هل هناك صفقة بين ترامب والدولة العميقة في الولايات المتحدة اليوم؟

أليستر كروك ديبلوماسي بْريطاني سابق ومؤسس ومدير "مُنتدى النزاعات" يحدّثنا من الداخل عن زيارتِه الاخيرة الى اميركا وحواراته مع بعض الشخصيات من المؤسّسة الحاكمة والمعارِضين والخبراء الماليين وهل خسِرت الدولة العميقة في الولايات المُتحدة حربَها ضد ترامب اليوم وتبحث عن أرضية مشتركة وما هو الثمن؟

زينب الصفار:

السلام عليكم ورحمة الله. لعل تصاعد التوترات بين أميركا وكوريا الشمالية وروسيا وإيران يحمل قاسماً مشتركاً بارزاً أنهم عناصر للحرب المالية الكامنة، ولا سيما أن روسيا وإيران جنباً إلى جنب مع الصين هو اللاعبون الرئيسيون في تشكيل منطقة ضخمة للعملة البديلة. ولكا ماذا يعني ذلك، وما هي أسبابه وعلاقته بالداخل الأميركي واقتصاد أميركا. نظرة إلى السياسات الداخلية الأميركية وانعكاساتها عالمياً مع مدير منتدى النزاعات أليستر كروك، من الداخل.  معكم زينب الصفار، تابعونا.

 

التقرير

دونالد ترامب: لا أحد موقفه أكثر قوة تجاه المجتمع الاستخباراتي ووكالة الاستخبارات المركزية من دونالد ترامب. 

لعل مصطلح الدولة العميقة في الولايات المتحدة بات يصف شكلاً من أشكال الجماعة السرية التي تنسق الجهود التي يبذلها موظفو الحكومة وغيرهم للتأثير على سياسة الدولة من دون اعتبار للقيادة المنتخبة ديمقراطيا. ولعل مايك لوفغرين، المساعد الجمهوري السابق في الكونغرس الأميركي، قد عرّف عام 2014 الدولة العميقة على أنها رابطة هجينة مختلطة لعناصر الحكومة وجزاء رفيعة المستوى من عالمي التمويل والصناعة القادرة فعلياً على إدارة الولايات المتحدة من دون العودة إلى موافقة المحكومين، كما يعبّر عنها من خلال العملية السياسية الرسمية. وبات مفهوماً رئيسياً لحركة اليمين البديل المتطرف، كما يعبّر عنها سيف بانون وشون بانيتي. ويقول البوريفسور جايسن رويس ليندسي إنه حتى من دون أجندة تآمرية فإن مصطلح الدولة العميقة مفيد لفهم جوانب مؤسسة الأمن القومي في البلدان المتقدمة، مع التركيز على الولايات المتحدة كمثال. وبحسب ليندسي، فإن الدولة العميقة تستمد السلطة من جماعات الأمن والاستخبارات الوطنية، وهو عالم حيث السرية هي مصدرة القوة فيه. أما مؤيدو دونالد ترامب فيستخدمون هذا المصطلح للإشارة إلى مزاعمهم بأن ضباط المخابرات ومسؤولي الفرع التنفيذي يوجهون السياسة من خلال تسريب المعلومات أو وسائل داخلية أخرى. وفي مطلع عام 2018، مشيراً إلى الدولة العميقة بأنها البيروقراطية الراسخة، اتهم دونالد ترامب وزارة العدل الأميركية بأنها دزء من الدولة العميقة في بيان يدعو فيه إلى محاكمة "هوما عابدين" المساعدة السابقة لهيلاري كلينتون. وقد زعم بعض حلفاء ترامب ووسائل الإعلام اليمينية أن الرئيس السابق باراك أوباما، ينسق مقاومة الدولة العميقة لدونالد ترامب. أليستر كروك، الدبلوماسي البريطاني السابق وأحد كبار الشخصيات في المخابرات البريطانية MI6 ووسيط الاتحاد الأوروبي الأسبق ومؤسس ومدير منتدى النزاعات، يحدثنا عن زيارته الأخيرة إلى أميركا حيث التقى بعض الشخصيات من المؤسسة الحاكمة، ومع أولئك المعارضين والناقدين والخبراء الماليين ورواد الأعمال. وهل برأيه خسرة الدولة العميقة في الولايات المتحدة حربها ضد ترامب، وباتت بالتالي تبحث عن صفقة ما اليوم؟

 

أليستر كروك: ما زال الوضع معقداً جداً في الولايات المتحدة. الوضع متضارب بشدة. يصعب كثيراً من خارج الولايات المتحدة فهم مقدار شعور الناس في أنهم ينقسمون إلى أمم منفصلة. أحد الأشخاص من نيويورك قال لي إننا لم نكن أمّة واحدة أبداً، نحن 5 أمم، وأنا كشخص من نيويورك عليّ أن أقول لك إنه وبقدر ما يهمني، يمكن للأمم الأخرى أن تغرق في البحر.

 

زينب الصفار: داخل الولايات المتحدة؟

 

أليستر كروك: نعم، داخل الولايات المتحدة، في أوهايو وميشيغان

 

زينب الصفار: في خمس ولايات تقريباً

 

أليستر كروك: ربما بإمكاننا التعايش مع سان فرانسيسكو أو لوس أنجلوس، لكن بقية الولايات بالنسبة لي كشخص من نيويورك، لا تهمني أبدا. بالتالي فإن هناك إحساساً حقيقياً بالتقسيم، ليس فقط بين النخب الحضرية والولايات الأميركية الوسطى، وما يطلقون عليها المناطق الوسطى والتي تمثل كل وسط أميركا، وعلى الجانب الآخر المناطق الساحلية الغربية. لكن هناك أيضاً إحساس عميق بالتقسيم بسبب الاستقطابات، بمعنى أن الناس يشعرون بأن ثقافتهم مسحوقة. غالبية البيض في أميركا يشعرون أن ثقافتهم قد ضاعت، على وجه الخصوص في فكرة "سياسة صناعة الهوية"، الاختلاف بين الجنسين، اختيار برنامجك وجنسيتك، اختيار عرقك واختيار من تريد أن تكون، يمكنك أن تختار أي شيء. لكن في خضم كل هذا فإنهم يشعرون بفكرة "ماهية أن تكون أميركياً". ذلك الإحساس بالإرث والتاريخ، الجيد والسيء، المعراك الرابحة والأخرى الخاسرة، لكن هذه تحديداً هي ماهية أميركا. بعض من هؤلاء يريدون سحب هذه المسألة، يريدون إرجاعهم لأنهم يرون أن السيادة تكمن هناك.

 

زينب الصفار: من يريد إرجاع هذا؟

 

أليستر كروك: إنه يدعى بـ "اليمين البديل"، لكنه في الواقع دائرة أكبر من الأميركيين القائلين "إننا تاريخنا"، ويقولون إن السيادة تعني ببساطة التصرف بشكل عادي سيادي، والفكير بشكل سيادي، وكيف تفعل ذلك؟ تفعل ذلك على أسس ثقافتك وأدبك وتاريخك القديم وقصصك، هكذا تتبلور السيادةن وهذا ما يحاول اليمين البديل فعله، نوع من إعادة السيادة الثقافية. وعلى الجانب الآخر هناك الديمقراطيون الذين يقسّمون كل هذا إلى هويات متعددة ومختلفة ومنفصلة، وفي نهاية المطاف، لا توجد ثقافة، إنها حرب على الثقافة لأن بإمكانك تبني هوية ما في أحد الأيام وهوية أخرى في يوم آخر. يمكنك أن تبدّل وتغيّر كما تغيّر ملابسك، وهذه إن شءت هي حرب ثقافية ضد فكرة الأمة والثقافة والسيادة، وهذا هو التصادم العميق الحاصل في الولايات المتحدة حالياً، بين من يحاول استعادة السيادة الثقافية وبين أولئك الذين يزدرونه ويرون فيه عنصرية وتعصباً أعمى في كونه أمراً قومياً، وبالتالي غير مقبول.

 

زينب الصفار: هل هناك عملية قد تؤدي إلى تقاطع مصالح ما بين ترامب والدولة العميقة؟

 

أليستر كروك: ليس من الجلي بعد إن كانت هناك صفقة ناشئة أو أي شكل ستأخذه، لكن هناك إشارات على الإيجاب بهذا الصدد تحديداً، وقد شهدنا علامتين محددتين إحداهما كانت قبل شهر عندما أجرت مجلة "بوليتيكال" في الولايات المتحدة مقابلة مع الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية. قال بوضوح تام "نعم، كنا نتآمر ضد الرئيس بفعالية. نعم، لقد عملنا ضده. اعتقدنا أننا كنا نفعل شيئاً صحيحاً لكننا على الأرجح لم نفكر به كما ينبغي، والعواقب كانت سيئة". كان ذلك نوعاً من الاعتذار. أعني إنه لم يعبّر عنه تماماً هكذا، لكنه كان بمعنى "فلننه هذه الحرب"، ولننظر إن كان بإمكاننا العثور على بعض الأهداف المشتركة سوية.

 

زينب الصفار: ما هو الثمن الذي قد يكون في هذا السياق؟

 

أليستر كروك: كنت ساقول إن مركز التحقيقات الفيدرالي أيضاً متورط في حربة الخاصة ضد ترامب، وربما سيسعون هم أيضاً وراء نوع من شروط التصالح مع ترامب أيضاً.

 

زينب الصفار: ما هو الثمن؟

 

أليستر كروك: أعتقد أن من المحتم، بما أن ترامب هو رجل أعمال عقارات حقيقي من نيويورك، أنه يقوم بالصفقات، بالتالي لا بد من مسألة المساومات في أدائه ومسألة الأخذ والعطاء، وفي هذه الحالة ما تريده الدولة العميقة فعليا.

 

زينب الصفار: دعني فقط أحدد سؤالي أكثر. هل سيكون الثمن هو الحروب التي تريدها الدولة العميقة، في ما يتعلق بكوريا الشمالية أو ربما إيران؟

 

أليستر كروك: أعتقد أن السؤال قد يوضع كالتالي: هل من الممكن أخيراً إبرام صفقة يلتقي من خلالها الجانبان؟ ومن غير الجلي إمكانية المصالحة مع الشعب، ولكن الدولة العميقة وترامب يمكن مصالحتهما. هل من الممكن القيام بهذا من دون حرب؟ لست واثقاً. إذاً ما الذي تريده الدولة العميقة؟ أعتقد أنه وفي المحصلة، ونسمع هذا طوال الوقت منهم، نريد استعادة القيادة لأميركا، يجب أن تبدو أميركا قوية.

 

زينب الصفار: أميركا أولا.

 

أليستر كروك: يجب أن تُحترم أميركا. حتى إننا نرى ذلك في التغريدات خلال الساعات الـ 24 الماضية. يجب أن تُحترم أميركا وأن يجري تقبل قوة أميركا. لا أعتقد أن ذلك يعني العظمة بأكملها للهيمنة الأميركية، أعتقد أن الدولة العميقة ستوافق على تحديد قدرات أميركا للحفاظ عليها. لقد كنا فعلياً نتحرك في هذا الاتجاه في ظل إدارة أوباما، وأعتقد أن المسألة الثانية التي تريدها الدولة العميقة هي الاستمرار في أن يكون لديها عدو واضح سواء كانت روسيا أم كوريا الشمالية..

 

زينب الصفار: أم إيران أم حتى الصين.

 

أليستر كروك: الصين أكثر إشكالية لهم باتجاه واحد، لكنني أعتقد أن هذا يجلبنا إلى نقطتين، إحداهما في المقدّمة وهي الحاجة إلى عدو وصراع محتمل، لأنهم بحاجة للحصول على المزيد من الإنفاق على الدفاع. ترامب يريد إعادة بناء أميركا العسكرية ويجعلها عظيمة مجدداً ليحرص على أن تكون أميركا...

 

زينب الصفار: أن تعود أميركا عظيمة مرة أخرى.

 

أليستر كروك: تماماً، جعلها عظيمة مجدداً يعني المزيد من الإنفاق العسكري، وفي الواقع فإن هناك حجماً هائلاً من الإنفاق العسكري، وبطبيعة الحال يكاد يكون مستحيلاً لأن سقف الديون سيبلغ 20 تريليون دولار خلال شهر أو اثنين، والكثير من أعضاء الحزب الجمهوري سيلبّون تماماً حيال زيادة دَين أميركا. تاريخياً كانوا محافظين حيال الدَين، ومع ذلك عندما يلوح أفق حرب ما كالتهديد من بلدان مثل كوريا الشمالية، عندئذ فإن من الأسهل بمكان الوصول إلى الموافقة على زيادة الإنفاق على الدفاع، لكن الجزء الثاني من الأمر لهو على نفس القدر من الأهمية عبر كل هذه الحقبة عمدت أميركا على تمويل تلك الحروب وتمويل نفسها، فإن المستوى المعيشي فيها جرى الخفاظ عليه بسبب قدرتها على طبع الدولارات ولإعطائها لدول أخرى، سواء كانت دول الخليج في مقابل البترول، أو الصين، لتحتفظ بها على شكل سندات خزينة أميركية، وهذا يموّل دين الولايات المتحدة. من الجلي تماماً أن ترامب يريد أن يكون منفقاً كبيراً. سينفق بسخاء تام على العسكرة. المطارات والجسور الجديدة كما يقول، والجدار مع المكسيك، وكل هذه الأمور تحتاج إلى الكثير من المال، بالتالي فن الدين سيرتفع والعجز سيرتفع ويحتاج إلى أناس ليدفعوا ثمن هذا، وأعتقد أننا هنا بالتحديد نرى العداء المفاجئ تجاه إيران وروسيا. وقد هدد الكونغرس بفرض عقوبات جديدة على روسيا في شباط / فبراير.

 

زينب الصفار: في الواقع في شباط / فبراير 2018 سيخرج ذلك التقرير الذي سيقدّم أمام الكونغرس لخزينة الولايات المتحدة في ما يتعلق ربما بتجديد العقوبات ضد روسيا، ولا أعلم إلى أين سيقود كل هذا.

 

أليستر كروك: وأعتقد أيضاً أنه وفي كانون الثاني / يناير أجرى الأميركيون نقاشات مكثفة حول فرض التعرفات الجمركية على الصين، وعلى الأرجح أننا سنشهد قراراً حول هذه المسالة. حالياً هناك جدل كبير في البيت الأبيض، لكن يقال إن السيد ترامب مصرّ على التعرفات الجمركية.

 

زينب الصفار: لكن هناك أيضاً مجريات في داخل الولايات المتحدة متعلقة باقتصادها، الاقتصاد الذي تفرع إلى نوعين في الولايات المتحدة، لكننا سنتوقف الآن مع فاصل قصير، وعند عودتنا ستسلط لنا الضوء أكثر على هذه القضية. فاصل قصير ونعود، لا تذهبوا بعيدا.

 

فاصل

 

زينب الصفار: لعل الاضطراب الاجتماعي والدَين في أميركا اليوم يعني أن ترامب لن يسمح بظهور نظام مالي جديد وبحرب مالية تاليا. أليستر كروك، الدبلوماسي البريطاني السابق ومؤسس ومدير منتدى النزاعات، كيف يقرأ ذلك؟ وما هي الأرضية المشتركة لكل التوترات بين أميركا – ترامب من جهة، وكوريا الشمالية وإيران وروسيا من جهة ثانية؟

 

أليستر كروك: أعتقد أن هذا صحيح تماماً، الدَّين أصبح كبيراً جداً في أميركا، ومن الجلي أن لدينا رئيساً سيزيد من الدَّين بشكل هائل. آخر مشروع هو القانون الضريبي وقد جرى تمريره وسيزيد من الدَّين تريليونات إضافية. لا بد من تمويل هذا. تقليدياً، نحن جميعاً نموله. كل من هو خارج أميركا ممن يشتري السندات الأميركية يمول هذا العجز. الأمر يعتمد على هيمنة الدولار. في حال جرى تقويض وكسر هيمنة الدولار مثل البترودولار واليورودولار ستنهار أميركا. لن يمكنها أن تموّل نفسها. دولارها سينهار. لن يختفي تماماً ولكن قيمته ستنخفض بشكل حاد في خضم العملية. لا يمكنهم السماح بذلك، فالدَّين الآن كبير جداً ولا يعالج بأية طريقة أخرى. يجب أن يكون لديهم تدفق للدولارات من وراء البحار إلى الخزينة طوال الوقت لشراء دَين الخزينة بهدف تمويل هذا المستوى من الدَّين، ويحتاجون إلى أن يكون لدهم معدّل فائدة منخفض. بالتالي يحتاجون إلى دخول الكثير من الدولارات. لا يستطيعون تحمل أي شكل من أشكال التحول بعيداً عن الدولار. إنني لا أقترح أن الصينيين مستعدون لتولي الأمر عوضاً عن الدولار في هذا الصدد، لكن منطقة تجارية بديلة جديدة تضم 43 بالمئة من العالم ستشكّل تهديداً حقيقياً للدولار. الدولار آخذ مسبقاً بالتضاؤل لأن الصين وروسيا تتاجران باليوان وليس بالدولار.

 

زينب الصفار: تعني أنهم سيستخدمون الذهب مقابل النفط ربما وليس العملات؟

 

أليستر كروك: نعم، هذا صحيح. نقطة مرجعية ثابتة لسعر ثابت لنقل ما بين عدد من براميل النفط تساوي أونصة واحدة من الذهب، هذا تماماً ما حدث في الجزء الأول من القرن الماضي، قبل عام 1970 عندما أغلقت نافذة الذهب، لكن هذا يعني انخفاضاً كبيراً في قيمة الدولار وارتفاعاً في قيمة الذهب والنفظ.

 

زينب الصفار: وأي نوع من الأداء برأيك قد يحفّز هذا النوع من المنطقة البديلة؟ أهي تلك العقوبات ضد روسيا؟

 

أليستر كروك: ربما.

 

زينب الصفار: لأنه وكما تعلم فإن رئيس أكبر مصرف تجاري في روسيا قال إن ايام الحرب الباردة ستبدو كلعبة أطفال في حال جرى فرض أي مزيد من العقوبات على روسيا.

 

أليستر كروك: أعتقد أن من الممكن تماماً أن يكون شيئاً كهذا هو المطلق. لا أعتقد أن الصين ارادت الدفع بقوة تجاه هذه القضية، لأن ذلك سيتسبب باضطراب وببعض الفوضى، لكنني أعتقد أنه وحتى في عام 2013 كان الصينيون يقولون لقد انتهينا من هذا الأمر، شكراً سنأخذ ذهبنا وننطلق. وأحد رؤساء البنك المركزي قال أيضاً لقد انتهينا من مراكمة الدولارات والسندات الأميركية، انتهينا من ذلك تماماً. لقد ضبطوا النظام الآن حيث بالإمكان إبرام عقود آجلة للنفط مسعرة باليوان ومن ثم مبادلته بالذهب الفعلي. لقد جربوا هذا وخاضواً 4 تجارب وهذا الأسلوب جاهز للتطبيق. أعتقد أنه وفي حال فرضت على روسيا عقوبات قاسية مثل الاستبعاد من جمعية الاتصالات المالية العالمية بين البنوك "سويفت"، أو أن الصين متأثرة بالعقوبات التجارية أو غيرها المتعلقة بما يجري في كوريا الشمالية، يمكننا أن نصل إلى نقطة التحول، حيث تقول كل من الصين وروسيا، لقد انتهينا من هذا، انتهينا من الدولار واكتفينا، شكراً جزيلاً وسنسلك طريقنا الخاصة، وهذا ما سيخلق ما وصفه تحديداً رئيس المصرف الروسي بقوله: أنصتوا، في حال جرى استبعادنا من التبادلات السريعة فإن ما حدث إبان الحرب الباردة سيبدو بمثابة لعبة أطفال. ماذا يعني هذا؟ يعني أنهم ضاقوا ذرعاً. أميركا تمادت كثيراً بمسألة العقوبات وفي أنه سيكون لديهم رد فعل. لا أعلم إن كان هذا سيحدث لكنني أعتقد أنه هناك احتمالية كبيرة انه وفي حال فرض العقوبات على الصين أو جرى اتخاذ خطوات أخرى بالعلاقة مع كوريا فإن الصين أو روسيا قد تقولان "حسنا، لقد انتهينا".

 

زينب الصفار: دعنا نتحدث أكثر الآن عن اقتصاد الولايات المتحدة. كيف انقسم إلى نوعين من الاقتصاد كما تقول؟ هلا شرحت من فضلك هذه المسألة أكثر؟

 

أليستر كروك: نعم، في الواقع فقد كانت تلك ملاحظة متأخرة من قبل مدير مبيعات من دافوس، وهي مصدر غير محتمل أبداً، وقد عرج فجأة على الفكرة قائلاً: انظروا، لدينا هذان الاقتصاديان الصاعدان، ولدينا أحد يمتلك الأسهم والأصول والعقارات مدخوله متصاعد على هذا النحو، ومن ثم لدينا عنصر آخر من الاقتصاد، أطلق عليه صفة الـ 60 بالمئة وانا أسميه الـ 90 بالمئة، لكنه قال إن نظرنا إلى الرسم البياني فإنه آخذ بالتناقص من ناحية الدخل الفعلي، ويحاولون الحفاظ على مستوى معيشتهم من خلال المزيد والمزيد من الاستدانة، وأخيراً الآن فإن حتى الاستدانة لم تعد كافية ونشأت فجوة ما بين مستويات المعيشة التي يحاولون الحفاظ عليها، وعمليات الاستدانة الموجودة لديهم مسبقاً، بالرغم من ذلك فإنهم لا يفلحون. إنهم في ورطة حقيقية.

 

زينب الصفار: إذاً، فهذه هي الطبقة الوسطى

 

أليستر كروك: الطبقة الوسطى وما دونها. بالتالي عندما ترين أميركا تقول إن ضمانة ناتج الدخل القومي ينمو بمقدار 3 بالمئة بشكل متصاعد، إنه بالفعل يتكون من جزء متصاعد أفقي، امتلاك الأصول وسوق الأوراق المالية، ومن ثم الجزء الآخر الآخذ بالانحدار عن الجرف، والمعدل هو 3 بالمئة. بيد أنه في واقع الأمر يصف اقتصاديون مختلفون تماماً أنهما ليسا الشيء نفسه، إنه لا يعني أي شيء إعطاؤك رقماً وسطياً للاقتصاد. لا يعني شيئاً عند الحديث عن التشغيل كرقم وسطي الذي انخفض إلى 4.1 بالمئة، لأن في الوقت عينه فإن ما يسمى بمعدل التشغيل يساوي 4 بالمئة في أميركا، فإن معدّل المشاركة الفعلي في الاقتصاد ينحدر، ولديك 15 بالمئة من الرجال تتراوح أعمارهم ما بين 24 و54 ممن خرجوا من نطاق الاقتصاد بأكمله. وعلاوة على ذلك، لدينا 64 ألف أميركي يافع ممن ماتوا جراء تناول جرعات زائدة من Opioid خلال هذه الفترة. هذه مشكلات اجتماعية جقيقية.

 

زينب الصفار: هذا انحلال اجتماعي.

 

أليستر كروك: بالتالي فإن هذه هي المسألة الأخيرة في الاقتصاد. إلى متى يمكن لضخ السيولة في الاقتصاد الكمي والنوعي أن يجمع المزيد من الأموال ويطبع المزيد منها بمعدّل فائدة "صفر". كم من الزمن يمكنه أن يخدر الجميع؟ الإجابة هي في نهاية المطاف، هذا الانهيار الاجتماعي، لأنه ما من رواتب تقاعدية وما من وظائف لائقة.

 

زينب الصفار: لقد داهمنا الوقت، ولدي الكثير من الأسئلة عن خطوة ترامب الحمقاء في إعلان القدس وأسئلة أخرى حول مجريات الوضع في إيران. اليستر كروك، الديبلوماسي البريطاني السابق ومؤسس ومدير منتدى النزاعات، أهلا بك دوماً في برنامج من الداخل.

 

أليستر كروك: شكراً جزيلاً على استضافتي في برنامجك.

 

 

زينب الصفار: على الرحب والسعة دوما. إذاً لقاء جديد في الأسبوع المقبل مع ضيف جديد وقضية جديدة، ودائماً من الداخل. السلام عليكم ورحمة الله.