"بينغو": طفلة تقتحم عالم الكبار وتتصدّر المشهد

"مسا" دخلت هذه الصغيرة وحرّكت المياه الراكدة وأكدت أن رعاية الوالد والوالدة كانت لموهبتها الفذة وليس لأنها إبنتهما. من خلالها أدركنا النقص الحاصل في أدوار الصغار وكم سينمانا بحاجة لجرعة طفولة وبراءة وصدق، تماماً مثل تواضع المخضرمين حين تعرض عليهم أدوار خاصة مثل دور الجد لبيار جمجيان وهي صورة تؤكد مساراً واحداً يعبر عن دور كل فنان في تقديم أفلام لبنانية مختلفة وتليق بالعطاءات السابقة والمميزة حتى لا يضيع هباء ما زرع في الماضي .

الطفلة مسا حبيب بطلة "بينغو"
فجأة فيلم لبناني يتحوّل حديث الناس من لحظة إنتهاء عرضه الأول في ثلاث صالات (لومول/شرق بيروت) ليل الثلاثاء في 22 الجاري، فكان: بينغو، إسماً على مسمّى، وأصاب هدفه مباشرة: الجمهور. والنتيجة الإيجابية حصدها الفيلم فوراً ضحكات من القلب طوال فترة العرض، والمحفّزة على هذا المناخ هي الطفلة المتدفقة بالعفوية "مسا" إبنة مخرج الفيلم إيلي.ف.حبيب، وكاتبة نصه كلودا صليبا، واعتبرها الرواد من المدعوين إكتشافاً حقيقياً .

"BINGO" هو الشريط السينمائي الثاني لحبيب بعد: فيتامين، من إنتاج جمال سنان، يتناول حدوتة ظريفة محورها الطفلة صباح (مسا) إبنة رجل الأعمال العجوز عبدو خياط (بيار جمجيان) الذي توفي مديوناً بعد خسائر كبيرة في أعماله، فاتصلت محاميته نغم (زينة مكي) بحفيده الذي يحمل الإسم نفسه (فؤاد يمين) لكي تبلغه كذباً أن هناك ثروة ورثها من جده المتوفي حديثاً في أفريقيا، وإذ تنفرج أساريره للخبر يقع عبدو في حب الصغيرة صباح (الشريط مهدى إلى روح الراحلة الكبيرة صباح) والكبيرة المحامية الحسناء التي أرهقت عبدو من كثرة خوفها على الصغيرة، والطلبات التي لا تنتهي لزوم راحتها. 

يحدث انجذاب بين عبدو ونغم (يسمّيها نكد) ترعاه صباح التي تتمتع بروح كوميدية لافتة في خصوصيتها، صمتها، إبتسامتها، صراخها الحاد والعالي، تركيزها في القراءة، وذكاؤها في بث الرسائل المهمة، وتعاملها مع كل وجه على حدة منعاً لتضارب المعاني والخطابات فيكون المقصود شيئاً وما تحمله المفردات يوحي بمعنى آخر تماماً، وهنا كانت لعبة الإخراج متماسكة واضحة وتدل على المقصود خصوصاً من خلال لغة العيون التي بدت مدهشة في مؤدّاها بين نغم وعبدو، لكن السيناريو هضم حق الممثلين: وسام سعد (المعروف بلقبه التلفزيوني "أبو طلال") وليليان نمري التي تقدّم شخصية أم فارس الفارغة والأصغر من طاقتها بكثير، وإذا ما تمّ إبعاد شخصية أبو طلال تماماً عن الفيلم فقد ضرب وسام تحت الحزام، وليليان كانت أقدر على مساحة أوسع لعرض ما عندها، بينما الوجه الجديد محمد شمص كان مجرد سنّيد لفؤاد يمين ففقد خصوصية الأداء أمام باقي الزملاء. والمهم هنا أن هذه الملاحظات تؤكد أن التوازن في الفيلم لم يختل. 

"مسا" دخلت هذه الصغيرة وحرّكت المياه الراكدة وأكدت أن رعاية الوالد والوالدة كانت لموهبتها الفذة وليس لأنها إبنتهما. من خلالها أدركنا النقص الحاصل في أدوار الصغار وكم سينمانا بحاجة لجرعة طفولة وبراءة وصدق، تماماً مثل تواضع المخضرمين حين تعرض عليهم أدوار خاصة مثل دور الجد لبيار جمجيان وهي صورة تؤكد مساراً واحداً يعبر عن دور كل فنان في تقديم أفلام لبنانية مختلفة وتليق بالعطاءات السابقة والمميزة حتى لا يضيع هباء ما زرع في الماضي .