وجها جدَّي الغائبَين.. شمعٌ في ليالي السحر

ها أنا اليوم بعيد من جدّي وجدّتي، اللذين يمثلان لي الأرض والوطن وكنف الجنة.

  • وجها جدَّي الغائبَين.. شمعٌ في ليالي السحر (Mina)

خلال السنوات الستّ الماضية، كان الهلال يهلّ على الجوهرة (مدينة صور)، كما سمّاها جدّي.. ولم أُقبل إليه مذّاك. كانت العادة في شهر رمضان أن نكون سوياً، كما باقي الأيام التي جعلها السفر بيننا، لكن في الحقيقة، وطوال هذه السنوات وما قد يأتي بعدها، إذا كتب الله لنا عُمراً، كنت أقرب من الأيام إليهما، فقد استحضرتهما في كل فعلٍ وعمل.

ها أنا اليوم بعيد من جدّي وجدّتي، اللذين يمثلان لي الأرض والوطن وكنف الجنة التي سنرحل إليها إن أُثبنا.

في الغياب، تشتعل الذاكِرة، فلا نعود نستحضر الذكريات بعين الجسد، إنما بعين السِّر، كما يقول مولانا البلخي. هذه العين هي القلب والروح التي تحلّق بين الأرواح المُحبّبة إليها، الساعية إلى السلوك والسير في درب الجُلجُلة، فمتى ما فتحت هذه العين، ما عدت في الغياهب، ولو غُيّبتَ جسداً في عالم المادة. أستحضر الجدّ والجدّة بينما تفصلني أيام الدنيا عنهما، فتحلّق الروح بينهما.

أجلس في ليالي السحر في أيام شهر رمضان قبالة السفرة التي صنعتها على بساط بأغراض خاصّة وحميمية. إبريق شاي واستكانتي والليل خلاسي. مرة أسكب من الشاي ثلاثة أرباع الاستكانة وربعها ماء وملعقة صغيرة من السكّر، على هوى جدّي، ومرةً أسكب نصفها شاياً والنصف الآخر ماء، بمذاق مُرّ على هوى جدّتي. هكذا أكون قد أنصفتهما في جلستي، بينما الليل يراقبنا عاجزاً عن عدّ استكاناتي.

الشاي يُشرَب بالاستكانة. هكذا علّمني الجدُّ، وأعطاني سرّ استكانته بحلاوة طعمها، وكذلك فعلت جدّتي حين أخبرتني كيف تنسحب أحياناً مرارة المذاق إلى مُرّ التجارب. كيف لا وهي خبيرة المهجر وحافظة السر! في النهار، كانت تفشي لي بعضاً من أسرار خبرتها، وفي الليل تبتهل بالدُعاء والأذكار.

سرّ جميل في شهر رمضان، يعود بألفة الذكريات لما يكتنزه من دفء وسرديات طويلة مع الله والأحباب، فتارةً أذكر جدّتي التي تصوم ضعف الصيام وتقوم ضعف القيام، وتارةً جدّي وقلبه المُفْعَم بالهيام. 

أذكره في عمله وفي البيت وفي لمساته الخاصة على الأشياء وجلساته المؤنسة. كان يُحبّ الزعتر كثيراً، كحبّه للأرض، ويرى في كل ما تعطيه الأرض جوهرة. كان لديّ كيس فيه زعتر خلطته يدا جدّي مع كثيرٍ من الحب والحنان. كان في الحنين ملجأي. احتفظت به لثلاث سنوات، لا آكل منه إلا في أقصى الحنين والوقت الحزين، لكنه فرغ وما نضب الحنين!

صرت أبحث في أنواع طعامه المُحبّب، لعلّ بعضها يواسيني، فطرقت باب البرغل، وإذ بأنامل جدّتي تنبت بين حبّاتها؛ تلك الأنامل التي حفظتها بينما كنا ننقّي البرغل سوياً، فتُعدّه لي بالكفين نفسهما اللتين ترفعهما إلى ملكوت السماء، فتارة تصنع من البرغل "الكمونة"، وتارة "بقلة"، وتارة تجمعه مع العدس، بينما تُسبّح في ليل الخفر وأنا أسترق النظر إلى مطبخها، تصنع المجدّرة والمخبوصة وأكلتي المُفضّلة الكبّة باللبن، فتغدو بين يديها أشهى من طعام الأرض.. البرغل الذي يعتبره الجدّ جوهرة الفلاح التي أخرجها من منجم الأرض، وصفوة القمح الذي جهد فيه، و"محدله" بعد الحصاد.

فكان يأتي بالبرغل واللبن، وللبن قصة أيضاً، فهذا بالحب مُخصب من الأرض إلى البقرة أو الشات، بحسب الفصل، ثم إلى يدي الفلاح وبعدها إلى الاختمار. فكانا مزجاً بين الكنوز، يمزجهما جدي فيصبحان "بْلِيلْه". واختصّ تناولها عند العشاء، فصرت أصنع البليلة وأنتظر جدي.

"تُكبكب" جدتي الكبّة بأنامل التسبيح، وتغلي اللبن حتى يختمر مع ترانيم الأذكار، وترشّ معه نعناعاً من عبق السحر، كانت "تُحوّشه" من جميلاتها المُستريحات على الشُرفة، اللواتي كانت تلاقيهن قبل بزوغ الشمس، تسقيهن عشبة عشبة، بماء زُلال كدعواتها.

ثم يحلّ المساء في ليالي شهر رمضان الكريم، فيطرق جدّي الباب وفي يديه صدر قطايف بالجبن، يشتريها حصراً من بائع ترابيّ يعمل في منزله. كان يحب الترابيّين كثيراً، ويحبّ طعامهم وما تصنعه أيديهم.. يكون مجبولاً بكدّ وعرق وطيبة، إضافة إلى المدلوقة والمفروكة وحلاوة الجبن. كان يهوى للناس الحلو، ويوصيني بـ"الكلمة الحلوة".

وأما السحر، فله قصة أخرى. سجادة جدّتي المنفردة حتى مطلع الفجر. مصحفها، وكتاب الأدعية خاصتها، وتضرّعها وصلاتها، إلى حين موعد يسبق ساعة الإمساك، فتملأ الإبريق الزجاجي ذا العبق القروي بالماء مع بَسْمَلة ودعاء. تعبر بكل واحد فينا بثوب الصلاة لتروي ظمأنا قبل أذان الفجر.

وما بعد السحر، أنوار القدر تلقيها الشمس الساطعة المشرقة من الجنوب، فتقوم الجدّة بعد نوم بضع ساعات، ويقوم الجد الساعي بحنانه وجِدّه كالفلاح في مسعى حصاد الحبوب. يغتسل ويتَهْندَم، وتبدأ جدّتي بتحضير النهار، لكن وفي استراحة يركن الواحد فيها إلى تعب الآخر، ينظران إلينا من شق باب الغرفة، نحن أحفادهما الصغار، ويردّدان "ما أجملهم!". ونحن نيام، يلقون إلينا بالبصر، ويأتون ليغطّونا. وهنا كانت جدّتي تُمازحني دائماً قائلة: "أجدك نائماً مُغطياً وجهك، فأكشف الغطاء عنه ثم تعاود وضعه".

 وفعلاً، كانت لي هذه العادة حتى عدلت عنها في الكِبَر، ولكن لم أملّ من انتظار جدّي وجدّتي قبل أن أضع رأسي على الوسادة. حتى الوسادة كان لأنامل جدّتي لها سبيل. تطرّزها بيديها. تصنع لها بيتاً وملحفة، كي يأنس رأسي الصغير بأناملها التي تخيط الجنة.

وهذا غيض من فيضهما.. ما غابا، بل حضرا، إنما في عينك المادية الغياب.

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
حسن شرف الدين

كاتب من لبنان