"إنهم يأكلون الخفافيش".. عن الصين المُفترى عليها

يقولون إنها "مصنع كورونا" ويتهمون شعبها بأنه "يأكل كل شيء". فهل يأكل الصينيون الخفافيش؟ وماذا عن الأطعمة التي تقدم في أفخر مطاعم أوروبا؟

  • "إنهم يأكلون الخفافيش".. عن الصين المُفترى عليها

منذ بدأ فيروس "كورونا" بالتفشّي، توجّهت الأنظار إلى الصين بوصفها "بؤرة الوباء". وفي حين بات الفيروس بنسخته المُستجدّة "كوفيد 19" مادة للتوظيف والابتزاز السياسي ضد بكين، كانت اللغة العنصرية تسير في المنحى نفسه. 

بكثيرٍ من السُخرية المُعلَنة، عادت إلى التداول مقاطع الفيديو التي تقول إن سكان الصين لا يجدون حَرَجاً في التهام أيّ شيء، وأهمّها "حساءالخفاش"، مع التركيز على أناس يأكلون القوارِض ولحوم الكلاب والقطط وصولاً إلى الحشرات. 

هكذا، دبّت الحياة في المثل القائل إن "الصينيين يأكلون كل جسم بأربعة أرجل إلا الطاولة، وأي جسم يطير إلا الطائرة، وأي شيء يسبح تحت الماء إلا الغوّاصة"، في تبخيس واضح لثقافة غذائية وافتراء على شعب يفوق تعداده المليار نسمة. 

ولأن لا دخان بلا نار، فإن المثل أعلاه يختزن شيئاً من الصحّة، لكننا هنا، على العكس من مُطلقيه، لن نأخذ به جملة وتفصيلاً، محاولين الكشف عن تاريخ المطبخ الصيني وأُسُسه الثقافية، وعرض الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي جعلت الحشرات وبعض الحيوانات طعاماً لجزءٍ من الصينيين.  

***

مزارعون وأباطرة 

  • مأدبة "مانشو هان" التاريخية في متحف "تاو هونغ" في هونغ كونغ (Cara Chow)

تُعتًبر الصين من أقدم الحضارات في العالم، ويعود تاريخ مطبخها وفق الأبحاث الأثرية إلى آلاف السنين، التي كشف أحدها أن وجبة "النولدز" على سبيل المثال، كانت من الأطباق الرئيسية عند سكان الروافد العليا للنهر الأصفر الصيني (هوانغ هو) منذ نحو 4 آلاف عام.

ولأن الحضارة الصينية واحدة من الحضارات الآسيوية الأولى التي عاشت فترات مهمة من الاستقرار، فقد تمكّنت من ابتكار ثقافة غذائية متنوّعة وغنيّة وكوّنت مطبخاً لا يكفّ عن النمو واستيعاب التغيير بوتيرة سريعة.

فقد وثقت الدراسات التاريخية التي اهتمت بالثقافة الغذائية للشعوب الصينية، أن بعض الأطعمة "الغريبة" غير الموجودة في مطابخ أخرى، كانت محصورة في طبقة الأباطرة والنبلاء. وذكرت مأدبة تاريخية فخمة تضمّنت 108 أطباق قدِّمت خلال ست وجبات على مدار ثلاثة أيام. أطباق احتوت على مكوّنات مثل مخلب الدب، وخثارة الفاصوليا المطهية في الدجاج، وأدمغة البط وطائر الوقواق والماعز والقِرَدة، وحساء زعانف القرش، وعش الطيور الصالحة للأكل مع مجموعة متنوّعة من الحيوانات البرية.

ولأن طعام الأباطرة ليس للفقراء، فإن أكل الحشرات كان من نصيب أكثر المزارعين بؤساً منذ ألفي عام على الأقل. والسبب يعود إلى تشكيلها مصدراً سهلاً ومجانياً للغذاء، إضافة إلى اعتبارات اقتصادية وصحية. إذ كان من السهل على المزارعين الصينيين تربية الحشرات في أماكن جد صغيرة، تساعدهم على تلبية حاجاتهم وماشيتهم الغذائية وبيع الفائض منه. وكذلك الأمر في استخدام مُستخلصات مجموعة من الحشرات في علاج عدد من الأمراض، حيث لجأوا مثلاً إلى حشرة البق لمعالجة النفخة والحمى وتجلّط الدم والكدمات. 

"المجاعة الكبرى".. حين تسيّرنا غريزة البقاء 

  • لم يجد الجياع أمامهم إلا العشب ونشارة الخشب والجلود ولجأ بعضهم لأكل التراب

عبر تاريخها، عرفت الصين أكثر من مجاعة، أقساها تلك التي أطلق عليها "المجاعة الكبرى" في خمسينيات القرن الماضي، واستمرت لثلاث سنوات (1959 – 1961). وبينما تُعزى أسبابها إلى سياسات زراعية خاطئة، كان بالإمكان تلافي آثارها، إلا أن تبدّلات المناخ هي التي شكّلت مصيبة عظيمة. إذ ضربت البلاد موجة من الجفاف والفيضانات المناطق الزراعية، لينخفض معها إنتاج الحبوب بوتيرةٍ كارثية.

هكذا سعى المزارعون والعائلات الفقيرة ممّن باتوا يتضوّرون جوعاً، إلى مصادر طعام بديلة أياً كانت طبيعتها. ولم يجد الجياع أمامهم حينها إلا العشب ونشارة الخشب والجلود والبذور التي يستخرجونها من السماد الحيواني، حتى أن بعضهم لجأ لأكل التراب (اضطر البعض لخلط الطين بالماء وأكله وهذا تسبّب بوفيات كثيرة نتيجة تجمّد الطين في الأمعاء). لقد أكلوا كل شيء بما في ذلك الأعشاب البرية وجذوع الأشجار وصولاً إلى جثث الحيوانات والإنسان المُتحلّلة، والكلاب والقطط والجرذان والفئران والحشرات الميتة والحيّة.

لقد حفزت المجاعة الاستهلاك العشوائي للحوم أية حيوانات برية يمكن العثور عليها. كان البقاء على قيد الحياة يعني غالباً تحمّل الظروف القاسية واللا إنسانية والمهينة للغاية. لم يكن أمام الناس سوى فعل ما يتوجّب عليهم ليظلّوا أحياء. غريزة البقاء واليأس الذي يستحكم بالبشر في ظلّ هكذا ظروف، جعلا فكرة خطر التسمّم الغذائي بعيدة من وعي الناس وفي أدنى سلّم أولويّاتهم. بالنسبة للعديد من الناجين من المجاعة الكُبرى، كان البقاء على قَيْد الحياة يعني التعامُل يومياً مع بصيصٍ من الأمل بانتهاء المجاعة، وأطول وقت يمكنهم البقاء فيه أحياء. 

هل يأكل الصينيون الخفافيش؟ 

  • سمحت الحكومة الصينية مباشرة بعد المجاعة بتجارة الحيوانات البرية كشكلٍ من أشكال التنمية الاقتصادية الريفية

على مدى السنوات الـ 40 الماضية، ومباشرة بعد المجاعة، سمحت الحكومة الصينية بتجارة الحيوانات البرية كشكلٍ من أشكال التنمية الاقتصادية الريفية وسدّ العجز الفادح في الموارد الغذائية التي أسفرت عنها المجاعة. حيث سُمِح للمزارعين بجمع الحيوانات البرية وتربيتها لاستخدام مُنتجاتها في البيوت أو بيعها في الأسواق التجارية الصغيرة (تُسمّى اليوم بالأسواق الرطبة حيث يمكن الحصول على المُنتج طازِجاً وبسعرٍ زهيد). لكن مع مرور الوقت، تشابك هذا الاستهلاك مع المُعتقدات الثقافية واسعة النطاق للقوى العلاجية لأعضاء بعض الحيوانات، ومنها مثلاً: الحمض الصفراوي المُستخرج من مرارة الدب، وحراشف البنغولين (آكل النمل) المُستخدَمة في الطب الصيني التقليدي. 

في حديث لمجلة "ماذر جون" تشرح آيلي كانغ، وهي مديرة برنامج آسيا في جمعية الحفاظ على الحياة البرية، أنه بالرغم من أن الاستخدام الطبي لمُنتجات الحيوانات البرية كان له دور محوري في الطب الصيني لفترةٍ طويلة، إلا أنه تاريخياً، كان استهلاكه كطعام يقتصر على النبلاء فحسب. فهل يأكل الصينيون الخفافيش؟

في تقرير لوكالة "شينخوا" الصينية، وصفت ما يشاع عن النظام الغذائي للصينيين بجملة واحدة قائلة إن "انتشار سوء الفَهْم أسرع من انتشار الفيروسات"، وذلك في إشارة إلى اتهام الصينيين بأن ثقافتهم الغذائية ربما كانت مصدراً للوباء وهو مالم يتم إثباته

وأضافت أن الاعتقاد السائد بأن معظم الصينيين يعدّون أطباقاً من الحيوانات البرية غير صحيح، حيث أن "غالبية الصينيين لا يفعلون ذلك". 

ونفت أن يكون مقطع الفيديو المُتدَاول على الأنترنت لسيّدة تتناول "حساء الخفاش" في مدينة ووهان، مُبينة أنه لامرأة من دولة بالاو غرب المحيط الهادئ، وأن الخفاش الذي يستخدم في الأطباق المحلية في الدولة المذكورة لم يلتقط من البرية، بل تتم تربيته في مزارع مُحدّدة ويتغذّى من الفاكهة.

تقرير "شينخوا" كان واضحاً. "الخفافيش بالكاد تعرف أنها صالحة للأكل في الصين، وأكثر من ذلك، من المُخيف جداً أن يفكّر الصينيون في تناولها!".

وفي إحصاء أجرته جامعة بكين هذا العام، شمل 100 ألف عيّنة، خلص إلى أن ما يقرب من 97 % من الصينيين يعارضون أكل الحيوانات البرية، وحوالى 79 % منهم يعارضون استخدام مُنتجاتها بما في ذلك الفراء والعظام.

ليس في الصين وحدها

  • سلطة "نوما" بالنمل الحيّ ويفوق سعرها 100 دولار أميركي

إذا كان القارىء قد وجد "غَرابة" في ما استعرضناه عن النظام الغذائي الصيني، سنُقدّم له هنا لمحة عن أطعمة لا تقل "غَرابة" في مطابخ بعض الدول "المُتحضّرة". 

ففي سلسلة من المطاعم مقرّها الرئيسي في العاصمة الدنماركية كوبنهاغن (اسمها نوما)، تقدّم للزبائن أطباق من السَلَطة مع النمل الحيّ، أما فلوريدا في الولايات المتحدة فقد شهدت العام 2012 منافسة على التهام الصراصير، في حين يعتبر تناول اليرقات حيّة أو نيئة أو مطبوخة جزءاً من المطبخ الأسترالي التقليدي.

هذا في ما يخصّ الحشرات، أما عن الحيوانات، فعلى القارىء أن يعرف أن حوالى 3% من السويسريين يأكلون لحوم الكلاب، وغالباً ما يتم ذلك عندما يكون لدى المزارع الكثير من الكلاب والقطط ويريد التخلّص من واحد أو إثنين منها. وبعضهم يقدمها إلى مطعم مختص يتكفل بتحضير الكلب أو القطة وتجهيزها للأكل. 

وفي بولندا أيضاً، وبدلاً من أكل لحوم الكلاب، ينصبّ التركيز على شحومها التي تشبه شحوم الخنازير، إذ يُعتقد أن لها منافع طبية لمَن يعانون من آلام المفاصل.