وباء أغنام ضيعتي

أنا لا أنوي الفِرار من المستشفى، ولكن لو تخطيت المرض وعشت، فأول شيءٍ سأفعله هو الذهاب إلى قريتي. سأزور ذلك الرّاعي وأسأله: ماذا فعلَتْ أغنامُك لكي تتخطّى مرحلة الوباء؟

  • وباء أغنام ضيعتي
    وباء أغنام ضيعتي

مضى أسبوع على وجودي في المستشفى. لم تكن تغطية إعلامية لصحافية تحب المخاطرة مثلي، ليتها كانت كذلك ولكن ما زال بإمكاني كتابة المقالات.

المستشفى في هذه الحالات أشبه بالسجن الانفرادي. لم أنقطع فعلياً عن العالم الخارجي. فكّرت في أشياء كثيرة.

مثلاً البشر الذين فُرض عليهم الحَجْر الصحي في أزمنة سابقة على وسائل التواصل التي شغلتني كثيراً بالطبع أكثر من أوقات مطالعتي ذلك لأن الحدث استثنائي. ولكن هناك أوقات فكّرت بما يجب أن يفكّر به مَن يلوح له شبح الموت.

أنظر من النافذة. الشوارع في الخارج تبدو كأنها شوارع مدينة أشباح. لطالما كان الموت قريباً جداً، ولكني لم أفكّر به قبل "كورونا". الفايروس الشيطاني جعلني أيضاً أفهم أكثر أسلوب عمل إبليس.

هل يمكن أن يصير كل سكان الأرض حاملين للكورونا؟ ربما الأرض نفسها مُصابة بذلك الفايروس، أليست حرارتها في تصاعُد منذ سنين؟

عجيبةٌ هي الأفكار التي يولّدها الحَجْر! تذكّرت مرة الراعي في قريتنا. كان مغموماً وهو يخبرنا أن نعجةً من نِعاجه أصابها مرض فنشرته بين كل القطيع.

"كان يجب عليك أن تذبحها فوراً". كان هذا تعليق فوري من صحافية عاشت كل حياتها في المدينة وتزور قريتها فقط في يوم العيد، ولا تستطيع أن تميّز الغنم من الماعز.

لماذا لم أقترح عليه أن يَحْجرها؟ أن يحاول علاجها؟ أفكّر الآن وأنا أقرأ مقالة في صحيفتي التي اشتقت إليها. لماذا كنت بهذه القسوة؟ المفروض أن آخر الدواء الكيّ لا أولّه.

عجيبةٌ هي الأفكار التي يولّدها الحَجْر! أنا لست غَنَمة! ربما غزالة كما كان يُشبّهني بعض الشبان الأشقياء في العمل. صحيح أنني لا أهتم كثيراً بجسدي هنا وفي هذه الظروف، ولكن ما زلت أمتلك جسداً مثالياً. الأصل هو الجسد. أليس كذلك يا "نيتشه"؟

الحَجْر الصحي يجعلنا نتفلسف! هل لهذا السبب كان بعض الفلاسفة والمفكّرين يعتزلون الناس؟ لا أعلم! المهم أنني الآن لست مُستاءةً من إصابتي بالمرض. ربما بدأت أجنّ، ولكنه فعلاً جعلني أفكّر بأشياء وأشياء قد لا نفكّر بها ونحن نعيش حياتنا اليومية.

لم تزعجني إلا فكرة تعويلي على جسدي للنجاة. مناعة الشباب في مقابل المُسنّين! المقال يتحدّث عن عدم اهتمام بعض الدول بمُعالجة كبار السن. فلسفة القوّة تعود بقوّة في زمن المصائب! البقاء للأقوى!

عندما رفعت عيني عن صفحة المقال، كانت ممرضة تجرّ سيّدةً عجوز على كرسيٍّ مُتحرّك. توقّفت أمام باب غرفتي للحظة لتفتح باب الغرفة المقابلة. هذا الطابق مُخصّص للمُصابين بالوباء. نظرت في وجه العجوز. شاهدت الابتسامة التي لم تخفها كمّامتها. شاهدتها في عينيها. كانت تحيّيني.

ما لهؤلاء مطمئنون أكثر مني؟ لا أعلم هل فهموا حقيقة الموت أو حقيقة الحياة؟ هل الموت حالٌّ فينا إلى حدّ يجب أن لا نعبأ بالحياة؟ فكّرت. وضعت الصحيفة على السرير وشغّلت التلفاز لأشاهد أخبار العالم.

في الولايات المتحدة يتقاتلون في السوبر ماركت. بعض دول أوروبا أغلقت حدودها. الصين تتّهم الولايات المتحدة باختراع الفيروس ونشره. الولايات المتحدة تمنع دولاً من تقديم مساعدات طبية لدول أخرى. العالم كله يقرّ بعجزه وضعفه.

عندنا في لبنان سياسيون يبدو أنهم سيظلون يتناطحون حتى في يوم القيامة. تجارٌ أصابهم فيروس الاحتكار العضال الذي لا أمل بالشفاء منه، مرضى يفرّون من المستشفيات، وأناسٌ يتجمّعون في الأماكن العامة كأنهم يقولون للكورونا كنا ميّتين قبلكَ فلن تضيفَ جديداً.

أنا لا أنوي الفِرار من المستشفى، ولكن لو تخطيت المرض وعشت، فأول شيءٍ سأفعله هو الذهاب إلى قريتي. سأزور ذلك الرّاعي وأسأله: ماذا فعلَتْ أغنامُك لكي تتخطّى مرحلة الوباء؟

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
علي حسين حمادي

كاتب وشاعر من لبنان