وزير الأسرى السابق يكتب عن الشهيد "أبو جهاد" في الذكرى 32 لاستشهاده

يشكل الشهيد خليل الوزبر مدرسة في كيفية إجبار قوات الاحتلال على إطلاق سراح الأسرى الفلسطنيين من خلال العديد من العمليات العسكرية التي أشرف عليها.

  • وزير الاسرى السابق يكتب عن الشهيد "أبو جهاد" في ذكرى استشهاده

بتاريخ 16 نيسان/أبريل 1988 اغتال الاحتلال الإسرائيلي القائد الشهيد خليل الوزير أبو جهاد، ولم تكن عملية اغتياله عادية، بل هي حرب شاملة خطط لها جنرالات الحرب في "إسرائيل" بكافة مستوياتهم العسكرية والأمنية والتي اعتبرت الحرب الثالثة بالنسبة للكيان الإسرائيلي باغتيال الرأس المدبر والمخطط للعمل العسكري والإنتفاضي في الأراضي المحتلة، وكما وصفته الصحافة الإسرائيلية والأميركية بأن "أبا جهاد مخطط بارع لا يُهزم وكان من أخطر أعداء إسرائيل على مدى ثلاثة عقود، وأن بقاءه حياً أصبح أمراً لا يُطاق بالنسبة لإسرائيل".
 
اخترق أبو جهاد جدران السجون وتواصل مع الأسرى وعائلاتهم وهو أول من أدرك منذ البدايات أهمية الإنسان الأسير المناضل، قد برز ذلك عندما اعتقل أول أسير فلسطيني بتاريخ 8/1/1965 وهو محمود بكر حجازي وحينها قال أبو جهاد: "لقد حركنا العالم كله خلف قضيته..  لال ستة أشهر كنا قد رفعنا مذكرات إلى هيئة الامم المتحدة وكل الهيئات الدولية الأجنبية التي ترعى حقوق الأسرى، واتصلنا بعدد من نقابات المحامين الأجانب للدفاع عن محمود الذي صدر بحقه حكماً بالإعدام ورفضت سلطات الاحتلال أن يتولى المحامي الفرنسي الشهير (جاك فيرجس) الدفاع عنه والذي كلفناه بذلك".

وقد أطلق سراح حجازي عام 1971 خلال إجراء عملية تبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية و"إسرائيل" مقابل إطلاق سراح الإسرائيلي شموئيل روزنفر الذي أسرته حركة فتح بتعليمات من أبي جهاد.

إن الهاجس الدائم للقائد الشهيد أبو جهاد كان إطلاق سراح الأسرى من سجون الاحتلال، وكانت تعليماته دائماً خلال العدوان على لبنان عام 1982 وخلال العمليات العسكرية للفدائيين خاصة الدوريات المتسللة عبر الحدود بخطف جنود إسرائيليين لأجل مبادلتهم بأسرى فلسطينيين، وتنفيذاً لهذه التعليمات تم أسر 8 جنود إسرائيليين يوم 4/9/ 1982 خلال الغزو الاسرائيلي للبنان.

وعلى إثرها قاد أبو جهاد مفاوضات عملية تبادل الأسرى تم بموجبها إطلاق سراح الأسرى على مرحلتين: الأولى في 27 تشرين الثاني/نوفمبر 1983  تضمنت إطلاق سراح 6 أسرى إسرائيلين مقابل إطلاق سراح 4800 معتقل فلسطيني ولبناني من معسكر أنصار و65 أسيراً من سجون الاحتلال في الأراضي المحتلة، منهم 8 أسرى من فلسطين المحتلة عام 1948، و35 معتقلاً كان قد تم أسرهم في علمية القرصنة البحرية في المياه الإقليمية اللبنانية، إضافةً إلى الإفراج عن الوثائق والتقارير والمراجع والدراسات التي صودرت من مركز الأبحاث الفلسطيني في بيروت، ثم المرحلة الثانية وهي عملية التبادل التي جرت في 20/5/1985 بين الجبهة الشعبية القيادة العامة و"إسرائيل"، حيث كانت القيادة العامة قد احتفظت بأسيرين من الثماينة، وبموجبها جرى إطلاق سراح 1150 أسير فلسطيني ولبناني. 
 
المتابع لعملية المفاوضات حول إطلاق سراح الأسرى التي أشرف عليها الشهيد أبو جهاد يكتشف مدى حرصه على التفاصيل  وعلى وضع رؤية قانونية إنسانية في التعامل مع ملف المعتقلين، فقد أعلن يوم 9 اَذار/مارس 1983 أن منظمة التحرير الفلسطينية على استعداد لإطلاق سراح الإسرى الإسرائيليين الثمانية إذا وافقت سلطات الاحتلال على معاملة كافة الاسرى في لبنان وفي السجون الإسرائيلية كأسرى حرب حسب القوانين والأنظمة الدولية، وطالب أبو جهاد بضمانات بعدم تعرض الأسرى بعد الإفراج عنهم إلى الملاحقة والإعتقال مرة أخرى.

وقد اعتبرت الصحف الإسرائيلية حينها أن عملية التبادل التي جرت تعني اعترافاً ضمنياً واقعياً بالمعتقلين الفلسطينيين كأسرى حرب، وأن أبا جهاد قائد المفاوضات أحدث تغييراً في الذهنية الإسرائيلية السائدة باتجاه الاعتراف بوجود قضية عادلة يقاتل الفلسطيني من أجلها واعتباره إنساناً كسائر بني البشر، وأن الفلسطينيين ظهروا أكثر إلتزاماً من الإسرائيليين بقواعد القانون الدولي في معاملة الاسرى المعاملة الانسانية اللازمة.

إن كافة العمليات الفدائية التي أشرف عليها الشهيد أبو جهاد كانت من بين أهدافها احتجاز إسرائيليين وإجراء مبادلة لإطلاق سراح أسرى فلسطينيين ومنها: عملية فندق سافوي في تل أبيب التي وقعت يوم 5 اَذار/مارس 1975، وعملية دلال المغربي التي وقعت في 11 اَذار/ مارس 1978، والعملية البحرية في 12 نيسان/ أبريل 1985 والتي انطلقت من الجزائر تضم 20 فدائياً والتي كان هدفها التوجه إلى وزارة الدفاع الاسرائيلية في تل ابيب والعمل على أسر أكبر عدد من كبار الضباط الاسرائيليين، وعملية ديمونا يوم 7/3/1988 في صحراء النقب والتي هدفها المفاعل النووي الإسرائيلي واحتجاز رهائن لاطلاق سراح الأسرى،والتي قتل فيها ثلاثة خبراء وتقنيين عاملين في المفاعل النووي.

واعتبرت "إسرائيل" اَنذاك عميلة ديمونا هي الأخطر في دلالاتها السياسية والعسكرية وأنها تجاوزت كل الخطوط الحمراء وأن أبا جهاد أصبح هدفاً استراتيجياً للإغتيال، وقد صرح حينها وزير الدفاع الإسرائيلي اسحق رابين أن الفدائيين عرفوا على أنفسهم أنهم من حركة فتح وتابعون لأبي جهاد وأن هدفهم أخذ رهائن والمساومة عليهم.

وصفت الصحافة العبرية أبو جهاد بأنه عدو من الدرجة الأولى لإسرائيل وأنه كاد أن يحول المناطق المحتلة إلى مناطق لا يمكن حكمها من قبل "إسرائيل".