امرأة من "تيفيست"

والدتها لا تشبه نساء "تيفيست"، ولكنها واحدة منهن. امرأة جبّارة وجميلة وقديسة وثائرة وشجاعة.

 

  • امرأة من "تيفيست"
    امرأة من "تيفيست"

أجلسوه على كرسيّ تفوح منه رائحة الصدأ. يداه وقدماه مكبلتان بالأسلاك. لم يرفّ له جفن، وظل يرمقهم جميعهم بنظرة المنتصر الهادئ. لم تحضره سوى صورة بقيت راسخة في ذاكرته منذ زمن طفولته الجبلية. حين رأى لأول مرة عُقاباً حقيقياً. انتباته حينها قشعريرة لذيذة حين نظر في عيني ذلك العقاب الذي أوقع به أحد أهالي القرية يومها.. غير هيَّاب من الموت ولا السقوط في الأسر، كان ينتظر الفرصة للطيران بحرية فحسب.

اقترب منه عميل من عملاء الاحتلال الفرنسي، وكان معروفاً في المنطقة برائحة الخيانة التي تفوح منه، فأدار وجهه عنه.

"هذه آخر محاولة معك يا علي، لقد حضر الضابط المسؤول عن ملفك، عليك أن تعترف بكل شيء وإلا فسيقتلون عائلتك. حتى ابنتك الصغيرة لن تكون في مأمن. إنه لا يرحم أحداً، صدقني، أخبره بكل شيء وستعود إلى ديارك حالاً". 

نظر "سي علي" إلى العميل بقرف، من دون أن يبدو عليه الخوف أو الحيرة. بقي صامتاً صمت الأسد الذي يناور قبل الهجوم على من يحاول اجتياز حدود منطقته، سينقض في أي لحظة. 

"اسمع يا علي، إن لم تخبرنا عن أسماء عناصر مجموعتك وأماكن وجودهم، فسنعدمك أنت وجميع أفراد عائلتك!"، قال الضابط الفرنسي. 

لكنّ ردَّ "سي علي" أتاه بارداً: "غريب أمركم أنتم الفرنسيين، تستعرضون قوتكم أمام العالم وأنتم غير قادرين على القبض على مجموعة من الرجال!".

يزداد الضابط غضباً، فيبصق على عمامته.

-أنتم كفار، اخرجوا من بلادنا، لا مكان لكم بيننا!

- أريد اسماً واحداً ومكانه، وسنفك قيدك وتخرج من هنا بسلام!

-أنت من عليه أن يفكّ قيدي، فأنتم الخبراء في التعذيب وتشييد المعتقلات، لا دين لكم سوى الإجرام أيها الكفرة!

يخطف الضابط بندقية من أحد جنوده ويضربه على فمه! 

لم يصدر عن "سي علي" أيّ صوت، بقي الضابط يحدّق بالفكّ العلوي للرجل الذي أمامه وقد تناثرت أسنانه أرضاً والدم يسيل على عباءته.

كل وسائل التعذيب لم تنفع مع "سي علي". أسبوعين لم ينم فيهما إلا فجراً في بركة ماء بعد نهاية حلقة التعذيب بالسكين وحروق أعقاب السجائر والأسلاك الكهربائية والسياط. لا يقول شيئاً إلا عبارتين بصوت عال يسمعهما من في داخل المعتقل. 

"الله أكبر، تحيا الجزائر"!! 

تركه الضابط بين أيدي جنوده الذين واصلوا تعذيب "سي علي" لأشهر طويلة، لم تنته إلا باختفاء صوته إلى الأبد.

غاب الوجه المحبّ المؤمن من دون أن يعرف أحد الطريقة التي استُشهد بها. 

بعد أيام، وُجد جثمانه مرمياً في بئر بعد أن تضاربت الروايات بشأن طريقة إعدامه، فقال البعض إنه أُسقط من طائرة والبعض الآخر قال إنه أُلقي في بئر.

الطريقتان تُظهران مدى غيظ الفرنسيين منه لأنه لم ينطق سوى بالشهادة والحرية لوطنه. 

********

"لقد خرج والدك من السجن، زغردي يا بنيتي، لقد مات شهيداً"، بهذه العبارات استفاقت الصغيرة، التي لم تتعدّ السادسة، من نومها!

لم تفهم كلام أمها ولكنها زغردت بطريقتها الطفولية والحيرة تملأ عينيها، عينيها المملوءتين بالدهشة من بيوت تونس وأزياء أهلها ولهجتهم، رغم مضيّ أشهر على وصولها.

في ليل بارد على غير العادة من ليالي أيلول، وصلت إلى عائلتها معلومة أن قوات الاحتلال الفرنسي تخطط لشنّ هجوم على القرية وستعدم كل من له صلة قرابة بـ"سي علي"، فاضطر أفرادها إلى الهرب إلى تونس، في رحلة مضنية تخطّوا فيها الاسلاك الشائكة والألغام!

-    ماذا يعني أن يكون الانسان شهيداً؟ 

قبل أن تحضرها الإجابة، حضر وجه والدها الذي رأته آخر مرة حين كانت تقف عند باب دارهم القديم، وبيدها سنبلة تحركها يميناً وشمالاً، وعيناها على طلاب شيخ القرية حيث تصلها أصواتهم وهم يتلون القرآن، والكثير من الوجوه التي كانت تمر أمامها في ذلك اليوم. نساء يحملن جرار الماء على رؤوسهن وأطفال يركضون وشبان يحصدون القمح، ثم فجأة دوّت تلك الصرخة: "هاو عليكم القالمة"!! ليختفي الجميع بعدها، بلمح البصر، ويحل صمت مطبق. 

يأتيها صوت أمها وهي تناديها "ادخلي، ادخلي"، لكنها ظلت تحرك سنبلتها وتواصل التحديق بصمت! توقفت دورية عسكرية أمام بيتهم. باب البيت كان مشرعاً كالعادة. ركضت نحو الداخل فوجدتهم وقد قلبوا البيت الصغير رأساً على عقب، ووالدها ينتعل حذاءه. كانوا يحدثونه بلغة لم تفهمها حتى اليوم! 

-ستذهب معهم وستطول مدة غيابك ككل مرة!

لم يعرف "سي علي" لحظتها إن كان عليه أن يضمها أو يضحك أو يبكي. تأمل وجهها الصغير. كانت تلك المرة الأخيرة التي يرى فيها هذا الوجه الملائكي. أخرج من جيبه فرنكاً وأعطاها إياه. كبّلوه بسرعة. خرج ولم يعد.. كان ذلك كل ما تبقى منه.

*******

حاولت الإسراع في مشيها. كل خطوة كانت بمثابة (بمنزلة) هروب من الآخر المجهول. تخاف من هذا العالم الذي كبرت فيه، كل شخص هنا عدوّ، نظرة من مجهول ما تتسبّب لها في الخوف طويلاً.

لا أحد يتعقبها أو يحدثها، لكن كل العيون هنا مشدودة إلى الآخر، وخاصة إلى النساء. ماذا يفعلن في الشارع؟ الذكورة المستفحلة هنا تطغى على كل جماليات المدينة وآثارها المترامية.

دقات قلبها تسابق خطواتها. كم تشبه أمها حتى في طريقة مشيها. وجه تلك العجوز المجاهدة لا يغيب عن بالها. إنه وجه اللبؤة "تارّت"، الاسم الأصلي للمدينة التي حمتها النساء بأجسادهن وقلوبهن وبسالتهن وحتى بـ"التزغريت" في تشييع الشهداء وفرحة الاستقلال.

وجه أمها لا يمكن لأحد عرفها أن ينساه. جمال صامت يكشف جرحاً لا يلتئم. عيون خائفة من المستقبل رغم الماضي الكبير. امرأة قاومت الفرنسيين وطرّزت الأعلام وحملت الأكل والسلاح للمجاهدين وعالجت جرحاهم. لم تكترث لوجهها الذي وشمته، لتُبعد عيون جنود الاحتلال عنها! 

تمر أمام كركالا وتتوقف فجأة. تأملت الجهات الأربع والقبة، وضحكت في سرّها. لو أنها كانت من عائلة سبتيم سيفار، لأهداها والدها إحدى جهاته الأربع!

ترك استشهاد والدها "سي علي" في قلبها حزناً مزمناً، باتت معه شديدة العزلة والخوف. والدتها كانت قوية بما يكفي لتربيتها هي وإخوتها، لكن ذلك لم يخفف من وطأة غياب والدها الذي بقي حاضراً في قلبها حتى بعد أن أصبحت أماً وجدة وكبر على يديها أطفال كثر وباتوا رجالاً. تتذكره هنا في مدينة "تيفيست" التي قدّم إليها الكثير، لكنه لم يترك لابنته إلا صورة تحفظها الذاكرة، ونظرة وداع أخير.. وفرنك! 

واصلت سيرها، نظرت يميناً ويساراً، فلربما أخطأت الطريق. فقد رحلت منذ زمن طويل عن هذه المدينة المفجعة في الأحبة. خففت سرعتها. تسرّب إليها الخوف مجدداً. تريد أن تخفف من وطأة الخبر المفجع الذي قد يصلها في أي لحظة على هاتفها الخلوي الذي لا تفقه فيه شيئاً، إلا الضغط على الزر الأخضر حين يرن! 

امرأة الوجع والحنين، عليها أن تكون قوية وصبورة أمام الآخرين. إنها من قبيلة "النمامشة" الأمازيغية العريقة، التي أنجبت "العربي التبسي" الشهيد الوحيد الذي لم ولن يكون له قبر. الأسد الذي أغلي جسده في الزيت.

لن تنهار أمام خبر وفاة والدتها. ستذهب وتغسّل والدتها وتُلبسها الكفن وستطعم كل المعزين وعابري السبيل. ستطبخ الكسكسي بلحم الخروف، وستُصرّ على كل شخص أن يأكل حتى يشبع. لا وقت للنحيب. الموت حق على الجميع، هكذا تقنع نفسها دائماً بالتسليم بالقدر.

والدتها لا تشبه نساء "تيفيست"، ولكنها واحدة منهن. امرأة جبّارة وجميلة وقديسة وثائرة وشجاعة. تشبههن في ارتدائها "المَلِحْفة" السوداء التي تغطي ذراعيها وقدميها. بقيت حتى وفاتها مصرّة على التزين بتاج وأقراط تتدلى (وقرطين يتدليان) حتى رقبتها، وبخلخال عند كاحلها، بينما الوشوم الأمازيغية تغطي وجهها وكفيها. صوتها رنان وابتسامتها خجولة تظهر كنجمة بين الغيوم. كثيرة هي الغيوم التي مرّت على (في) حياتها. تزوجت ولم تتجاوز 12 عاماً من العمر، وعندما اندلعت الثورة ساندت زوجها المجاهد وشاركته في النضال، وحين سُجن وهدّدوا حياة أطفالها أنقذتهم من الموت المحتوم على أيدي الفرنسيين، ثم أعادتهم إلى أرضهم بعد الاستقلال.

في داخلها النقيضان. شعوران يشبهان طبعها المتناقض إلى حدّ صارخ بين المدنية والقروية، عفوية وقوة، لطف وتجهّم، بخل في المشاعر وكرم في كل شيء آخر. تفتخر بقريتها "بئر العاتر" التي لم تعلم تاريخها إلا بعد أن أصبحت أمّاً، وأنها تعود إلى عصر ما قبل التاريخ، وعلى اسمها أطلق اسم الحضارة العاترية التي تعود جذورها الأولى إلى فلسطين.

وصلت إلى المستشفى، بعد قرابة نصف ساعة من المشي. كان وجهها مصفراً، وقدماها لا تقويان على السير أكثر. أشقاؤها وأبناؤهم يقفون أمام باب غرفة والدتها. قالت "ع السلامة"، بنظرة فارغة من دون أن تنظر في وجه أيّ من الحاضرين. 

دخلت الغرفة وقلبها يبكي وعيناها تنوحان وشفتاها بيضاوان من الخوف، قالت: "يما آني جيت، آني هْنا". شعرت بحاجة كبيرة إلى احتضانها عساها تنقذها من بين يدي الموت المحدق بها. سحبت كرسيّاً وقرّبته من السرير، لتترك نفسها للمرة الأولى في حياتها تبكي بصوت مرتفع فوق صدر أمها.

""يما ما تخلينيش وحدي.." أبي لم يضمّني قبل رحيله الأبدي. انهضي من هذا الفراش وضميني إلى صدرك ولو لآخر مرة.. أنا امرأة الوجع والحنين والخوف"، قالت. 

بقيت والدتها تتأملها ودموعها تنهمر، غير قادرة على الكلام بسبب إصابتها بالجلطة الدماغية، لكنها على خلاف "سي علي"، كانت تعرف أنها النظرة الأخيرة التي سترى فيها هذا الوجه الملائكي.

استجمعت كل طاقتها وقالت لها: "رضيانة عليك دنيا وآخرة".. وتدخل هي الأخرى في الغياب.

ورحلت.. 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
سلوى ونوس

صحافية جزائرية سورية