هل فشلت "النهضة" بفشل حكومة الحبيب الجملي؟

فشلت حكومة الحبيب الجملي، في نيل ثقة مجلس الشعب التونسي بعد حصولها على تأييد 72 نائباً فقط، مقابل رفض 134 نائباً وامتناع 3 على التصويت، ما سيعطي الرئيس قيس سعيد، دوراً محورياً في تكليف شخصية أخرى لتشكيل حكومة جديدة في أجل أقصاه شهر، وسط تساؤلات حول انعكاس ذلك على "محوريّة حركة النهضة".

  • هل فشلت "النهضة" بفشل حكومة الحبيب الجملي؟
    الجملي واجه انتقادات كبيرة بشأن استقلالية أعضاء حكومته وكفاءتهم

كانت حكومة الحبيب الجملي المقترحة قد حظيت بتأييد كتلتي "حركة النهضة" و"ائتلاف الكرامة" فقط مقابل معارضة بقية الكتل والأحزاب، ما اعتبره الملاحظون ضربة للحركة بعد أن كانت طرفاً رئيسياً وحاسماً في كل المحطات السياسية منذ ثورة 2011.

ويذكر أن الحبيب الجملي أعلن الخميس الماضي، عن حكومة كفاءات مستقلّة ضمت 28 وزيراً و14 كاتب دولة، بعد مخاض عسير من المشاورات، وواجه انتقادات كبيرة بشأن استقلالية أعضائها وكفاءتهم وشكوك بشأن قدرتهم في تجاوز التحديات التي تواجه البلاد، في وقت كشفت فيه هيئة مكافحة الفساد، عن وجود أسماء داخل التشكيلة الحكومية المقترحة ترتبط بها شبهات فساد.

"النهضة" تفقد زمام المبادرة؟

يقول الإعلامي التونسي محمد صالح العبيدي، في تصريح لـ "الميادين نت" إن إسقاط حكومة الجملي في البرلمان سيكون له انعكاس على "حركة النهضة" في ثلاث مستويات: الأول أنها لأول مرة تفشل في تمرير تركيبة حكومية منذ عام 2011 وهذا في حد ذاته ضرباُ لنجاعتها التفاوضية داخل البرلمان وعدم قدرتها على صناعة محاور حولها تمارس ضمنهم العمل السياسي.

 وثانيا فقدانها لزمام المبادرة وتحولها إلى قصر قرطاج، وهو ما رآه العبيدي بمثابة الخسارة التاريخية التي تسحب البساط من "حركة النهضة" في موازين التأثير السياسي.

وثالثاً، انتهاء ما اعتبره "الأسطورة الإخوانية" شعبياً وبرلمانياً، وإيذان بتكتل قوى متناقضة ضدها مما ينبؤ "بعزلة مرتقبة لحركة النهضة".

من جهته، اعتبر المحلل السياسي بولبابة سالم، في تصريحه لـ "الميادين نت"، أن فشل حكومة الجملي هو فشل للأحزاب السياسية التي قال إنها اختارت الصراعات الجانبية والثانوية على المصلحة الوطنية، وهو من يدل على غياب الثقة في العلاقة بين المكونات السياسية، ما دفع "النهضة" إلى اختيار شخصية مستقلة.

وأضاف سالم، أن الحبيب الجملي اختار حكومة كفاءات مستقلة عن الأحزاب "بعدما لاحظ تعفّن المشهد السياسي والحزبي لكن هذا الاختيار لم يكن محل إجماع حتى داخل حركة النهضة"، مشيراً إلى أن بقية الأحزاب كانت تدفع نحو حكومة الرئيس.

كما اعتبر أن  ما حصل هو "فشل للنهضة وسيلقي بظلاله على مؤتمرها القادم"، لافتاً إلى أن تأثيره على رئاسة الغنوشي للبرلمان "فيه مبالغة ولا علاقة له بمسألة سقوط حكومة الجملي".

وتحدث سالم عن وجود تنافس شديد على خلافة راشد الغنوشي في رئاسة الحركة، مؤكداً أن جناح عبد اللطيف المكي وعبد الحميد الجلاصي يريد تطبيق النظام الداخلي الذي لا يسمح بدورة جديدة للغنوشي، بعد أن طالبت بعض الأصوات بتعديل القانون.

وتابع: "فشل التصويت على حكومة الجملي سيزيد الضغوط على جناح الغنوشي في الحزب لأنهم لم يكونوا راضين بالسير الذي اختاره في تشكيل الحكومة".

"مخطئ من يعتقد أن النهضة قد انهزمت"!

وعلى عكس ما ذهب إليه العبيدي وسالم ، بأن فشل حكومة الجملي هو إعلان لفشل حركة "النهضة"، قالت المحللة السياسية شيماء عيسى لـ"الميادين نت"، "مخطئ من يعتقد أن النهضة قد انهزمت بعد إسقاط حكومة الجملي"، مشيرةً إلى أن ما حصل هو "إعادة الأمور إلى مجاريها وتعديل موازين القوى داخلها".

ورأت عيسى أن الصراع داخل حركة "النهضة" هو "من أوصلنا إلى حكومة الحبيب الجملي"، مؤكدة أن "الجملي لم يكن خيار الغنوشي بل فرض عليه من مجلس الشورى".

وأضافت بأن الغنوشي ومن معه كانوا يطالبون بسحب الثقة من الحبيب الجملي أو سحب الثقة من حكومته لأنهم يعلمون بأنه "لا يوجد توافق حول التشكيلة المقترحة".

وتابعت: "لا أعتقد أن الغنوشي سيخرج ضعيفاً أو منهزماً بعد سقوط حكومة الجملي في البرلمان" لأنه في نظرها "انتصرعمّن خالفوه الرأي داخل الحركة واسترجع مكانته كقائد وكصاحب رأي ذا وجاهة وذا مصداقية وربح باعتباره رئيساً لمجلس النواب".

تصريح الغنوشي بعد فشل حكومة الجملي والذي أكد فيه "أن تونس عاشت عرساً من أعراس الديمقراطية"، هو وفق عيسى "تأكيد لفوزه".

ووصفت عيسى فشل حكومة الحبيب الجملي بـ "الصفعة الصغيرة" التي سيعاد من خلالها مشهد تماسك حركة "النهضة" من جديد، بعد الصراعات حول حكومة الجملي وتأكيد وجاهة رأي الغنوشي وإعادة ريادته، حسب تعبيرها.

الكرة في ملعب قيس سعيد وجميع الاحتمالات واردة

يقر الدستور التونسي أنه في حال عدم نيل الحكومة التي يكلف بتشكيلها الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية ثقة البرلمان، يتولى رئيس البلاد تعيين شخصية مستقلة يكلفها بتشكيل حكومة جديدة، إذ ينص الفصل 89 من الدستور على أنه "في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس نواب الشعب، يقوم رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تكوين حكومة في أجل أقصاه شهر".

وإذا مرت أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحق في "حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه تسعون يوما".

وتساءلت المحللة السياسية شيماء عيسى، إن كان رئيس الجمهورية قيس سعيد، قادر على تقريب الفرقاء السياسيين واختيار الشخصية الجامعة، مشددة على أن "حركة النهضة سيكون لها دور كبير في اختيار هذه الشخصية".

واعتبرت عيسى أن الذهاب نحو انتخابات تشريعية سابقة لأوانها تتوقف على مدى توفق الرئيس في اختيار هذه الشخصية الجامعة، معتبرةً أنه وبمجرد الإعلان عن الاسم ستتضح المواقف ومنها الذهاب نحو انتخابات تشريعية مبكرة من عدمه.

كما رجحت أن "يخالف رئيس الجمهورية في اختياره لرئيس الحكومة إيديولوجيته وقناعاته".

10 أيام فقط تفصل التونسيين عن معرفة مرشح رئيس الجمهورية لرئاسة الحكومة المرتقبة، فهل سيوفَق قيس سعيد، في اختيار شخصية تحظى بثقة الأغلبية، أم أنّ تونس ستكون أمام سيناريو انتخابات تشريعية سابقة لأوانها؟