عبد الناصر قارئِاً وكاتباً

هناك حكايتان تؤكدان ولَع عبد الناصر في قراءة الكتب والروايات وتنمّان عن تعطّشه الدائم للمعرفة وسعة اطّلاعه على آخر ما يصدر من كتب. الأولى هي ما رواه محمّد حسنين هيكل حكاية في كتابه "سقوط نظام: لماذا كانت ثورة يوليو؟"، والثانية تحمل دلالات كثيرة على سعة أفق عبد الناصر وفكره الاستراتيجي في موضوع تأميم قناة السويس.

عبد الناصر قارئِاً وكاتباً

سُئِل الدبلوماسي العريق الأخضر الإبراهيمي والذي كان من أحبّ السفراء على قلب الرئيس عبد الناصر، كيف يكون الإنسان خالداً في الدنيا، فأجاب: أن يخرج من الدنيا كما خلقتني يارب. فعبد الناصر مات على سرير كان قد استعاره من إحدى ثكنات الجيش المصري، وديغول مات وعليه قرض كان قد أخذه مقابل شرائه فيلا.

ولا ما معنى أن تقام مئوية عبد الناصر في القاهرة ويحتفل بها العديد من البلدان العربية وتتنافس الأقلام للكتابة عن صفات هذا الرجل الذي نفتقد أمثاله في هذا العصر. لن تنساه شعوب أفريقيا وآسيا أبداً. فلقد كان ظهيرها في مقاومتها للاستعمار فحوّل القاهرة إلى عاصمة حركات التحرّر وقائدة العالم الثالث .

هناك حكايتان تؤكدان ولَع عبد الناصر في  قراءة الكتب والروايات وتنمّان عن تعطّشه الدائم للمعرفة وسعة اطّلاعه على آخر ما يصدر من كتب. الأولى هي ما رواه محمّد حسنين هيكل حكاية في كتابه "سقوط نظام: لماذا كانت ثورة يوليو؟" أن عبد الناصر كان زاره قبل الثورة برفقه الضابط زكريا محيي الدين.

وبقي ناصر طيلة ثلث ساعة يتابع الحديث صامتاً ولاحظته يطيل النظر في رفوف كتب تغطى حائط من غرفة مكتبي. وانتهز لحظة الصمت ليقول لي أنه تابع تحقيقاتي عن الحرب في فلسطين وانعقاد الدورة الاستثنائية للأمم  المتحدة في باريس وسأل عدّة أسئلة. وواصل جمال عبد الناصر كلامه فذكر أنه تابع ما نشرت عن ثورة إيران (الدكتور مصدق) وقال إنه توقّف كثيراً أمام مشهد آية الله كاشاني الذي خرج بتظاهرة ضد الشاه بعد أن اغتسل وارتدى الكفن، مستعداً للقاء ربّه. ثم أبدى ملاحظات انتهى منها بأنه شاهد مع باعة صحف كتاباً يضمّ ما كتبه هيكل عن إيران عنوانه "إيران فوق بركان" وسألته إذا كان يستطيع استعارة نسخة منه وهو يتعهّد بإعادتها. وأضاف أن الكتاب غالي الثمن – يُباع بعشرة قروش- وذلك مبلغ لا يستطيع مواطن عادي أن يخصّصه لشراء كتاب فطلب هيكل نسخة من كتاب هدية له .

الحكاية الثانية، وهي تحمل دلالات كثيرة على سعة أفق عبد الناصر وفكره الاستراتيجي وشجاعته، فبعد حوالى شهرين من ثورة يوليو اجتمع عبد الناصر مع الدكتور مصطفى حفناوي الحائز  الدكتوراه الأهم حول "قناة السويس". تبعتها اجتماعات عديدة تضم أهم قيادات ثورة يوليو وقد تم فيها البحث حول كيفية تأميم قناة السويس ضمن الأطر القانونية التي تم تنفيذها عام 1956 وكتب مصطفى حفناوي خطاب التأميم يومذاك بطلب من عبد الناصر.

ويقول الموقع الرسمي للرئيس المصري الراحل إن عبد الناصر قرأ أكثر من 100 كتاب وكانت الأغلبية منها في فترة دراسته الثانوية والكلية الحربية منها "بونابرت حاكم مصر" للكاتب شارل رو، و"مطلع حياتي" لـ"ونستن تشرتشل"، وتاريخ الثورة المصرية بأجزائه الثلاثة لـ"عبدالرحمن الرافعي، والحرب الحقيقية" لـ"ليدل هارت"، والحرب الآلية لـ"ماجور فولر"، والسيرة الذاتية لـ"هتلر"،. ومن الكتب التي قرأها «أم القرى» و«طبائع الاستبداد» للكاتب الوطني السوري عبد الرحمن الكواكبي، الذي شنّ فيه ثورة عارِمة على استبداد الأتراك، وطغيانهم، ونهبهم لثروات الشعوب العربية.

كما قرأ عبد الناصر  كتب أحمد أمين، وخاصة كتاباته عن حركات التجديد في الإسلام التي تحوي دراسات جمال الدين الأفغاني والإمام محمّد عبده. ولا شك أن أفكار عبده والأفغاني، التي أطلع عليها عبد الناصر في المرحلة الثانوية كان لها كبير الأثر على تكوينه الفكري. وكذلك قرأ كتاب «وطنيتي» للشيخ على الغاياتي، الذي هاجر من مصر إلى "جنيف"، وأصدر جريدة "منبر الشرق"، ليدافع من خلالها عن حقوق شعوب الشرق.  ومن الشخصيات التي قرأ لها عبد الناصر أيضاً، الأمير شكيب رسلان الذي كتب أيضاً عن الشرق ومجده السالف.

وفي الأدب قرأ عبدالناصر رواية «البؤساء» لفيكتور هوغو و«قصة مدينتين» لتشارلز ديكينز، إضافة إلى رواية أهل الكهف لتوفيق الحكيم.

وقرأ كتباً أخرى منها: غوردون والخرطوم لجون بوكان والإسكندر الأكبر لآرثر ويجال وبطل أورليان لليدل هارت والرجل والأمّة لغاريبالدى وهندنبورغ والثورة الألمانية لإميل لودفيج ولورانس العرب لبجريفس، والجنود والساسة لروبرتسون ولورانس في الجزيرة العربية لليدل هارت والجغرافية العسكرية الامبراطورية لكول وبحر من رحلة في المتوسّط لجون مارتيلي وأمس واليوم في سيناء لجارفيس وحملة فلسطين لويفل والأزمة العالمية لتشرشل وموقعة المارن لويل تينج والاستراتيجية الألمانية في الحرب العظمى لنيم وتاريخ الحرب العالمية لليدل هارت وتاريخ فلسطين سوريا لأولمسند، والاستراتيجية الإنكليزية لسير موريس، ولماذا كانت اليابان قوية؟ لجون باتريك ومصر في عهد كرومر للورد لويد وقناة السويس لأرنولد ويلسون.

ومن الكتّاب المصريين كان عبد الناصر يقرأ لهيكل وإحسان عبدالقدوس وتوفيق الحكيم الذي قرأ له مسرحية "أهل الكهف".

وتركت «عودة الروح» لتوفيق الحكيم أعمق الأثر على عبد الناصر وشخصيته وإحساسه بأهمية دور الزعيم، وكانت النسخة التي قرأها موجودة في مكتبة الرئيس في منزله بمنشية البكري ومخطّطاً بقلمه تحت بعض العبارات التي لفتت نظره، ومن بينها المحادثة التي جرت بين عالِم الآثار الفرنسي ومهندس الري الإنكليزي حول الشعب المصري الذي يفتقر إلى قائد مصري مخلص يقوده من الظلمات إلى النور، ثم تأتي بعد ذلك كلماته الشهيرة في كتابه «فلسفة الثورة»، عن الدور الذي يبحث عن بطل يقوم به وبعد أن تكون هوية هذا البطل قد تحدّدت بالفعل، فهو ينهي كتابه بهذه الكلمات: «…ثم أعود إلى الدور التائه الذي يبحث عن بطل يقوم به.. ذلك هو الدور، وتلك هي ملامحه، وهذا هو مسرحه.. ونحن وحدنا بحكم المكان نستطيع القيام به".

وقرأ عبد الناصر كتباً أدبية أخرى لإحسان عبد القدوس ونجيب محفوظ ومحمود عباس العقاد. وقد أعجب كثيراً بروايتة "الأيام" وقصة "المعذّبون في الأرض" لطه حسين، وكان معجباً بشعر أمير الشعراء أحمد شوقي وحافظ إبراهيم .

تأثّر عبد الناصر بالأدب الانكليزي، فكتب مقالاً في مجلة مدرسة النهضة الثانوية بعنوان «فولتير رجل الحرية»، وانضمّ إلى فريق المسرح بالمدرسة، وشارك في التمثيل واختار أن يجسّد في المسرحية الشكسبيرية دور «يوليوس قيصر» نفسه، الذي لقي مصرعه بعد خيانه مجلس الشيوخ له. وهو ما يفسّره بعض نقّاد الأدب على ضوء ما يعرف بالانكليزية باسم (Foreshadowing) ، أو الإنذار، الذي يشير – لو صحّت هذه الأقوال – إلى أن عبد الناصر مات مسموماً ولم يمت بأزمة قلبية. وتم عرض المسرحية  في حفل أقيم يوم 19 كانون الثاني يناير1935، في حضور وزير المعارف وقتئذ أحمد نجيب الهلالي.

ومن الكتب التي أحبّها عبدالناصر، كتاب «المجتمع المصري والجيش» للمفكّر الماركسي أنور عبد الملك، ففيه فصول عن الجيش المصري بقيادة ناصر والثورة الصناعية، وتفكيك البرجوازية. وكان هذا المفكّر يضع في منزله صوَر جمال محمّد علي باشا وعبدالناصر، الأول باني نهضة مصر الحديثة، والثاني بطل عظيم تحدّى القوى العُظمى وأمّم قناة السويس.

لقد كان عهد عبد ناصر الفترة الأهم التي أعادت الاعتبار للمثقفين والأدباء: طه حسين والعقاد، يوسف ادريس ولويس عوض، ونجيب محفوظ، وزكي نجيب محمود، وتوفيق الحكيم، ، وثروت عكاشة، واعتبر محمّد حسنين هيكل أن صحيفة الأهرام أصبحت عن حق وحقيقة "الأهرام" . يقول محفوظ في مقال له: "أما نحن فلم ينكّل بنا بل على العكس، فقد أغدق علينا كل ما يمكن إغداقه إنسان من تكريم.. وفي جزء من عهده خيّل إليّ أنني أعيش في دولة عُظمى".

وقد ألّف عبد الناصر ثلاثة كتب خلّد فيها أفكاره. ففي عام 1934 كتب في سبيل الحرية وهو كتاب مكوّن من 120 صفحة يتضمّن قصة بدأها الرئيس المصري جمال عبد الناصر، وهو طالب في المدرسة الثانوية عن معركة رشيد 1807. وتم نشره عام 1959.

وفي عام 1953 كتب كتاب "فلسفة الثورة" وهو كتاب من 216 صفحة يشرح فيه عبد الناصر فلسفته وأفكاره في حقبة كان أبرز ما فيها الرغبة في القضاء على الاستعمار وتحرير دول العالم الثالث.

وكان لحرب فلسطين 1948 كبير الأثر على فكر عبدالناصر وقلمه أيضاً، ما دفعه لكتابة سلسلة من المقالات التي نشرتها مجلة آخر ساعة، عام 1955 تحت عنوان: «يوميّات الرئيس جمال عبدالناصر وحرب فلسطين» والتي جمعت في ما بعد في كتاب بنفس العنوان .

فقد كانت لدى جمال عبدالناصر نزعة قوية للتدوين، وقد سجّل بخط يده يومياته عن حرب فلسطين تحت قصف المدافع مرتين في اليوم الواحد.

وهي المذكّرات التي قال عنها لمحمّد حسنين هيكل: «يمكنك أن تأخذ معك هذا الدفتر، وأن تقرأ فيه، وأن تكتشف نفسك ما جال بخاطري تحت وهج النيران في حرب فلسطين، وما كتبته يوماً بيوم في خنادق القتال على ضوء لمبة جاز». وعلى غلافه بقعة من دمه.

بعد هذه الجولة على الخريطة المعرفية العلمية للرئيس عبد الناصر لا يمكن لنا أن نعتبره زعيماً محلياً بل هو زعيم عالمي أسّس وعمل لتطبيق نظريته الدوائر الثلاث، العربية، الأفرواسيوية والإسلامية. فقد عزّز عبد الناصر من قوّة جامعة الدول العربية وأّسس لقيادة عربية مشتركة وحرص على أن يكون علماء الأزهر في كل بلدان العالم الإسلامي، وأعطت القاهرة في عهده آلاف المنح الجامعية للدراسة في جامعاتها وبالأخص في الأزهر، ودعم تأسيس جامعة بيروت العربية وجامعة القاهرة – فرع الخرطوم.

يرى المفكّر جمال حمدان، صاحب كتاب "شخصية مصر: عبقرية المكان" والذي اعتبره هيكل بأنه  فيلسوف ثورة يوليو أن "الناصرية فكرة مستقبلية، وأن الناصرية هي المصرية كما ينبغي أن تكون. أنت مصري، إذن أنت ناصري، حتى لو انفصلنا عنه، أي جمال عبد الناصر، أو رفضناه كشخص أو كإنجاز، وكل حاكم بعد عبدالناصر، لا يمتلك أن يخرج على الناصرية ولو أراد إلا لو خرج عن المصرية".

 

ترحب الصفحة الثقافية في الميادين نت بمساهماتكم بنصوص وقصص قصيرة وشعر ونثر، وكذلك التحقيقات التي تتناول قضايا ثقافية. بإمكانكم مراسلتنا على: [email protected]

محمد علي فقيه

محرر في الميادين نت

إقرأ للكاتب