الغربة والموت

الكثير من المهاجرين مهما أخدتهم الحياة بعيداً من وطنهم تراهم يشعرون بالحنين إلى الأرض التي احتضنتهم في بداية حياتهم ويودّون لو كانت أوطانهم توفّر لهم سُبل العيش الكريم.

الغربة والموت

غيّب الموت منتصف شهر أيلول/سبتمبر الماضي مغنّي الراي الجزائري رشيد طه. الراحل اشتهر بأغنية "يا رايح وين مسافر" التي أعاد غناءها في منتصف التسعينيات، فأصل هذه الأغنية ذات الشهرة العالمية يعود إلى العام 1973 عندما أدّاها المغني الشعبي الجزائري دحمان الحراشي.

إذا تحدّثت عن الموسيقى، فبلا شك تجدني أنحاز إلى هذه الأغنية التي جذبتني ألحانها منذ أكثر من 23 عاماً. أتذكّر بوضوح أول مرة سمعتها فيها. كان عُمري أحد عشر عاماً، وكنت أرافق والداي إلى حفل عشاء عند أحد الأقارب. كبرت وأنا أعشق تلك الأغنية بطريقةٍ يصعب عليّ وصفها، وحين أسأل عن سبب حبّي العميق لها تراني عاجزة عن إعطاء سبب، على عكس ارتباط الأغاني عند البعض بحدثٍ ما في حياتهم أو شخصٍ ترك أثراً عندهم.

أما أنا فألحان "يا رايح" هي سبب ارتباطي بها لما يزيد على العقدين، فهي تُحيي فيّ خليطاً من المشاعر، وتشعرني بالأمل كلما سمعتها، إلى أن كبرت وأصبحت كلماتها تُحدِث وقعاً كبيراً عليّ، لما تصفه من واقعٍ يمر به الكثير من الأشخاص الذين يسعون إلى تحسين واقع معيشتهم، ولكوني فتاة عربية، فأنا أدرك بشكلٍ كبيرٍ مدى التطابق بين كلمات هذه الأغنية وحال الكثير من العرب.

تتحدّث أغنية "يا رايح" بشكلٍ رئيسي عن هجرةِ الجزائريين إلى فرنسا بحثاً عن حياةٍ أفضل، خاصة في فترة الستينيات والسبعينيات عندما اتّصف الاقتصاد الجزائري بالهشاشة، وعندما غنّاها دحمان هدَفَ من ورائها إلى انتقاد قرار صديقه الجزائري الذي أصرّ على الانتقال إلى فرنسا بحثاً عن "حياةٍ أفضل".

عند النظر في الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الهجرة نراها تختلف ظاهرياً ولكن هدفها واحد، والغالب فيها الهرب من شبح الفقر والعوز في دول "العالم الثالث" إلى البحث عما هو أفضل أو أكثر أماناً. فالهجرة لا تعني فقط تَرْك الإنسان لموطنه ومجتمعه وعائلته وأصدقائه، إنما أيضاً وجوب التأقلم مع نمطِ حياةٍ جديد في بلد يتّسم بخصوصيات تختلف في غالب الأحيان بشكلٍ كبيرٍ عن موطن الشخص من ناحية اللغة والثقافة والعادات. فقرار الهجرة يأتي إما نتيجة الحروب والنزاعات، أو بسبب توافر فرص تعليمية أكثر تقدّماً، أو فرص عمل تضمن للشخص حياة أفضل خاصة في حال كان البلد يتمتّع باقتصاد قوّي. في حين يلجأ البعض الآخر إلى الهجرة هرباً من قيود اجتماعية أو سياسية أو دينية، في حين يسعى العديد من مواطني "الدول النامية" إلى الهجرة إلى إحدى البلدان المتقدّمة أملاً في الحصول على جواز سفر قوّي يضمن لهم حياة أكثر أماناً واستقراراً، ومستقبلاً أكثر إشراقاً لهم ولأولادهم.

تتّسم الهجرة على اختلاف أشكالها بالصعوبة، خاصة في أولى مراحلها، فهي قد تعني التهميش أو صعوبة التأقلم مع الحياة الجديدة وضرورة الانصهار في المجتمع. ولعلّ أصعب أنواع الهجرة هي تلك القسرية التي عادة ما تحدث نتيجة حروب أو ممارسات حكومية أو ممارسات جماعات مسلحة أو دينية متعصّبة بهدف إخلاء أرض من سكانها لإحلال غيرهم مكانهم، فتجد بأن غريزة البقاء هي ما تدفع المواطن إلى الهجرة، فلا خيار أمامه في حال طلب الحياة.

رشيد، الطفل الذي هاجر مع والديه إلى فرنسا أواخر الستينيات بسبب الضائقة الاقتصادية، رفض الحصول على الجنسية الفرنسية، وبقي متمسّكاً بجنسيّته الجزائرية، كما أنه طلب أن يُدفَن في وطنه بعد موته.

الكثير من المهاجرين مهما أخدتهم الحياة بعيداً من وطنهم تراهم يشعرون بالحنين إلى الأرض التي احتضنتهم في بداية حياتهم ويودّون لو كانت أوطانهم توفّر لهم سُبل العيش الكريم، وهذا بالطبع ليس حال الجميع، فالبعض قد يخالفني الرأي.

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك المقالات والتحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]
رنا كواليت

ناشطة إجتماعية من الأردن

إقرأ للكاتب