؟

محمّد علوش: بعد خروجهم من الجماعة الإسلامية اعتراضاً على توجّهها الإخواني عام 1980، لجأ من سيُعرَفون لاحقاً بالإسلاميين التقدميين إلى نقد البناء الفكري والتنظيمي للجماعة الإسلامية خصوصاً ولفكر الإخوان المسلمين عموماً.

كان التوجّه بعد الانشقاق أن يتمايزوا فكرياً وتنظيمياً عن الجماعة التي خرجوا منها، لكنّهم فشلوا في بناء حزبٍ سياسي فاستحالوا هيئة ثقافية، فكرية، نخبوية، تتأرجح بين نقد الإسلام السياسي بكلّ تجاربه وبين نقد مدرسة أهل السُنّة والجماعة عموماً.

في حلقة اليوم يحدّثنا ضيفنا عن المحطات التاريخية التي مرّ بها الإسلاميون التقدميون، لماذا فشلوا في بناء حزب سياسي ولماذا تحوّلوا من نقد فكر الإخوان المسلمين إلى نقد المنظومة السنيّة بشكل عام.

أهلاً بكم إلى الجزء الثاني من الحوار مع القيادي في "الإسلاميون التقدميون" صلاح الدين الجورشي.

 

تقرير: الإسلاميون التقدّميون:

- تيارٌ فكريٌ ثقافي ذو مرجعية إسلامية.

- يُطلق عليه البعض اليسار الإسلامي.

- ظهر خلال السبعينات في كلّ من مصر وتونس.

- نشأ كتيارٍ على هامش حركات الإسلام السياسي.

- يتبنّى هذا التيّار الرؤية المقاصدية للإسلام.

- من منظّريه المفكّر حسن حنفي والأكاديمي أحميدة النيفر.

- أصدر التيّار في الثماننيات مجلّة الفكر الإسلامي التقدمي.

- يُدير منتدى فكرياً  مفتوحاً يُسمّى منتدى الجاحظ.

 

محمّد علوش: نرحّب بكم أستاذ صلاح الدين الجورشي.

 

صلاح الدين الجورشي: أهلاً وسهلاً بك.

 

محمّد علوش: في الحلقة الماضية كنّا نتحدّث عن مرحلة التأسيس في عهد بورقيبة، ومن ثمّ الملابسات التي حصلت داخل التنظيم ونشوء تيّار مختلف، الذي انبثق في ما بعد وتحوّل إلى الإسلاميين التقدميين، بدأ في العام تقريباً 81، لكن في هذه الفترة كان هناك عملية شدّ وجذب ما بين السلطة السياسية وما بين الحركة الإسلامية. في 30 تموز عام 1984 استقبل رئيس الحكومة محمّد مزالي آنذاك الشيخ عبد الفتاح مورو، وكان تحت الإقامة الجبرية. يُقال أنه كان بواسطة من حضرتك هل هذا صحيح؟

 

صلاح الدين الجورشي: عندما تم اعتقال قيادات حركة الاتجاه الإسلامي سنة 1981، ورغم أنني ومجموعة إسلاميين تقدميين كنّا خارج هذا التنظيم، لكن رأينا في ذلك اعتداء على حقّ الإسلاميين وحقّ هؤلاء في النشاط وفي التعبير عن وجودهم، ولذلك ورغم أنني اعتُقِلتُ في نفس الفترة، في المحاكمة الأولى ولكن لم أبقَ كثيراً في السجن. عندما غادرت السجن كان من بين القرارات التي ألزمت نفسي بأن أنفّذها هو الدفاع عن قيادة الاتجاه الإسلامي وعن المعتقلين، ولذلك بعد خروجي من السجن مباشرة أصبحت عضواً في قيادة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، وحاولت أن أقنِع في تلك الفترة مجموعة من الشخصيات من بينها ناس في داخل السلطة بأنّ هذه المحاكمة ليست محاكمة عادلة، ولن تكون في صالح تطوير الحِراك السياسي ذو التوجّهات الإسلامية. وقد اتصلتُ في تلك الفترة ببعض هذه الشخصيات على أساس أن نحاول أن نقنع محمّد المزالي الذي كان وزيراً أول في ذلك الوقت، ومحمّد المزالي في فترة حكمه أكد أنه جاء ليضفي نوعاً من الحياة الديمقراطية في البلد، أي أنه أشار إلى استعداد النظام للانفتاح السياسي، فاستثمرت ذلك لكي أؤكّد من جانبي وأقنع بعض الشخصيات بأنّه من مظاهر تدعيم هذا الانفتاح السياسي إطلاق سراح الإسلاميين من قيادات.

 

محمّد علوش: هل نجحت في ذلك؟

 

صلاح الدين الجورشي: برأيي كانت مهمة لأنّ أول أمر قمنا به هو أننا ساعدنا على إطلاق سراح عبد الفتاح مورو ودخل في حوار مباشر مع محمّد المزالي، ووجّه عبد الفتاح رسالة في ذلك الوقت إلى الرئيس بورقيبة ولكن فيها إبراز للجوانب المُعتدلة في حركة الاتجاه الإسلامي، وبعد ذلك بفترة لم تدم حوالى سنة تمّ إطلاق سراح بقية العناصر القيادية وصولاً إلى راشد الغنوشي.

 

محمّد علوش: كان آنذاك معروفًا لدى السلطة أنكم أصبحتم خارج إطار الجماعة الإسلامية أو الاتجاه الإسلامي؟

 

صلاح الدين الجورشي: هذا أصبح مؤكداً من خلال التحقيقات الأمنية ومن خلال نوعية الخطاب ونوعية الثقافة، والجميع في تونس أصبحوا يتحدّثون عن انشقاق نوعي مهم حصل داخل.

 

محمّد علوش: هذا الانشقاق الذي حصل طبعاً كان في مرحلة خطيرة على الأقلّ بالنسبة إلى الحركة الإسلامية، لأنها كانت مُهدَّدة في وجودها. الشيخ الغنوشي وهو يتحدّث عن تلك الفترة يقول "هذا الانشقاق حدث في منعطف هام من تاريخ الحركة الإسلامية في تونس، بعض أجزاء هذا الجسم ذهب شظايا، ولم تتمزّق الحركة". بمعنى آخر أنّه خرج منها أناس انصهروا في المجتمع، لكن فقدوا كينونتهم وشخصيتهم الأساسية التي كانت تُحسَب لهم داخل الحركة التي لم تتأثّر كثيراً وإن تعرّضت لهزّات؟

 

صلاح الدين الجورشي: هذا هو الفكر التنظيمي. يقع التعامل مع الخلافات داخل الحركة من جانب ميزان القوى ومن جانب هل تأثّرنا تنظيمياً بهذا الاختلاف وبهذا الانشقاق أم لا، مع أنّ الإسلاميين التقدميين لم يكونوا حزباً بديلاً.

 

محمّد علوش: ولم يطرحوا أنفسهم كذلك؟

 

صلاح الدين الجورشي: ولم يطرحوا أنفسهم كحزب بديل. كان الهمّ الأساسي للإسلاميين التقدميين في ذلك الوقت هو مراجعة الأفكار اعتقاداً منهم بأنه إذا لم تقع مراجعة الأفكار فإنّ التنظيم يسير ويتجّه نحو المأزق.

 

محمّد علوش: دائماً هناك إشكالية لدى الحركة الإسلامية بشكل عام لا سيما التي هي متأتّية من فكر الإخوان المسلمين وهو أنّه دائماً هناك مرحلة تُسمّى المحنة قبل التمكين. الاتهام لكم أنّكم لم تصبروا على ضرورات المحنة التي مرّت بها الحركة الإسلامية فخرجتم وقفزتم من المركب، وأوشكتم او شعرتم بأنه يغرق، علماً أنّها هي محنة وفي ما بعد استطاعت الحركة أن تكمل شوطاً آخر؟

 

صلاح الدين الجورشي: يمكن أن ينطبق هذا الكلام ويكون صحيحاً لو خرجنا نحن وقت المحنة، نحن غادرنا الحركة قبل المحنة وحافظنا على أسرار الحركة ولم نكشفها للأمن ولا لغيره، بمعنى أننا عندما قرّرنا أن نغادر مركب الحركة كان المركب في وضع طبيعي، في وضع عادي لأننا نحن غادرنا الحركة وآخرنا غادرها في حدود 1979 إلى حدود 80، أي قبل اكتشاف الوثيقة التنظيمية التي أدّت إلى محاكمة الاتجاه الإسلامي. إذاً نحن خرجنا في فترة الجماعة، ولسنا في فترة الاتجاه الإسلامي.

 

محمّد علوش: هي لم تُكشَف عام 81؟

 

صلاح الدين الجورشي: وقع إيقاف الحركة بعد 6 حزيران 1981، تم الإعلان عن تشكيل حزب حركة الاتجاه الإسلامي، الوثيقة هذه اكتُشِفت قبل ذلك بقليل، أي بشهرين، وأصلاً فكرة الإعلان عن تشكيل حزب سياسي يحمل الاتجاه الإسلامي كان نتيجة اكتشاف هذه الوثيقة. فلذلك نحن وقتها غادرنا الحركة منذ فترة، منذ ما لا يقل عن سنتين، وبالتالي لم نغادرها في ظل المحنة ولكن قبل ذلك، ولم نغادرها لأسباب شخصية أو لأسباب مصلحية وإنما غادرناها لأسباب فكرية. لذلك هذه التهمة لم تكن تصحّ، والمشكلة أنّ راشد الغنوشي بعد ذلك، بعد سنوات، اعترف أو أكد بأن الحركة استفادت من تلك الأزمة واستفادت من أفكار الإسلاميين التقدميين وساعدها ذلك على إحداث مراجعات. إذًا صحيح نحن ضعفنا ولم نؤسّس تنظيماً قوياً في مستوى تنظيم حركة الاتجاه الإسلامي، ولكن الهدف الأساسي لم يكن بناء التنظيم بقدر ما هو بناء فكر جديد يحرّرنا من المرجعية وكابوس الأفكار التي ورثناها عن الإخوان في مرحلة السبعينات.

 

محمّد علوش: حتى أنهي في مرحلة وجود حضرتك داخل الحركة وتقييمك لها بعد الخروج منها، تقول أنّ ثلاثة أسباب أدّت إلى أن تصل الحركة إلى مثل هذا المستوى التي هي فيه وهو ضعف الفكر الديمقراطي، عدم استيعاب القيادات الإخوانية للدرس أو عدم استيعاب القيادات لدرس الإخوان الذي حصل معهم في مصر، والأمر الثالث هو الخوف من أن يتكرّر هذا النموذج معاً في الحال التونسية. تقديرك، هل هذه هي العوامل الأساسية الثلاثة التي بالفعل أثّرت أو بطّأت من عملية النضوج لدى الحركة الإسلامية التي حصلت في مراحل لاحقة؟

 

صلاح الدين الجورشي: على المستوى التونسي.

 

محمّد علوش: على المستوى التونسي طبعاً.

 

صلاح الدين الجورشي: هذا كان واضحاً والآن وقع الاعتراف به. دعني أعطيك فكرة في مرحلة الجماعة كان المسؤول عن الجماعة هو أميرها، وأميرها كان هو المسؤول عن المكتب التنفيذي وكان هو الذي يعيّن المسؤولين عن المناطق والأرياف، كانت تُسمّى ولاة، وبالتالي كان هو المسؤول عن مجلس الشورى وكان لا يمكن أن ينتمي أيّ عضوٍ إلا بموافقته وببيعةٍ له، وبالتالي كانت الحركة مُغلَقة بمعنى أنّه لم تكن هناك أجواء ديمقراطية داخل الحركة تسمح بإدارة الخلاف، ولذلك الانشقاق الذي حصل هو لم يكن انشقاقاً بالمعنى المُتداول في الأحزاب السياسية، كان هناك تجميد وقرارات طرد وقرارات إقصاء ولم يحصل، ونحن طالبنا بهذا، أن نُحاسَب كأفراد وأعضاء أمام مجلس الشورى لكي نعرف ما هو حجم مسؤوليتنا، ما هو المبرّر لإيقافنا عن العمل.

إذاً أزمة الديمقراطية كانت مُهمّة في بداية تشكّل التنظيم لأنّ التنظيم بُني بشكل مُغلق وهرمي. ثانياً على المستوى الفكري، كان واضحاً من خلال أننا كنا نعيد مقولات الإخوان المسلمين بطريقة لم تكن تستوعبها الحال التونسية، وكنّا من الأوائل الذين دَعَونا إلى الانفتاح على الحركة الإصلاحية التونسية، لأنّ تونس لها تاريخ، لها ماضٍ، ومن أهمّ خصائص تونس أنّه كانت لها حركة إصلاحية تعمل منذ أكثر من قرن ونصف القرن. إذاً نحن قلنا يجب على الإسلاميين التونسيين أن يرسّخوا أقدامهم في البيئة التونسية ولا يكونوا نسخاً مشوّهة عن تجربة أخرى تمّت في مصر أو في مناطق أخرى وأدّت إلى الفشل، ولذلك دَعَونا أيضاً إلى الانفتاح على التجارب وعلى الثقافات وعلى الأفكار الأخرى، ولم نؤمن أو قرّرنا ألا نقطع مع صلة إقصاء التيّارات الأخرى، فحتى عندما تنظر إلى مجلة 1521 التي أنشأناها، أصلاً عنوانها ماذا؟ عنوانها 1521، ما معناها؟

 

محمّد علوش: القرن الهجري والقرن الميلادي.

 

صلاح الدين الجورشي: قلنا المسلم يعيش في نفس اللحظة مرحلتين حضاريتين، عليه أن يوفّق بينهما.

 

محمّد علوش: الفكرة الأساسية للإسلاميين التقدميين قائمة على عملية ضرورة التفاعل بين الثقافتين الإسلامية ومنجزات الحضارية الإنسانية، وإن كانت غربية في مرحلة من المراحل.

 

صلاح الدين الجورشي: 1521 هي دعوة لكي يفهم المسلم أنّه يعيش عصراً مختلفاً ويعيش مرحلة تاريخية مختلفة، وعليه أن يعيش عصره بالكامل لكن بالمحافظة على جذوره وعلى خصوصيته كإطار حضاري وثقافي مختلف عن الآخر.

 

محمّد علوش: إذاً التأسيس كان في المؤتمر التأسيسي الذي عُقد في حزيران 1980 وكان له طابع التوجّه العقلاني في قراءة الفكر الإسلامي وسنأتي على ذكر الأدبيات على الأقل الفكرية لننتهي من مرحلة التأريخية بهذا الخصوص. جهود الإسلاميين التقدميين تركزت على نقد فكر جماعة الإخوان المسلمين والتفكير في بديل تنظيمي قد لا يكون بديلاً لكن إطار تنظيمي لهذا العمل، لكن السؤال الذي يطرح نفسه أستاذ صلاح الدين ما وجه الاعتراض لديكم آنذاك على فكر الإخوان المسلمين؟

 

صلاح الدين الجورشي: الإخوان المسلمين محاولة.

 

محمّد علوش: هل هو اعتراض على سلوك سياسي لجماعة ما، أم اعتراض على ما تحمل من أدبيات فكرية؟

 

صلاح الدين الجورشي: نحن في البداية ظننّا بأن مشكلتنا مع الإخوان أو خلافنا مع الإخوان هو خلاف تنظيمي سياسي، لكن في الحقيقة اكتشفنا بأنّ مشكلتنا الأساسية مع الإخوان هي على المستوى الفكري والثقافي وهي أهمّ وأخطر، لماذا؟ لأننا نحن بدأنا في البداية نتساءل أسئلة محدودة ولكن سرعان ما هذه الأسئلة بدأت تتوالد بشكلٍ سريع، ولذلك نعتبر تجربة الإسلاميين التقدميين ليست تجربة تنظيمية في ثرائها بقدر ما هي تجربة فكرية، مغامرة فكرية، لأننا مثلاً في البداية حاولنا أن نحدّد علاقتنا بالمجتمع، الإخوان، فكر الإخوان وخاصة في قراءة سيّد قطب يتجّه نحو القطيعة، تخلق قطيعة بين الفرد المسلم أو الإسلامي وبين مجتمعنا، نحن قلنا جذورنا، حياتنا، مصيرنا في صلب المجتمع التونسي ولذلك علينا أن.

 

محمّد علوش: لكن ليس كل فكر الإخوان كذلك، هكذا يقول الإخوان.

 

صلاح الدين الجورشي: أنا قلت في القراءة القطبية لكن حتى عندما رأينا حسن البنّا وتابعنا، حسن البنّا خلق جماعة داخل المجتمع بمعنى أنه خلق مسافة بين هذه الجماعة التي رأت في نفسها هي التي ستقود إلى إقامة المجتمع الإسلامي الجديد وإلى الخلافة الإسلامية، هي نوع من القطيعة حصلت بشكل ربما جاء سيّد قطب لكي يُعمّقها على المستوى العقائدي. ولذلك قلنا لماذا هذا التركيز على فكرة التنظيم؟ فاكتشفنا أنّ جزءاً كبيراً من فكر حسن البنّا هو قائم على التنظيم وليس على الفكر، حسن البنّا هو أراد أن يعيد إنتاج نفس المنظومة الفكرية التي قامت عليها الخلافة الإسلامية العثمانية، وهو قريب أيضاً حتى في تفكيره بجوانب تجعله يتقاطع مع الوهابيّة، واهتمامه باليمن، كان يتصوّر أن اليمن يمكن أن تكون منطلقاً لاستعادة الخلافة وبناء الدولة الإسلامية، بمعنى حسن البنّا رغم جهوده الإصلاحية في مستوى إعادة إنعاش الفكرة الإسلامية لكنه كان مطوّقاً بمنهج يجعله قاصراً على أن يدرك أنّ أزمة الإسلام وأزمة المسلمين ليست تنظيمية وليست سياسية وإنما هي أزمة فكرية، وهذا جعلنا نبدأ ونقوم بمراجعات كبيرة، ولكن السيّد راشد الغنوشي اعتبر بأنه في لحظة من اللحظات، قال أسئلتكم تجاوزت الإطار المرجعي الطبيعي للجماعة وللانتماء للحركة، لأننا طالبنا بمراجعة كلّ شيء على المستوى التنظيمي وعلى المستوى التربوي وعلى المستوى خاصة الفكري، وبدأنا ودخلنا في مغامرة كبيرة لكي نفهم ما هو تاريخنا الإسلامي واكتشفنا أنّ هناك أزمة في التاريخ الإسلامي وأنّ قراءتنا اختزالية وأحادية للتاريخ الإسلامي. التاريخ الإسلامي لم يكن معناها هناك منطقة مُشعّة هي المرجعية المثالية وهي الصحابة وتجربة الصحابة ونحن ننزل إلى البحث عنها.

 

محمّد علوش: أي هناك قراءة مثالية للتاريخ الإسلامي؟

 

صلاح الدين الجورشي: مثالية جداً.

 

محمّد علوش: وانتقائية شديدة.

 

صلاح الدين الجورشي: وهذا الذي حرمنا من القيام بقراءة نقدية لتاريخنا وتجربتنا، بما في ذلك تجربة الصحابة، وعندما وقفنا عند تاريخ الصحابة يقول سيّد قطب بأنه كان هناك جيلٌ قرآني فريد، فاكتشفنا أنّ هذا الجيل القرآني الفريد جيلٌ تصارع وجيل تقاتل وتقاتل على مصالح وعلى الحكم وعلى السلطة، وبالتالي ما حدث في تلك المرحلة من أخطاء كبيرة.

 

محمّد علوش: لكن ألا تعتقد أستاذ صلاح الدين أنّك تتجاوز بذلك وأنتم كمجموعة الإسلاميين التقدميين ما تمّ اعتياده ولو تاريخياً لدى الفكر السنّي؟ خرجنا من إطار نقد جماعة إسلامية لديها طروحات أيديولوجية إلى نقد المذهب السنّي.

 

صلاح الدين الجورشي: وهذا الذي انتهينا إليه لأن.

 

محمّد علوش: لم تعد مشكلتكم مع الإخوان؟

 

صلاح الدين الجورشي: تطوّر الخلاف بدأ على مستوى تنظيمي تربوي محدود، وبدأ يتّسع لكي نكتشف من خلاله أنّ لدينا أزمة في الفكر السنّي وأزمة قراءة للنصوص وكيف نقرأ النصّ القرآني وكيف نفهم الحديث النبويّ، وكانت تجربة الإسلاميين التقدميين إذا أردنا أن نصفها نصفها بالمغامرة الفكرية، فيها مخاطر صحيح ولكن هذه المخاطر هي جزء من مسؤولية المثقّف، المثقّف الذي يخشى بأن يخوض المغامرة مهما كانت نتائج هذه المغامرة فهو ليس بمثقّف صادق مع نفسه. ولذلك نحن وسّعنا دائرة النقاش وحاولنا أن نفهم الأسُس العميقة لفكرنا الديني ولمرجعيّتنا الإسلامية حتى نكون، مثلاً نحن تفاعلنا مع الثورة الإيرانية لكن تفاعلنا مع الثورة الإيرانية جاء مختلفًا عن تفاعل الاتجاه الإسلامي وقتها، لأننا نظرنا إلى الموضوع بشكلٍ مختلف واعتبرنا بأنّ الفكر الديني يمكن أن يكون عنصراً أساسياً في تطوير الأوضاع لكن أيضاً بشروط، واعتبرنا أنّ الثورة التي لا تؤدّي إلى تغييرات جوهرية في مستوى آليات التفكير ونمط المجتمع وعملية إنتاج الحركة التنموية وتحقيق العدالة الاجتماعية ستكون فكراً دينياً مضاداً لحركة التاريخ ومضاداً للقيم الأساسية التي يجب أن تقوم عليها الإنسانية، ولذلك يمكن أن نعود بعد ذلك إذا أردتم، أننا نحن اعتبرنا أنّ الإسلام ليس نظرية في الحكم واعتبرنا أنّ فكرة الدولة الإسلامية فكرة افتراضية، فكرة نظرية وليست حقيقة واقعية واعتبرنا أنّ أهم عنصر في الإسلام هو مقاصده، هو الأهداف التي جاء من أجلها، وبناءً على فكرة المقاصد أمكننا أن نتجاوز الكثير من الإشكاليات التي وقع فيها الفكر السنّي.

 

محمّد علوش: هو طرح شيّق وفيه كثير من المطبّات والأفخاخ، يقول البعض، لأنه تبدأ بنقد وليس قلقاً من النقد لحركة إسلامية ثم تنتهي بنقد لتاريخ إسلامي وربما تصل في محطة من المحطات إلى مستوى ما يقدّمه بين قوسين العلمانيّون في العالم الإسلامي والعربي الذين يجدون، طبعاً ليس كلهم لكن بشكل عام بعض الطرح الذي يجد بأنّ الدين بطرحه الموجود هو أحد معوّقات بناء الحضارة وبناء الإنسان في المجتمع الحديث؟

 

صلاح الدين الجورشي: هذا لم نقله.

 

محمّد علوش: لم تقولوه، لكن قد يتطوّر الفكر إلى هذا الاتجاه وربما كان هناك القلق من بعض الإسلاميين تجاه ما تطرحونه.

 

صلاح الدين الجورشي: أنا حتى أؤكّد كلامك أنّ بعض عناصر من الإسلاميين التقدميين وصلوا إلى هذا الشوط وهذه المرحلة، وبالتالي تبنّوا منظومة علمانية وانقطعوا.

 

محمّد علوش: هل يمكننا معرفة بعض الأسماء منهم؟

 

صلاح الدين الجورشي: لا أريد ذكر هذا لكن أردت أن أقول بأنها مغامرة مفتوحة، ولماذا اضطررنا لهذه المغامرة؟ لأنّ ثقافتنا أو الخطاب الحركي الإسلامي يحتاج إلى إعادة تأسيس جوهري، لأننا نحن مثلاً مثل البناء، جئنا نتصوّر بأنه يمكن أن نُصلِح البناء بإحداث بعض التعديلات، وإذا بنا بعض هذه التعديلات تكشف لنا بأن البناء منهار في داخله، لأن سيّد قطب عندما تأتي بفكرة أساسية في منظومته وتحاول أن تفكّكها تنهار بقية المقولات مثل لعبة الدومينو فنحن نفس الأمر حصل لنا، نحن وجدنا أنفسنا أمام مشكلة الحداثة وهي لغم وعملية خطيرة.

 

محمّد علوش: الحديث شيّق خصوصاً بخصوصها، لأنّ جزءاً كبيراً من تراثنا يقوم على هذا وبالتالي حتى في أدبيات الحركة الإسلامية يقوم على هذه النقطة، أريد منك الإستيضاح ولكن بعد فاصل إذا سمحت.

فاصل قصير مشاهدينا. أرجو أن تتفضلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمّد علوش: نحيّيكم من جديد مشاهدينا ودائماً مع الأستاذ صلاح الدين الجورشي وهو من رواد فكر الإسلاميين التقدميين في تونس.

طبعاً الأستاذ أحميدة النيفر وهو طبعاً أحد رواد هذا الفكر كان يرى أن المسألة السياسية مسألة هامّة لكن لم تكن لها الأولوية، أصبحت مشكلة إعادة قراءة الفكر الديني هي التي تحتلّ المركز الأول، علماً أنه ربما كان بداية الخروج من جماعة الإخوان المسلمين كان على خلفية سلوك سياسي أكثر منه فكري يتساءل البعض.

هل تعتقد أنه كان نوعاً من الضمور، التطوّر الداخلي في بنية المجموعة التي خرجت من الجماعة الإسلامية، أم أنّ الإشكالية كانت الظروف التي حيقت بالحركة آنذاك كانت تتطلّب قراءة أكثر عمقاً من البعد السياسي إلى البعد الفكري وصولا إلى نقد التاريخ الديني نفسه؟

 

صلاح الدين الجورشي: الذي حصل في سياق التجربة التونسية يختلف تماماً، بمعنى أنّ بداية الخلاف لم تكن سياسية وإنما كانت كما سبق أن أشرنا تنظيمية ثمّ ارتبطت بالجانب الفكري، والجانب الفكري هو الذي قادنا بعد ذلك إلى الجانب السياسي الذي من جديد يعيدنا إلى الجانب الفكري. أنا أعطيك مثالاً لم تكن فكرة الديمقراطية واردة في خطاب الحركة الإسلامية التونسية بل كان لنا موقف عدائي من الديمقراطية، وكنّا نعتبر مثلما قرأنا سيّد قطب أنّ الديمقراطية صنم وأنّ المطلوب ليس بناء الديمقراطية وإنما بناء الجماعة القادرة على أستئناف الحياة الإسلامية، وبالتالي كان الفكر أو التوجّه كان بناء هذه الجماعة، لم يكن ممكناً أن نكتشف أهمية الديمقراطية إلا عندما نختلف ونفشل في إدارة الخلاف في ما بيننا، إلا عندما بدأنا نوجّه نقداً للحياة العامة في البلاد ونكتشف بأنّ الاستبداد هو الذي حال دون أن تنمو الأمّة، واكتشفنا أنّ الاستبداد هذا لا يقف عند مستوى التجربة التونسية مع بورقيبة وإنما استبداد عام في المنطقة، وفكرة الديمقراطية بدأت تتسرّب نتيجة هذه المراجعات وهذا النقاش الداخلي، وكذلك نتيجة احتكاكنا بالنخب التونسية، لأنه في فترة السبعينات كانت هي فترة الغليان الأولى التي بدأت النخب التونسية تطالب فيها بالتعدّدية السياسية وبالديمقراطية وهذا مهم جداً لأنّك لكي تفهم التطوّر الذي حصل في سقف الخطاب السياسي للحركة الإسلامية التونسية لا بدّ من أن تربطه أيضاً بالديناميكية التي اخترقت النخب التونسية وجعلتها تؤكّد على الديمقراطية وعلى حقوق الإنسان وعلى الحريّات الفردية والجماعية، وذلك أصلاً جاء في سياق دولي عالمي حيث أنّ الولايات المتحدة الأمريكية بدأت هي بنفسها تطرح بشكل قوي في عهد كارتر دفع وتشجيع القِيَم الديمقراطية، بمعنى أنّ هناك مناخاً ساعد على أنّ الأزمة الداخلية داخل الجماعة وداخل حركة الاتجاه الإسلامي تدفع الحركة إلى أن تتبنّى الفكر الديمقراطي وتسعى إلى أن تبدأ بعملية تأقلم وتكيّف مع مطالب النُخَب التونسية.

 

محمّد علوش: جميل. سألنا الأستاذ زياد كريشان حول الدور الذي لعبه صلاح الدين الجورشي في نشأة الإصلاحيين التقدميين أو الإسلاميين التقدميين، هل هو كان تابعاً لأحميدة النيفر، الأستاذ أحميدة النيفر الدكتور أم أنه كان له خصوصية محدّدة داخل هذا الفكر. نشاهد معاً.

 

زياد كريشان: نشأة الإسلاميين التقدميين فيها يمكن أن نقول، في تلك الفترة بالذات، نحن نتحدّث عن السنوات 76، 77، 78، كانت فيها تقريباً مجموعتان، مجموعة كانت في الجامعة، كانت من طلبة الجامعات، ومجموعة كانت في الأساس في تونس العاصمة وكان من بين وجوهها البارزين الأستاذ صلاح الدين، وكان الأستاذ صلاح الدين رئيساً لتحرير مجلّة المعرفة، وهي المجلّة التي كانت تصدر بشكل شبه علني عن الحركة الإسلامية ككلّ، وكان دوره كذلك هاماً في إنضاج شروط هذا الوعي، وفي ما أذكر منذ سنوات ربما، في العام 77 التقت هاتان المجموعتان، مجموعة الجامعة ومجموعة تونس العاصمة لإنضاج هذه الأفكار، لتبادل النقاشات، لتبادل الأفكار، وكان الأستاذ صلاح خاصة في مجموعة الجامعة، في مجموعة تونس المدينة في البداية، لعب دوراً هاماً في ظروف هذا الإنضاج.

 

محمّد علوش: تضيف شيئاً أستاذ صلاح على ما يقوله؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنا برأيي أنّ أهمّ ما ميّز تجربة الإسلاميين التقدميين هو أنها كانت عملاً جماعياً ومجهوداً جماعياً، وكان كل واحد منّا يتفاعل مع أفكار الآخر ومع ما يقترحه من بدائل، ولذلك نحن نقول لك هناك أحياناً يقع الخلط بين تجربة حسن حنفي في مصر وبين تجربة الإسلاميين التقدميين. حسن حنفي خاض تجربة فردية كمفكّر وكمثقّف أراد أن يكون مثقّفاً عضوياً وأراد أن يزلزل بعض القناعات.

 

محمّد علوش: لكن لا مانع إذا وجد جماعة في تونس تتبنّى فكره.

 

صلاح الدين الجورشي: تجربة الإسلاميين التقدميين تجربة جماعية وأهميتها تكمن في هذا ولهذا كان تأثيرها أوسع بكثير من تأثير حسن حنفي في داخل مصر، نحن اعتبرناه أحد أصدقائنا وأحد حلفائنا وتفاعلنا مع أفكاره لكن لم نتبنّ كل ما قاله، ولكننا دخلنا في حوار بنّاء وديناميكي وجدلي من أجل الاستفادة من خبرته العلمية والثقافية، لكن أحببت أن اقول أنهم في داخل الإسلاميين التقدميين وحولهم خلقوا هذا الحِراك الذي اتّسع مع توجّه مجموعة من الطلاب، الطلاب الذين تأثّروا ببعض هذه الأفكار بل التحقوا واندمجنا مع بعض وأنشأنا تيّاراً شمل العديد.

 

محمّد علوش: هو تيّار فكري لا شك وتيّار نقدي ونقدي بنّاء لأنه نابع من داخل التنظيم أو داخل الحركة، لكن البعض يقول أنّكم كنتم إحدى أدوات السلطة السياسية لمقارعة الخصم السياسي الأول وهو المعارضة المتمثّلة بالحركة الإسلامية، وبالتالي كانت تريد السلطة أن يتمّ توظيفكم في نقد الحركة لسحب الشرعية مجتمعياً منها.

 

صلاح الدين الجورشي: هذا المنطق السياسي كان يقتضي بأنّ السلطة تستفيد منّا كطرف مناهض لحركة النهضة لكن لم تفعل هذا السلطة، السلطة لم تسعَ إلى استقطابنا ولا لاستيعابنا، ولم تعطِنا فرصة لكي نؤثّر. نحن حصلنا على مجلّة 1521 كرخصة بعد معاناة وبعد انتظار. السلطة كان هاجسها أنها تشكّ بكل إسلامي سواء يكون داخل حركة الاتجاه الإسلامي أو خارجها. بالنسبة إليها تعتبرهم كلهم يمثّلون حلقة واحدة وكلهم يحملون مشروعاً واحداً، وقد لعب جزء من اليسار في ترسيخ ذلك عندما اعتبروا بأنّ الإسلاميين كلهم وحدة وليس بينهم تقدمي ورجعي أو بينهم واحد مُستنير وواحد غير مُستنير. فالسلطة في تونس كانت قلقة في فترة الثمانينات وازداد ذلك مع بن علي من سلطة موازية لهم من حركات أو من ظاهرة تشكّك في شرعية.

 

محمّد علوش: السلطة السياسية.

 

صلاح الدين الجورشي: والإسلاميون التقدميون وقتها ركّزوا على مسألة الاستبداد وكانوا متأثّرين بالخطاب الاجتماعي الذي يدعو إلى المساواة، يدعو إلى تحويل الإسلام إلى عنصر تحرّر. مثلاً نحن في تونس كنّا أول من روّج لكتابات علي شريعتي، كتابات علي شريعتي كانت تقول ماذا؟

 

محمّد علوش: كانت مُلهمة للثورة.

 

صلاح الدين الجورشي: مُلهمة للثورة، ولذلك لم يحصل استيعاب لنا من قِبَل السلطة السياسية، صحيح سمحت لنا بمربّع صغير ننطلق منه مجلّة 1521 ولاحقاُ أُعطينا رخصة لجمعية ناضلنا كثيراً من أجلها، لكن بقينا كثيراً تحت المِجهَر وتحت الحِصار وهو ما تؤكّده شهادات من قيادات الاتجاه الإسلامي نفسه.

 

محمّد علوش: لو ذهبنا بالاتجاه الفكري، في أدبيات الإسلاميين التقدميين، الأستاذ راشد الغنوشي في كتابه "من تجربة الحركة الإسلامية في تونس"، وهو يؤرّخ لهذه المرحلة، يقول تدرّج الهجوم الشامل من قِبّلكم إلى نقد مدرسة أهل السنّة جملة ممّا جعل إمكانية التعايش والتفاعل مع بقية مكوّنات الظاهرة أمراً غير ممكن. هل كان هناك لديكم حدود في ما يتعلق بعمق النقد واتساعه وأنتم تخوضون آنذاك في ما يُعرَف بالمحرّمات مجتمعياً على الأقل في العقل الجمعي السنّي؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنا الحقيقة أعذر الأستاذ راشد الغنوشي في جزء ممّا قاله، ولكنّنا في تلك اللحظة، هي تُعتبَر بالنسبة إلينا لحظة تاريخية مُلهمة، أنّك عندما تجد نفسك ستنتقل من عالم إلى عالم آخر، لم تعد تعطي الأولوية للجانب التكتيكي، تصبح غير قادر على أن تأتي بعقلك وتقول له توقّف عن الأسئلة، الأسئلة المزعجة، بل بالعكس ترى نفسك أنّك في حال عطاء وانفتاح تجعل لهذه الأسئلة عليها أن تنطلق، ولذلك عندما بدأنا بالنقاش الداخلي وجدنا أنّ القضايا مرتبطة ببعضها البعض. مثلاً نحن فكرة الغرب، أنّ الغرب كتلة متجانسة علينا أن نعاديها، اكتشفنا أنّ هذه مغالطة، مغالطة فكرية.

 

محمّد علوش: ليس مجرد كتلة واحدة وليس متجانساً أساساً؟

 

صلاح الدين الجورشي: تحدّثنا عن الغرب، هناك أكثر من غرب، هناك أكثر من وجهة. بطبيعة الحال عندما أنت تتجاوز فكرة القطيعة مع الغرب وتدخل في العالم الغربي على المستوى الفكري والسياسي، تكتشف بأنه كانت هناك مراجعات جدلية قامت. مثلاً موضوع العلمانية، موضوع العلمانية اكتشفنا وكانت مجلّة 1521 هي أول مجلّة تقوم بقراءة نقدية للعلمانية لكن من زاوية تعطيك فرصاً، لا توجد علمانية واحدة قلنا، وقلنا أيضاً بأن هناك علمانيات. اللائكية التي تمثل التجربة الفرنسية نقدناها لأنها قامت بمحاولة عزل الدين واستئصاله بشكلٍ من الأشكال، بينما وجدنا بأن هناك علمانية بريطانية، هناك علمانية ألمانية، هناك علمانية بلجيكية وهناك علمانية أمريكية، بمعنى أنّ قضية العداء العقائدي المتشنّج التي عادة بعض الإسلاميين في نشأتهم كانوا يتعاملون بها مع القضايا ومع الأفكار، قرّرنا أن نتعامل بعقلانية مع هذه المُعطيات، وثم بدأنا نبحث عن الدولة الوطنية، الدولة الوطنية كانت تمثل وقتها صنماً في الفكر الإسلامي، فتبين لنا بأن الدولة الوطنية مرحلة تاريخية مهمة ولا بدّ من تعزيز هذه الدولة الوطنية.

 

محمّد علوش: وليس في الأدبيات الإسلامية وأقصد هنا في النصوص المقدّسة، سواء كان الكتاب والسنّة لدى أهل السنّة أو الكتاب والسنّة وأقوال الأئمّة لدى الشيعة أو حتى عند الخوارج شيء ينقض فكرة الدولة الوطنية في الخلاصات التي توصلّتم إليها؟

 

صلاح الدين الجورشي: لا، أدركنا بأنّ المرحلة التاريخية التي عاشها المسلمون تجاوزت مرحلة الخلافة، الخلافة لا أصل لها ولكن.

 

محمّد علوش: عفواً، حتى تتّضح الصورة للمشاهد الإسلاميون بالتأكيد لا يتّفقون مع ما تقول. الإسلاميون يقولون لك الخلافة فيها نص شرعي وبالتالي وجوب إعادة تحقيقها مطلب أساسي لإعادة بناء النهضة الإسلامية. الآن نتحدّث عن مُقاربة مختلفة، أنّ الخلافة هي تجربة تاريخية بشرية ليس لها أصل ديني، وأنّ هناك صيرورة في تطوّر المجتمع توصّلت إلى مرحلة ما يُعرَف بالدولة الوطنية. كان سؤالي لحضرتك هل هذا يعني وفق النصوص التي توصلّتم إليها أو الاجتهاد الذي توصلّتم إليه على أنّ الدولة الوطنية ليس في النصوص الأساسية وهي الكتاب والسنّة وأقوال الأئمّة شيء ينقض بناء هذه الدولة الوطنية التي لا تهتم إلا بمواطنيها؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنا في رأيي لا يوجد نصٌ يمنع على المسلمين إنشاء دولة وطنية، ولذلك الدولة الوطنية فرضت نفسها على الجميع، والآن نحن في تونس مثلاً لدينا تجربتنا التاريخية المتمثلة في الدولة التونسية، في المغرب، ورغم أنّ المغرب كانت هي الدولة الوحيدة التي لم تتأثّر ولم ترتبط بالخلافة العثمانية وبالتالي.

 

محمّد علوش: لكن شرعيتها اكتسبتها أيضاً من وجود إمام.

 

صلاح الدين الجورشي: ولذلك من وجود إمام يؤمن بأنّ مركز إدارته للشأن هو المغرب الأقصى، ولم يطلب أن تُفرَض إمامته على تونس أو على الجزائر، بمعنى أنّ الإشكال المركزي هو يتمثّل في مدى قدرة هذه الدول على المستوى الوطني لخدمة مواطنيها وتحقيق النهضة، ثمّ التعاون في ما بينها من أجل تحقيق المصالح المشتركة، وبالتالي الدولة الوطنية في حدّ ذاتها لا يمكن أن تمثّل عقبة إلا إذا كانت مُستبدّة، وإلا إذا اعتبرت بأنّ علاقتها بالآخرين علاقة حرب، وليست علاقة تعاون. عندها تصبح دولة مهمّتها أنها تعمّق التبعية للغرب ولأصحاب المصالح في الغرب. أما الآن ونحن الآن نواجه تنظيمات تريد أن تطيح الدولة الوطنية، لو نجحت هذه المجموعات التي تتبنّى الإرهاب كوسيلة عمل، لو نجحت في الإطاحة وتفكيك الدولة الوطنية، ماذا سيبقى؟ سنجد أنفسنا في فضاء غير مُهيكل، تحكمه أطراف ستبقى إلى حد كبير مجهولة وهو ما سيؤدّي إلى فوضى عارمة ودماء كثيرة ستسيل. فلذلك أنا رأيي أنّ قضية الدولة الوطنية كإحدى الآليات لحماية المصالح على مستوى المجتمع المحلّي هي من الآليات الضرورية التي يجب دعمها، وأنا أعتقد بأنّ راشد الغنوشي أدرك ذلك عندما قال في الفترة الأخيرة عندما قال: "نحن في مقدمة القوى المدافعة عن الدولة الوطنية"، لأنه أدرك خاصة نحن في تونس لو فتحنا المجال لكي يقع تحويل هذه الأرض إلى إمارة توالي طرفاً مجهولاً لا أعرف أين يوجد فإن ذلك سيؤدّي إلى انهيار كثير من مقوّمات الوجود الجماعي وسيؤدّي إلى فوضى وضياع المصالح العامّة.

 

محمّد علوش: أسّستم الإسلاميين التقدميين، كان الهدف هو وإن كنّا نتحدث عن جماعة لكن هذه الجماعة تحتاج إلى شرعية، بمعنى أن يُعترَف بها قانونياً وبالتالي نتحدّث عن تنظيم. التنظيم يخوض عملاً سياسياً. هناك اتهامات للإسلاميين التقدميين بأنهم فشلوا في العمل السياسي فأوغلوا في البعد الفكري. تقديرك، هل هناك شيء من المقاربة من هذا القبيل وإن كانت تحبّذ النقاش الفكري على السياسي آنذاك؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنا أقرّ بأنّ التجربة التنظيمية للإسلاميين التقدميين كانت تجربة فاشلة، لكن لماذا فشل الإسلاميون التقدميين في التحوّل إلى تنظيم أو إلى حزب سياسي؟ لأنّ التنظيم، أيّ تنظيم، يحتاج إلى حدّ أدنى من الثوابت لكي تبني على تلك الثوابت برنامج عمل وهذا البرنامج يجب أن يُطبَّق من قِبَل القواعد وباحترام القيادة. الإسلاميون التقدميون كانوا مسكونين بهواجس فكرية مفتوحة ليس لديها سقف، ولذلك وجدنا أنفسنا أمام معادلة صعبة جداً، كيف يمكن أن توفّق بين تنظيم يحتاج إلى بعض الثوابت وإلى الهدوء وإلى الديناميكية وإلى التكتيك وبين حركة فكرية أو هواجس فكرية لا تستطيع أن تترك لك أيّ شيء قائم بحد ذاته. فبالتالي عجزنا كمجموعة عشنا هذه التجربة أن نوفّق بين التجربة التنظيمية وبين المغامرة الفكرية، وفي النهاية غلبت المغامرة الفكرية فأضعفت التنظيم ونسفته.

 

محمّد علوش: وتلاشى كلياً.

 

صلاح الدين الجورشي: وتلاشى كلياً لم يعد هناك اليوم تنظيم.

 

محمّد علوش: ولم يترك تأثيراً على الواقع والمجتمع التونسي الذي هو أصلاً بنى نفسه من أجله؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنا لا أستطيع أن أحكم لأن دائماً حكمي سيبقى مجروحاً باعتباري جزءاً من التجربة، لكن كثيرون الآن عندما تتحدّث معهم تجدهم يقرّون بأن هذه التجربة، هذه المغامرة الفكرية بالدرجة الأساسية قد أثّرت كثيراً على ثلاثة مستويات على الأقل، المستوى الأول داخل حركة النهضة وقبل تقريباً شهر الأستاذ راشد الغنوشي في جلسة كان حضرها العديد من الأشخاص من بينهم الإسلاميون التقدميون سابقاً، واعترف بأن تجربة الإسلاميين التقدميين كانت ثريّة ومهمّة بالنسبة إلى الحركة في إحداث العديد من المرجعات حتى على المستوى الشخصي، هو  تغيّر خطابه في من المسائل المفصلية نتيجة هذه التجربة.

التأثير الثاني الذي أحدثته هذه التجربة هو على المستوى الشبابي. الآن العديد من المسؤولين القياديين في الأحزاب السياسية او داخل السلطة أو داخل الدولة عندما تتحدّث معهم يقولون أنا تأثّرت بما كتبه وأنجزه الإسلاميون التقدميون في تلك المرحلة لأنها كانت عبارة عن بؤرة مراجعات مهمّة جداً، واهتم بها كثير من الباحثين الغربيين، هذه التجربة رغم أنها محدودة الجغرافيا وفي الزمن.

والتأثير الثالث وهو في تقديري مهم، إننا لمّا خرجنا وراء الحدود التونسية اكتشفنا بأن هناك أطرافاً أخرى، أنا أعطيك مثالاً.

 

محمّد علوش: تلتقي معكم؟

 

صلاح الدين الجورشي: أطراف أخرى تأثّرت بهذه التجربة. أنا مرّة كنت في الرياض وكنت مشاركاً في ندوة، تقريباً منذ 15 سنة، وإذا بمجموعة من الشباب جاؤوني إلى الفندق وتحدّثوا معي، فاكتشفت بأنّ جزءاً كبيراً من أسئلتهم حول تجربة الإسلاميين التقدميين ويعرفون عنها بعض المسائل المهمّة والمحدودة، وبعد ذلك أخذوني إلى رحلة ووجدت نفسي في عمارة وفي بيت، وقالوا هذا بيت الإسلاميين التقدميين السعوديين، ولم تكن لنا أية صلة من الصلات بها. أنا كتبت عن تجربة الإسلاميين التقدميين، وجدت أنه تم ترجمته للغة الماليزية، بمعنى وجدنا في إيران أشخاصاً يفكّرون بطريقة لا نختلف حولها حول مجموعة قضايا.

 

محمّد علوش: تقصد أنه كان التأثير فكرياً.

 

صلاح الدين الجورشي: ليس تأثيراً فكرياً. أحببت أن أقول أنّ تلك اللحظة التي مررنا بها كانت لحظة بالمعنى التاريخي، لأن في نفس الإطار الزمني كانت هناك مجموعات صغيرة في العديد من البلدان تتساءل نفس الأسئلة وتفكّر عن مخرج من أزمة الفكر الإسلامي الحركي الذي بدأت تسيطر على المنطقة ككل.

 

محمّد علوش: سؤال أخير في ما تبقّى لدينا من وقت، نكمل إن شاء الله في الأسبوع المقبل على الأقل بمنتدى الجاحظ الذي يُعتبر أحد تجلّيات الإسلاميين التقدميين وما زال قائماً.

سؤالي، هل السبب كان في هذا التقهقر أو عدم التأثير المجتمعي هو أنها كانت نخبوية إلى أبعد الحدود؟ والآن لو عاد بك الزمن ألا ترى أنه لو كان الإصلاح من داخل الحركة قبل الخروج منها كان أفضل على اعتبار أنّ هذه الحركة ما زالت قائمة وأثرها السياسي والاجتماعي أكبر وقد تأثّرت وتطوّرت؟

 

صلاح الدين الجورشي: بالنسبة إلى السؤال الثاني، يصعب في تلك اللحظة أن نفكّر بالطريقة التي تقول بأنه علينا أن نراهن على الإصلاح الداخلي، لأنه ثبت لدينا بأن عملية الإصلاح الداخلي لم تكن ممكنة في تلك المرحلة والظرف وبالشروط التي كانت موجودة، ويكفي أننا نحن في لحظة من اللحظات لم نقرّر إننا سنستقيل بشكل جماعي وإنما قلت لك نحن تعرّضنا إلى عملية وقف وتعطيل وتجميد وطرد، وأذكر في تلك اللحظة إننا طالبنا بعقد مؤتمر نطرح فيه وجهة نظرنا أمام الجميع، فأحد القياديين رحمه الله قال لنا في ذلك الوقت أرض الله واسعة، فعليكم أن تذهبوا وتطرحوا أفكاركم في أي مكان لكن ليس داخل الجماعة، لأنّ الجماعة لم تكن ديمقراطية.

بالنسبة إلى قضية النخبة، العمل الفكري عمل نخبة بالضرورة. أنا لا استطيع أن آتي إلى والدي رحمه الله وأن أحاول إقناعه بمراجعات من هذا الحجم التي تمسّ بكثير من الثوابت والتي هي ضروري بالنسبة إليه أن يكتسب منهجاً من المعرفة لكي يصل إليها، ولذلك كانت المغامرة الفكرية وكانت بالضرورة نخبوية لكن نخبوية ليس بالمعنى الأكاديمي، فكثير من الشباب الذين شاركوا في هذه المراجعات لم تكن لهم تجربة أكاديمية ولكن كان هناك أيضاً الحماس والمقدرة على طرح الأسئلة وتحمّل هذه الأسئلة.

 

محمّد علوش: إن شاء الله في الأسبوع القادم نتعمّق قليلاً على الأقل  في تجلّيات منتدى الجاحظ وأثره في اتساع دائرة النقاش الفكري في إطار هذا الموضوع.

كلّ الشكر والتقدير لك أستاذ صلاح الدين الجورشي، كما أشكركم مشاهدينا على حسن المتابعة وإلى اللقاء في الأسبوع القادم.