الولي

أحببت من أحسن لله واقترب منه حتى أحبه ونادى جلاله في الملأ من حوله. إني أحببت عبدي فلاناً فأحبوه، ثم نادى أهل السماء أهل الأرض أن أحبوا فلاناً فقد أحبه الله.

  • الولي
    الولي (Mawra Tahreem)

لم يدر كيف سارت الأشهر السابقة بكل هذه السرعة. أيام تسابق الليالي. رغم شدتها لا يذكر منها الآن سوى علامات الأحداث الكبرى. كان الزواج وكانت ألوان السعادة تسبغ كل شيء. جاء مرض السرطان ليحطّم كل ذلك، وجاءت معه مراحل التشخيص، ثم العلاج الكيميائي، لتتحوّل زوجته المسكينة إلى مخلوق أقرب إلى طفل. 

حتى أنه كلما أراد أن يخفّف عنها مازحها قائلاً: "إننا كنا نسأل الله طفلاً فرزقنا بمَن هو أجمل".

يحمل بين يديه الآن نتيجة المشقة والألم الذي عانياه. زاد توتره وهو يتابع مشاهد الحقول الفسيحة من نافذة سيارة الأجرة، فقال لنفسه "هذا الطريق قد يكون طريق نجاة زوجتك أو طريق رحيلها الوشيك". 

أثارت الفكرة الأخيرة رعبه فأراد أن يشتّت أفكاره. راح يطالع وجوه مَن يرافقه في السيارة. كان ذلك الشيخ ضخم الجثة أول مَن جذب نظره. يخضع بين ساقيه شاة هادئة. في جواره تجلس سيّدة متوسّطة الجمال متواضعة الثياب. كانت تنظر للقاع باستمرار كمن يحاول أن يخفي وجهه. حمحم الشيخ وعدل من برنسه الأبيض كأنه يستعد لقول شيء ما .

- شيء لله وشيء لولي الله. ربي يبارك في خير هذا اليوم.

كان يطوح برأسه يميناً وشمال ثم أضاف: سيّدي صالح المبارك حبيبي ومجلي همومي. والله يا سادة لولا بركة تربته لما سال واد ولما نزلت قطرة على أرض هذه القرية.

رفعت السيّدة التي تجاوره رأسها ولاحت على وجهها ابتسامة هادئة.

أما هو فقد انتابته ثورة سخرية. فقد كان يعلم حقيقة الجهل الذي يسيطر على عقول أغلب مَن في القرية، إلا أن ما سمعه من الشيخ دفعه لاستحضار قول الشاعر:

وفي الجهل قبل الموت موت لأهله 

وأجسادهم قبل القبور قبوراً

***

توقفت سعاد على باب المقبرة تسترجع ما قالته لها صديقتها حليمة:

-    لا يستجيب الولي إلا لمَن عقد له النيّة

وما النيّة؟ لم تجد إجابة عند حليمة ولم تبحث عنها عند غيرها. كانت تخشى الفضيحة. وكيف لها أن تواجه العار إذا عَلِم أهل القرية أنها توجّهت للولي لطلب حل عقدة الزواج؟

ساعدها الزحام على التخفّي والتقدّم بانسياب إلى باحة المقام. هناك نسوة غيرها رفعن عنها الحرج. إلا أن بالها ظل مشغولاً كيف تطلب من سيّدها أمراً ولم تعقد فيه النية؟

كانت تحب سيدي صالح لما بلغها من كراماته. والدتها رحمها الله لا تقول ولا تجلس إلا استدعته في ذِكرها. لا تحنث له يميناً ولا تنسى خراجه في كل عيد.

هي كذلك، ورثت عن أمّها حبه وتقديره، فهو الذي يقسم لها من خير هذه الدنيا نصيباً، إلا أن نصيبها لم يحتو على رجل ينتشلها من طوفان السنين التي أوغلت في سواد شعرها وأسرار جمالها.

انتبهت لامرأة تحمل في يدها مبخرة تطوف بها في كل ركن. كانت تعلم أن بعض نسوة القرية نذرن أنفسهن لخدمة مقام الولي الصالح. عزمت أن تفضي لها بسؤالها عن النيّة لكنها فضّلت أن تنتظر حتى تهدأ حركتها. ذلك أن مطاردة هذه المرأة النشيطة قد يلفت الأنظار. 

يا ولي الفضل بالفضل من العدل أعذني 

لترى عيني الذي خولته بالوعد

***

ارتجفت يده التي تحمل التحاليل الطبية الخاصة بزوجته. أحسّ لوهلة أن الأفكار والمشاهد الحية تتسارع في رأسه. عرف على الفور أنها علامات موجة هلع جديدة. سيشعر بعد قليل أن دقات قلبه بدأت في التباطؤ وأنها على أبواب التوقف، لكن رائحة البخور وصخب الجمع من حوله ساعداه على حفظ توازنه. كان على وشك التوجّه للمدينة إلا أن شيئاً من الفضول دفعه للاقتراب من مقام الولي الصالح. أخذ يخترق الجموع نحو قلب الساحة. تذكر أنه قرأ مقالاً في مكان ما، يتحدّث عن رغبة الإنسان الفطرية في السخرية ممّن يفوقهم علماً. 

كان ذلك شبيهاً بما حدث له داخل سيارة الأجرة مع الشيخ الضخم. يشبه أيضاً الرغبة التي دفعته لدخول المقام. رأى الشيخ الذي كان يجالسه في السيارة وقد ساءت حالته. دخل في نوبة هلع يحاول الناس من حوله كبح جماحه، قبل أن يقبل شاب بالشاة التي أحضرها الشيخ ويعقرها بين ساقيه. مسحت السكين الملطّخة بدماء الشاة في يد الشيخ ثم حمله الناس نحو إحدى جدران المقام، لتلتصق بها اليد الدامية وترتسم شكلها على الجدار بلون أحمر قان.

يا صاحب القبر المقيم هنا 

يا منتهى أملي وغاية مطلبي

***

تعلقت عيني سعاد بسيّدة المبخرة تتابع حركتها حتى رأتها تسلّم المبخرة لإحدى الزائرات ولاذت بأحد المقاعد الملحقة بجدار المقام .

همّت سعاد لتقبّل يدها حتى امتلأ صدرها برائحة البخور التي علقت بالسيّدة ثم قالت لها بصوت منكسر باك: 

-   يا سيّدتي اخبريني كيف أعقد النيّة إن لي حاجة عند سيدي صالح؟

أشارت السيّدة لفمها ثم طوحت رأسها يميناً وشمالاً. كان ذلك يعني أنها بكماء. فهمت سعاد ذلك. إلا إن السيّدة أمسكت بيدها وأشارت نحو دائرة من النسوة الراقصات. سارت سعاد نحو المجموعة بخطوات مترنّحة. حاولت أن تقلدهن من خارج الحلقة. هزّت رأسها ببطء يميناً ويساراً حتى انفلت شعرها الطويل. بدأت حرارة جسمها ترتفع. أحسّت برغبة عارمة في الصراخ. طاقة جبّارة تكوّنت في جزء ما من جسدها ثم اندفعت نحو حلقها وهي الآن تدفعها للصراخ. أتراها إحدى علامات عقد النيّة؟ أم هي السحر الذي يمنع عنها الرجال؟ انحل لسانها وراحت تصرخ.

-  يا مولاي يا سيدي صالح أغثني فإني بباك واقفة

***

أعياه الوقوف فأخذ يبحث عن مجلس له. هدأ المكان قليلاً. ذبحت كل الأضاحي ووزّع لحمها على مَن حضر. أكمل الباعة طريقهم نحو المدينة علّهم يدركون ما تبقّى لهم من رزق هذا اليوم.

أما الحضور فقد انتظموا في صفين رجالاً نساء يقفون عند باب المقام. ينتظر كل واحد منهم دوره في الدخول. حمل بعض الرجال في أيديهم كومة من الحصى. تتمايل رؤوسهم يمنة ويسرة مع انفلات كل حصى صغيرة من بين السبابة والإبهام يرفعونها بهمهمة.

لفت انتباهه شيخ يجلس أسفل الشجرة الوحيدة في باحة المقام. لم ير من وجهه إلا القليل من بين اللحية الشيباء الكثّة والوشاح الأبيض الذي يغطي رأسه. همّ أن يخرج ليكمل سيره نحو مستشفى المدينة، لكن شيئاً ما دفعه لأن يقترب من ذلك الشيخ ويبادره بالسؤال:

-  أزائر أم تاجر؟

من دون أن يلتفت، أجابه.

-   بل من أهل المكان

لم يفهم جيداً ما قاله هذا الرجل، لكن طست الماء الذي رآه بين ساقيه افهمه أنه ممَن يعتني بالمقام.

فردّ مستهزئاً:

-  أنت إذن ممّن يفني عمره في رعاية الجدران؟

 - بل أنا من أصبحتُ مملوكاً لأحسن مالك لو كان كمَّل حُسْنَهُ إسجاحُه.

فاجأه جوابه وعلم أنه يخاطب شخصاً صاحب علم ودراية. إلا أنه يشاطر تلك الجموع جهلهم وتقديسهم لصاحب هذا المقام فاستوثق في حجته وأجابه:

- وهل تعشق الصخر الذي يحيط المقام أم العظام التي تسكن باطن الأرض؟

-  بل مجيب لناء العشق. أحببت من أحسن لله واقترب منه حتى أحبه ونادى جلاله في الملأ من حوله. إني أحببت عبدي فلاناً فأحبوه، ثم نادى أهل السماء أهل الأرض أن أحبوا فلاناً فقد أحبه الله.

صاحت امرأة من داخل المقام

 - يا مولاي يا سيدي صالح أغثني فإني بباك واقفة

 - وهل هذه الدعوة من درب العشاق؟

 - كان عليها أن تفرد الله بسؤالها

أصابته إجابة الشيخ بالجمود حتى أحس أنه أخطأ في حق هذا الشيخ وأساء تقدير علمه ونواياه فعاد الشيخ للكلام:

 - عسى الله أن يغفر لهم بعشقهم. لا تسنهن بالعشق يا بني فإنه أغوى الأنبياء فذهب بأبصارهم وأغرى الملوك فذهب بملكهم. حتى هؤلاء الزائرون هم عشاق لحاجتهم التي جاؤوا في طلبها لغير ذي مالك لسؤالهم.

خيّم الصمت الذي يقطعه بين الحين والآخر صوت بكاء أو رجاء قادم من غرفة المقام. ثم عدل الشيخ وشاحه واعتدل في جلسته وسأل:

 - هم عشاق زائرون، وأنت؟

فكّر قليلاً ثم أجابه بصوت خافت:

 - أما أنا فعاشق أسلك السبيل لإنقاذ معشوقتي

الحُبُّ ريحانُ المُحبِّ وراحه

وإليه إنٍ شحطتْ نَواهُ طِمَاحُهُ

يغدو المحب لشأنه وفؤادُهُ

نحوَ الحبيب غُدُوُّهُ ورواحهُ

***

أفاقت سعاد على أصوات الحمام تتهافت على جمع ما تبقى من طعام الزائرين. لكن أين هم؟ كان المكان خالياً تماماً. كانت ملقاة على ظهرها فحاولت أن تستقيم بصعوبة على السيقان المخدّرة.

عبثت بذاكرتها محاولة استرجاع ما حدث. كانت تُجاري الزائرات في رقصهن. لكنها لا تذكر ما حدث بعد ذلك. نظرت ناحية غرفة المقام. هل تراها نجحت في عقد نيّتها؟ هل تذهب الآن لقبر الولي وتسأله ما تريد؟ لكنها عدلت عن الفكرة. خشيت أن تكون قد فشلت في عقد النيّة. حينها قد يصيبها سخط الولي وغضبه. أثارت الفكرة الأخيرة الرعب داخلها. اندفعت راكضة نحو باب المقبرة. تذكّرت أنها رأت شيخاً تحت الشجرة هناك. تذكّرت أنها سمعت صوته يناديها باسمها. كيف عرفها؟ لا يهمّ الآن. ما تريده فقط أن تصل للبيت قبل أن يدركها سهم من غضب الولي الصالح أو أن يراها أحد من أهل القرية .

***

كان منهكاً للغاية. ساقاه الثقيلتان تدفعان جسده دفعاً. إلا أنه آثر العودة إلى القرية راجلاً. يأمل أن طول الطريق سيفني أحزانه ويعيد إليه عقله. هناك في المنزل سيجد زوجته المسكينة طريحة الفراش. تنتظره بفراغ صبر لكنه لا يحمل لها إلا الخبر السيّئ. لا يزال ذلك الورَم الخبيث يسبح في جسدها ويتكاثر. عجز الطب وأدويته المقرفة على التغلّب عليه وإنهاء معاناتها. والآن كيف يخبرها بكل هذا؟

بلغ مقام الولي الصالح ورأى ذلك الشيخ تحت الشجرة لم يبرح مكانه. هرول نحوه ثم سقط على ساقيه وأخذ يمسح بوجهه ويديه من محتوى ذلك الطست .

سار متعثراً نحو مرقد الولي .

جثم على ركبتيه ورمى بقية جسده على القبر يقبّل صخره ثم صاح قائلاً:

 - يا سيدي يا صاحب الكرامات يا من عشقك الله وأمر خلقه بعشقك. أخبره أني أنا عبده العاشق مثله وله المثل الأعلى، استبد بي الشيطان ويريد أن يسلبني معشوقتي.

الله يعلم أني قد شغفت بها 

دهراً وفي القلب منها اليوم بركان

وإن يبعدوها فإحساسي بصورتها 

فلا افتراق ولا بالبعد هجران

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
علاء الدين الشيحي

كاتب من تونس