9 سنوات على الثورة: ماذا حققت تونس وفيمَ أخفقت؟

يحيي التونسيون في مثل هذه الأيام ذكرى الثورة التي أطاحت بحكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، وتأتي الذكرى التاسعة هذا العام في سياق سياسي تشوبه الضبابية؛ من مشاورات متعثرة لتشكيل حكومة طال انتظارها، ووضع اقتصادي واجتماعي صعب، ونسبة بطالة تفاقمت.

  • 9 سنوات على الثورة: ماذا حققت تونس وفيمَ أخفقت؟
    لم تحقق الثورة التونسية على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي أهدافها

 

9 سنوات مرت على تونس منذ اندلاع شرارة الثورة الأولى بمحافظة سيدي بوزيد.. 17 كانون الأول/ديسمبر 2010، كانت لحظة فارقة في تاريخ البلاد..

أحرق محمد البوعزيزي نفسه في لحظة اختنقت فيها أحلامه وآماله، فكان رجع الصدى مدوياً.. آلاف التونسيين من الشباب العاطلين عن العمل ينتفضون مطالبين بالشغل والحرية والكرامة الوطنية.

أزمات معقدة

9 سنوات مضت تداول خلالها على السلطة 5 رؤساء جمهورية و6 رؤساء حكومة، وحكومة لازلت قيد التشكل، وجرت خلالها 3 انتخابات تشريعية.. ورغم هذه المحطات الكبرى التي عاشتها تونس والتي مثلت فيها الاستثناء بالمقارنة مع العديد من البلدان العربية التي ثارت شعوبها، فإن استحقاقات الثورة التونسية لم تكتمل بعد، خاصة في ما يتعلق بالجانب الاقتصادي والاجتماعي، يقول في هذا السياق المحلل السياسي جمعي القاسمي في تصريح لـ "الميادين نت"، "للأسف الشديد بعد 9 سنوات من الإطاحة بالنظام السابق يجد المواطن نفسه بشكل خاص، وتونس بشكل عام أمام تحديات جسيمة تراكمت خلال هذه السنوات حتى أصبحت البلاد على حافة الهاوية بإجماع مختلف الأحزاب ومختلف منظمات المجتمع المدني والنقابات، خاصة الاتحاد العام التونسي للشغل، الذي حذر أمينه العام نور الدين الطبوبي من "ثورة جديدة قد تأتي على الأخضر واليابس" وفق تعبيره.

وأكد جمعي القاسمي أن الوضع في تونس تدحرج بشكل سريع نحو أزمات معقدة ومربكة شملت كل الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وحتى منها الأمنية، مشيراً إلى أنه ليس بالغريب سماع عبارات اليأس والاحتقان التي بدأت تتردد اليوم لدى فئة كبيرة من التونسيين.

وأضاف القاسمي أنه ما عدى حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة، فإن تونس، في نظره، لم تحقق شيئاً يذكر ما يستدعي من الجميع تدارك الوضع والبحث عن حلول.

الانتقال الديمقراطي مهدد بسبب الوضع الاقتصادي الصعب

الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان، ذكّر بالمؤشرات الاقتصادية والمالية التي كانت عليها تونس سنة 2010، مشيراً إلى أنها كانت مؤشرات جيدة.

وأضاف في حديثه لـ "الميادين نت" أن النظام السابق أخفق قي عنصرين هامين، يتمثل الأول في تعمق الفوارق الجهوية والفئوية، والثاني في ارتفاع نسبة البطالة خاصة في صفوف الشباب أصحاب الشهادات العليا.

وقدم عز الدين سعيدان قراءة للوضع الاقتصادي الحالي مقارنة بسنة 2010، مؤكداً أن النمو الاقتصادي في تونس كان يبلغ 5 بالمائة سنة 2010، وأصبح اليوم 1 بالمائة فقط، كما أن التضخم المالي في تونس كان ما بين 1.5 بالمائة و2 بالمائة سنة 2010، وأصبح اليوم 6.3 بالمائة.

وأشار سعيدان في هذا السياق، إلى أن هذه المؤشرات الاقتصادية كان لها تأثير اجتماعي كبير، إذ أنها خلقت فوارق اجتماعية، كما أثر مفعول التضخم على الطبقة الوسطى التي التحق جزء منها بصفوف الطبقة الفقيرة.

كما أكد أن عجز الميزان التجاري ارتفع في تونس بشكل كبير وبنسق لا قدرة للاقتصاد التونسي على تحمله، مشيراً إلى أن قيمة عجز الميزان التجاري في 2018 بلغت 19.2 مليار دينار وتجاوزت 20 مليار دينار في 2019.

وأضاف أن أكبر تحدٍ يواجه الدولة التونسية هو مؤشر الدين العمومي والخارجي الذي تجاوز 100 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، مؤكداً أنه تضاعف 3 مرات على ما كان عليه سنة 2010.

واعتبر الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان أن الاقتصاد التونسي تعطل بالنظر إلى كل المؤشرات التي قدمها، مشيراً إلى أن الوضع الاقتصادي عمّق الفوارق الاجتماعية والفئوية كما تعمقت البطالة وارتفعت خاصة في المناطق الداخلية، مرجعاً السبب إلى غياب الاستثمارات سواء العمومية أو في القطاع الخاص وكذلك الاستثمارات الأجنبية التي قال إنها تكاد تكون غائبة تماماً.

وتابع سعيدان قائلاً "تونس أهملت تماماً الجانب الاقتصادي والمالي واتبعت خيارات خاطئة أدت بالبلاد إلى هذا الوضع الاقتصادي الصعب ما يستدعي حلاً سياسياً" وهو في نظره حل غائب.

وشدد سعيدان على أن تونس في أمس الحاجة إلى الدخول في إصلاح هيكلي لإيقاف ما وصفه بالنزيف، والمرور بتونس إلى إصلاحات كبرى، مشيراً إلى أن الانتقال الديمقراطي مهدد بسبب الوضع الاقتصادي والمالي الصعب.

النبض الثوري ما زال متجذراً

  • 9 سنوات على الثورة: ماذا حققت تونس وفيمَ أخفقت؟
    حتى إن لم تتحقق مطالب الشباب فإن القيم الثورية مازالت حاضرة في الوجدان

 

من جهته تساءل المحلل السياسي شكري بن عيسى في تصريح لـ "الميادين نت" "هل كانت التحديات كبيرة مقارنة بآمال وطموحات الشعب التونسي أم أن هناك أشياءً أخرى؟

واستدرك قائلاً "صحيح أن هناك تحدٍ أمني واجتماعي وآخر جيوسياسي باعتبار وجود أزمات على الحدود الجزائرية والليبية، كما أن هناك مناخاً دولياً مناهضاً للثورة ومناخاً من داخل تونس تصدى للثورة وأراد تعطيل مساعيها وهي الدولة العميقة، لكن في المقابل كانت الثورة التونسية دون قيادة ودون طليعة ولم تنجز مجموعة من الأدبيات التي يمكن أن تبني عليها"، محملاً المسؤولية للنخب الثقافية والعلمية والنقابية التي قال إنها تخلفت عن الثورة في البداية وأخفقت في أن تكون رافعة لها.

كما اعتبر أن الطبقة السياسية كانت مخيبة للآمال ولم تكن في نظره في مستوى تطلعات الثورة، مشيرا إلى أنها دخلت في تسويات وصفها بالمقيتة داخلياً وخارجياً مع القوى المهيمنة.

وأضاف أن المسار الثوري خيب إلى حد كبير آمال الشباب الذي انتفض ولم يحقق له التشغيل والتنمية في الجهات ومكافحة الفساد ولا حتى الديمقراطية الحقيقية، بحسب تعبيره، مشيراً إلى أن الانتخابات التشريعية كانت شكلية وغير حقيقية لأنها في نظره أفرزت أحزاباً في البرلمان منها من هي متهمة بالفساد ومنها من فشلت في الحكم وأحزاب أخرى شعبوية تمرر خطاب الكراهية، وفق تصنيفه.

واستدرك بن عيسى قائلاً "حتى إن لم تتحقق مطالب وآمال الشباب فإن القيم الثورية مازالت حاضرة في الوجدان العميق وفي كل مرة يحدث انهيار سياسي أو حقوقي هناك دائماً ردة الفعل العميقة والحادة التي تثبت أن النبض الثوري متجذر".