صلاح الدين الجورشي القيادي في تيار الإسلاميون التقدميون - الجزء الأول

محمّد علوش: يُقال إنّ خطاب الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة تأسّس على مفهوم الجهاد لتحرير الوطن. بعد الاستقلال تغيّرت العلاقة بينه وبين الدين، فهيمن على المؤسسات الإسلامية وأخضعها لصالح سياسات الدولة وفكّكها ثقافياً واجتماعياً.

في هذا المناخ القسري ولدت الجماعة الإسلامية في غفلةٍ من السلطة والنخبة. لم تتمكّن أجهزة الأمن من رصدها إلا بعد سنواتٍ من ميلادها. كان الفكر الإخواني ينمو داخلها مكوّناً مظلة أيديولوجية تؤطّر فكر الحركة وأداءها السياسي، وهو ما أدّى إلى خروج بعض القيادات منها.

في حلقة اليوم يحدّثنا ضيفنا عن الأسباب التي أّدت إلى انشقاق بعض القيادات من الجماعة الإسلامية في تونس. فأهلاً بكم إلى الجزء الأول من الحوار مع القيادي في تيار الإسلاميون التقدميون صلاح الدين الجورشي.

 

تقرير: صلاح الدين الجورشي:

- يُعَدّ من أبرز أعلام الإعلام الحر في تونس.

- عضوٌ سابقٌ في الجماعة الإسلامية التونسية.

- أحد مؤسّسي تيّار اليسار الإسلامي في تونس.

- في السبعينات ترأّس مجلة المعرفة الإسلامية.

- في الثمانينات عمل في جريدة الرأي ثم في مجلة المغرب العربي.

- أسّس عام 89 منتدى الجاحظ وما زال يتولّى رئاسته.

- رئيس تحرير صحيفة الرأي العام الإلكترونية.

- منسّق لجنة البحوث والدراسات في الشبكة العربية للتنمية.

- نائبٌ أول سابق لرئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

- من مؤلّفاته "الإسلاميون التقدميون".

 

محمّد علوش: نرحّب بحضرتك أستاذ صلاح الدين الجورشي. أهلاً وسهلاً بك.

 

صلاح الدين الجورشي: أهلاً وسهلاً ومرحباً بكم.

 

محمّد علوش: لو بدأنا بالبدايات الأولى لبذور الإسلاميين في تونس، أنا قرأت كتابك "الإسلاميون التقدميون"، تقول صدر عام 2008 وهو يؤرّخ لمرحلة أساسية في بناء الفكر الإسلامي في تونس. تقول: "كانت علاقة الرئيس بورقيبة بالإسلام قد مرّت بمرحلتين مختلفتين، عمل في الأولى على تعبئة الشعب ضدّ السياسات الاستعمارية ومدح هنا القِيَم الإسلامية واستفاد منها. أما في الثانية فتغيّرت العلاقة بشكل كلي مع الإسلام ما بعد الاستقلال فهيمن على المؤسسات الإسلامية وأخضعها لصالح سياسات الدولة".

تقديرك، إذا أردنا أن نلخّص الحال البورقيبية في التعاطي مع الحال الإسلامية بشكل عام، قبل أن تتحوّل إلى أيديولوجيا يحملها بعض الشبّان التونسيين؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنظر، يجب ألا ننسى بأنّ بورقيبة تكوّن وتعمّقت ثقافته السياسية والمعرفية في فرنسا وفي الجامعات الفرنسية، وبالتالي بورقيبة لم تكن له صلة قرابة على المستوى الفكري والمرجعي مع الإطار الزيتوني الذي تقريباً كان هو الإطار المحوري في الحياة التونسية، ولذلك عندما عاد من فرنسا حاول أن تكون له صلات وعلاقات بعناصر مستنيرة من المؤسسة الزيتونية، لكنّه إلى حدّ ما فشل في هذا الإطار، وكان خلافه مع الحزب الدستوري القديم، كان مؤشّراً على طبيعة العلاقة التي ستكون متوتّرة مع الإطار الزيتوني التقليدي، وبالتالي بدأت تعطي مؤشّرات أولى على نوع الفكر السياسي ومنظومة الدولة التي ينوي إقامتها عندما تستقلّ تونس. هذا سيتّضح بشكلٍ كبير بعد استقلال تونس، لأنّه بعد استقلال تونس كان المطروح هو بناء الدولة، الدولة الجديدة، دولة الاستقلال.

 

محمّد علوش: نحن هنا نتحدّث عن فترة الـ56 وما بعد.

 

صلاح الدين الجورشي: 56 وما بعد لأنّ في تلك الفترة، كانت اختباراً هذه الفترة ليس فقط للثقافة السياسية لبورقيبة، ولكن كانت بالخصوص اختباراً قوياً للفكر الزيتوني ومدى قدرته على أن يستجيب للمتغيّرات وأن يلعب دوراً حاسماً في بناء الدولة الجديدة. ورغم محاولات البعض، مثلاً الشيخ الفاضل بن عاشور رحمه الله ووالده الشيخ الطاهر بن عاشور، لكن بقيت فكرة الدولة ومؤسساتها وخصائصها ومرجعياتها فكرة غامضة جداً في الثقافة الزيتونية، وهذا ساعد بشكل واضح بورقيبة على أن يتجاوز الفكر الزيتوني، وأن يؤسّس نموذجه للدولة انطلاقاً من التجربة التاريخية السياسية لأوروبا ولفرنسا تحديداً، ولكن بورقيبة خلافاً لما يعتقده الكثيرون، بورقيبة لم يكن مثل كمال أتاتورك، بورقيبة تعامل مع مشروع الدولة وبنائها بشكلٍ مختلف.

 

محمّد علوش: أين كان وجه الاختلاف؟

 

صلاح الدين الجورشي: وجه الاختلاف بأن كمال أتاتورك قرّر أن يقطع مع الدين ومع المؤسسة الدينية، بورقيبة قرّر أن يوظّف الدين ويُخضِع المؤسسة الدينية لخصائص دور الدولة، أي أنّ بورقيبة كان مدركاً أنّ الإسلام عميق لدى التونسيين، ولذلك قرّر أنه يقول بأنّ الدولة التي سينشئها، دولة الاستقلال ستكون هي الراعية للإسلام بأسلوبها وبفلسفتها وبنظرتها.

 

محمّد علوش: لكن فيه نوع من الخطورة لأنّ عملية التوظيف للدين ضمن مشروع سياسي آتٍ هو من ثقافة مختلفة عن الإسلام فيه خطورة أكثر من القطع مع الدين، يقول البعض.

 

صلاح الدين الجورشي: من حيث ماذا؟ من حيث أنّه يمكن أن يرتبط ارتباطاً عضوياً بمشروع الدولة، وبالتالي سيؤوّل الإسلام والنصوص الدينية وفق مصلحة الدولة ومقتضياتها، أي وفق مشروعه السياسي. من هنا تأتي الجوانب السلبية في مشروع بورقيبة لأنّ بورقيبة ماذا فعل؟ فعل هو أنه جاء، أسّس المؤسسات، كوّن الجيش التونسي، كوّن المؤسسات الأمنية وجاء للزيتونة التي كانت هي المصدر الأساسي لانتاج المعرفة الدينية، أوقفها، ألغاها، ألغى التعليم الزيتوني وعندما ألغى التعليم الزيتوني أصبح بورقيبة ومؤسسات الدولة هي التي ستفسّر للتونسيين ما هو الإسلام وهي ستنظّم الشأن الديني، ومن هذا المجال حدثت نتيجتان، النتيجة الأولى فراغ ديني مهمّ سيستثمره بعد ذلك الإسلاميون لتبرير دورهم ووجودهم، وثانياً في العديد من المحطات بورقيبة احتاج إلى العلماء، ولكن جيل العلماء بدأ ينقرض، لأنّك أنت عندما تغلق المؤسسة الزيتونية التي كانت هي التي تخرّج وتكوّن العلماء، عندما تغلقها ستجد نفسك في لحظة من اللحظات أمام فراغ كبير في مستوى منتجي المعرفة، أي المشايخ والعلماء.

 

محمّد علوش: أي هي لم تكن عملية تبدّل عند بورقيبة ما قبل الاستقلال إلى ما بعد الاستقلال بقدر ما هو تطوّر في المرحلة، الرؤية التي كان يملكها الرئيس بورقيبة في ما يتعلّق بأهمية الدين في حياة التونسيين وبناء الدولة. يقول البعض أنّ مفهوم التحرير الذي جاء به بورقيبة للوطن سحبه على الدين فأراد أن يحرّر هذا الدين ممّا يسمّيه الجمود، وبالتالي كانت عملية التحديث في ثقافة المرأة ودورها في المجتمع كانت حاضرة بقوّة. تقديرك هذا تصويب حقيقي لهذه المرحلة؟

 

صلاح الدين الجورشي: هذا ما كان ينويه بورقيبة أنّه كان يعتقد بأنه جاء ليجدّد الإسلام، يطلق على نفسه تجديد، أنه مجدد، ولكن كان بورقيبة يفتقر إلى المنهج، منهج التجديد، وهذا الذي جعله في العديد من المسائل يرتكب أخطاء ستكون لها تداعيات كبيرة على مستقبل حظوته هو من قبل الشعب التونسي. مثلاً بورقيبة في لحظة من اللحظات شغلته مسألة التنمية، ورأى أنه في مناسبة شهر رمضان التونسيون تتراجع نسبة العمل عندهم، فحاول أن يقدّم تفسيراً لم يقبله التونسيون عندما قال بأن رمضان أي الصيام يصبح واجباً على المسلمين في لحظة ليس لديهم أشغال كبيرة ومهام تاريخية يجب أن ينجزوها، فلذلك نتيجة أنّ التنمية هي أساس قيام الدولة وأساس سعادة التونسيين، إذاً يجب عليهم أن يلغوا شهر رمضان ويلغوا الصيام من أجل إعطاء ما هو أكثر أهمية في تلك المرحلة وهو بناء الدولة وتحقيق التنمية. هنا ماذا حصل لبورقيبة؟ حصل أنه فقد المنهج الذي من شأنه أن يمكّنه من أن يحوّل رمضان إلى شهر إنتاج ليس بإلغاء الشهر ولكن بتغيير العادات والتقاليد التي كانت راسخة لدى التونسيين وتجعلهم غير قادرين على استثمار رمضان للإنتاج، بينما المسلمون في مرحلة من المراحل كانوا يقومون بحروب وينجحون في حروبهم وهم في شهر رمضان. إذاً شهر رمضان ليس هو المسؤول في حد ذاته عن اختلال عملية الإنتاج.

 

محمّد علوش: هل نستطيع أن نقول أنّ سياسات الرئيس بورقيبة هي كانت المسؤولة الأساس عن ولادة الإسلام السياسي في تونس أم أنّ الظروف الإقليمية والواقع الاجتماعي للمجتمع التونسي ساعد في بروز هذه الظاهرة كاعتبار جزء من منظومة تعيشها المجتمعات العربية في تلك الفترة؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنا يبدو لي أن هناك عاملين رئيسيين، العامل الداخلي والعامل الإقليمي، هما اللذان ساهما بشكلٍ واضح في توفير المناخ الملائم لظهور الإسلاميين في تونس. أنا أشير لك إلى شخص مهمّ جداً في مستوى البحث الاجتماعي وهو سوسيولوجي، عبد الباقي الهرماسي، في آخر الستينات خرج باستنتاج بأنّ المناخ في تونس لا يسمح بإنتاج حركة على نمط الإخوان المسلمين في بلد مثل تونس، كان يستبعد تماماً هذا الاحتمال، في تلك اللحظة التي كان يكتب فيها هذا الاستنتاج وكانت هناك بداية النواة الأولى للحركة الإسلامية في تونس تولد، لماذا؟ لأنّ عنصر وجود الحركة الإسلامية فاجأ حتى الباحثين المهتمين بتطوّر عالم الأفكار والحركات الاجتماعية في تونس، وهذا يعود إلى سببٍ رئيسي وهو أنّ المناخ كان يتوفّر تدريجياً لبداية توفّر القابلية لدى جزء من شرائح التونسيين لفكرة حِراك الإسلام السياسي وفكر أنّ الإسلام يلعب دوره لتصحيح مسارات الدولة بل لإعادة بناء هذه الدولة وفق العقيدة الإسلامية.

 

محمّد علوش: عن أيّة فترة نتحدّث هنا؟

 

صلاح الدين الجورشي: 69، 70، وهي الفترة التي مرّت بها الدولة التونسية بأزمة هيكلية نتيجة فشل تجربة التعاضد.

 

محمّد علوش: لعلّك في كتابك "الإسلاميون التقدميون" أشرت إلى هذه النقطة، أنّه لم يكن أحد يتوقّع أنه في مرحلة بورقيبة وما أفرزته أن يظهر تيّار إسلامي بهذا الانتشار وبهذه السعة داخل المجتمع التونسي.

 

صلاح الدين الجورشي: كانت عنصراً مفاجئاً.

 

محمّد علوش: لمَ يكن عنصراً مفاجئاً بقدر ما يكون هو أبسط وأوضح تجلٍ لحال مختمرة في العقل الجمعي التونسي وهو استحضار الإسلام بعد سلسلة من الهزّات التي ضربت المجتمع الحضاري أو المجتمع المسلم المتحضّر ما قبل انهيار الدولة؟

 

صلاح الدين الجورشي: يجب أن نستحضر هنا أيضاً التغييرات الكبرى التي أحدثها بورقيبة في المجتمع، من 56 إلى حدود سنة 70 حصلت تغييرات مهمّة في البلد وهذه التغييرات مسّت الأسرة، مسّت النظام التعليمي والتربوي، مسّت نمط الإنتاج، مسّت العلاقات الاجتماعية وخاصة نشأت نخبة جديدة حديثة، وهذه النخبة لم يكن في وعيها وفي استقرائها للواقع وللتجربة التونسية إمكانية عودة الإسلام بطريقةٍ فعّالة، وتصبح سلاحاً سياسياً عند جزء من التونسيين. إذاً عندما تلقي نظرة على الدراسات التي نشأت وأنتِجت في تلك المرحلة تجد بأن النخبة التونسية أصبحت نخبة حديثة وهذا الذي جعل فرنسا وأوروبا وخاصة الفرنسيين لم ينتبهوا لإمكانية وجود هذه الفرضية، وهي فرضية حضور أو صعود إسلام سياسي، ولم ينتبه الأوروبيون إلى هذه الحركة التي بدأت تنمو على أرض الواقع إلا مع تقريباً العام 1973، 74، 75، بل أنّ الذين كانوا يقودون البلد في تلك المرحلة، أنا واحد من الناس الذين التقيت بالعديد من رموز تلك المرحلة، تفاجأوا بأن البلد فيه حركة إسلامية، وبعد ذلك سيتبين أنه حتى الأجهزة الأمنية لم تفهم أنّ هناك تغيّراً بدأ يحصل في البلد على مستوى الساحة الشبابية إلا عندما تم اكتشاف ورقة، وثيقة كانت داخلية تحدّد ملامح التنظيم في تلك المرحلة.

 

محمّد علوش: سنأتي على ذكرها. علي ابن مبارك في كتاب "الخارطة التونسية بعد الثورة" وهو صادر عن مركز المسبار للدراسات، يقول: "لو أردنا أن نضع ظاهرة الحركة الإسلامية في تونس في سياقها التاريخي والثقافي نجد بأنها مرتبطة بأزمة فكرية خطيرة ألمّت بالبلاد التونسية بعد نشوء الدولة العثمانية وظهور تداعيات العمل الذي قام به الرئيس بورقيبة". هنا سؤال يطرح نفسه أستاذ صلاح الدين، هل نشأت الحركة الإسلامية كردّة فعل على فراغ قائم في بناء الدولة والمجتمع أم هي امتداد لفكر وافد من مصر نشأ بعام 28، نحن نتحدّث في فترة السبعينات حالياً، هناك نسبة معقولة من الوقت تسمح بوصول مثل هذه الأفكار إلى البلاد التونسية؟

 

صلاح الدين الجورشي: انظر، الحركة الإسلامية في تونس ليست الابن الشرعي للحركة الإصلاحية التونسية وللفضاء الديني التونسي، هي جاءت نبتة من خارج الحدود، ولكن هذه النبتة وهي نبتة إخوانية بالأساس، وجدت أرضية صالحة لكي تترسّخ بها. أنا أذكرشيئاً مهماً أنه عندما حدثت أزمة سياسية بفشل تجربة التعاضد في تونس، تجربة التعاضد هي التجربة الاشتراكية في المجال الزراعي، هذا الفشل جعل بورقيبة يعترف بذلك ويضع المسؤول عن هذه التجربة أو صاحبها أحمد بن صالح في السجن ووجدت أزمة سياسية كبيرة في البلد. عندها أجهزة رسمية قامت بنوع من سبر آراء، فطلبت من التونسيين في ذلك الوقت بماذا يطالبون، فطالبوا بمجموعة من الأشياء كان من بينها عنصر مفاجئ للجميع عودة التعليم الزيتوني، أي أن هناك القاعدة الاجتماعية التي كان يرتكز عليها نظام بورقيبة، شعرت هذه القاعدة الاجتماعية بأن هناك خللاً حصل في عملية بناء الدولة في مرحلة ما بعد الاستقلال وهو غياب وعي ديني ممكن أن يستوعب التطوّرات الجديدة، ولذلك عندما جاءت النبتة الإخوانية في تونس وجدت جزءاً من التربة الصالحة لكي تنغرس فيها وتكثر.

 

محمّد علوش: لماذا تفترضها نبتة خارجية ولم تكن امتداداً للفكر الإصلاحي الذي ظهر في تونس؟

 

صلاح الدين الجورشي: لم تكن فكراً إصلاحياً، لماذا؟ لأن السيّد راشد الغنوشي وهو يُعتبر عنصراً أساسياً في هذه العملية غادر تونس وهو في حالة رفض كامل للتعليم الزيتوني وللمجال الزيتوني، وثانياً لأنّ في تلك الفترة لم يعد هناك أيّ دور للزيتونيين يقومون به نتيجة عملية بداية التصحّر الثقافي والديني الذي كان نتيجة سياسات مضبوطة وواضحة لدى الطبقة السياسية الحاكمة في ذلك الوقت.

إذاً الحركة الإسلامية لم تكن حركة نابعة من داخل المسار والتراكمات الدينية والسياسية في تونس، وإنما كانت عناصر جاءت بدرجة أساسية من خارج تونس، وبدأت تروّج لثقافة وخطاب الإخوان ووجدت هنا تقبّلاً، يمكن أن نتحدّث عن استثناء وهو مهم وهو الشيخ عبد الفتاح مورو وهو كان قريباً من الوسط الزيتوني من دون أن تكون له القدرة الكافية لوحده لكي يبني حركة إسلامية لأنه لم تتوفّر عناصر الحركة إلا عندما دخل الإخوان على الخط وأوجدوا نوعاً من الأرضية الصالحة لكي تتحوّل.

 

محمّد علوش: حصل لقاء ما بين الشيخ راشد والشيخ عبد الفتاح مورو؟

 

صلاح الدين الجورشي: حصل لقاء، وهذا اللقاء هو الذي اعتمد على بداية وضع الآليات المهمّة لنشأة تنظيم يكون قادراّ على الدفاع عن مشروع الإسلاميين.

 

محمّد علوش: أستاذ أحمد المناعي مدير المعهد التونسي للعلاقات الدولية هو قريب إلى حدّ ما من حركة النهضة، في أحد التصريحات يقول أنّ رئيس الحركة الشيخ راشد كان في السبعينات عضواً فاعلاً في التنظيم الدولي للإخوان، أي في المرحلة التي تم فيها تأسيس الحركة الإسلامية هنا في تونس، وأنه كان هناك عديد من الوثائق التي تثبت انخراط حركة النهضة التي كانت تُسمى آنذاك بالاتجاه الإسلامي ضمن إطار التنظيم الدولي للإخوان المسلمين عام 74. في هذه المرحلة كنت جزءاً حضرتك من هذه الحركة؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنا كنت في النواة الأولى التي تأسّست وبدأت تتشكّل تدريجياً ابتداء من سنة 71، 72.

 

محمّد علوش: كانت الفترة السريّة.

 

صلاح الدين الجورشي: هي الحركة الإسلامية في تونس نشأت علنية من دون أن تعلن عن نفسها ولم تصبح سريّة إلا بعدما توافرت لها الآليات والعناصر القادرة على إيجاد التنظيم، ولذلك كنّا ننشط في المساجد، وكان عبد الفتاح مورو أو راشد الغنوشي يلقي دروساً في المساجد، وبالتالي كانت رموز الحركة علنيّة، لا تعمل في السرّ، لكن في فترة من الفترات عندما بدأت عملية الاستقطاب وبالتالي توافر عناصر بشرية مستعدة لكي تعمل في إطار التنظيم، عندها بدأ جزء من هذا النشاط ينزل إلى تحت، يشكّل نوعاً من النواة الأولى لبناء ما سُمّي وقتذاك بالجماعة الإسلامية.

لكن ما أريد أن أصحّحه في كلام الأستاذ أحمد المناعي بأنّ الانتماء والانخراط في التنظيم الدولي للإخوان جاء في ما بعد.

 

محمّد علوش: وليس قبل؟

 

صلاح الدين الجورشي: راشد الغنوشي كانت لديه علاقات عضوية في البداية بجماعة الإخوان، ولكن أن يصبح عضواً في التنظيم الدولي، يجب أن تتوافر الجماعة التي سيوجد لها من يمثلها في هذا التنظيم الدولي. إذاً فكرة الالتحاق بالتنظيم الدولي جاءت عندما اكتملت وتوفّر جهاز تنظيمي اسمه الجماعة الإسلامية.

 

محمّد علوش: لكن هذا الكلام ليس فقط للأستاذ أحمد المناعي، لو ذهبنا إلى مؤسّس الحركة الإسلامية في المغرب عبد الكريم مطيع الحمداوي وهو يسرد سيرته الذاتية في إحدى الصحف المغربية عام 2013، يقول أنّ الشيخ راشد الغنوشي كان يعمل لصالح الإخوان المسلمين، طبعاً أنا أقتبس حرفياً ما يقول، "لاختراق الحركة الإسلامية ببلاد المغرب في نهاية السبعينات من القرن الماضي"، أي كان هناك بحسب ما يدّعي، أنّه كان هناك نيّة مبيّتة مسبقاً لاستغلال الظروف السياسية التي تعيشها المجتمعات في المغرب العربي، وبروز ما يمكن أن نسمّيه بالعودة إلى الدين لكن بطروحات أكثر إصلاحية لتوظيفها لصالح مشروع سياسي إخواني مؤدلَج قادم من بلاد مختلفة عن المغرب العربي.

هل يمكننا أن نسمع الإجابة بعد الفاصل؟

إذاً فاصل قصير مشاهدينا. أرجو أن تتفضّوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمّد علوش: أرحّب بكم من جديد مشاهدينا، ودائما مع الأستاذ صلاح الدين الجورشي، وهو من رواد فكر الإسلاميين التقدميين في تونس.

أستاذ صلاح الدين، سألنا قبل الفاصل في ما يتعلق ببعض الاتهامات التي كانت توجَّه للشيخ راشد على أنه لم يكن مجرد التقاء مفكري ما بين الشيخ عبد الفتاح مورو والشيخ راشد الغنوشي، بين المدرستين، بقدر ما هو كانت نية مبيتة لأدلجة تحوّل فكري وديني يعيشه المجتمع التونسي؟

 

صلاح الدين الجورشي: أولاً الشهادة التي أشرتم إليها الآن هي تتحدّث عن نهاية السبعينات، وأنا أتحدّث عن بداية السبعينات، بداية السبعينات أنا الذي يمكن أن أجزم به بأنّ راشد الغنوشي عندما عاد من سورية مروراً على باريس كان في ذهنه تشكيل جماعة.

 

محمّد علوش: هو في سورية تأثّر بالإخوان المسلمين.

 

صلاح الدين الجورشي: وثانياً هذه الجماعة التي كان ينوي راشد الغنوشي تأسيسها في تونس ستكون على نمط الإخوان المسلمين نتيجة تأثّره بذلك، لكن ليس صحيحاً أنّ راشد الغنوشي في تلك المرحلة، مرحلة التأسيس، كان عضواً بالتنظيم الدولي. فكرة الالتحاق بالتنظيم الدولي جاءت نتيجة تشكّل هذه الجماعة ولذلك نحن عندما أسسنا هذه الجماعة، كنّا 40 شخصاً، ولمّا قدّمنا البيعة لأمير الجماعة وهو السيّد راشد الغنوشي كان في نص البيعة الولاء للإخوان المسلمين، لكن هذا تمّ بعد أن تأسست الجماعة.

 

محمّد علوش: هذا أعلنتموه نصاً في البيان الأول؟

 

صلاح الدين الجورشي: لا، هذه أمور سريّة، هذه النواة الأولى التي كانت تُسمّى الإخوان المسلمين، ولذلك ثمة هنالك إشكال دائماً أنا أطرحه مع الإخوان في حركة النهضة أنّهم عندما يبدأ بعملية التاريخ، يبدأون سنة 1981.

 

محمّد علوش: للحركة؟

 

صلاح الدين الجورشي: يبدأونه سنة 1981 عندما تم الإعلان عن حزب حركة الاتجاه الإسلامي مع أنّ جزءاً كبيراً من المخاض كان قبل ذلك في السبعينات.

 

محمّد علوش: حضرتك إذاً كنت من الحلقة الأولى، وفي اللقاء الأول حوالى  40 شخصاً، وكان التوجّه هو بناء حركة إسلامية بالمفهوم الذي تجلّى في ما بعد لدى حركة النهضة أم كانت الرؤية مختلفة؟

 

صلاح الدين الجورشي: لا، كانت الرؤية مختلفة تماماً. أولاً نحن أنشأنا تلك وأطلقنا عليها اسم الجماعة الإسلامية في تونس، وفي رأيي أنا الجماعة الإسلامية في تونس كانت عبارة عن بداية وضع الأسس لتنظيم إخواني متكامل سيكون منطلقاً لإحداث هذا المنعرج الذي أدّى إلى حركة الاتجاه الإسلامي كحزب سياسي، ثمّ وفّر الأرضية لبناء حركة النهضة في ما بعد، بمعنى أننا عندما نتحدّث عن الجماعة الإسلامية في تونس نتحدّث عن جماعة موالية للإخوان، لها أمير وقيادة، وكانت هذه الجماعة هي التي توزّعت في معظم تراب الجمهورية وأسّست تنظيماً تراتبياً ملحوظًا، وعلى المستوى الفكري كانت هذه الجماعة متأثّرة كثيراً بفكر الإخوان وثقافة الإخوان، ولكن بالخصوص كان هناك بصمة واضحة لأفكار سيّد قطب في بناء الذهنية الجماعية لهذا التنظيم في نواته الأولى.

 

محمّد علوش: هل تقصد أنّ الشيخ راشد كان متأثّراً بسيّد قطب أكثر من حسن البنّا وبالتالي انعكس ذلك على الجماعة بشكل عام في تونس؟

 

صلاح الدين الجورشي: حتى أكون موضوعياً، راشد الغنوشي كان عنده تكوين متنوّع. هو أستاذ فلسفة، كان متأثّراً بشكلٍ ملحوظ بجزء كبير من التراث الفلسفي الإسلامي، لكن على مستوى تفكيره الحركي وتفكيره السياسي، تأثّر بشكل كبير بالإخوان المسلمين، وعلى مستوى بنائه العقائدي تأثّر كثيراً بأطروحات سيّد قطب، ونحن عرفنا سيّد قطب وتربّينا على كتبه انطلاقاً من توجيهات راشد الغنوشي، فكان قطبياً إلى حد كبير في مستوى نظرته للعقيدة ونظرته للمجتمع وكيفية التعامل مع المحيط، لكنّه بعد ذلك بدأ نوع من الديناميكية تتواجد عنده، تتحرّك باتجاه التحرّر من الفكر القطبي ولكنه تحرّر كان بطيئًا.

 

محمّد علوش: متى بدأ هذا التحوّل؟

 

صلاح الدين الجورشي: بدأ هذا التحوّل في أواخر السبعينات.

 

محمّد علوش: في أواخر السبعينات، مبكراً بدأ؟

 

صلاح الدين الجورشي: مبكّراً، والحقيقة لم يتحرّك إلا لأنه وقعت أزمة داخل الجماعة.

 

محمّد علوش: سنأتي على ذكرها. على أيّة حال، لم تكن حضرتك فقط ربما من النواة الأولى، كان معكم الأستاذ أحميدة النيفر؟

 

صلاح الدين الجورشي: أحميدة النيفر كان هو نائب الأمير.

 

محمّد علوش: تمّ تعيينه، أنا أقصد في المرحلة الأولى كان موجوداً؟

 

صلاح الدين الجورشي: كان هناك.

 

محمّد علوش: وزياد كريشان؟

 

صلاح الدين الجورشي: لا، زياد كريشان سيظهر في ما بعد ضمن إطار الحركة الطلابية والجناح الطلابي الذي وُجِد، وزياد كيشان لم يكن عنصراً مؤسّساً للجماعة الإسلامية، وإنما كان أحد العناصر التي تمّ استقطابها في مرحلة وإن كانت علاقته لم تكن قوية جداً وعضوية بالجهاز التنظيمي للجماعة.

 

محمّد علوش: لكنه كان عضواً أساسياً من المجموعة التي استقالت من الجماعة الإسلامية آنذاك، إضافة إلى حضرتك والأستاذ أحميدة النيفر. على أية حال نحن سألنا الأستاذ زياد كريشان عن الأسباب التي أدّت إلى انشقاق هذه المجموعة عن الجماعة الإسلامية آنذاك، وكانت الإجابة على الشكل التالي. نشاهد معاً.

 

زياد كريشان: الأسباب يمكن أن نوجزها في ما يلي. الحركة الإسلامية في تونس في بداية السبعينات كانت حركة إخوانية صرفة، وكانت حركة تؤمن بما يُسمّى بنموذجية الإخوان المسلمين وحركة الإخوان المسلمين، وترتكز بالأساس على تفكير سيّد قطب. وهذه المسائل ربما هي التي انطلقنا منها في نقدنا للمنوال السائد، وفي اعتقادنا بأنّه يجب على الحركة أن تكون مندمجة في مجتمعها، وأن تجيب على أسئلة مجتمعها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، لا أن تبقى فقط حركة عقائدية. فهذا كان إن شئت نقطة الانطلاق لجملة من الانتقادات حول أولاً نموذجية الإخوان المسلمين، هل نحن أمام حركة فعلاً نموذجية أم فيها أخطاء كثيرة، حول موقف الإسلاميين من المرأة، من الفن، من الثقافة، من القضايا الاقتصادية والاجتماعية، جملة من الشباب في تلك الفترة بعضنا كان في الجامعة وبعضنا الآخر كان خارج أسوار الجامعة، رأينا أنّ ما تُسمّى بالجماعة الإسلامية لم تعد تجيب على أسئلتنا أولاً نحن وأسئلة المجتمع.

 

محمّد علوش: تتفق أستاذ صلاح مع ما يقوله زياد كريشان بهذا الخصوص؟

 

صلاح الدين الجورشي: هي قراءة في الجانب التاريخي للصديق زياد كريشان، وزياد كريشان كان عنصراً فاعلاً في مستوى نقد التجربة ونقد الفكر الإخواني، وكان عنصراً أيضاً مهماً في بلورة أرضية لنشأة الإسلاميين التقدميين في ما بعد.

 

محمّد علوش: أين كان وجه الاعتراض لديكم على الجماعة الإسلامية التي أنتم جزء أساسي منها وتعلمون منذ اللحظة الأولى أنها تحمل فكراً إخوانياً؟

 

صلاح الدين الجورشي: الحقيقة بدأ تعثّر الجماعة بعد تشكّلها بفترة وجيزة، وهي أنّ هذا التعثّر ظهر بمستوى السلوك الفردي، حيث أننا بدأنا نلاحظ انزواء العنصر على محيطه، وقبل أن ينتمي ويوضَع في إطار شبه مُغلق، كانت له مثلاً هوايات متعدّدة، لكن ما أن يلتحق بالجماعة حتى أنه يبدأ في التخلّي عن تلك الهوايات ويبدأ بنوع من الانغلاق، وشعرنا بأنّ العنصر لم يعد فاعلاً أو لا يمتـلك القدرة على الفاعلية بعد التحاقه بالجماعة، ثمّ بدأنا نتابع ذلك السلوك ونحاول أن نحلّله، في البداية بدا لنا كأنه ناتج من ضعف في التكوين الروحي، فكثّفنا من التربية الروحية، ولكن تبيّن أن النتيجة لم تتغيّر. هنا بدأنا نتساءل عن الأسباب وبدأنا ندرك في لحظة من اللحظات أنّ هذه الأسباب تعود إلى أسباب فكرية وثقافية بدرجة أساسية، وبالتالي بدأنا نُخضِع خطاب الإخوان لاختبار، وبدأنا نكتشف أنّ الإخوان بعد تأسيسهم لفترةٍ طويلة لم يتطوّروا نوعياً. إذاً الموضوع لا يتعلّق بمجموعة صغيرة في تونس وإنما لاحظنا بأنّ الجماعة ككل أو الحركة ككل على مستوى الوطن العربي تعاني من أزمة نمو، ولذلك بدأنا في عملية فهم أولاً تاريخ هذه الحركة، وهنا عدنا إلى كتاب كان من بداية المؤشرات وهو حسن البنّا متى وكيف ولماذا، هذا الكتاب الذي جئنا به من مصر والذي تمّت مصادرته من الجماعة لخطورته أو تقييمها بأنه سيمثّل خطورة عليها وعلى وحدتها. الإخوان المسلمين بدأنا نكتشف تاريخهم تدريجياً وبدأنا نربط بين الجانب السياسي والعثرات التنظيمية والأخطاء السياسية الكبرى التي ارتكبوها، بدأنا نربطها بفكر الإخوان وبدأنا نطرح أسئلة.

 

محمّد علوش: سأفصّل بها أستاذ صلاح، لكن اسمح لي، أنا أرجو أن يتّسع صدرك لما سأقول، لأنّه غالباً عندما يحصل انشقاق داخل أي تيّار أو حزب، بعد فترة وجيزة يقول المنشقّ على أنه انشقّ لأنه وجد انحرافاً، وفي أغلب المراحل يكون إما عدم قدرته على حجز مكان داخل التنظيم في القيادات، أو وصوله إلى مرحلة على أنه لا يستطيع أن يترفّع أكثر من ذلك لو عدت في التاريخ إلى المرحلة التي كنت فيها حضرتك والأستاذ أحميدة النيفر، هو استقال عام 1977 بسبب سحب مقالة له في مجلة المعرفة التي كان يرأسها، حضرتك تولّيت مباشرة بعده إدارة هذه المجلّة، وحصل معك ما تكرّر معه أو تكرّر معك ما حصل معه سابقاً، وبالتالي بدأ الخلاف وكأنه خلاف إداري، في ما بعد وجدنا نوعاً من التجلّي في طرحك على أنه لا، خلاف أيديولوجي، خلاف في الطرح وليس إدارياً أو انتصاراً لمسألة شخصية، هناك مسألة تنظيمية داخل التنظيم؟

 

صلاح الدين الجورشي: عندما نعود إلى تلك المرحلة، هذه العناصر الأساسية التي أنشأت في ما بعد تيّار الإسلاميين التقدميين لم تكن تشكو من مواقع، كنّا في مواقع قيادية، كنّا أعضاء في المكتب التنفيذي، وكان الأستاذ أحميدة هو رئيس تحرير مجلّة المعرفة وكنت أنا أساعده في ذلك الأمر، وبالتالي لم نكن نبحث عن مواقع ومناصب وامتيازات، ولذلك كانت أسئلتنا في البداية أسئلة ذات طابع فكري، لم نكن نتصارع حول تنظيم أو حول سلطة داخل التنظيم، وإنما كان خلافنا أساساً هو خلاف ثقافي فكري. أنا مثلاً عندما أعود إلى تلك المرحلة، لماذا عُزِلت من مجلّة المعرفة التي كنت رئيس تحريرها، ولم أُعزل فقط بل وشُطب اسمي وحُذف اسمي من دون حتى إعلامي.

 

محمّد علوش: من قائمة المجلّة؟

 

صلاح الدين الجورشي: لأنني كتبت ثلاث مقالات متتالية في نقد الإخوان المسلمين، وأذكر أنّ أحد قيادات الإخوان المسلمين وقتها اتصل بالجماعة واتصل بالأمير وقال أنتم منّا أو ضدّنا؟ نحن قرأنا كذا وكذا، ووصلتهم أصداء تصريحات ومقالات مهمّة كتبها الأستاذ أحميدة النيفر قبل ذلك. إذًا كان ذلك بداية الخلاف، أنا أعطيك مثالاً، كان من بين عناصر الخلاف فكرة السريّة، كنّا نعتقد ولمسنا ذلك بشكل واضح أنّ السريّة تقتل المبادرة وتهيّئ المناخ لإمكانية أن يصبح الفرد في الجماعة مضادّاً للمجتمع، وبالتالي يمكن أن تكون السريّة مَدخلاً من مداخل التورّط في العنف، فجئنا على مستوى تجربة العاصمة لأنّ العاصمة كانت تحت تصرّفنا، نحن الذين انشقينا في ما بعد وغيّرنا بنية التنظيم بشكل جذري وألغينا فكرة السريّة وجمعنا كل العناصر الموجودين في الأسر المفتوحة والمغلقة جمعناها مع بعض في لحظة من اللحظات، واعتُبِر ذلك تمرّداً على التنظيم وبالتالي على فلسفة التنظيم.

 

محمّد علوش: حضرتك تعترف أنك كنت أحد القيادات، ولم تكن لديك مشكلة أو عقدة قيادة، وبالتالي من كان قائداً يُفترض أنّه مطّلع على كل تفاصيل عمل التنظيم.

في إحدى الحوارات لك، تقول أن أبرز الأخطاء التي ارتكبتها حركة النهضة آنذاك هو زرع جهاز أمني داخل أحشاء التنظيم. كيف يُعقل أن هناك جهازاً أمنياً داخل التنظيم وحضرتك قيادي غير مطّلع على الموضوع؟

 

صلاح الدين الجورشي: هذا اتهام، هذا جزء من فكرة الجماعة، وإحدى النقاشات التي خلقت ضجة كبيرة، نحن الجماعة أو جماعة من المسلمين من دون أل التعريف؟ لأننا عندما نعتقد بأننا نحن الجماعة، سنصبح نحن نواة مجتمع جديد ننوي بناءه، وعندما سننوي بناء هذا المجتمع الجديد علينا أن نكتشف أنّ هناك مؤامرات ضدّنا، ولكي نتصدّى لهذه المؤامرات بدأنا نشعر أنّ هناك من هو موجود داخل الجماعة يريد أن يعمّق ويرسل مجموعة من الطلبة للدراسة في الأكاديمية العسكرية، وبعد ذلك بدأنا نكتشف تدريجياً أنّ هناك جناحاً داخل الجماعة.

 

محمّد علوش: حصل بالصدفة الاكتشاف؟ كان هناك من يرتّب هذه الأمور في عمل حزبي له قانونه الداخلي، وأنتم جزء من هذا القانون الداخلي، ولم تطّلعوا عليه؟ اكتشفتم فجأة؟

 

صلاح الدين الجورشي: هذا لا يدخل في القانون الداخلي ولم يُكتب في أية لحظة من اللحظات، وإنما هذا بداية تفكير وتحوّل إلى تنفيذ قام به شخصان بدرجة أساسية.

 

محمّد علوش: مَن هما؟

 

صلاح الدين الجورشي: هما الأستاذ راشد الغنوشي والمرحوم صالح كركر.

 

محمّد علوش: لماذا لم يتم التشاور معكم؟

 

صلاح الدين الجورشي: هذا سؤال يُسأَل للمعنيّين بالأمر، لكن ربما هما اعتقدا بأنّ هذا موضوع سرّي جداً وخطير جداً، ولذلك ليس من المصلحة إشاعة المعلومات بين الأفراد حتى لا يُكتشَف هذا الجهاز، لكن في رأيي أنّه كان ذلك بداية الانحراف والانزلاق للجماعة في تنظيمٍ شبيه جداً بالإخوان المسلمين. لا تنسَ بأن العقلية التنظيمية هي عقلية إخوانية، وحسن البنّا عندما بدأ يتوسّع وشكّل التنظيم كانت هناك حلقات متعدّدة ومجموعات في الرياضة وفي الجمعيات الخيرية وكذا، وكان هناك جهاز سرّي كان يوفّر المعلومات الأمنية والعسكرية ثم يمكن أن يُعتمَد عليه في حال المواجهة.

 

محمّد علوش: لكن هذا تم حله في أيام حسن البنّا، جُدّد ربما في عهد سيّد قطب، أو يُقال أنّ سيّد قطب كانت له رؤية مختلفة، هذا يعكس، لا أدري إن كنت حضرتك تتّفق، أنّ التأثّر كان بسيّد قطب أكثر من حسن البنّا في هذه المرحلة؟

 

صلاح الدين الجورشي: سيّد قطب ولكن بالفلسفة التنظيمية للإخوان، لأنه ما دام قلنا إن راشد الغنوشي أصبح عضواً في التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، معناها جانب كبير من الفكر التنظيمي كان فكراً إخوانياً، وكان الولاء قائماً على هذا الأساس، والجهاز عندنا في تونس، هذا الجهاز العسكري والأمني، تمّ اكتشافه في ما بعد في مرحلة بن علي، وكان قبل مرحلة بن علي بقليل، كان هذا الجهاز هو الذي سيقوم بأول انقلاب على بورقيبة والمجموعة كانت مهمة جداً في هذا الجهاز، لأنّها لو تأجّلت قليلاً لحدث الانقلاب العكسي تماماً، بمعنى أنّ بن علي خطّط لكي يقوم بانقلاب في السابع من نوفمبر.

 

محمّد علوش: على بورقيبة؟

 

صلاح الدين الجورشي: على بورقيبة بينما المجموعة العسكرية الأمنية التابعة لحركة الاتجاه الإسلامي كانت تستعد للقيام بنفس العملية ولكن في ثمانية نوفمبر. إذاً الفارق الزمني كان 24 ساعة فقط، ولمّا قام بن علي بالانقلاب تراجعت المجموعة الثانية، وقالت حصل ما حصل، وخاصة أنّ بن علي برّر ذلك بأنه سيعود إلى الديمقراطية والحريّة، فقال الجماعة في داخل التجمّع.

 

محمّد علوش: لم يعد مبرّراً لوجود؟

 

صلاح الدين الجورشي: لم يعد هناك مبرّر، وانطلاقاً من هذا الاكتشاف الذي اكتشفه بن علي سنجد أنفسنا أمام اعتقال بعد فترة الجهاز السرّي للجماعة الذي بدأ يتحلّل بشكلٍ كبير.

 

محمّد علوش: هل تمّ اعتقالك أنت باعتبارك عضواً داخل الجماعة؟

 

صلاح الدين الجورشي: لا، أنا وقع اعتقالي في الفترة الأولى، وقع اعتقالي سنة 1981 وكان ذلك بتهمة أنني كنت أدرّس في أحد مساجد العاصمة واعتبُرِ أنّ كلامي في السلب ولم يكن جهاز المخابرات يميّز بين الذين بقوا داخل الاتجاه الإسلامي وبين من خرجوا عن الجماعة، وفي هذا الاتجاه تم اعتقالي ولكن لم أبقَ كثيراً في السجن.

 

محمّد علوش: قبل أن أسمع وجهة نظرك في ما يتعلق بالمبرّرات في إنشاء ما عُرف بالإسلاميين التقدميين، بكتابه "نظرية الثورة العربية" عصمت سيف الدولة يتحدّث عن مرحلة ظهور ما عُرف باليسار الإسلامي وهو كان موازياً أو أتى معقّباً لظهور الإسلام السياسي. نستمع إلى ما يقول في هذا الكتاب.

 

"نظرية الثورة العربية": في كتابه "نظرية الثورة العربية"، يقول عصمت سيف الدولة: "دخلت ساحة الحوار حول الاشتراكية جماعةٌ من المثقّفين في الدين تحاول إرجاع المقولات في الفكر الاشتراكي إلى منطلقاتٍ دينية، فأنشأت بداخلها تياراً يحمل شعار اشتراكية الإسلام أو الاشتراكية الإسلامية، وهو تيارٌ لم يكن اجتهاداً في الفكر الإسلامي بل كان دفعاً للفكر الماركسي".

 

محمّد علوش: انطلاقاّ مما يقول عصمت سيف الدولة، أنتم كان اتهامكم للإخوان المسلمين أو للجماعة الإسلامية أو للاتجاه الإسلامي في تونس أنّهم فكر وافد من خارج تونس، وهو فكر الإخوان المسلمين، ولكن أنتم وقعتم أيضاً في نفس المشكلة، الإسلاميون التقدميون فكر وافد من الدكتور حسن حنفي وهو مؤسّس اليسار الإسلامي في مصر، واعترفت حضرتك قبل قليل أنكم تأثّرتم بكتاب حسن البنّا "متى وكيف وأين"، فلماذا يُعاب على الاتجاه الإسلامي أن يأخذ من فكر الإخوان المسلمين من خارج تونس ولا يُعاب عليكم نفس الفعل؟

 

صلاح الدين الجورشي: أنظر، التيّار الإسلامي التقدمي نشأ قبل حسن حنفي وقبل أن يكتب حسن الحنفي شيئاً عن اليسار الإسلامي. نحن اكتشفنا في إحدى مطالعاتنا، نصّ المجلّة أو عدداً واحداً صدر من هذه المجلّة، بقلم حسن حنفي، يتحدّث فيه عن اليسار الإسلامي. إذاً نحن لسنا تابعين لحسن الحنفي لأننا وُلِدنا قبل أن ينشئ هو هذه المجلّة وقبل أن يستخدم هذا المصطلح. الأمر الثاني المهمّ أنّ اليسار الإسلامي لم يستعمله حسن الحنفي فقط وإنما تجد نصاً مهماً جداً لفتحي عثمان، فتحي عثمان كان أحد الوجوه الإخوانية التي ابتعدت عن الإخوان، صدرت مجلّة اسمها المسلم المعاصر وفي افتتاحية هذه المسلم المعاصر، كانت رغبة فتحي عثمان، لماذا لا تكون هذه المجلّة مجلّة الإسلام، اليسار الإسلامي؟ وحاول أن يبيّن أنّ كلمة اليسار الإسلامي لا تعني الماركسية والالتحاق بالماركسية وإنما تعني تموقع اجتماعي يهدف إلى الحرية وتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، وبالتالي الحقيقة ارتبط اسم أو مصطلح اليسار الإسلامي بحسن حنفي مع أنه كان صداه أوسع من إطار حسن حنفي.

 

محمّد علوش: هي نشأة ذاتية؟

 

صلاح الدين الجورشي: نشأة ذاتية، انفتحت بالضرورة على، ليس فقط على حسن حنفي، نحن كناّ الإسلاميين الذين شقوا عصا الطاعة أمام الوصاية الفكرية داخل الجماعة ولذلك نحن.

 

محمّد علوش: هل هذا السبب الذي دعا إلى ما تقول في أحد الحوارات أنه تشويه جماعة الإسلاميين التقدميين على يد رفقاء الأمس وهم حركة النهضة؟

 

صلاح الدين الجورشي: وهذا أمر مفهوم بالحقيقة لأن الجماعة عندما يتمرّد عليها جزءٌ منها تحاول بكل الوسائل أن تسحب منه الشرعية وأن تشكّك في مصداقيته وفي أصالته، ولذلك حوربنا واعتُبرنا أننا نمثّل الميوعة ونمثّل الانحراف الفكري وحتى اتهمنا البعض بأننا نتعامل مع الأمن هذا داخل في دفاع الجماعة عن نفسها، ولذلك في هذا السياق أخذوا من مصطلح اليسار الإسلامي الذي أصبح شائعاً في تلك الفترة لكي يقولوا بأننا نحن تأثّرنا بالفكر الماركسي، وبالتالي غادرنا المرجعية الإسلامية وأصبحنا جزءاً من العدّو الأيديولوجي ممثلاً في اليسار.

 

محمّد علوش: أشكرك حتى اللحظة أستاذ صلاح الدين الجورشي، على أمل اللقاء بكم في الأسبوع القادم، نتحدّث عن الأيديولوجيا التي حملها الإسلاميون التقدميون، وأيضاً لماذا لم يستطع هذا الفكر أن تكون له حيثية مجتمعية كما هو للحركة الإسلامية.

كلّ الشكر والتقدير لكم، كما أشكركم مشاهدينا على حُسن المتابعة، وإلى اللقاء.