طرابلس الاقتصاد: من المحلي الضيّق إلى الاستثمار العالمي

طرابلس، مدينة الحُقَب التاريخية، يكمُن فيها دور وطني وإقليمي هام، و"المنظومة الاقتصادية" أهم عناصره، وحل لأزماتها، وأزمات الوطن، وهي، بحسب دبوسي، "هدية للبنان من طرابلس الكبرى، عاصمة لبنان الاقتصادية".

  • سكة حديد طرابلس
    سكة حديد طرابلس

طاوَلت الأحداث اللبنانية الاقتصاد الطرابلسي بضررِ كبيرِ، وعاشت طرابلس ظروفاً أمنية ضربت أسواقها بعُمق، وعندما دخلت في جولات عُنف، تفاقم التدهور مع كل جولة جديدة، بلوغاً عام 2014 حتى مُنتصف السبعينات، كانت طرابلس قد باتت سوقاً تجارية مزدهرة للبنان، وسوريا، وممرّاً للبضائع إلى مختلف الدول العربية، إن استيراداً، أم ْمن صناعتها، وشهدت فترة من الرخاء والازدهار، ووفدت إليها الماركات الأوروبية المختلفة، ونشطت سياحياً بقلعتها، وأسواقها، ومواقعها الأثرية الكثيرة، وأصبحت سوقاً مزدهرة، تؤمّن كل حاجات الإنسان، وبأسعارٍ مُنافسة لأيّ سوق آخر.

ولعب مرفأ طرابلس دوراً تاريخياً في استيراد وتصدير البضائع، فشكّلت المدينة نقطة عبور (ترانزيت) ما عزَّز اقتصادها، وبني خط حديد من المرفأ، كان يعبر بساتين الليمون قبل نشوء المدينة الحديثة وذلك عبر عربات نقل تجرّها الجياد، فيما عُرِف ب"الترامواي"، ووصل الخط إلى طرف المدينة في باب التبانة،  حيث نشأ "شارع سوريا" الذي تلاقى فيه التجار اللبنانيون مع السوريين، وتطوّر حتى بات يُسمَّى "سوق الذهب"، وقد ألحقت الأحداث به الأضرار البليغة بنسبة تفوق التسعين بالمائة.

ومع خروج المدينة من بوتقتها التاريخية القديمة أواخر القرن التاسع عشر، حيث انتشرت الأسواق الحِرَفية القديمة، بدأت تتأسّس فيها الأسواق الحديثة الطابع، وبداية من "التلّ"، ثم انتشرت بالتدرّج في اتجاهاتٍ مختلفة، وما هي إلا ستينات القرن الماضي حتى بدأت الأسواق الحديثة تظهر مُنافسة أرقى الأسواق العالمية، مثل شارع عزمي، والبولفار، فطريق الميناء، والمنلا، والمئتين، وصولاً إلى الشارع الأحدث شارع "عشير الداية" الذي يُعرَف بالضمّ والفرز لدى العامة، وتُباع فيها شتّى أصناف البضائع الاستهلاكية من ثياب، وأحذية، وأثاث منازل، ومواد كهرباء وكل ما يحتاجه الإنسان. 

  • طرابلس الاقتصاد: من المحلي الضيّق إلى الاستثمار العالمي
    لعب مرفأ طرابلس دوراً تاريخياً في استيراد وتصدير البضائع

منذ أواسط السبعينات وحتى اليوم، تصحَّرت المدينة، أو كادت تحت وطأة الأحداث الأمنية، وتراجعت الأعمال فيها، وازدادت البطالة، والفقر، وباتت بحاجةٍ للنهوض، إلى أن التقطت غرفة التجارة والصناعة والزراعة في المدينة المبادرة، وراح رئيسها توفيق دبوسي، يبحث عمّا يمكن النهوض بها، إلى أن توصّل إلى وضع مشروع ضخم مُتكامِل، من شأنه أن يرفع اقتصاد لبنان كله، وليس طرابلس فحسب، بما يؤمّنه من فُرَص عمل، ومجالات استثمار ضخمة.

مرّت عدَّة سنوات تحضيراً للمشروع، وبدأ دبوسي، وخبراء من الغرفة، ومن خارجها، دراسة ما يمكن القيام به. يشرح دبوسي خطّته لـ"الميادين نت": "انطلقنا ببحث واقع منطقة شرق المتوسّط من كل النواحي: المرافق، والمرافيء، والمطارات، والخدمات النفطية والغاز التي تؤمّنها، وإمكاناتها المختلفة، وتبيّن لنا موقع لبنان الاستراتيجي فيها، وإنه يحتمل مجموعة مشاريع استثمارية، وخدماتية هامة للمنطقة". 

ويوضِح دبوسي أنه "من خلال دراساتنا، تبيَّن لنا أن مرافىء لبنان وسوريا لا تؤمِّن إلا مليونين ونصف المليون حاوية سنوياً بينما المنطقة بحاجة لستين مليون حاوية. كما أن مطارات المنطقة من لبنان حتى العراق مروراً بسوريا لا تزال تقليدية بسيطة مُقارنة مع مطارات العالم المُتطوِّرة التي تستوعب مشاريع استثمارية ضخمة، وأسواقاً حرّة كبيرة، تجذب المُسافرين. كما لاحظنا حاجة لخدمات النفط والغاز، مفقودة إقليمياً، إضافة إلى الكثير من أعمال الاستثمار التي همّشتها الحروب المُتتالية في المنطقة".

  • ساحة التل
    ساحة التل

بعد اتّضاح واقع المنطقة على المستوى الاقليمي، انتقل البحث إلى لبنان لمعرفة ما يمكن أن يُقدّمه في ضوء هذه الحاجات. يقول دبوسي: "في ضوء ما تبيَّن لنا على المستوى الاقليمي، بحثنا في كشف مكنونات لبنان، ووضعنا دراسة عن واجهته البحرية من الناقورة إلى العريضة، فوجدنا أن أفضل منطقة تؤمّن "منظومة اقتصادية" مُتكامِلة تلبّي مختلف الحاجات الاقليمية، هي المنطقة الساحلية بين مرفأ طرابلس، ومطار القليعات في عكار".  

المنظومة

مكامِن القوَّة في المنظومة الاقتصادية التي تمّ التوصّل إليها، مُتعدّدة، ففيها جزء من الخارطة البحرية النفطية، ومطار القليعات، ومصفاة طرابلس، ومعرض رشيد كرامي الدولي، والمنطقة الاقتصادية، والمرفأ، وسواها من عناصر.

يعرض دبوسي مؤهّلات المنظومة، وأهميّتها، إذ تبلغ مساحتها 21 مليون متر مربّع، وتمتد زهاء ثلاثة وعشرين كيلومتراً، تبدأ بمرفأ طرابلس الذي يمتلك إمكانيات تطوير كبيرة يتجاوز بواسطتها قُدرات المرافىء الاقليمية الأخرى، وفيه حالياً حوض هو الأعمق إقليمياً، وإمكانية توسعة وتعميق ليلعب دوراً رائداً خصوصاً وأن موقعه منفتح من دون عوائق جبلية كبوابة إلى الشرق العربي، والخليج عبر سوريا.

تنتهي المنظومة ستة كيلومترات من الحدود السورية-اللبنانية، عند مطار القليعات الذي يمكن أن تزيد مساحته من ثلاثة ملايين متر مربع حالياً، إلى 10،5 مليون متر مربع، وتطويره وفق الشروط العالمية الحديثة. وبين المرفأ والمطار، ساحل غالبيّة أملاكه تابعة للدولة اللبنانية، يمكن ردمه بعرض 500 متر داخل البحر، ويبلغ متوسّط عُمق المياه في هذه المسافة الخسمة أمتار، وهي الأنسب للردم، فتؤمّن مساحة تُناهِز الأحد عشر مليون متر مربع، تشكّل في جزء منها منصّة لخدمة النفط، والغاز، وأبنية شركات، ومستودعات تخزين، وكل ما تحتاجه الاستثمارات الاقتصادية، والأهم تأمين عشرات آلاف فُرَص العمل للشباب".

  • توفيق دبوسي يشرح المشروع الاستثماري
    توفيق دبوسي يشرح المشروع الاستثماري

أبدت مختلف الدول، والهيئات الاقتصادية العالمية، والعربية، والمحلية اهتماماً كبيراً بالمشروع، وأعربت جميعها من دون استثناء، غربيها وشرقيها، عن الاستعداد للاستثمار فيها، لكن العمل ينتظر إشارة من الدولة اللبنانية التي "وضعنا بتصرّف المعنيين فيها كافة الأبحاث والدراسات والجدوى الاقتصادية منها، وننتظر البدء ليخرج لبنان من أزماته عبرها، وتوضع طرابلس على سكّة الحل لمستقبل أبنائها"، بحسب دبوسي.

تنقل المنظومة الاقتصاد الطرابلسي إلى مرحلة العالمية والحَداثة، وترفع مستواه من التقليدي، البسيط، لمُنافسة أكبر اقتصادات الدول الكبرى، ففي التقليدي من الاقتصاد، قام اقتصاد المدينة على  الحِرَف التي تشكَّلت لها أسواق خاصة بها، وقد تراجع كثيراً دور هذه الأسواق، تحت وطأة الحَداثة التي استوردت مختلف المُنتجات الاستهلاكية بأسعارٍ أرخص.

طرابلس، مدينة الحُقَب التاريخية، يكمُن فيها دور وطني وإقليمي هام، و"المنظومة الاقتصادية" أهم عناصره، وحل لأزماتها، وأزمات الوطن، وهي، بحسب دبوسي، "هدية للبنان من طرابلس الكبرى، عاصمة لبنان الاقتصادية".