ابتكارات طبية لبنانية في "الزمن الصعب" لمواجهة كورونا!

"أن نضيء شمعة خير لنا من أن نلعن الظلام"! وفي الأوقات العصيبة قد تبدع الطاقات البشرية وتنهض الشعوب، ولنا في أمثلة التاريخ شواهد! 

  • الحاجة إلى أجهزة تنفس في لبنان تبدو ملحّة لدرجة كبيرة

في الأوقات العصيبة التي تمر بها الشعوب والأمم، تحضر أمامنا تجربة الشعب الألماني بعد الحربين العالميتين، وأيضاً التجربة الروسية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وتطور اليابان بعد إلقاء قنبلتي "هيروشيما" و"ناغازاكي"، وصولاً إلى الإنجازات الإيرانية، رغم فرض العقوبات الأميركية القاسية، إذ توصل العلماء والخبراء الإيرانيون إلى الذرة العلمية لأغراض سلمية، إن لم نقل باتجاه الفضاء عبر إطلاق الأقمار الاصطناعية، وآخرها مثلاً إطلاق القمر الصناعي "ظفر" إلى المدار.

ولن نذهب بعيداً، ففي الذكرى الخامسة للحرب على اليمن، تنهض الإنجازات العسكرية للجيش اليمني شاهداً على صمود الشعب ونزعته إلى الابتكار، ولن ننسى صمود الشعب الفلسطيني بشكلٍ عام وردعه للعدو، وخصوصاً في قطاع غزَّة رغم سني الحصار الطويلة. 

وفي زمن انتشار فيروس كورونا، دفعت الجائحة العالمية العديد من الدول إلى التحرّك ومحاولة إيجاد لقاح أو علاج، أو على الأقل إيجاد سُبل طبية للحد من تداعياته وانتشاره وخطورته، منها ألمانيا والولايات المتحدة وإيران ودول أخرى، وهذا ما سيؤتي ثماره قريباً، إذ يقول السفير الصيني في بيروت مثلاً للميادين نت إن العلاج سيكون متوفراً في شهر أيلول/ سبتمبر المقبل.

ومع تسجيل 391 حالة كورونا في لبنان، ووفاة 7 أشخاص حتى لحظة إعداد هذا التقرير، فإن الحاجة إلى أجهزة تنفس تبدو ملحّة إلى درجة كبيرة.

جهاز تنفّس اصطناعي بمواصفات عالمية

ورغم الوضع الاقتصادي المالي الصعب، برزت مبادرة قد تبثّ مسحة أمل وتفاؤل في هذا الوقت العصيب، أطلقها النائب اللبناني نعمة إفرام، إذ تحدث عن إنجاز أول جهاز تنفس اصطناعي لبناني بمواصفات وتقنيات عالمية عالية ودقيقة الجودة.

يأتي ذلك بعد دخول فيروس كورونا مرحلة التفشي في لبنان في 11 آذار/مارس الحالي، في ظل خطر تنامي عدد الإصابات بوتيرة البلدان المُصابة سابقاً إلى أرقام تفوق قدراته من أجهزة التنفس الاصطناعي التي يبلغ عددها حوالى 350 جهازاً، وهي حتماً غير كافية، إذ نتوقّع الحاجة الى 2000 جهاز.

وتبذل الحكومة اللبنانية ووزارة الصحة جهوداً كبيرة لمواجهة الفيروس، في وقتٍ يشهد المجتمع اللبناني تعاضداً تجلّى في تعاون جميع القوى والأحزاب السياسية موالية أو معارضة مع الوزارة، فضلاً عن المجتمع المدني ووسائل الإعلام، ولسان الجميع يلهج: "معاً ضد كورونا".

"الميادين نت" واكب  "ولادة" هذا الجهاز، حيث يقول إفرام "إن الإنجاز هو عبارة عن أول جهاز تنفس اصطناعي لبناني بمواصفات وتقنيات عالمية عالية ودقيقة الجودة، وهي تتميّز بأنها مُتعدّدة الاستعمالات لصالح غرف العناية الفائقة في المستشفيات اللبنانيّة".

  • الإنجاز الطبي كان وليد أقل من أسبوعين 

الإنجاز الطبي كان وليد أقل من أسبوعين على اتخاذ المبادرة والقرار بذلك مع فريق من المهندسين إلى جانب أطباء مُتخصّصين.

إفرام الذي يعتبر ما جرى "إنجازاً وطنياً" في هذا الظرف العصيب الذي يتفشّى فيه وباء كورونا، أعلن عنه مع الدكتور فضلو الصايغ، رئيس قسم التخدير والإنعاش في مستشفى سيّدة لبنان الجامعية - جونية، وعرضا الجهاز بتقنياته العلميّة والطبيّة، وهو من ابتكار الفريق الهندسي والتقني لشركة "فينيكس" من مجموعة "أندفكو" الصناعية التي يرأسها.

وقال: "إننا ننطلق في مرحلة إنتاج نحو 500 جهاز بعد الانتهاء من التجارب... الابتكار اللبناني سيخضع للاختبار في وقت قصير جداً، يتم بعدها العمل على الإنتاج بكميات إذا دعت الحاجة الطبية".

وأضاف افرام: "هناك مبادرات مشابهة أو مكمّلة يُشكر عليها أصحابها، وهذا دليل على مجتمعنا المقاوم، وعلى المسؤوليّة الاجتماعيّة العالية التي يتحلّى بها. شعبنا ونحن نكمّل مبادراتنا تحضّراً للأسوأ، لا سمح الله، بالتنسيق مع وزارة الصناعة التي تؤدي دوراً جامعاً وتنسيقيّاً بين كل المبادرات والوزارات تحت شعار لآخر نفس".

ولا يتوقّف السعي عند هذا الحد، وهنا يقول إفرام: "نعمل أيضاً على إنجاز غرف عزل ومستشفيات ميدانيّة جاهزة ومُصنّعة مسبقاً، وعلى تصنيع كمّامات وأقنعة بكميات قياسيّة، ضمن حلقة تكامليّة تتطلّب من المواطنين التقيّد بالوقاية، ومن الدولة الدعم الاجتماعي للمواطنين للاستمرار صامدين في منازلهم".

"نحن انطلقنا من المعايير التي وضعتها إنكلترا في إرشادات Rapidly manufactured ventilator systems وفيها تشرح بالتفصيل ما المطلوب ليكون جهاز التنفس الاصطناعي مطابقاً للمواصفات ومصدّقاً عليه... بل وذهبنا أبعد من هذه المعايير، فطوّرناه ليضاهي أفضل ما هو موجود في غرف العناية الفائقة اليوم"، يختم إفرام.

روبوت تعقيم لمكافحة انتشار الفيروسات

وفي سياق المحاولات أو المبادرات الطبية الحثيثة، تمكّن المهندس محمد إسماعيل، ابن بلدة بريتال البقاعية شرق لبنان، من اختراع "روبوت" تعقيم لمكافحة انتشار الفيروسات في الأماكن الموبوءة، ومنها فيروس كورونا، بعد عمل دام لمدة أسبوع.

وأوضح إسماعيل: "روبوت التعقيم يعمل على نشر الأشعة فوق البنفسجية UVC بطول موجة 253.7 نانومتر، وهي الموجة الأقدر على تحييد نسبة 99 بالمئة من البكتيريا والفيروسات وغيرها، عبر ضرب الحمض النووي الخاص بالفيروس وتعطيل إمكانية تكاثر".

ويُجيب على الاستفسارات التقنية بالقول: "يتميّز الروبوت بعواكس خاصة مع تزويده بحساسات هدفها توقيف الأشعة حين مرور شخص بالقرب منه، نظراً لخطورتها على الإنسان، مع جهاز تحذير يوضَع على باب الغرفة التي يتم تعقيمها، كغرف أقسام الطوارئ والمختبر وبقية غرف المرضى، كذلك تم تزويده بجهاز ناطق باللغة العربية يحذّر الآخرين من خطر الاقتراب أثناء عمله".

وزير الصحة حمد حسن زار إسماعيل في مشغله، وأكّد "أهمية الإنجاز، وخصوصاً أن القطاع الصحي والطبي يعاني شحّاً في هذه الأجهزة".

وأضاف أنه "بحث مع وزير الصناعة اللبناني عماد حب الله في تشجيع الصناعة المحلية والوطنية ذات الاستخدام الصحي والطبي".

جهاز تحكّم بالتنفس الاصنطاعي.. مجاناً  

ومنذ أيام، أعلنت جامعة القدّيس يوسف في بيروت ومستشفى "أوتيل ديو" الجامعيّ عن تبنيهما نموذجاً Prototype لجهاز تحكّم بالتنفس الاصنطاعي قدّمته شركة "آي نتورك أوتوميشن" التي يديرها المهندس اللبناني كسرى صقر من الصفرا شرق العاصمة اللبنانية بيروت.

  • جهاز التحكّم بالتنفّس الاصطناعي الذي ابتكره المهندس كسرى صقر ورفاقه

النموذج المُقدّم هو جهاز تحكّم بالتنفّس الاصطناعي يستخدم لإنعاش المرضى في غرف العناية المركّزة، وهذه التقنية معروفة عالميًا ومنتشرة، غير أن الجديد في هذا الجهاز هو أنه مصنوع من قطع أساسيّة غير متوفّرة بالسوق حالياً، استطاعت الشركة المذكورة بسبب طبيعة عملها في أتمتة وصناعة روبوتات صناعيّة تأمين قطع موازية، وصنّعت النموذج بفكر وهندسة وإبداع لبناني 100%، وعرضته على جامعة القدّيس يوسف ومستشفاها الجامعيّ "أوتيل ديو دو فرانس" اللذين رحّبا بشدّة بالنموذج، نظرًا إلى الحاجة الماسّة إلى أجهزة التنفّس وصعوبة استيرادها من الخارج بعد تفشّي جائحة الكورونا في ما يزيد على 136 بلدًا.

واستقبل وزير الصناعة عماد حب الله عميد كلية الهندسة في جامعة "القديس يوسف" والمهندس صقر.

وقدّم الأخير شرحاً تفصيلياً عن آلية عمل النموذج الذي يصنّعه، وناقش الحاضرون في طرق تطويره لكي تتناسب وتتلاءم مع حاجة الفرق الطبّية والاستشفائية في المستشفيات لإنعاش المرضى في غرف العناية المركّزة.

  • المهندس صقر يعرض جهازه أمام وزير الصناعة اللبناني

وسيضع مستشفى "أوتيل ديو" إمكانياته وتجهيزاته لاختبار النموذج الحالي على الحيوانات في المرحلة الأولى. وبعد التأكّد من فعاليته، يُصار إلى إتمام بقية الاختبارات، ثم تصنيعه بقطع هندسيّة طبيّة تتمتّع بالمعايير العالميّة.

اللافت في هذا الجهاز أن كلفته بعد التصنيع الطبّي لا تتعدّى ألفي دولار أميركي، وأن شركة "آي نتورك أوتوميشن" تقدّمه لكلّ مَن يرغب في تصنيعه بلا مقابل، وهي مستعدة لتزوّد الشركات والمستشفيات ببرنامج التصنيع وبكل التفاصيل مجانًا، فالهدف هو التضامن مع المجتمع اللبناني في هذا الوقت الحَرِج، وليس تحقيق أيّ ربح مالي.

ومن المتوقّع أن تستغرق مرحلة الاختبارات أسابيع. بعدها يصبح بالإمكان تصنيع الجهاز واستخدامه طبيًا.

والجدير بالذكر أن المهندس كسرى صقر وفريق عمله المؤلّف من مهندسين لبنانيين، هم من خرّيجي مَعْهَد الهَنْدَسة العالِي في بَيروت ESIB في جامعة القدّيس يوسف، وهو مؤسّس شركة "آي نتورك أوتوميشن" التي تُعنى بأتمتة وتصنيع الروبوتات لمختلف الاحتياجات الصناعيّة.