العاملات الأجنبيات... واجبات بلا حقوق

ليتنا نعتنق الإنسانية وننظر بعين الرحمة لبشر مثلنا لا يختلفون عنا سوى بظروفهم.

  • العاملات الأجنبيات... واجبات بلا حقوق
    العاملات الأجنبيات... واجبات بلا حقوق

بجسد هزيل وعيون غائِرة تشوبها الدموع، تودِّع وطناً وعائلة وتحزم حقيبتها متوجّهة إلى المجهول. لا تعرف أيّ مصير ينتظرها. هنا يلعب الحظ دوره ويرمي النرد، فإن ضحكت لها الدنيا كانت بين أيد رحيمة، وإن تجهَّمت في وجهها عانت الأمرّين، وتتمنّى لو أن كل ما حصل ما كان ليكون.

تشقّ طريقاً طويلاً، يختلط في أثنائه الماضي بالحاضر بالمستقبل، فتارة تراها عابسة والخوف في عينيها، وطوراً تراها باسِمة بعينين براّقتين وأمل بأن يحمل الآتي في طيّاته الأحلى، والماضي القاسي ذهب بلا رجعة!

تصل إلى وجهتها. بلد غريب لا تألف فيه شيئاً، لغة غريبة، لا يشبه بلدها بشيء، تكاد تشعر أنها على كوكبٍ آخر. البيت الجديد فخم وواسع، أصغر غرفه بوسع الكوخ الذي كانت تقطنه وخمسة من أفراد عائلتها في وطنها الأمّ. أثاث ومعدّات منزلية تراها للوهلة الأولى. كل شيء بارِد وغريب، حتى أصحاب البيت قُساة، مُختالون، وظالمون، يرون فيها آلة، مُتناسين أنها إنسان من روحٍ ولحم، يودّون منها العمل من الفجر إلى آخر الليل في التنظيف والطبخ والاهتمام بالأطفال، وتلبية طلباتهم المُتكرِّرة. يمنعونها من التذمّر والشكوى، وإن قصَّرت بشيء فحسابها سيكون عسيراً! تكدح ليلًا نهاراً بمرتّب يعادل سعر حقيبة من حقيبات سيِّدة المنزل!

أيّ ظلم وأيّ ذلّ تتعرّض له فئة كبيرة من العاملات الأجنبيات؟ كل شيء ممكن في غربة تلك الكادحات، من العنف اللفظي إلى الجسدي، ثم السجن، وصولًا إلى هَضْم حقوقهن!

مهما تغيّرت المُفردات وزيّنت الكلمات، ما زالت العبودية حاضرة بأبشع صوَرها في مجتمعاتنا. فقد ترى إمرأة تمشي مُتبخْتِرة في السوق وخلفها المعينة المنزلية بثياب العمل تحمل لها حقيبتها وأغراضها، ولا يكلّفها الأمر سوى الإشارة بأصبعها، فتنزل تلك المسكينة الأغراض من الرفوف. ومن المشاهد المُقزّزة، عائلة في مطعم يضحكون، يتناولون الطعام ويتركون العاملة المنزلية تجلس وحيدة على حدة من دون طعام. فواجبها الاهتمام بالأطفال ليتسنَّى لهم الاستمتاع بواجباتهم! والكثير الكثير من مشاهد الإهانة والإذلال، وهنا نتساءل عن جُرأة هؤلاء أمام الملأ، فماذا يخبّئون داخل منازلهم؟

وعلى الرغم من الراتب الشهري الزهيد المُقدَّم لهن، فإن كثيرات منهن يعملن طيلة الأسبوع ولساعاتٍ طويلة من دون إعطائهن أدنى حقوقّهن في الراحة والعطلة الأسبوعية. ذلك أن كل شيء يخضع لمزاج صاحب العمل. عدا عن ذلك باتت متداولة إعارة العاملة إلى أسرة أخرى كأنها ملك من أملاكهم، من دون سؤالها إن كانت ترضى أم لا، وحتى من دون إعطائها أجراً إضافياً.

من الصعب على العاملات الأجنبيات المطالبة بحقوقهن لأنهن يخضعن لنظام الكفالة في كثير من دول المنطقة وليس لقانون عمل ينظّم مهنتهن ويضمن حقوقهن. هكذا يصبح من السهل ابتزازهن عن طريق حجز جوازات سفرهن وأوراقهن الثبوتية وبذلك تقييد حركتهن داخل وخارج البلد.

ومع كل تلك الانتهاكات لا نستغرب الحوادث الغامِضة التي تحدث لهن، فتارة نسمع عن عاملة وقعت من النافذة وأخرى انتحرت وصولاً إلى الاعتداءات الوحشية التي لكثرتها باتت تمرّ على مسامعنا مرور الكِرام!

من هنا يستلزم العمل على كافة المستويات، فعلى مستوى الدول من المهم جداً تنظيم العمالة الأجنبية وتحسين ظروف عَيْش وخدمة العاملات المنزليات، والأهم العمل بنظام محاسبة. فغياب المحاسبة والمحسوبيات يشجّع بعض أرباب العمل على الاستمرار بانتهاكاتهم!

أما على المستوى الفردي فيا ليتنا نعتنق الإنسانية، وننظر بعين الرحمة لبشر مثلنا لا يختلفون عنا سوى بظروفهم التي جعلتهم أسرى لتسلّط الآخرين. فلنضع أنفسنا في أماكنهم ونعاملهم كما نحب أن نُعامَل. الله الله بالعاملين الغرباء، فلنخفّف غربتهم وكربتهم، ولنستذكر دائماً الحديث الشريف (الراحِمونَ يرحمهم الرحمنُ ارْحموا مَنْ في الأرض يرحمكم مَن في السماء)!        

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
فرح محفوظ

كاتبة من لبنان