أنقرة تلتف على منتدى "غاز المتوسط".. شراكة أمنية واقتصادية مع طرابلس الغرب!

التفاهم التركي-الليبي الأخير يفتح المجال على تطوراتٍ عديدة، لا سيما وأنه موجّه ضد الدول المعنية بملف الغاز في البحر الأبيض المتوسط، فيما يظهر الدوران السعودي والإماراتي فاعلان على خط مواجهة النفوذ التركي في البلد الأفريقي، انطلاقاً من الكباش الإقليمي بينهم.

  • أنقرة تلتف على منتدى "غاز المتوسط".. شراكة أمنية واقتصادية مع طرابلس الغرب!
    التفاهم ينص على تحديد مناطق النفوذ البحرية لليبيا وتركيا والتعاون العسكري والأمني بينهما

 

يشتد الصراع السياسي والأمني بين الجيش الليبي الذي يقوده خليفة حفتر من جهة، وحكومة "الوفاق الوطني" برئاسة فايز السراج من جهةٍ أخرى، بعد توقيع الأخيرة لاتفاقيتين مع تركيا، إحداهما حول التعاون الأمني والعسكري، وأخرى في المجال البحري، خلال لقاء جمع السراج بالرئيس التركي رجب طيب إردوغان في إسطنبول، آواخر الشهر المنصرم.

أقرّ المجلس الرئاسي لحكومة "الوفاق" الأربعاء، مذكرتي التفاهم، حيث نصت المادة الثانية من القرار، على أن "يتم العمل بهذا القرار من تاريخ صدوره، وطالبت الجهات المختصة بتنفيذه ونشره في الجريدة الرسمية".

ورداً على ذلك، تعهد الجيش الليبي بقيادة خليفة حفتر بالتصدي لما سمّاه "أطماع الأتراك" في بلاده، مؤكداً تصميمه على مواجهة الاتفاق الذي عقدته حكومة الوفاق مع تركيا.

تصريحات حفتر تلك، دعمتها مواقف دولية تتقاطع مصالحها فيما بينها ضد النفوذ التركي في ليبيا، وعبّرت عنها وزارة الخارجية المصرية التي أفادت منذ أيام أنه بعد اتصالات أجرتها مع اليونان وقبرص تم الاتفاق بين الدول الثلاث "على عدم وجود أي أثر قانوني لهذا الإجراء (الاتفاق التركي-الليبي) الذي لن يتم الاعتداد به لكونه يتعدى صلاحيات رئيس مجلس الوزراء الليبي، وفقاً لاتفاق الصخيرات".

وفي وقتٍ لاحق، ذكرت الخارجية المصرية أن وزيري الخارجية، المصري سامح شكري، والفرنسي جان إيف لودريان، أكدا "عدم مشروعية توقيع رئيس حكومة الوفاق الوطني الليبي، فايز السراج، مذكرتي التفاهم مع تركيا".

في الشكل، فإن الصراع في ليبيا وعليها لا يزال يأخذ طابعه الدولي المنقسم، بين دولٍ تدعم حكومة السرّاج ودول أخرى تدعم حكومة حفتر، لكنّ دخول تركيا على خطِّ الأزمة من بابها العريض، جيوسياسياً وأمنياً واقتصادياً، ينذر بتطورات مختلفة عن سابقاتها أظهر معالمها الدور المصري المكثف ضد مذكرة التفاهم الموقّعة.

ويفرض ملف الغاز في البحر الأبيض المتوسط نفسه استناداً إلى الصراع الدائر هناك بين تركيا والدول الثلاث (مصر قبرص واليونان)، وما تمثله السواحل الليبية من أهمية في هذا السياق، لا سيما وأن الرئيس التركي أكد أن "بلاده لن تسحب سفن التنقيب من شرق البحر الأبيض المتوسط"، رابطاً ذلك بالاتفاقية التي أبرمتها مع ليبيا، ومعتبراً أنها "ستطبق بجميع بنودها".

التفاهم الموقّع بين أنقرة وطرابلس الغرب ينص على تحديد مناطق النفوذ البحرية لليبيا وتركيا إضافة إلى التعاون العسكري والأمني بينهما، وفيما لم يقدم الجانبان أيّة تفاصيل إضافية، فإن وسائل إعلام تركية مقرّبة من الحكومة، أشارت إلى أن أنقرة نجحت من خلال اتفاقها مع الحكومة الليبية المعترف بشرعيتها دولياً من الأمم المتحدة، في كسر الطوق البحري الذي سعى لعزلها، والمكون من "إسرائيل" ومصر واليونان والشطر اليوناني من قبرص، ووضعت "جداراً يفصل بين اليونان وقبرص"، وتمكنت من "إحباط الخطة الرامية إلى حبس تركيا في نطاق ضيق لا تتعدى مساحته 41 ألف كم مربع في البحر الأبيض المتوسط".

في المقابل، تقول اليونان إن الإتفاق "منافٍ للعقل"، لأنه يتجاهل وجود جزيرة كريت اليونانية بين الساحلين التركي والليبي، في الوقت الذي يتصاعد التوتر بين أثينا وأنقرة بسبب تنقيب الأخيرة عن الغاز في شرق المتوسط قبالة ساحل قبرص المقسمة.

على هذا النحو، تتشابك المصالح وتتعارض بين الدول المعنية بالغاز في منطقة البحر المتوسط، حول الموقف من الإتفاق الموقّع بين أنقرة وحكومة السراج، بالأخص وأن خطوة تركيا الأخيرة باتجاه ليبيا تأتي بعد تأسيس "منتدى غاز شرق المتوسط" مطلع العام الحالي في مصر، حيث رأت أوساط سياسية تركية أن تأسيس المنتدى يدل على عزم بعض الدول تقاسم ثروات الغاز بمياه شرق المتوسط، بعد اكتشاف احتياطات هائلة، وذلك بعيداً عن تركيا وليبيا.

وشهدت القاهرة في آب/أغسطس الماضي، المؤتمر الوزاري الثاني لدول المنتدى شارك فيه: مصر و"إسرائيل" وقبرص واليونان وإيطاليا والأردن، كما شارك في الاجتماع ممثل عن البنك الدولي، ووزير الطاقة الأميركي، وممثل المفوضية الأوربية لشؤون الطاقة. تبع ذلك موافقة وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على فرض عقوبات اقتصادية على تركيا لمعاقبتها على عمليات التنقيب قبالة ساحل قبرص، معتبرين أنها "انتهاكٌ للمنطقة البحرية الاقتصادية الخالصة قبالة الجزيرة المقسمة".

وبينما أكد وزير الطاقة التركي، فاتح دونماز، أن بلاده ستبدأ عبر مؤسساتها المرخّص لها في استكشاف وإنتاج النفط والغاز الطبيعي في مناطق النفوذ التي يشملها الاتفاق التركي-الليبي شرق البحر المتوسط، تبدو الإمارات والسعودية المتصارعتان إقليمياً مع تركيا، والداعمتان الأساسيتان لـ قوات حفتر بوجه حكومة "الوفاق" غير بعيدتين عن التصعيد الذي رافق توقيع الاتفاق التركي-الليبي، الذي يهدد مصالحهما ونفوذهما في الساحل الأفريقي الشمالي.

تسعى قوات حفتر وبدعمٍ عسكري وسياسي من الرياض وأبو ظبي لتشغيل موانئ ليبية بغية تصدير النفط الواقع تحت سيطرتها، بعد تعيين الحكومة الليبية المؤقتة برئاسة عبد الله الثني، والموالية لحفتر، لمجلس إدارة جديد تابع للمؤسسة الوطنية للنفط، في خطوةٍ انفصالية عن إدارة المؤسسات النفطية التابعة لحكومة طرابلس الغرب، وسط معلومات متقاطعة تحدثت عن دورٍ إماراتي في قرار حفتر الذي أصدره في حزيران/يونيو العام الماضي، والقاضي بتسليم وتحويل تبعية حقول وموانئ النفط إلى مؤسسة النفط الموازية في بنغازي والتابعة لحكومة "الثني" والمنفصلة إداريًا عن المؤسسة الوطنية للنفط في العاصمة الليبية.

وكانت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية كشفت العام الماضي عن وجود محادثات سرية بين السلطات الإماراتية وخليفة حفتر لمساعدته على بيع النفط الليبي بعيداً عن المؤسسة الوطنية للنفط، بالتوازي مع دعمٍ إماراتي قوي ومؤثر لقوات حفتر خلال معركة سيطرتها على منطقة "الهلال النفطي"، بعد أن شاركت في التحضير لها بشكل كبير على صعيد السلاح والتمويل أيضاً، بموافقةٍ سعوديةٍ ظهرت واضحة في الزيارة التي قام به حفتر قبل أسبوع من عمليته العسكرية على العاصمة طرابلس، في آذار/مارس الماضي، حيث ذكرت الصحيفة ذاتها في تقريرٍ لاحق، أن "السعودية وعدت حفتر بملايين الدولارات لتمويل عمليته العسكرية ضد طرابلس" مقر حكومة "الوفاق".

لا يزال شبح التقسيم يخيّم على ليبيا، التي يتصارع فيها حكومتان، واحدة مدعومة من خليفة حفتر، وتسيطر على معظم مناطق الشرق من سرت غرباً إلى الحدود المصرية. وأخرى، في العاصمة طرابلس وبعض المناطق غرباً تسيطر عليها قوات موالية لحكومة "الوفاق" المعترف بها من الأمم المتحدة. وبين حكومة الشرق وحكومة الغرب، تجد الدول المتصارعة إقليمياً موطىء قدمٍ لها في البلد الأفريقي، الذي كان في مرحلةٍ سابقة مؤثراً على معظم قضايا الشرق الأوسط، ليصبح خلال السنوات الأخيرة مجرّد متأثرٍ بها وخاضعٍ لتجاذباتها واصطفافاتها السياسية والاقتصادية.