النشاط الاستيطاني في فلسطين المحتلة منذ 1898 وحتى 1914

يتابع الباحث عمر الراشد بحثه في الاستيطان اليهودي لفلسطين، وفي الحلقة التالية، وهي الثالثة من مجموعة "النشاط الاستيطاني"، يستعرض جانباً أخيراً من النشاط الصهيوني.

  • النشاط الاستيطاني في فلسطين المحتلة منذ 1898 وحتى 1914
    بيت لحم في بداية القرن الماضي

(المرحلة الثانية من محاولات تنفيذ المشروع الصهيوني)

مؤتمر الحركة الصهيونية في بروكسل 1906:

عقدت الحركة الصهيونية في كانون الثاني/يناير 1906 م، مؤتمراً مصغراً في بروكسل عاصمة بلجيكا، ولكن هذا المؤتمر لم يتوصل إلى نتائج تذكر.

المؤتمر الصهيوني الثامن 1907:

عقد المؤتمر الثامن في لاهاي بهولندا سنة 1907. واتخذ المؤتمر قراراً حاسماً بمباشرة النشاط الاستيطاني اليهودي، على نطاق واسع في فلسطين، واعتبر أن الذهاب إلى فلسطين ضرورة صهيونية.

وفي المؤتمر الثامن، خطت الحركة الصهيونية خطوة عملية إذ تقرر تأسيس شركة للأراضي الفلسطينية، وتخصيص قرض يقدمه "البنك القومي اليهودي" لبناء مستعمرات جديدة بالقرب من يافا، نواة مدينة "تل أبيب"، وقرر المؤتمر أيضاً اعتبار اللهجة العبرية لغة التخاطب الرسمية الصهيونية، وتمكنت المنظمة الصهيونية من شراء صحيفة "الجويش كرونيكل" (Jewish Chronicle) اللندنية، ولعب "صندوق الائتمان اليهودي للاستعمار" دوراً رئيسياً في إتمام الصفقة.

ابتاع اليهود في حيفا 1907، قرية بيت لحم وأم العمد في جوار الناصرة من العائلات الإقطاعية اللبنانية آل سرسق، وآل تويني، واشترى اليهود بعض القرى بأسماء مستعارة على أنهم من رعايا الدول الأجنبية، وحتى أن بعض اليهود المحظور عليهم قد تمكنوا من تملك بعض القرى التابعة لشفاعمرو، وشيدوا فيها الأبنية بأسماء مستعارة.

واستمرت الهجرة اليهودية إلى فلسطين بأساليب غير قانونية مثل التسلل والرشوة، وازداد الجهد الصهيوني لا سيما في حيفا، وزمارين، وهما من أهم مناطق الاستعمار اليهودي في فلسطين في هذه الفترة. وتولت شعبة حيفا لـ"شركة الاستعمار اليهودي" وظيفة الادارات العامة للمستوطنات اليهودية في طبرية، وزمارين.

ثم امتلكت الشركة عينها أراضٍ واسعة من رجال الإقطاع اللبنانيين والسوريين، ومنحت الشركة كل أسرة يهودية تهاجر إلى فلسطين، أرضاً تراوحت مساحتها ما بين 300-400 دونماً، وتستوفي الشركة ثمن الدونم الواحد ما بين 20-30 فرنكاً في مدة قد تصل إلى 50-60 سنة، وأنشىء في شعبة حيفا صندوق لإقراض الأموال مقابل إنشاء البيوت بفائدة 6%، من الناحية الشكلية. وكان الهدف تشجيع الهجرة اليهودية، وتمكين المستوطنين من البقاء في فلسطين.

ومن ناحية ثانية، قامت "شركة الاستعمار اليهودي" بجهود ثقافية لربط اليهودي بتاريخه الثقافي المزعوم، وترسيخ دراسة الثقافة القومية اليهودية المزعومة في الأذهان، وربطها مباشرة بالتاريخ الديني، وضرورة التشبث، والعمل بالأراضي في فلسطين. وبهذا الأسلوب اللاأخلاقي، والرخيص، استطاعت المنظمة الصهيونية متابعة نشاطها الاستيطاني، وتقوية مصالحها الاقتصادية، والثقافية، وهو ما أسمته "التغلغل السلمي" في فلسطين.

وبالرغم من تزايد الهجرة اليهودية من روسيا، وأوروبا الشرقية والغربية والوسطى إلى فلسطين، فإن النسبة، إذا ما قورنت مع النسبة إلى الملايين الذين هاجروا إلى الولايات المتحدة الأميركية، وأقطار أميركا اللاتينية، وأستراليا، وافريقيا، ونيوزيلندا، نجد أن النسبة تمثل لا شيء، وتعتبر الهجرة اليهودية إلى فلسطين شكلاً من أشكال الهجرة اليهودية إلى بقية دول العالم، ولا تمثل إلا نسبة ضئيلة إذا ما قيست بنسبة الهجرة إلى المناطق الأخرى. وتمثل النسبة المئوية للمهاجرين اليهود إلى فلسطين، من أصل الهجرة اليهودية العالمية، ما يلي:

من عام 1840-1880: 4.5%

من عام 1881- 1900: 3.3%

من عام 1901- 1914: 1.9%

استمر اليهود في محاولاتهم إقناع الدولة العثمانية لتغيير قانون الهجرة اليهودية، ولكن المحاولات باءت بالفشل، وبقيت الدولة العثمانية متمسكة بقانون منع الهجرة اليهودية، ومنع الإقامة في فلسطين، ولكن الإدارة المحلية في فلسطين كانت تتحايل على القانون، وتتعاون مع القناصل الأجانب، ومع المهاجرين اليهود، لتسهيل دخولهم إلى فلسطين.

وبهذا الأسلوب غير القانوني، وغير الأخلاقي، استمرت الهجرة اليهودية بطريق رشوة الموظفين العثمانيين، وبمساعدة قناصل الدول الأوروبية، لا سيما قناصل روسيا، والمانيا، وانكلترا، وأميركا وغيرهم.

مؤتمر بنرمان (مؤتمر لندن السري 1905-1907):

  • النشاط الاستيطاني في فلسطين المحتلة منذ 1898 وحتى 1914
    من مؤتمر بنرمان

بدعوة من حزب المحافظين البريطانيين، عقد مؤتمر هنري كامبل بنرمان- مؤتمر لندن السري- في 1905، واستمر حتى عام 1907. وكان هدفه العمل على تشكيل جبهة استعمارية موحدة من الدول ذات المصالح الاستعمارية، وهي بريطانيا، وفرنسا، وبلجيكا، وهولندا، والبرتغال، وإسبانيا، وإيطاليا، لمواجهة التوسع الألماني، ولتحقيق الأهداف التوسعية في أفريقيا وآسيا، وتشكلت لجنة مختصة ضمت كبار العلماء في التاريخ والجغرافيا والاجتماع والاقتصاد والزراعة والنفط والاستعمار.

وبعد سنتين من الدراسة، قدم المؤتمرون نتائج ما توصلوا إليه على شكل تقرير "سري خاص"، إلى وزارة الخارجية البريطانية، ولما رأت الخارجية خطورته، أحالته إلى وزارة المستعمرات البريطانية، ثم اختفى التقرير من غير أن يعرف به أحد، وبقي منسياً حتى قبيل الحرب العالمية الأولى، عندما نشره صحفي بريطاني صهيوني في معرض الدفاع عن "الوطن القومي اليهودي، في فلسطين"، مستشهداً بآراء الحكومة البريطانية وقراراتها، وموافقة عتاة الاستعمار العالمي على ذلك لتبرير قيام دولة يهودية كضرورة اقتصادية، وسياسية، واجتماعية لأوروبا، والولايات المتحدة الأميركية لضمان مصالحها وسيطرتها في الشرق.

مقررات مؤتمر لندن السري

1- البحر المتوسط هو الشريان الحيوي للاستعمار، ولمصالح كل الدول الاستعمارية فهو الجسر بين الشرق والغرب، والممر الطبيعي إلى آسيا وأفريقيا، وملتقى طرق العالم. ولحماية المصالح الأوروبية، والأميركية المشتركة، لا بد من السيطرة على البحر المتوسط، وعلى شواطئه الجنوبية، والشرقية، لأن من يسيطر على هذه المنطقة، يستطيع أن يتحكم بالعالم.

2- الخطر يكمن في البحر المتوسط، وفي شواطئه الجنوبية، والشرقية بوجه خاص، فعلى الجسر البري الضيق الذي يصل آسيا بأفريقيا، وعلى جانبي البحر الأحمر، وعلى طول سواحل البحر الهندي وبحر العرب، حتى خليج البصرة حيث الطريق إلى الهند، وإلى الامبراطوريات الاستعمارية في الشرق.

3- على هذه البقعة الجغرافية الاستراتيجية الشاسعة الحساسة، يعيش شعب واحد تتوافر له إمكانية قيام مقومات لمجتمع موحد، ووحدة تاريخية ودينية، ووحدة لسان وآمال لها كل مقومات المجتمع والترابط والاتحاد، وتتوفر له في نزعاته التحررية، وفي ثرواته الطبيعية، كل أسباب القوة والتحرر والنهوض.

4- توصل المؤتمر السري إلى أن الخطر الحقيقي على الدول الاستعمارية يكمن في المنطقة العربية من الدولة العثمانية لا سيما بعد أن ظهرت اليقظة السياسية، والوعي القومي ضد التدخل الأجنبي، والهجرة اليهودية، والحكم التركي.

5- وتكمن خطورة الشعب العربي على المصالح الاستعمارية، في وجود عوامل يملكها العرب، منها، وحدة التاريخ واللغة والثقافة، والهدف والآمال، والخوف من تزايد عدد سكان الشعب العربي، حيث بلغ عدد السكان سنة 1907 الخمسة والثلاثين مليون نسمة، ويمكن أن يرتفع العدد في مدى قرن واحد إلى مائة مليون نسمة، يضاف إلى ذلك إمكانية عوامل: الوحدة، وانتشار التقدم العلمي، والفني، والثقافي المتوفر لدى الشعب العربي، وفي حال تمت هذه الاحتمالات، ستحل الضربة القاضية بالامبراطوريات الاستعمارية، وخاصة الامبراطورية البريطانية.

وينتقل التقرير إلى وضع المنطقة العربية، ومنه انتزاع فلسطين، وصولاً إلى استنتاج أن المؤتمر مهد الطريق لالتقاء الأهداف الصهيونية، بمخططات الدول الاستعمارية منذ عام 1907، ثم سار الاستعمار البريطاني، والولايات المتحدة الأميركية، والصهيونية العالمية، جنباً إلى جنب في القضاء على فلسطين، وإقامة كيان "إسرائيل"، ليستنتج إن "إسرائيل" ليست دولة بالمعنى السياسي الحقيقي، بل عبارة عن لملمة ناس من مختلف أقطار الدنيا، لا يربطهم أي رابط قومي، ولا رابط لغوي، ولا حتى ديني، فهي باتت اليوم عبارة عن قطعة من قطاعات الجيش الأميركي في المنطقة العربية.