عن أختي التي تعانق الموت ولست قادرة على عناقها

تقول لي أختي ولاء إنها تؤدي واجبها الانساني والاخلاقي والوطني، وترفض وسم دورها بما هو أكبر من ذلك.

 

  • عن أختي التي تعانق الموت ولست قادرة على عناقها

سأروي ما حدث معي لا لمجرد الكلام، إنما لأخذ العبر وتحمل المسؤولية أكثر ولحفظ الجهد الذي تبذله "وحدة كورونا" في مستشفى رفيق الحريري الجامعي في بيروت مع كل متطوع  من ممرضين ومسعفين ومرشدين وغيرهم، من الذين أخذوا على عاتقهم حمل الواجب الانساني وتصدروا الصفوف الأمامية في معركتنا بوجه فيروس "كورونا".

قمت بزيارة خاطفة إلى منزل أختي الطبيبة، وهي متمرنة في مستشفى الحريري ومتطوعة في "وحدة كورونا" . لم أدخل المنزل لأنني ممنوعة من الدخول إليه وهي من ألزمتنا بذلك.

عند وصولي إلى باب البيت وأنا أحمل زاداً أعدته أمي لها، وضعته أرضاً قرب الباب ومضيت. حزن غريب انتاب قلبي حتى سالت دموعي كالماء. لا أبالغ إن قلت إنني شعرت حينها بقساوة الفكرة وبشاعة المرض وما حلّ بنا. شعرت أنني مشتاقة إلى أختي وعائلتها التي تقف في منتصف الطريق بين الحياة والموت في كل يوم تعود فيه من العمل.

حيث أن إمكانية انتقال العدوى إليها سهلة، وشعرت أن تحمل المسؤولية معها ليس بالأمر السهل أيضاً، وأن قرارها ورفاقها بالتطوّع ليس عابراً وبسيطاً أبداً. لكننا اليوم في ساحة معركة ولا يجب علينا الهروب. جميعنا سيتحمل المسؤولية. جميعنا أقوياء. لم أستطع الوقوف مطولاً أمام الباب، كفكفت دموعي وتجاهلت ضعفي وغادرت قبل أن أقرع الجرس.

لم أقوَ حتى على الاتصال بها لأخبرها أنني كنت عند باب منزلها. فلا نفع في ذلك. فهي لن تسمح لي حتى بعناق قصير، وأنا لا أريد سماع صوتها من خلف الباب لأن ذلك سيكون عليّ أقسى.

تقول لي أختي ولاء إنها تؤدي واجبها الانساني والاخلاقي والوطني، وترفض وسم دورها بما هو أكبر من ذلك. إنها تدعونا فحسب لنتحمل جميعنا مسؤولية الحفاظ على أرواحنا وأرواح أهلنا، باتباع الارشادات والالتزام بالحجر المنزلي وعدم الخروج الا عند الضرورة القصوى، فبذلك نكون مشاركين في المعركة ومقدرين لهذه التضحيات الكبيرة.

محزن أننا من الممكن أن نخسر أحبة لنا من دون فرصة وداع أو نظرة أخيرة، ولكي لا نصل لهذا المواقف ولا نكون مساعدين في وصول غيرنا إليها، فلنتحمل المسؤولية ونلتزم بالحجر المنزلي.

هذا الوطن الجميل فيه ما يستحق القتال من أجله، من أجل ذكرياتنا وأحبائنا، وشمس النهارات الصيفية المشعّة وعائلاتنا، لأجل أن تعود الحياة إلى طبيعتها، ونعود ليومياتنا، ليعود لقاؤنا بمن نحب عادة لم نكن نقدر أهميتها، فلنقف جميعاً وقفة الوعي و المسؤولية.

عند ركوبي السيارة، هاتفت زوجها وأخبرني أن ولاء وصلت للتو من عملها وأنها لم تنم بعد، وهي تعبة جداً لدرجة أنها لن تستطيع مكالمتي.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
حوراء شريف

كاتبة من لبنان