أي سياسة أميركية في سوريا؟

أي سياسة سورية اعتمدها الرئيس الأميركي دونالد ترامب في عامه الأول في البيت الأبيض وأي أولويات ستحكم أداءه في العام الثاني بعد هزيمة داعش؟ قراءة للباحث في العلاقات الدولية الدكتور حسام مطر.

انتهى العام الأول من ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب من دون وجود سياسة أميركية واضحة ومحددة في سوريا. كان الأمر أشبه بالخطوط العريضة التي شكلت استمرارية لسياسة باراك أوباما نظراً لضيق الخيارات لديه مع وصوله إلى الرئاسة. مع وصول ترامب إلى سدّة الرئاسة كانت الوقائع الميدانية تميل لمصلحة سوريا وحلفائها وكان داعش كتنظيم وهيكلية يعيش آخر أيامه. لم يكن بإمكان ترامب اختراق الواقع الميداني باستثناء بعض الخطوات التكتيكية لا الاستراتيجية من قبيل ضرب مطار الشعيرات أو محاولة إقامة منطقة آمنة في التنف. قدّم أولوية هزيمة الإرهاب في سوريا على أي شيء آخر. وعزا لنفسه الفضل في هزيمة التنظيم. الأولوية الثانية كانت تقوم على خلق وضعية داخل سوريا تجعل من الأميركيين شريكاً في مستقبل التسوية السورية من خلال وضع مناطق نفوذ معينة وحضور معين يسمح بعرقلة أي تسوية سياسية لا تناسب الولايات المتحدة. أما الأولوية الثالثة فتقوم على تقليص نفوذ إيران ودورها ودور حزب الله في سوريا وضمان بعض المصالح الإسرائيلية من خلال الميدان السوري. مع انتهاء عام ترامب الأول بدت الولايات المتحدة في موقع المنكفئ وإن وضعت الإدارة الأميركية ذلك في إطار التعاون المطلوب من أجل إنهاء هذه الحرب.
حتى وقت قريب ساد الاستقرار الموقف الأميركي في سوريا. يعيد البعض ذلك إلى رغبة لدى مجلس الأمن القومي أكثر منها لدى الرئيس الذي يرى أنه يجب التأسيس لشروط اقتصادية وسياسية وميدانية تعيق التسوية السياسية. يقول الباحث وأستاذ العلاقات الدولية د.حسام مطر "إنه ليست لدى القوات الأميركية الموجودة على الأرض القدرة كما أنه ليس من مصلحتها السياسية الاشتباك مع الدولة السورية وحلفائها واصفاً هذا التواجد بما يسمى "خيط الفخ" الذي تريد واشنطن من خلاله القول إنها جزء من الأزمة والحل في سوريا وأنها ليست موجودة لتغيير التوازنات الإقليمية بل لتثبت أميركا للاعبين جميعاً أنها جزء من هذا الميدان وبالتالي هي ترسم مناطق نفوذ تحميها إلى حين انتهاء التسوية وعودتها إلى الدولة السورية.
يرى مطر أن خيارات الأميركيين في الملف السوري ضيقة ومحدودة جداً وأن دورهم سينحصر في السعي لإضعاف دور إيران وحزب الله في مقابل تمتين حضور حلفائهم في ما يسمى المناطق المحررة خاصة المنطقة الكردية في الشمال السوري، محاولة إعادة إعمار بعض المناطق، وضخ أموال إليها، وإعادة إحياء العملية الاقتصادية لتأسيس مناطق نفوذ صلبة داخل سوريا، هذا ما يعني نفوذاً أميركياً مستداماً داخل سوريا وبالتالي المشرق العربي وهذا له علاقة بالتوازنات الإقليمية وهذا أيضاً جزء من التأثير على العملية السياسية.
قد يلجأ ترامب أيضاً إلى منع إعادة الإعمار في المناطق السورية التي هي اليوم تحت سيطرة الحكومة السورية من أجل بقائها في وضعية ضعيفة والحفاظ على حدّ أدنى من التفاوض مع الروس بما يضمن عدم عودة الحرب السورية إلى الاشتعال مجدداً ولضمان بقاء بعض جيوب المعارضة الموالية للأميركيين بعيداً عن متناول أيدي القوات السورية، هم يريدون جيباً في إدلب وآخر في دمشق وجيباً في المناطق الجنوبية، يعوّلون أنهم من خلال الحوار مع الروس لن تدخل القوات السورية إلى هذه المناطق.
تتعاطى الولايات المتحدة مع الأزمة السورية بشكل عام على أنها لم تحقق الأهداف المرجوة وتعرضها لخيبة. مع الأيام الأولى لعام ترامب الثاني تتأرجح العلاقة الأميركية التركية على وقع العملية العسكرية التي تشنها أنقرة في عفرين ضدّ القوات الكردية التي دعمتها الولايات المتحدة. ثمة ترقب لمسار العملية وللموقف الأميركي الذي سيحاول وفق مطر الوصول إلى نوع من المساكنة التركية الكردية. العام الثاني لترامب في البيت الأبيض سيكون حافلاً بالأسئلة ذات الطبيعة السياسية وليس العسكرية وفق د.حسام مطر. اليوم الأميركيون مقبلون على العمل السياسي وستحاول الإدارة الأميركية تعويض ما خسره في الميدان من خلال العملية السياسية ومن خلال ما يمتلك من مقدرات اقتصادية ومظلة علاقات سياسية داخل الإقليم وفي المنظومة الدولية.