مستقبل الاسلام السياسي في ظل أزمات العالم العربي

محمّد علوش: قرّرت حركة النهضة التونسية في مؤتمرها العاشر الفصل بين المجالين الدَعَوي والسياسي مع التجديد لمؤسّسها وزعيمها الشيخ راشد الغنوشي. القرار قوبل بالتشكيك من قِبَل بعض المتوجّسين من الإسلاميين، كما قوبل بالترحيب من قِبَل آخرين، في حين تفاوتت مواقف تيّارات الإسلام السياسي من هذه الخطوة التي أقدمت عليها حركة النهضة.

في هذه السلسلة التي تمتدّ على جزءين نحاول أن نفهم ما الذي تقصده حركة النهضة بالفصل بين الدَعَوي والسياسي، وما الذي سيترتّب على هذا الفصل في العلاقة مع بقية جماعات الإخوان المسلمين في العالم العربي، وهل ستدشّن الخطوة لمرحلة جديدة يسمّيها الشيخ راشد الغنوشي الخروج من عباءة الإسلام السياسي والدخول في عباءة الديمقراطية المُسلمة.

نستضيف في هذه السلسلة من تونس حمزة حمزة عضو مجلس شورى في حركة النهضة، من مصر أحمد بان الكاتب والباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، ومن الأردن حسن أبو هنيّة الكاتب والباحث في شؤون الحركات الإسلامية. فاهلاً ومرحباً بكم.

نرحّب بكم جميعاً ضيوفنا أهلاً وسهلاً بكم. دعنا نبدأ معك أستاذ حمزة حمزة.

طبعًا المؤتمر العاشر لحركة النهضة كان فيه قرار كبير جداً اعتبره البعض والمراقبون تحديداَ لا سيما الدعوة للفصل ما بين المجال الدَعَوي والسياسي، وهو ما قرّره المؤتمر إضافة إلى انتخاب الشيخ راشد الغنوشي زعيماً للحركة مرة أخرى.

ما المقصود بالفصل بين المجال الدَعَوي عن المجال السياسي؟

 

حمزة حمزة: أهلاً بكم وأهلاً بقناة الميادين. نحن نعتبر أنّ هذه الخطوة التي اتّخذتها الحركة هي نتاج لتفاعل سنتين من الحوار ومن قبل كانت الحركة مُهّيأة إلى أن تخوض هذه التجربة وأن تصل إلى هذه النتيجة وهي الفصل. الحقيقة هو ليس فصلاً ولكن تخصّصاً تخصّص في العمل السياسي، حزب وطني يتخصّص في العمل السياسي، هذا هو الأساس لأنّ الحركة منذ نشأتها، نشأت حركة شمولية، نشأت في المساجد، وكان التحدي الأول هو العدوانية الشرسة للهويّة في أيام بورقيبة. إضافة إلى ذلك إن الدولة انمزجت في رئيسها، حيث أنك طعنت بكلمة برئيس الدولة، أنت تطعن في الدولة ككل. وبقية الحركة تدافع عن هذا الأمر في البداية، ثم بعد ذلك جاءت الأحداث الاجتماعية والحركة رأت وتطلّعت لأن يكون لها دور في المسألة الاجتماعية مع أحداث العام 78، ثم نادت بحزب سياسي عام 81 وأطلق عليها الإسم من خارجها، الاتجاه الإسلامي، أحد المفكّرين وأحد السياسيين من خارج الحركة، وأيضاً أطلق عليها اسم الإسلام الاحتجاجي، وأطلقت عليها الدوائر الغربية الإسلام السياسي، فكان الحصر في هذه الدائرة على أساس أنّ هذا الإسلام هو احتجاجي بقصد حصره في دائرة الاحتجاج ومعارضة الدولة أساساً بعيداً عن واقع المجتمع. الآن، نحن نجد أنفسنا أمام تحدّيات كبرى بعد ثورة 14 كانون الثاني، بعد الثورة التونسية الكبيرة، هذا التحدّي كان يفرض علينا أن نكون ضمن الحاضنين لهذه الثورة والمؤملين للتجربة الديمقراطية فيها، وأيضاً المستجيبين لمتطلّبات الشعب التي كانت أساساً جزءاً من الثورة، هي ثورة الكرامة وهو أمنهم وشغلهم ومعيشتهم ورفاهيتهم وهذا يحتاج منا إلى أن نكون في قلب هذه المعركة الأساسية.

فلما كان الواقع يختلف تماماً عن هذه الأهداف للثورة كان على الحزب أن يتخصّص أساساً في مجالات أولاً ما أُنيط به المجال السياسي، والجزء الثاني وهو معركة الهويّة خضناها على مستوى الدستور وثبّتناها في عنوان أول في الدستور، أنّ الهويّة للدولة إسلامية، الدولة عربية ودينها الإسلام، فمعركة الهويّة كانت مستفزة قبل الثورة وبعد الثورة أصبحت مؤمّنة في داخل الدستور، فإذاً لا داعي في أن تكون المسألة الدينية من مناط الأحزاب السياسية، إضافة إلى مسألة أنّ الحزب الإسلامي السياسي هذا يجب أن نخرج لنكون جزءاً من الدولة، نعمل في إطار الدولة، في إطار متطلّبات ما يريده شعبنا وتحقيق الرفاهية ومقاومة الفقر ومقاومة الحرمان ومقاومة الظلم وتثبيت التجربة الديمقراطية.

إذاً كان هذا هو الدافع للفصل، أساساً كان هو الدافع في الحقيقة التخصّص، يجب أن تتحوّل مناشط الدين والثقافة بأكثر حريّة وبأكثر انفتاح من دون أن تكون مستفزّة من قِبَل السياسيين ولا السياسيون مستفزّين من قِبَل هذه المسألة، المسألة الدينية أو ما يُسمّى بالمسألة الدعوية.

 

محمّد علوش: سأفصّل بها. إذاً هو دعوة إلى التخصّص وليس تراجعاً عن الطرح الإسلامي في ما يتعلق لدى الحركات الإسلامية بشمولية الإسلام لكل مناشط الحياة من الاجتماع إلى السياسة إلى الاقتصاد.

أريد أن أسألك أستاذ حسن أبو هنيّة في ما يتعلّق على الأقل في حركة النهضة، تراه قراءة تأصيلية فيها مراجعة لأدبيات الحركة، أم أنّ الظروف السياسية، داخلية وخارجية فرضت على حركة النهضة نوعاً من الخطاب السياسي الذي ربما لا يكون إلا في ظاهره نوعاً من الفصل بين السياسات والدعوة؟

 

حسن أبو هنيّة: أعتقد في النهاية  لا يمكن فصل ما هو ذاتي عما هو موضوعي وإلا ندخل في إطار الأيديولوجيا، وبالتالي يصبح الأمر أقرب إلى الدوغما حتى لأن الحركة تدرك كحركة اجتماعية سياسية، وبالتالي هي تدرك هذه التحدّيات، هذه التحدّيات الموضوعية التي تفرضها طبيعة السلطة، وهي السلطة العربية على رغم كل الحديث عن التحوّلات في العالم العربي، ما بعد الربيع العربي، لكن نعلم أنّ هذه الانقلابات وحتى في حال تونس التي لم يحدث فيها هذا الانقلاب بالمعنى الراديكالي الواضح، ولكن نحن نعلم أن هناك عودة للأنظمة السلطوية. كنّا نحن في الفضاء العربي أنظمة شبه سلطاوية، كانت حركات إسلام سياسي أو حركات إسلامية تعمل في إطار ضمن حدود لعبة محدّدة سلفًا، في إطار الدولة الوطنية الجاهلة، ولكن نعلم أنّ الآن لم يكن ممكناً لحركة النهضة كما حدث لحركات أخرى إسلام سياسي وممثلّها الأبرز جماعة الإخوان المسلمين التي تعرّضت للحظر والاستئصال والاستبعاد وبالتالي الانقلاب، ولذلك أعتقد بأن حركة النهضة كانت على مستوى من الإدراك والوعي بأن تدرك بأنها أمام تحدٍ موضوعي، هذا على جهة العلاقة مع السلطة التي هي الدولة الحديثة، التي هي لا يمكن أن تقبل بحركة تريد، كما يُطلق مفارقة ديمقراطية أن تنقلب على نتائج هذه الدولة او هناك على الأقل مخاوف من قِبَل الدولة وحتى من قِبَل أطراف مجتمعية وهذا ما دفع النهضة.

لكنا كما أشار الأستاذ حمزة فعلاً هذه هي  مشكلة حركات الإسلام السياسي بغضّ النظر عن التسمية، لكن هذه التسمية على الأقل التي يمكن استخدامها هي حركات فعلاً بدأت حركات إحيائية دينية، وبالتالي ترتكز على موضوع الهويّة فيها، هذه منذ المرحلة الكولونيالية الاستعمارية بعد انهيار أو إلغاء الدولة العثمانية 1924 ووجود الاستعمار ومع الدولة الوطنية دخلت في مشكلة هويّة الدولة، وأعتقد أننا في العالم العربي لا زلنا نحن لم نحسم خيارات هويّة الدولة المجتمع.

في الحال التونسية نعلم أنّها كانت نوعاً من العلمانية اليعقوبية اللائكية الجامدة على خلاف كل الدول العربية التي كانت دائماً تنصّ دساتيرها على أنّ دين الدولة الإسلام يُشترط في الرئيس أن يكون مثلاً مسلماً، وبالتالي هذا في تونس قد يُعتبَر إنجازاً، لكن حركات أخرى كانت تعتبر بأنّ هذه مرحلة مشكلة، لكن أعتقد أنّها مشكلة النهضة كما مشكلة الإسلام السياسي، هي مشكلة أنّها تعمل في إطار ما يُطلق عليه أستاذنا طه عبد الرحمن دولة مُشتبهة، هي دولة أصلاً ليست كما هي العلمانية في الغرب، هي دولة مُشتبهة تتبنّى الإسلام في كل دساتيرها وتنص على أنّ دين الدولة الإسلام ومع ذلك تنافس، والحركات الإسلامية حركات إسلامية، حينئذٍ تحوّلت إلى شبه سياسية مع التحوّلات التي دخلت إلى المجال السياسي، وبالتالي هي حركة شبه سياسية في نظام شبه سلطوي أيضاً، لأنّ النظام السلطوي يُغلق المجال العام، وبالتالي أنت تصبح في السجون كما كان الإخوان في عهد عبد الناصر أو الآن في عهد السيسي، وبالتالي أنت تعمل في نظام شبه سلطوي، النظام الديمقراطي أيضاً يتطلّب نوعًا من الانفتاح، حركة النهضة تدرك بأن هذه الدولة الحديثة كتنظيم بيروقراطي عقلاني لها جهازها الأيديولوجي والقمعي، لا يمكن أن تقبل أن تزيح أو عبر سلسلة، هناك شكوك.

 

محمّد علوش: لكن هناك إشكالية ليست جدلية، العلاقة مع السلطة إذا ما كانت السلطة مُستبدة أو مُنفتحة، وتبني نفسها كما يحصل الآن في الحال التونسية.

أستاذ أحمد، أستشهد هنا بدراسة للأستاذ مصطفى حمزة وهو أيضاً مصري، رئيس مركز دراسات الإسلام السياسي. يقول: "فصل الدين عن السياسة عند الإخوان وغيرها من تيّارات الإسلام السياسي أمر مستحيل لأنه جزء من عقيدتهم التي تدعو إلى شمولية الدين الإسلامي". برأيك، هل للممارسة السلطوية أياً كانت، في أي بلد عربي، دور في التكلّس كما يُسمّيه البعض والتأخّر في عملية المراجعة التي أخّرت موضوع الخصخصة كما يقول الأستاذ حمزة، التخصّص في الفصل ما بين المجال الدَعَوي والسياسي، أم أنه لا، بالفعل الممارسة السياسية حالت بشكل كبير جداً دون إيجاد هذه المُراجعات المعمّقة لدى الحركات الإسلامية وبالتالي أصبحت العلاقة وكأننا نتكلّم عن ورقة ذي وجهين؟

 

أحمد بان: تقريباً نستطيع أن نقول قياساً على أن كلنا عرب، نستطيع أن نقول أنّ كلّ الحركات الاجتماعية تعاني تقريباً من نفس الأمراض البنيوية والمشاكل الذاتية ومنها غياب فضيلة المراجعة وفضيلة التقويم المستمر للحركة والسلوك والأفكار، هذه الفضيلة الحقيقة في واقع حركات الإسلام السياسي وتحديداً إذا تحدّثت عن مصر، تحديداً منذ نشأتها يغلب عليها أو يسبق الحركة الأفكار دائماً، الحركة تسبق الأفكار الأفكار، تستدعى بعض الحركة لتسويق هذا السلوك، الأفكار دائماً تأتي لاحقاً.

 

محمّد علوش: تقصد الحركة هنا الممارسة السياسية للحركة؟

 

أحمد بان: الممارسة السياسية أو الممارسة الاجتماعية أو أياً كان شكل الممارسة في النهاية تبدأ في التحرّك ثم تتحدّث عن تسويق ذلك أو تقنين ذلك أو تبرير ذلك، هذه الثقافة التبريرية التسويهية المُستمرّة في هذا العقل جعلته ينفر من فكرة المراجعة ويثمّن فكرة العمل والحركة المستمرة حتى لو كانت من دون أفق واضح. في تاريخ الإخوان على سبيل المثال قضية المراجعة هذه شغلت بعض المجموعات داخل الجماعة في زمن مُبكر أو في فترة مُبكرة من تاريخ الجماعة، العام 1947 اكتشفت مجموعة من نبهاء الإخوان ومنهم الدكتور أحمد العسّال والدكتور يوسف القرضاوي والدكتور جمال الدين عطية وكانوا شباباً في العشرينات أنّ جسد الجماعة يكبر بينما عقلها يضمر بفعل الزاد المعرفي المحدود والقاصر الذي تقدّمه الجماعة عبر مُرشدها وجلساته وأفكاره الرئيسية، لأنه ظل حسن البنّا هو المُفكّر والمُنظّر والمُعلّم ولم ينتج طبقة من العلماء والمفكرين الذين يستطيعون تجديد أفكار هذه الحركة، فتفتّق ذهنهم وقتها عن فكرة أن ينشئوا مجالس العلماء والمفكّرين من خارج حركة الإخوان، والغريب أنّ حسن البنّا امتدح هذا المسعى لكن هذه الفكرة التي كان يُراد لها أن توسّع عقل الجماعة أو أن تنتج عقلاً خاصاً أو عقلاً يستطيع أن يفكّر ويدبّر للجماعة قطعتها التطورات التي حدثت في تاريخ مصر في علاقة الجماعة بالسلطة وسيطرة النظام الخاص على مقدّرات الجماعة. وفي تقديري أن هناك مجموعة من الأخطاء الاستراتيجية صنعت هذا المصير لجماعة الإخوان بدأت بفكرة أن تطرح نفسك كصيغة شمولية في دولة كما تفضل أستاذنا حسن، فكرة شبه دولة، شبه دولة وطنية بالفعل كأننا أمام دولة حقيقية ببناء على النَسَق الغربي لكنها تفتقر إلى كل سياقات الدولة الوطنية في الغرب، ومن سمة تفاعلنا معها بمستوى من الجديدة وظللنا نقف خلف شعارات ومقولات تقوم على التمنّي وليس الاحتكام للواقع وهذه ربما مشكلة أخرى لدى الحركات الاجتماعية والسياسية المحسوبة على الحال الإسلامية لفكرة الانفصال عن الواقع والإحالة للعموميات والرموز كالإحالة للتاريخ والإسقاط التاريخي ومركزية فكرة المحنة وفكرة التمحيص وغيرها من الأفكار التي ليس لها علاقة في حقيقة الأمر بنواميس هذا الكون حتى بالنظر إلى خطاب هذه المجموعات التي تقوم على التدافع.

 

محمّد علوش: جميل هذا التمهيد أو القراءة العامّة قبل أن ندخل في التخصّص على الأقل في الحال الإخوانية في مصر.

أعود إليك أستاذ حمزة لأسأل، ونقلاً عن الدكتور جاسم سلطان، يقول الآن مع مسار حركة النهضة بعد موضوع الآن إعلانها التخصّص، ستحتاج إلى أيديولوجيا مركزية جديدة وسردية تاريخية جاذبة قادرة على إقناع كوادر النهضة بجدوى وصوابية التوجّه السياسي الجديد علماً أنّ حركة النهضة كمشروع نهضوي قامت في تونس، جزء أساسي من توجّهها الاجتماعي أنها طرحت الإسلام بشموليته وأنها قارعت السلطة وأنها وقفت موقف المعارض للسلطة التي كان يتحدّث عنها، الدولة الكولونيالية بهذه الطريقة اليعقوبية.

الآن هل نحن أمام أيديولوجيا جديدة بالفعل تتهيّأ حركة النهضة لها؟

 

حمزة حمزة: الحقيقة أنّ المفهوم هو العكس، حركة النهضة جاءت لتلغي الايديولوجيا نهائياً، هذه الخطوة الأولى. الخطوة الثانية.

 

محمّد علوش: هل هناك أحزاب ليس لها أيديولوجيا؟ هو سؤال أيضاً.

 

حسن أبو هنية: ربما بالمعنى السلبي للأيديولوجيا.

 

حمزة حمزة: أيديولوجيا بالمعنى السلبي.

 

حسن أبو هنية: بالمعنى السلبي وليس البرامجي.

 

حمزة حمزة: هناك قضايا الناس وهناك قضايا الوطن وهناك بناء الوطن، الحركة تريد أن تبني حزباً وطنياً مرجعيته هي هموم الناس وقضايا الناس إلى غير ذلك، وأيضاً في البداية الحركة منذ السبعينات ومنذ فجر الثمانينات كانت متدافعة في اتجاه التطوير، أنت تعرف أنّه مبكّراً خرج الإسلاميون التقدميون وقضايا طُرحت مبكّراً في الداخل، أيضاً انفتاح الحركة على العمل النقابي والعمل الاجتماعي، انفتاح الحركة في الجامعة أيضاً، دور الشباب في الجامعة وانفتاحهم على مدارس متعدّدة في الحياة السياسية، صحيح انفتحوا على حركة الإخوان في البداية، لكن كان للسودان تأثير والثورة الإيرانية وعلي شريعتي كان له تأثير، فكان هناك عديد المدارس وأيضاً اليسار وقربهم من المدرسة الغربية، أيضاً كان كل هذا له تفاعل كبير جداً، وبالتالي الحركة الآن هي تتّجه في هذا التطوّر، بناء الحزب الوطني الذي يخوض مشاكل الناس ويخوض هموم الناس.

 

محمّد علوش: ألا يُخشى أن يؤدّي إلى انشقاق داخل بُنية الحركة لا سيما من طيف واسع كبير؟

 

حمزة حمزة: أنا ما قدّمته لك هو لا يؤدّي إلى انشقاق لأن كل قواعد الحركة انطلقت شابّة، انطلقت مُتفاعلة، انطلقت من الجامعات، فليس هناك تمترس حول أيديولوجيا معيّنة، حتى مسألة الدعوة، هذه مسألة بين قوسين لأننا نحن لسنا جماعة دَعَوية أصلاً، نحن نتحدّث عن الإسلام الذي يخصّ المجتمع ككلّ، نحن حوصرنا، أريد لنا أن نبقى احتجاجيين في ما يُسمّى بالإسلام السياسي أو الإسلام الاحتجاجي، نحن نريد أن نخرج من هذا الضيق، من هذا المربّع، إلى سعة الإسلام الرّحب، نحن نريد أن نخدم الناس في العدل وفي الأمانة وفي مقاومة الظلم.

 

محمّد علوش: جيّد، هو الكلام فيه بعض الدبلوماسية، لكن البعض يقول ولا سيما أنه في المؤتمر الأخير الذي حضرته بعض الشخصيات، أستاذ حسن، يقول كان هناك تهميش واضح وإصرار على إلغاء حضور الإخوان المسلمين، الفرع المصري، أو التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، بل أكثر من ذلك هناك عملية تنصّل، حتى وكالة فرانس برس تنقل عن بعض الشخصيات، عن دبلوماسي غربي، تقول الوكالة أنّ الشيخ راشد الغنوشي غالباً ما يحاول أن يظهر نفسه أمام الغربيين أنه مختلف عن الإخوان المسلمين.

تقديرك، هي عقدة نقص أم مراجعة أم حَرَج سياسي الآن يعيشه في ما يتعلّق بالعلاقة مع إخوان مصر؟

 

حسن أبو هنيّة: لا، أنا أعتقد أن منطق، علينا أن ندرك بأن الشيخ راشد الغنوشي وحركة النهضة برأيي قد دخلت حتى مبكراً في مفهوم ما بعد الإسلام السياسي بينما جماعة الإخوان المسلمين بقيت في إطار الإسلام السياسي، وبالتالي هناك فروقات كبيرة، الإسلام السياسي تنظيم عادة، حركة اجتماعية ترتكز على مفهوم الهويّة والماضي والشمولية والأيديولوجيا، وكلّ هذا بينما ما بعد الإسلام السياسي باختصار بحسب أوليفيرو أنها تتموضع في إطار الدولة الوطنية أو بحسب أصف بيات أنّها تتحوّل من مرجعية الماضي إلى مرجعية القانون والمشاركة والديمقراطية، إلى المستقبل، إلى موضوع المرأة، هذا غير إذاً، ولكنها في إطار دولة وطنية، ترى أنت حركات الإسلام السياسي لم تكن تشعر بأن هناك مشكلة بين الديني والسياسي على الإطلاق، وكانت لأن الدولة أيضاً مُشتبهة ولم تقم هناك إشكالات ولم تكن لها طموحات الحركات الإسلامية إلا مشاركة جزئية، لكن مع تطوّر الوضع، وبالتالي أصبحت هناك، أعتقد بأنّ حركة النهضة دخلت منذ فترة بعيدة بمفاهيم الإسلام السياسي عندما نتحدّث عن مفاهيم كالديمقراطية التعددية وغيرها، هذا كان يُعتبر لدى الإسلام السياسي كفراً، بعضهم كان يقول بأن هذه ردّة وكفر، هذا ليس سراً، بينما الشيخ راشد الغنوشي عندما كتب عن الحريّات والدولة المدنية والديمقراطية.

 

محمّد علوش: كان متقدّماً ومتأثّراً كان بالدكتور حسن الترابي في هذه المجالات.

 

حسن أبو هنية: طبعاً وأنا باعتقادي النهضة ستدخل في مشكلة ذاتية لا شكّ، لكن أنا أعتقد عليها أن تخرج كما حدث مع العدالة والتنمية التركي، وخرج من أربكان.

 

محمّد علوش: ينفي فروقات البعض.

 

حسن أبو هنيّة: طبعاً هناك فروقات.

 

محمّد علوش: لكن الإشكالية هنا أستاذ حسن، وطبعاً أتوجّه بالكلام إليك أستاذ أحمد، أنّه هو عبارة عن تلطيف جديد لمراجعة معمّقة في انحراف، في زاوية على الأقل، 90، إلا لم يكن 180 درجة باتجاه كما يقول الدكتور حسن نافع، يقول هي تسمية خجولة للفصل ما بين الدين والسياسة أو لفصل الديني عن السياسي، عودة إلى المربّع الأوّل الذي كانت تطرحه الأحزاب العلمانية، علماً أنّ الصراع كان ما بين الإسلاميين والعلمانيين صراعاً أيديولوجياً، الآن وكأنّ الإسلاميين من خلال بوابة حركة النهضة يقولون كان معكم حق أيها العلمانيون. هل تقرأ هذا التحوّل بهذا العمق الذي يسميه الدكتور حسن؟

 

أحمد بان: أنا أتصوّر أنّ هناك فارقاً موضوعيًا بين حركات الإسلام السياسي المغاربي وحركات الإسلام السياسي في المشرق، حتى في أفكار الغنوشي، الإخوان رافد من روافد حركة النهضة وليسوا الرافد الوحيد، استفاد كما تفضل أستاذنا من تجربة حسن الترابي، استفاد من تجربة الثورة الإيرانية، استفاد من علي شريعتي وكتاباته، استفاد من جملة الأفكار المتناثرة سواء في العالم العربي أو الإسلامي أو العالم الغربي، وبالتالي استطاع أن يطوّر أفكاره الخاصة ومقاربته الخاصة. إذا عدنا إلى الإسلام السياسي المغاربي، نجد أنه نشأ على أرضية المقاصد، بينما المشرقي نشأ على أرضية الطقوس والنصوص، وبالتالي هذا فارق موضوعي يشرح الكثير من مآلات وتطوّرات الحال، تطوّرت الحال في المغرب العربي على قاعدة المقاصد فخرجت من أسر مجموعة من المقولات المتكلّسة واستطاعت أن تنتج مقاربتها الخاصة مع الواقع، بينما التصقت مجموعات الإسلام السياسي المشرقي بالطقوس والنصوص وظل ظلها الكثيف يلقي بآثاره على حركتها وتفاعلها مع الواقع، وبالتالي سنجد أنّ البعض يستغرب أفكار الغنوشي أو مقاربة من دون أن ينتبه إلى هذا الفارق الموضوعي الذي يحاول تنميط الحال الإسلامية ويعتبرها حالاً واحدة لأنّ حتى الغنوشي يصف الإخوان في كتاب من كتبه السلفية الإخوانية الوافدة من المشرق، ولم يجرؤ أحد من قيادات الإخوان أن يكتب بهذه الطريقة طوال الوقت، كان على يسار التنظيم في مصر وفي مراحل متعاقبة.

 

محمّد علوش: لكن ما مدى جدّية وصوابية القول بوجود الخصوصية المغربية والآن حركة النهضة تقول أنه حتى لديها خصوصية تونسية؟

أسمع منك الإجابة بعد فاصل قصير لو سمحت لي أستاذ حمزة حمزة.

فاصل قصير مشاهدينا، أرجو ان تتفضلوا بالبقاء معنا.

 

 

المحور الثاني

 

محمّد علوش: نجدّد بكم الترحيب مشاهدينا في هذه الحلقة التي نتحدّث فيها عن حركة النهضة التونسية وفصلها ما بين المجال الدعوي والسياسي وكيف ينعكس أو كيف يُقرأ حتى من قَبَل النخبة العرب وكذلك من قِبَل تيّارات الإسلام السياسي في بقية الدول العربية.

كنت سألتك قبل الفاصل أستاذ حمزة حمزة ما إذا كانت هناك خصوصية بحركة النهضة التونسية وهناك خصوصية مغاربية علماً أنّ المؤرخ العربي بشير نافع يقول ليست الخصوصية المغاربية في الواقع سوى أسطورة مُصطنعة وأن النهضة، أي حركة النهضة كما بعض المثقفين المغاربة باتت تصدّق ما يبدو أنها ساهمت في إصطناعه.

ما رأيك بهذا الكلام؟

 

حمزة حمزة: الحقيقة أنّ هذا العمل بمقولة لو خرجت من جلدك ما عرفتك هذه قضية مشكلة كبيرة جداً تنتاب بعض النُخَب العربية في أن يفهموا واقعهم على حقيقته، الحركة التونسية لم تكن أصلاً منذ فجر السبعينات حركة إخوانية ولم نعش هذه اللحظة في ارتباطنا بالإخوان، في إدارتنا للتنظيم في الداخل على الإطلاق، شبابنا كله الذي نشأ من فجر السبعينات إلى الآن لم يكن هكذا. كلنا صحيح تتلمذنا على مدرسة الإخوان وكنا في إطار الثقافة الإخوانية في تلك الفترة، لكن بمجرد ما وجدنا التحديات الكبرى وكَثُر عددنا في الجامعات وأصبحنا نشكّل وزناً انغمسنا مباشرة في ما وجدناه من حكمة التقطناها في المدارس الأخرى كلها، فمبكراً نحن أدخلنا المرأة في العمل السياسي في الجامعات في فجر السبعينات، ومبكراً دخلنا العمل النقابي، مبكراً دخلنا ومبكراً أدرنا العملية السياسية منذ فجر 81 منذ البيان الأول التأسيسي 81، وبالتالي مقولة أننا نحن نعمل في عملية مسح أو تزيين أو غير ذلك، هذه المقولة خاطئة لأنه هذا حوار مستمر من فجر السبعينات إلى الآن، كان ضاغطاً على الحركة أن تبحث على هويتها الوطنية أساساً وأن تحتلّ موقعاً متقدّماً في إدارة الشأن العام لهذا الوطن. لمّا استقرّ بنا الأمر وكنّا أصحاب حظ وافر في بناء الدستور فجر ثورة 14 كانون الثاني واطمأنّينا على الهويّة التي كانت تضرب بشكل كبير جداً وكانت مُستفزة لكل أطياف المجتمع، أصبح من الضروري أن نعيش إسلامنا الحقيقي، الإسلام التونسي، نحن كل قوانيننا، كل تأثيرات الواقع الاجتماعي وغير ذلك مُستمدّة من المصلحين، من خير الدين للطاهر الحداد إلى بن عاشور، إلى كلها كانت مستمدّة من ذلك العمق الكبير، وأيضاً الفقه المقاصدي الذي كان يسود المدرسة المغاربية بصفة عامة، فلم تكن لدينا عِقَد في أن نتطوّر في هذا الاتجاه وأن نعيش المسألة السياسية بكل وضوح وأن الآن قناعتنا أن يتحوّل الإسلام الحقيقي، الإسلام الذي يعيشه شعبنا. لماذا نستفز شعبنا بأننا آتون من المريخ نحن بإسلام جديد؟

 

محمّد علوش: ما تفعله الحركات الإسلامية في أماكن أخرى وكأنها تطرح نفسها إنها قادمة بإسلام جديد؟

 

حمزة حمزة: هذه تسمية أريد لهم أن يكونوا كذلك، وُضِعوا في مربّع بقيوا سجناء فيه، نحن نريد أن نخرج من هذا السجن، نريد أن نخرج إلى رحابة الإسلام وإلى رحابة الوطن الذي نريد أن نبنيه على أساس التجربة الديمقراطية الصحيحة ونثبت هذه التجربة لأنه الآن مُهدّدة هذه التجربة بشكل أو بآخر، بالدولة العميقة، مُهدّدة بالمخاطر الخارجية، نحن نريد أن نثبتها ونبني على أساسها وندفع النُخب والأحزاب السياسية وخصومنا السياسييين والفرقاء الموجودين في داخل الوطن بأن يجعلوا مصلحة الوطن هي الأولى وأن يكون هذا الوطن قائماً على أساس الاهتمام بمصالح المواطن، الاهتمام بأمنه، الاهتمام بمعيشته، وأيضاً الاهتمام بهويّته، وهذه الهويّة يجب أن تنطلق في الفضاء الرحب، ليست في فضاء حزب سياسي. ماذا نبقى نسجنها في فضاء حزب سياسي؟ نحن نعتبر وقننّا في الدستور هذا، أنّ الدولة هي راعية الدين، هي حامية الدين، وبالتالي على الذين تبنوا مسألة التعليم والتثقيف والمسألة الاجتماعية أو غير ذلك أن يعملوا على دعم المجتمع المدني، لأنّ السلطة تميل بأصحابها إلى، إذا كانت السلطة السياسية وحدها قويّة فلا بدّ أن يكون مجتمع مدني قوياً ورافعة قوية، وبالتالي نحن في تخصّصنا أبناؤنا يجب أن ينطلقوا في هذا الفضاء الرحب لتقوية هذا المجتمع المدني من ناحية، ومن ناحية ثانية لتأمين التجربة الديمقراطية ولتأمين الحريّات ولتأمين الثورة في استمرارها في أن تنتج بعد ذلك الحركات الإسلامية من خارج القُطر، من خارج في الوطن العربي رأت في تجربتنا حكمة ورأت فيها تجربة، يريد أن يقلبوا منها أو يستمدّوا منها الشيء الذي يريدونه وينطبقوا مع واقعهم فهذا.

 

محمّد علوش: قبل الحديث عن استقراء أو استلهام تجربة حركة النهضة لدى التيّارات السياسية الإسلامة الأخرى، البعض يقول على مستوى القراءة النظرية أو الاستقراء النظري السطحي، نجد أنّ العدالة والتنمية في المغرب كان متقدّماً أيضاً في الفصل ما بين الدَعَوي والسياسي، الآن حركة النهضة على سبيل المقاصد الذي ذكرته حضرتك أستاذ أحمد أيضاً، الوجه المغربي كان متقدّماً على المشرقي أو بعض المتخصّصين، يقول بعض المتخصّصين وأريد أن أسألك أستاذ حسن، يقول أن ذلك يعود إلى أن المذهب الذي ساد في شمال إفريقيا هو المذهب المالكي وفي جزء منه قائم على المقاصدية التي أصّل لها ونظّر لها الإمام الشاطبي في حين في العالم المشرقي هناك الفقه الذي ساد وتحديداً في مصر هو فقه الإمام الشافعي الذي أعلى من شأن السنّة والنصّ على حساب المقاصدي.

تقديرك، هل هذا فيه نوع من المبالغة في هذا الفصل وفي هذا التحوّل والتخصّص كما يقول البعض أو الخصوصية المشرقية عن المغربية؟

 

حسن أبو هنيّة: لا، هناك خصوصية على الرغم من ربما تحفظنا على شكل هذه الخصوصية، لكن بالتأكيد هناك خصوصية حتى بين البشر كأفراد وهناك بين المجتمعات وبين الدول لا يمكن أن تلغي هذه الخصوصية، لأنه في النهاية تشكّلت ما بعد المرحلة الكولونيالية الاستعمارية مناطق حضارية، فضاءات أو دولة وطنية، وهي عبر التاريخ تربّت على منظومة من الأفكار ومنظومة من السلوكيات، وبالتالي أصبحت لها خصوصية ليس بالمعنى الاستشراقي، بمعنى أنّ هناك عقلاً مشرقياً يعاني من حال من الجمود والترهّل وهناك عقل مغربي، هذا ليس صحيحاً، ولكن حتى المقاصدية نعلم أن أصل المقاصدية مشرقي، لم يأخذها الشاطري إلا من الجويني في المشرق، كلّ الأفكار الكبرى كانت تأتي من المشرق ثم يأخذها المغرب وحتى عندما أُعيد نشر فقه المقاصد ما نشره محمّد عبدو وليس المغاربة من اكتشفه هو المشارقة.

إذاً ليس الأمر لكن أعتقد أن الخصوصية نشأت في إطار الدولة الوطنية الحديثة، هنا المشكل وليس متعلقاً بأفق تاريخي أبعد من ذلك بكثير، مثلاً هذه هي التجربة، التجربة التي خاضتها مثلاً حركة التوحيد والإصلاح في المغرب، أو النهضة في تونس مختلفة عن التجربة التي خاضها مثلاً الإخوان المسلمون في الأردن ومصر. هل الإطار الذي خضع لإطار يقوم على العلمانية التي تعني تفتيت المقدّس بالتاريخ بينما اللائكية تعني قطع العلاقة مع المقدّس ولذلك الأستاذ حمزة يقول هويّة نحن ليس لدينا مشكلة بالمشرق العربي حول موضوعات الهويّة لأنّه منصوص عليها منذ الدساتير الأولى موضوعات الهويّة، وهذا ما أُثير مرات أخرى في مصر عندما بدا أن هناك مرحلة من التحوّل وهناك رهان مرّة أخرى أسقطته الصناديق، أصبح هناك مرّة أخرى يُضاف صراع هذه مشكلة في العالم العربي كله، لكن قد تبدو خصوصية أكثر في المغرب مثلاً من هذه الناحية من المشرق العربي، ولكن أنا أعتقد بأنّ التحدّي في المغرب العربي كان بحكم هذا الاختراق ربما من الفضاء الفرنسي أكثر، وبالتالي عملية الفصل، كل أطروحات الفصل جاءت من النسق المغربي مارسيل بوشي، دين خروج من الدين مفهوم، وليس بالمفهوم الانغلو ساكسوني، الذي يندرج فيه ما قام به الدكتور حسن الترابي في هذا الإطار، وتأثّر أيضاً بالمدرسة الفرنسية التي درس فيها، بالتأكيد هذا هو، لن تجد مقولات الفصل غير مستوعبة مشرقياً، لماذا؟ ليس لأنهم متقدّمون في المغرب، لأنهم خضعوا لتجربة فرنسية تشدّد دائماً على عملية القطع والفصل، ولذلك كان لديهم إشكال لم يكن لدينا في المشرق. إشكاليتنا في المشرق أن هناك دولة ليست سلطوية بهذا المعنى، بالمعنى الديني، عندنا دولة كانت، لا أحد يجادل بموقع الدين في المجال العام، كان هناك جدل في موقع الدين في السياسة، ولذلك الجهاز الدولة الوطنية أنشأت جهازاً رسمياً للدين، ولكن لم يكن كافياً كان ينافس إسلاماً رسمياً، وكانت هناك تحالفات في المشرق إما ضدّ اليسار والقومية أو ضدّ أعلام فكر.

 

محمّد علوش: على ذكر اليسار والقوميين، النُخَب العربية بشكلٍ عام غير الإسلامية لا سيما الليبراليون منهم، أيضاً تجد هناك إشكالية حتى في التعاطي مع الإسلاميين، هناك من قدّم طروحات، على سبيل المثال ما تقدّمه حركة النهضة.

الأستاذ جمال خاشقجي الكاتب السعودي المعروف يقول: "لماذا لم يرحّب الليبرالي العربي بتحوّل النهضة إلى الديمقراطية وليبرالية لكم ولي ديني"، أليس هذا ما كان يدعو إليه ويسميه الوسطية والاعتدال؟

تقديرك، هل هناك إشكالية لدى النُخب العربية غير الإسلامية تجاه كل ما يُقدّم بلون إسلامي؟

 

أحمد بان: لا يمكن الحديث عن الإسلاميين انفصالاً عن تجربتهم وتفاعلهم مع كل التيّارات السياسية، أنا أثمّن جداً ما قاله الغنوشي ربما من عشرين عاماً عندما سُئل عن قصة انتقال السلطة في العالم العربي، كانت لديه رؤية تتّسم بنضج شديد، كان يقول في العلاقة مع النُخب الأخرى سواء العلمانية أو الليبرالية أو الوطنية أو القومية أنّ في هذه المنطقة من العالم لا يمكن التحوّل مباشرة من حكم الفرد وحكم القبيلة وحكم الجنرالات إلى حكم الشعب مباشرة من دون توافق طيف وطني واسع، بحيث أنّ الإسلاميين لو حتى حازوا الأكثرية لا يجب أن يحكموا لأن وصولهم إلى الحكم يعني حكماً بالإعدام على الفرقاء من الليبراليين والقوميين واليسارييين ومن ثم قد يلجأ هؤلاء إلى الاحتماء إما بالصهاينة والغربيين وإما بالجيوش أو بالعسكر حتى في تعبيرهم.

 

محمّد علوش: كلام خطير حتى يلجأ إلى الصهيوني هو العدو للجميع.

 

أحمد بان: هذا الكلام قيل، قاله راشد الغنوشي منذ عشرين عاماً، كان منتبهاً.

 

محمّد علوش: كان متنبئاً؟

 

أحمد بان: منتبه لقضية مشاركة الإسلاميين في السلطة في الوقت الذي لم يكن مطروحاً وقتها فكرة مشاركة الإسلاميين في السلطة، هو يُدرك هذا التعقيد من موقعه. على الجانب الآخر كتبت أنا مقالاً، مصر ليست تونس، الدولة التونسية تبدو مختلفة، خياراتها تبدو، الجيش يبدو موقفه مختلفاً، موقعه في السياسة مختلف، العلماني في تونس حتى أكثر استنارة من علمانيي المشرق الذين تحركّهم.

 

محمّد علوش: تشدّد واضح؟

 

أحمد بان: شهدنا نوعاً من أنواع التنسيق، توالي في محطات متعدّدة، قوّة المجتمع المدني.

 

محمّد علوش: البعض يفضّل مؤسّسات المجتمع المدني، هي الأساس في المغرب وهو ما نفتقده في المشرق العربي.

 

أحمد بان: جيّد. قوّة المجتمع المدني في النهاية، خيارات هذه النُخبة هي التي تصنع قوة أوضاع المجتمع المدني بالمشاركة والتحالف والقدرة على إقامة جبهات والتعاون المشترك، هذا شاهدناه في تونس لكن ربما في المشرق لم يقدّم الإسلاميون ما قدّمه مثلاً الغنوشي من اجتهادات حتى تتقدّم النُخب العلمانية، خطوة أيضاً إلى الأمام باتجاه الحوار، بالتالي دائماً لدينا مشكلة في التيّارات الإسلامية، القدرة على اتّهام الآخر من دون القدرة على اتّهام النفس وفكرة التزكية الضمنية التي تبدو أيضاً ضمن أهم عيوب الحركات الاجتماعية والسياسية، فكرة التزكية الضمنية، وأنك تملك الحق، حتى في مقولاتهم الرئيسية حسن البنا نفسه يقول: "ونريد أن يكون الناس أمامنا واحداً من أربع، إما مؤمن آمن بصدق دعوتنا وسمو رسالتنا، فذلك مدعو أن ينضم إلينا، وإما متردّد فذلك يسمع منا وسيزول تردّده إن شاء الله، وإما مُتحامل فذلك يرانا بعين التحامل، وإما نفعي فذلك يسأل عمّا سنجنيه، فنقول له أننا مغمورون مالاً وجاهاً ولن نعطيك شيئًا". نفذت أصناف الناس هنا، نحن نتحدّث عن أربعة مستويات في مواجهة الفكرة التي تبدو مُطلقة وليست نسبية، أنت تقدّم ما تقدّمه باعتباره مُطلقاً وليس نسبياً، وهذا فارق مهم جداً بين المشارقة والمغاربة، وأنا مُصرّ على التعاطي، حتى بن كيران عندما فاز عشية الانتخابات، رئيس الوزراء المغربي قال لم ينتخبنا الشعب المغربي لكي نفرض عليه تصورنا عن الإسلام بل لنعالج اختلالات اقتصادية واجتماعية، وبالتالي الرجل يبدو منتبهاً للفارق بين ما هو سياسي وما هو دَعَوي.

 

محمّد علوش: دعني ألتمس من كلامك فكرة لأطرحها على الأستاذ حمزة حمزة وهي في ما يتعلق بالتطلّع دائماً إلى الغرب كمصدر حتى لدى حركات الإسلام السياسي أو لدى الحركات الإسلامية مما يوحي على أنّه دائماً نفتقد إلى خطوة متقدّمة تلحق بهذا الركب.

الشيخ راشد الغنوشي في أكثر من محطة وفي أكثر من تصريح قال: "نحن نريد أن نكون على شاكلة المسيحية الديمقراطية في ألمانيا على سبيل المثال"، وعندما قال أيضاً: "نخرج من عباءة الإسلام السياسي لنتحدّث عن الديمقراطية المُسلمة"، أيضاً يتحدّث عن إعادة نسج نفس المنوال الذي بدأته حركات الإسلام السياسي في مرحلتها الأولى أيام حسن البنّا حينما كانت، يقول البعض، تحابي الأحزاب القومية في أوروبا.

هل نعيد الكرّة نفسها ولكن بزمن مختلف؟

 

حمزة حمزة: أنا أعطيك بالتاريخ، سنة 81 قبل أن يُعتقل في المحاكمة الأولى الأستاذ راشد الغنوشي، كان صرّح في مجلة المجتمع آنذاك في مقال: "أنه لو اختار الشعب الشيوعيين ليحكموا لقَبِلنا بذلك".

 

محمّد علوش: أحدث ضجة هذا الكلام آنذاك؟

 

حمزة حمزة: هذا الكلام أحدث ضجة وكنت في السعودية آنذاك وكان أدى إلى ضجة كبيرة، كيف يقول هذا راشد الغنوشي والحقيقة أنه مبكراّ نحن كنا نؤمن أن الوطن يجب أن يضحّى من أجله، كل شيء، الحريّة، يجب أن يُعطى من أجلها كل شيء، في الحقيقة لم يكن الغرب هو الضاغط في هذه المسألة ولم يكن الغرب معنياً بتصويب أنفسنا في هذا الأمر، ولكن كانت بعد الثورة قضية تأمين الديمقراطية خوفاً من السيناريو السوري وليبيا مفتوحة وفيها سلاح منتشر بالأطنان في كل مكان وفي كل زاوية، أن يُعاد في الحقيقة السيناريو المصري، لم يكن يُخيف بالشكل، كان يُخيف السيناريو السوري والسيناريو في ليبيا بالذات نظراً لأنّ الجيش التونسي كانت بين يديه الثورة بعد 2011، كانت بين يديه السلطة ولكن الجيش التونسي لم يكن يرغب في المس بالسياسة، وبالتالي لم يكن السيناريو المصري وارداً على الإطلاق، حتى في المُخيّلة أصلاً لم يكن يمنعه  أي شيئ أن يقوم بهذا الدور، ولكن ما كان يخشى على الثورة وعلى الحرية بعد هذا الظلم وبعد الدولة الشمولية القاتلة وبعد التغريب المُفرط إلا أن نحافظ ونضحّي من أجل هذه الديمقراطية، ولهذا الأستاذ راشد الغنوشي في الدستور تخلّى على أن تكون الشريعة مصدراً أساسياً للتشريع أن تضمن في داخل الدستور بصورة أو بأخرى، تخلّى عن قضية ما يُسمى بالميثاق الأممي، بحرية المعتقد أيضاً، هذه كلها دفع بها الأستاذ راشد من أجل التوافق ومن أجل أنّ النهضة تحافظ على إدارة الحوار في ما بينها وأن تتعايش في ظل الدولة لأنّ الأساس هو أن تعيش الناس في حريّة وأن تؤمّن الثورة بعد ذلك.

 

محمّد علوش: كلام جميل أستاذ حمزة، لكن دعني ألعب دور محامي الشيطان في الإتهامات التي توجّه إلى حركة النهضة، وهنا أريد أن أسألك أستاذ حسن مَن يقوم الآن بقراءة مواقف حركة النهضة وحتى الأستاذ حمزة حمزة الآن، ترداد كلمة ومُفردة الدولة تكاد ربما عشرات المرّات في الحديث الواحد.

أحد النقّاد قال أن حركة النهضة انتقلت من تقديس الإسلام إلى تقديس الدولة والدولة البورقيبية لا تستحق أن تُقدَّس لأنها لم تقدّم شيئًا للعالم العربي ولا حتى للمجتمع التونسي الذي كان يصارع من أجل هذه الهويّة. تقديرك، أيضاً حركة النهضة خرجت من إشكالية لتقع في إشكالية أخرى؟

 

حسن أبو هنية: لا شك، لكنها الخيارات، أعتقد كحركة اجتماعية سياسية مضطرة أن تتعامل مع هذا الواقع الموضوعي، هذا إذا أنت تصادمت فأنت ستكون تلقى مصير مصر وستلقى مصير الأردن وعلينا أن ندرك أنّ هذه القضايا يدرك نعم الآن حتى عالمياً عندما يكتب أستاذنا وصديقنا وائل حلاّق عن الدولة المستحيلة، وبالتالي الدولة التنّين أنه لا يمكن أن تتموضع دولة الشريعة التاريخية بإطار الدولة الحاكوية، هذا أمر غير ممكن.

 

محمّد علوش: ولم يعتبر أنّ الدولة لها دين في الأساس خلاف ما يطرحه الإسلاميون، دين الدولة الإسلام.

 

حسن أبو هنيّة: صحيح، وبالتالي الأمر غير ممكن، غير ممكن على نظامك، ولكن أنت عليك أن تدرك أنّ هذه التطوّرات عندما كنّا نتحدّث عن الديمقراطية والليبرالية هذا لم يكن حديث العالم العربي، هذا حدث بعد العام 89 وانهيار الاتحاد السوفياتي وبروز العولمة وانهيار القطبية، وبالتالي ما تحدّث عنها صامويل هنتنجتون، سماها موجة الديمقراطية الثالثة التي عمّت أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية، وبدأ الحديث في العالم العربي حتى لدى حركات الإسلام السياسي وعلى الأنظمة العربية عن التحوّلات الديمقراطية، بمعنى لم تكن هذه المسألة مطروحة، كانت مطروحة مسائل أخرى وعليك أن تعرف بأنه لا الشيخ حسن البنّا ولا كل الحركات التي خرجت من عباءة حسن البنّا كانت تدرك هذه المسائل، ولذلك عندما طرحت الديمقراطية كانت مسألة كفر.

 

محمّد علوش: موضوع الأحزاب حتى معروف كان له موقف حسن البنّا منها؟

 

حسن أبو هنيّة: وكذلك التعددية، كل هذه القضايا لم تكن، لكن المشكلة في العالم ما الذي حدث الآن؟ الذي حدث الآن كما قال صامويل هنتنجتون أيضاً بأنه أنت عندما تتحدّث عن الليبرالية والديمقراطية في نهاية التاريخ، أفق التاريخ تعبير فوكوياما ينتهي وتصبح أنّ هذا هو الشكل النهائي للدولة والمجتمع.

 

محمّد علوش: النموذج الليبرالي الغربي؟

 

حسن أبو هنيّة: فعليك أن تنتمي وتصبح الديمقراطية والفردية والسوق والمبادئ العشرة التي وضعها هنتنجتون، يجب أن تكون مُتلازمة، وبالتالي أنت لا يمكن أن تأتي ببرنامج إسلامي أو ديني من حركة إسلامية ثم تضعه في هذا الإطار ولذلك أصبح هو كمهمة ثقافية يقول بأنه أصلا الإسلام ذاته غير قابل للظهور، هذا جزء من الأطروحة الاشتراكية التي طرحها برنار لويس لكن نحن نقول أنّ هذا غير صحيح، ونحن نقول أنّ هذه حركات قابلة، لكن المشكلة أنت ذكرت النموذج المغربي، لكن علينا أن ندرك أنّ النموذج المغربي أن النظام المخزن، النظام الملكي قد تبنّى أطروحة مشمولية الاندماج، وبالتالي نحن وكثيرون من المراقبين يعلمون أنّه حدث حتى تزوير لصالح العدالة والتنمية ولم تكن هي تتوقّع أن تنجح لأنه كان هناك قرار مَلَكي بإعادة هيكلة الحقل الديني من جهة، وكذلك إعادة مشمولية الاندماج السياسي من جهة أخرى، هذه الأطروحة لم تتم في المشرق العربي.

 

محمّد علوش: نموذج البعض يقول عنه أنه كان مقلقاً أستاذ أحمد، على سبيل المثال اعتبرت العدالة والتنمية في المغرب انموذجاً ناجحاً ما بين تيّارات الإسلام السياسي في التصالح مع الدولة وفي العمل من داخل الدولة، لكن البعض يقول بل أجهض مشروعها ضمن إطار الدولة التي في الأساس لم تتغيّر في الحال المغربية، وبالتالي ما تفعله النهضة وما ربما ستفعله حركات إسلامية أخرى هو ليس إلا الخضوع إلى نمط دولة بالمنظومة السلطوية الحاكمة التي تختصر مفهوم الدولة إلى شخصها وأحياناً إلى شخص زعيم واحد.

تقديرك، هل سنشهد صراعاً مفتوحاً في أقاليم أخرى أو مناطق أخرى أم سيتكرّر نموذج العدالة والتنمية المغربي وهو الانخراط في بنية الدولة؟

 

أحمد بان: أنا أتصوّر أنّ ما يحكم المسألة هو فروق التقليد بمعنى أنّ معظم الحركات الاجتماعية والسياسية المحسوبة على الحال الإسلامية تعاني من سوء التوقيت وهناك حال من حالات التباين في التفاعل مع الواقع سواء واقعها المحلّي أو معادلاته الإقليمية والدولية، في النهاية ستتغيّر تلك الحركات ربما مقاربة النهضة تبدو أتت ليس تحت إلحاح مراجعات عميقة وموسّعة بقدر ما هي استجابة تتسّم بقدر كبير من الحيوية في التعاطي مع الواقع، لكن لا زالت النهضة لديها تحدّيات كبيرة، منها فكرة تسويق هذه الأفكار الجديدة داخل قواعدها، فكرة إنضاج برامج سياسية للاشتباك مع حال أن تبقى جزءاً من الدولة وتحاول إصلاحها من الداخل وتوسّع مظلّتها وتحالفاتها، لكن أنا أعتقد أننا نحن بعدما جرى في مصر مثلاً وفشل التجربة الأكبر التي جسّدتها جماعة الإخوان المسلمين وانقسامها التنظيمي والذي يكاد يصل إلى محطّت فكرية في قابل الأيام، نحن أمام حال من حالات السيولة التي قد تترك في ما بعد اتجاهين فقط: إما اتجاه التساهل، التصالح مع الدولة والعمل في المشترك ومحاولة تغييرها باختيار الفضاء المناسب للحركة والذي هو في تقديري ليس فضاء السياسة ولكن فضاء العمل الدعوي، وفقط لإعادة إصلاح بنية المجتمعات على المدى الطويل من دون الجمع بين المنافسة السياسية.

 

محمّد علوش: هل يُسمح حينها بأحزاب ذي مرجعية إسلامية؟

 

أحمد بان: أنا أقصد السلطة في حال التصالح الذي طرحته بالسيناريو الأول. أنا لا أتصوّر في واقعنا الحالي أن الدول ستتسامح مع هذه الفكرة، ربما تناصبها العداء.

 

محمّد علوش: الانتصار لمنطق الدولة على حساب الطرح الإسلامي؟

 

أحمد بان: الدولة منطقها يبدو هي أكثر كثافة وأكثر قوة وأكثر غلاظة.

 

محمّد علوش: السيناريو الآخر، تفضّل.

 

أحمد بان: الشاهد أنني أتحدث عن مستويين، إما ان تحدد الأفق المناسب لك لحركتك حركة الحركات السياسية والاجتماعية، هل هو أفق في السياسة كما ذهبت النهضة من دون أي حديث عن الدعوة وعدم الإحالة إلى سؤال الهويّة الذي بقي خطة إشغال، في تقديري استهلكت جزءاً كبيراً جداً من أعمار وطاقات الأمة، على الأقل في المشرق ليس لدينا مشكلة في الهويّة بقدر ما لدينا مشكلة في التحديث وبناء دولة حقيقية وليس شبه دولة، لذلك أظن أنّ الفضاء المناسب لحركات الإسلام السياسي وتوديع السياسة تطليق السياسة والعمل في الفضاء الدَعَوي، لذلك انا استدعي هنا مقولات حسن البنّا نفسه.

 

محمّد علوش: سآتي على ذكرها في الجزء الثاني من هذه السلسلة في الحلقة القادمة إن شاء الله، هل الحركات الإسلامية او تيّارات الإسلام السياسي مُستعدة للفصل ما بين الدَعَوي والسياسي وفق المنطق الدولي هذا المطروح، هذا المجال ليس مجالكم وإنما مجالكم هو مجال الدعوة، ام ستتعلّم أيضاً من دروس أخرى لتغيّر في نمط تعاملها مع السلطة؟

كل الشكر والتقدير لك أستاذ أحمد بان الباحث في الحركات الإسلامية، أيضاً الشكر لك أستاذ حسن ابو هنية وأيضاً أنت باحث في الحركات الإسلامية وللأستاذ حمزة حمزة وهو عضو مجلس شورى حركة النهضة. كلّ الشكر والتقدير لكم على أمل اللقاء بكم في الأسبوع القادم.

أشكركم مشاهدينا على حُسن المتابعة وإلى اللقاء.