حمامات طرابلس التراثية: ماضٍ عريق يستوطن ذاكرة الحداثة

تاريخ طرابلس القديمة يتضمن 9 حمامات تراثية دمر بعضها وبقي بعضها الآخر حياً حتى اليوم.. تعالوا لنعرف عنها أكثر!

  • حمامات طرابلس التراثية: ماضٍ عريق يستوطن ذاكرة الحداثة
    حمامات طرابلس التراثية: ماضٍ عريق يستوطن ذاكرة الحداثة

يتضمن تاريخ طرابلس القديمة تسعة حمامات تراثية، دمر ثلاثة منها، وأزيلت بالكامل، وبقيت ستة بين المتكامل البناء، أو الذي لا يزال بعض منه قائماً.

الحمامات التي دمرت كان آخرها حمام "النزهة" الذي جرفه طوفان نهر أبو علي سنة 1955، والثاني هو حمام "القاضي" (القرمي)، ولا يعرف تاريخ إزالته، والثالث هو حمام "العطار". وهناك حمام "الحاجب" لا يزال بعض منه قائماً على الضفة الشرقية لنهر أبو علي، بناه أسندمر الكرجي بين سنتي 1322 و1331 م بحسب مؤرخ طرابلس الدكتور عمر تدمري. كما لا تزال بقايا لحمام "الدوادار" المهجور الذي بني سنة 1700 م.

أما الحمامات الباقية فهي حمام "عز الدين" الذي جرى ترميمه ليصبح موقعاً سياحياً، والحمام "الجديد" المرمم حديثاً، وحمام "النوري" الأفخم، لكن الأكثر إهمالاً، وتعرضاً للاهتراء والتآكل. وحمام "العبد"، الوحيد الذي لا يزال يعمل بكل طاقته.

استخدم القدماء الحمام التقليدي للاستحمام قبل ظهور تقنيات "الصحية" الحديثة. منشأة معقدة، تحتضن جملة ابتكارات، واختراعات، لا بد أنها مرت بمراحل مختلفة، وطويلة، وتجمعت وحداتها تدريجياً، حتى الاكتمال لتؤدي عملية الاستحمام، ومستتبعاتها، من تنظيف وتدليك وتنحيف. 

فمن الغرفة الأعمق العابقة بالبخار حتى انعدام الرؤية في هذه الحمامات، خرجت فكرة "السونا"، ومن مرجل مجاور لتلك الغرفة والشبكة المتفرعة منه، استنبط فنيو الميكانيك فكرة التدفئة المركزية، ومن بلاطات التدليك في غرفته الوسطى، استعيرت فكرة الـــ "سبا" (Spa)، ومن سقوف الحمام المنارة بأقداح الزجاج، استخرجت فكرة الإنارة والتدفئة بالطاقة الشمسية.

من الحمامات ما لا يزال يعمل كما في الماضي، ومن روادها من يفضلونها على التقنية الحديثة، الانفرادية، السريعة في عصر "الدليفري"، بينما تحول بعضها الآخر لمواقع سياحية يرتادها الزوار للإطلاع على تقنيات فاقت هندستها ما نعايشه اليوم. يشكل الحمام التقليدي منتجعاً إلى جانب الاستحمام، ومنتدى الأصحاب، ومكان استرخاء، ومتعة. إنه ورشة كاملة لمجموعة مهام لا تقل أهمية عن المنتجعات الحديثة، خصوصاً في فصل الشتاء.

حمام العبد

  • بركة الصالة في حمام العبد
    بركة الصالة في حمام العبد
  • الزاروب الشرقي المفضي لحمام العبد
    الزاروب الشرقي المفضي لحمام العبد
  • جانب من دار حمام العبد
    جانب من دار حمام العبد
  • ركن في دار حمام العبد
    ركن في دار حمام العبد

يقع حمام العبد في زاوية يلتقي عندها طرفا زاروبين ضيقين وطويلين، واحد شرقي من جهة سوق البازركان يناهز طوله 15 متراً، والثاني جنوبي من جهة خان الصابون، عند طرف سوق الذهب أو سوق الصاغة، ويبعد الحمام عن الخان مسافة تناهز 50 متراً.

يفترض أن يكون الحمام والخان قد أقيما في فترة متقاربة زمن المماليك، نظراً لارتباطهما الوظيفي، فالخان هو منشأة أشبه بفنادق اليوم، كان يقصده التجار والمسافرون في أسفارهم للاستراحة، والإقامة لمدة زمنية تتطلبها الأعمال التي جاؤوا من أجلها، بينما كان الحمام مكاناً لرواد الخان للاستحمام خلال إقامتهم.

يرجع تاريخ بناء الحمام إلى العام 1718 م، ومن المفضل الوصول إليه من مدخله الشرقي الأقرب. الجو فيه عابق بالدفء، وبعض الأبخرة، وروائح الصابون العطرة تتسرب من فتحات أقسامه الداخلية إلى فسحة الدار عالية القباب والسقف، تتوسطها بركة ماء ثمانية الأضلاع، وبموازاة كل ضلع درجة تؤدي إلى مقعد طويل يحف بالدار، ويرتفع عنه، ويتغطى بالوسائد والأقمشة الشرقية النسيج واللون. 

خصصت إحدى الدرجات للقباقيب الخشب، التي يستعملها الرواد أثناء الاستحمام وعند الاستراحة، وتعلو الدار قبة يناهز ارتفاعها 8 أمتار، وتنتهي بقبة أصغر تحوطها شبابيك الزجاج التي تفتح صيفا للتهوئة، وتتدلى عدة مصابيح قديمة الطراز من السقف، وعلقت على الجدران أدوات أثرية ونحاسية ولوحة تحمل الآية الكريمة: "وجعلنا من الماء كل شيء حي".

بعد إنهاء الاستحمام في الأقسام الداخلية، ينتشر المستحمون على المقاعد، كل يمارس هوايته، من شرب شاي أو زهورات أو قهوة.. وربما بعض التدليك استكمالاً لما تلقاه المستحم في الداخل.

ومن أبرز الأنشطة التي يشهدها الحمام هي ليلة ما قبل الزفاف، حيث يمضي العريس آخر ليلة عزوبية مع أنسبائه، وأصدقائه، يرافقه أحياناً عازف عود أو بزق، وعازف إيقاع، ومغنٍ، يقيمون سهرة الوداع الدافئة.

هنا في الحمام، تسقط التراتبية الاجتماعية حيث يتجمع في الحمام السياسي، والفنان، والمهندس، والطبيب، والعامل، والحرفي، فالهدف الاستراحة والمتعة قبل أي شيء آخر.

يروي المعلم يحيي للميادين الثقافية أن الحمام ثلاثة أقسام، الأول يعرف بالجواني، أي الأكثر عمقاً، والأعلى حرارة، وفيه غرفة للسونا، وغرفتان للتبليل، وتتم فيهما المرحلة الأولى، ويتولاها المستحم بنفسه، قبل أن ينتقل إلى غرفة "التكييس"، حيث يعمد عامل إلى حف جسم المستحم بواسطة كيس خشن يستخدم لمرة واحدة. 

ثمة غرفة للتدليك لمدة 10 دقائق، بينما خصصت إحدى الغرف للبخار الذي يتلقى فيه بعض مرضى الجهاز العصبي علاجات خاصة. أما القسم الثاني من الحمام فيعرف بــــ "الوسطاني" الأقل حرارة، ويخرج المستحم إليه بعد الانتهاء تحضيراً للخروج، وبعد 5 دقائق يخرج منه إلى الدار التي تسمى "البراني". 

وعند الطرف الخارجي للحمام، غرفة مقفلة تحتوي مرجلاً نحاسياً ضخماً يستوعب 15 برميل ماء، ويتوزع منه أنبوبان، واحد للمياه الساخنة، وواحد للبخار. وينار "الجواني" و"الوسطاني" بنور الشمس عبر أقداح مزروعة في السقوف، أما الدار  أو "البراني" فينار بالكهرباء.  

حمام عز الدين

  • صالة البراني في عز الدين
    صالة البراني في عز الدين
  • صالة الجواني في عزالدين
    صالة الجواني في عزالدين
  • قبة من الداخل في عز الدين
    قبة من الداخل في عز الدين
  • سطح وقبب حمام عز الدين
    سطح وقبب حمام عز الدين

تأسس حمام عز الدين على يد "الأمير نائب السلطنة عز الدين أيبك الموصلي المنصوري بين سنتي 694 و 698 هجرية" (1294-1298م)، بحسب المؤرخ الطرابلسي عمر تدمري، وهو يقع على الطرف الشرقي لسوق النحاسين، وسط مجموعة من المواقع الأثرية الهامة، منها خان الخياطين، والجامع البرطاسي، وجامع الأويسية، ومواقع أخرى.

يقع مدخل الحمام الرئيسي للجهة الغربية، ويبدأ بتجويف مقنطر تلامس ذروة قنطرته السقف، وبداخله باب عادي تعلوه عتبة حجر عليها إشارات ورموز لاتينية، أحدها في الوسط على شكل حمل حول رأسه هالة، حيث يعتقد تدمري أنه "الحمل الذي يضحّى به في فصح النصارى"، وحوله زهرتان، تدلان أن "الكنيسة (لاتينية) تعود إلى زمن الصليبيين"، ويفيد تدمري أنه "عندما دخل المماليك المدينة، دمروا الكنيسة، وأقيم الحمام عليها".

بدءاً من خمسينات القرن الماضي، بدأ دور حمام عز الدين، كما بقية الحمامات التراثية، بالتراجع، وفي أحداث 1975، توقف عن العمل، فأقفل، وأهمل، وتآكلته الطحالب والتشققات مما ألحق أضراراً في نواحٍ مختلفة منه. 

وشهد الحمام عدة محاولات ترميم بدءاً من 2008، وأعيد إلى ما كان عليه في السابق، فتم تبليطه بالحجر الفرني، وجرى تأهيل شبكة المياه، وممراتها، وعولجت الجدران بورقة جديدة، وبعد إنجازه، وضع كموقع سياحي بإشراف المديرية العامة للآثار.

"عز الدين" منشأة ضخمة، تحتل مساحة كبيرة، يفضي مدخلها إلى انفتاح واسع هي الصالة مرتفعة السقف، تعلوها قبة تحف بها نوافذ للتهوئة والإنارة، تتوسط أرضيتها بركة مياه مع نافورة، وتحف بجنباتها مجالس مرتفعة بعض الشيء عن أرضيته، مقسمة إلى مجالس فردية، تفصل بين المجلس والآخر طنافس مزركشة على الطريقة الشرقية، وتحت كل مجلس أو مقعد، فتحة أشبه بخزانة يحتفظ الزبون فيها بأغراضه. تحول "عز الدين" إلى منشأة سياحية، بينما انتفت وظائفه الأخرى.

حمام "الجديد" 

  • الحمام الجديد
    الحمام الجديد
  • قبة وسطح الحمام الجديد
    قبة وسطح الحمام الجديد

هو الأجدد بين الحمامات، يقع عند طرف المدينة الجنوبي لجهة باب الرمل، ولذلك هو عثماني، بناه أسعد باشا العظم سنة 1740 ميلادية، ويعتبر حالياً من أجمل حمامات طرابلس، وأجددها، ويمتاز ببوابة شرقية عالية لمستوى طبقتين من الأبنية، وفيه تجاويف ومقرنصات جميلة، وسلسلة حجر محفورة حفرا، وله واجهة رمادية لا توجد في غيره من الأبنية الأثرية، ويحوط بواجهة البوابة مداميك بلقاء أي من الحجارة السوداء والبيضاء المتناوبة.

تشكيلاته الأساسية لا تخالف تركيبة الحمامات القديمة، حيث يحيط بالباحة مصاطب، لكنه يمتاز بقبة كبيرة تحاكي أكبر قبب مساجد المدينة، تقوم على 4 زوايا تحمل في أركانها تجويفات بديعة. رغم تأهله لدوره الوظيفي، لم يؤد الحمام دوره إلا نادراً بسبب الظروف التي كانت تطرأ عليه من حين لآخر. وجرت له أعمال ترميم في السنوات الماضية، مما جعله مقفلاً أمام الزوار.  

حمام النوري

  • مقاعد الجلوس في 'النوري' وتحتها طاقات مخصصة لحوائج الزبائن
    مقاعد الجلوس في 'النوري' وتحتها طاقات مخصصة لحوائج الزبائن
  • زاوية من حمام النوري
    زاوية من حمام النوري
  • إحدى قبب حمام النوري وقد غزتها الطحالب
    إحدى قبب حمام النوري وقد غزتها الطحالب

يقع عند مدخل سوق الصاغة، وهو أفخم حمامات عصره، وأكبرها على الإطلاق، لكنه اليوم أكثرها إهمالاً وتهميشاً. يضيع الحمام خلف مدخل صغير مقنطر، على مقربة من الجامع المنصوري الكبير، وفي إطار عدد من المواقع الأثرية التي تزخر بها المحلة. 

يلج الزائر المدخل، مضطرا لطأطأة الرأس، لتنفتح أمامه منشأة أثرية ضخمة، لا تزال قائمة بكل عناصرها البنيانية، وتراكيبها الوظيفية، رغم ما أصابها من تآكل، ورغم الطحالب، والفطريات على جدرانه، وفي سقفها المتعدد القبب المختلفة الأحجام. 

توقف العمل في "النوري" في السبعين من القرن الماضي. وفي دراسات (معهد طرابلس للترميم) التابع للجامعة اللبنانية، أن بانيه هو الأمير سنكر نوري بين 1305 و1310 ميلادية. بينما يذكر تدمري أنه "يعود لعصر المماليك"، ولكنه معطل، وتملكه دائرة الاوقاف الاسلامية، وهو من موقوفات محمود بك السنجق صاحب الجامع المعروف باسمه عند الطرف الشمالي للمدينة المملوكية، على حدود باب التبانة. وفي الحمام وقفية السنجق المؤرخة في سنة 1029 هجرية، وفيها وصف للحمام، وتفصيلاته.

نقولا طعمة

محرر في الميادين نت