حكومة الفخفاخ في تونس أمام امتحان الواقع: تركة ثقيلة وملفات حارقة

الملفات التي طرحها الفخفاخ واعتبرها ذات أولوية قصوى في خطاب الثقة، هي تركة ثقيلة لم توفق الحكومات المتعاقبة في تونس على حلها.

  • الفخفاخ خلال إلقاء كلمته في جلسة نيل الثقة مساء الأربعاء (أ.ف.ب)

بعد مشاورات عسيرة دامت شهراً كاملاً، صادق مجلس نواب الشعب التونسي فجر الخميس 27 شباط/ فبراير 2020 على منح الثقة لحكومة إلياس الفخفاخ بحصولها على أصوات 129 نائباً، حكومة لن تكون مهمتها سهلة بالنظر إلى الملفات الحارقة التي تنتظرها، تركة ثقيلة لم تقدّر الحكومات المتعاقبة في تونس على حلها.

استعرض إلياس الفخفاخ خلال خطاب منح الثقة، أبرز أولويات حكومته والتي ستعمل عليها خلال الأشهر القادمة وتتمثل في 8 نقاط وهي مقاومة الجريمة والعبث بالقانون، مقاومة غلاء الأسعار والتصدي للغش وتوفير متطلبات العيش الكريم، تقديم الدعم العاجل للمؤسسات الصغرى والمتوسطة بالوقوف إلى جانب المستثمرين والمصدرين وتبسيط الإجراءات الإدارية، تفكيك منظومة الفساد، تعبئة الموارد المالية الضرورية للدولة لسنة 2020، المحافظة على قيمة العملة الوطنية والحد من نسبة التضخم المستورد، الاهتمام بملف الحوض المنجمي والفسفاط، وأخيراً تسوية ملفات عمال الحظائر والأساتذة والمعلمين النواب.

الملفات التي طرحها الفخفاخ واعتبرها ذات أولوية قصوى، هي تركة ثقيلة لم توفق الحكومات المتعاقبة في تونس على حلها، لا سيما منها معالجة المعضلات الاقتصادية والاجتماعية التي اعتبرها خبراء الاقتصاد حجر الزاوية لحكومة الفخفاخ. 

أحلام وليست أولويات حكومة

وعودة على خطاب الفخفاخ اعتبر المحلل السياسي صالح عطية في تصريح لـ "الميادين نت"  أن ما طرحه الفخفاخ أمام نواب الشعب كان "مجموعة أحلام أكثر منها أولويات حكومة قادمة"، مشيراً إلى أنّه "ليس من السهل التوصل إلى تسوية في ملف الفوسفات في ظرف سنة واحدة، كذلك بالنسبة إلى تسوية ملف المعلمين النواب والأساتذة الذي قال إنه يقتضي إمكانيات ضخمة ويفرض تمويلات ودعم في ميزانية الدولة التي تشتكي بدورها عجزاً". 

وبخصوص تفكيك منظومة الفساد قال  عطية إن "ملف الفساد هو ملف معقّد جداً ليس من السهل التعاطي معه بسهولة، ذلك أن هذه القضية مرتبطة بـ "لوبيات" لها علاقة بأجهزة الدولة وكذلك ببعض الوزراء الذين قال إنهم موجودون حالياً في حكومة الفخفاخ". 

كما أشار إلى أن رئيس الحكومة الجديد "سيجد نفسه في مواجهة لوبيات فساد هو نفسه لديه تضارب مصالح معها".

وطرح عطية مشكلة الانسجام داخل تركيبة حكومة الفخفاخ، مشيراً إلى أن "هناك تناقضات سياسية بين أعضاء الحكومة في تعاطيهم للملفات الاجتماعية وفي السياسات الاقتصادية والحقوقية، ما من شأنه أن يخلق صعوبة لدى الفخفاخ خاصة وأنه سيجد نفسه أما تجاذبات سياسية داخل مجلس الوزراء"، وفق تقديره.

وكشف عطية لـ الميادين نت أن الحديث داخل كوليس مجلس النواب يوم منح الثقة لحكومة الفخفاخ كان حول "كيفية إسقاط الحكومة الجديدة والبحث عن سيناريوهات وتوقيت معين لاسقاطها"، بحسب تعبيره.    

المسألة السياسية حُسمت والتحدي اقتصادي

وعلى عكس ما ذهب إليه صالح عطية، اعتبر المحلل السياسي محمد بوعود في تصريح لـ "الميادين نت" بأن المسألة السياسية "قد حسمت نهائياً بتصويت البرلمان على منح الثقة"، مستبعداً أن "تتواجد قوّة داخل مجلس الشعب من مصلحتها إسقاط الحكومة أو توجيه لائحة لوم أو سحب الثقة منها". 

وأوضح بوعود أن الأحزاب المشكلة للعارضة داخل البرلمان (حزب قلب تونس وحزب الدستوري الحر وائتلاف الكرامة)، "متناقضة ولا يمكنها أن توجه لائحة لوم لحكومة الفخفاخ"، كما استبعد أن تقوم حركة النهضة بذلك لأنها وفق قوله "لديها 7 حقائب وزارية جهراً و3 سراً".

وشدد بوعود على أن "التحديات الحقيقية هي اقتصادية، من ذلك مسألة الفوسفات ومسألة الاستثمار التي تتطلب جهداً تشريعياً لتغيير بعض القوانين البالية". 

في المقابل، اعتبر بوعود أن ملف السلم الاجتماعي "غير صعب أو مستحيل بالنظر إلى التفاؤل في خطاب الاتحاد العام التونسي للشغل ومنظمة الأعراف"، مشيراً إلى أن "الدولة قادرة على استيعاب الملفات الاجتماعية المطروحة".

وانتهى محمد بوعود إلى القول بأن حكومة الفخفاخ "قد قطعت الخطوة الأهم في طريق استقرارها باعتبارها"، وفق تقديره، "ضمنت حزاماً سياسياً لا بأس به وضمنت قبل ذلك دعم رئيس الجمهورية ورضا رئيس مجلس نواب الشعب"، مشيراً إلى أن الخطوات القادمة هي "المحك الحقيقي لقدرة الحكومة على إنجاز ما وعدت به وجديتها في تطبيق ما ورد في الوثيقة التعاقدية وخصوصاً في تكريس الأولويات".

وشدد في ختام حديثه على أن "المسألة السياسية محسومة سلفاً، كما أن المسألة الاجتماعية يمكن تداركها"، في حين اعتبر أن المشكل الحقيقي هو "الملف الاقتصادي الذي وفقاً لخطاب الفخفاخ لنيل الثقة لا يحمل فيه حلولاً، بل مجرد أحاديث مكررة لرؤساء الحكومات السابقة". 

أهم التحديات الاقتصادية التي تنتظر حكومة الفخفاخ

وكان الخبير الاقتصادي عز الدين سعيدان أفاد بأن أهم تحدي يواجه الحكومة الجديدة في تونس، هو "كيفية تنفيذ ميزانية سنة 2020"، التي قال إن "بناءها غير متوازن خاصة وأن حوالي نصف الميزانية سوف يخصص لأجور الوظيفة العمومية (أكثر من 19 مليار دينار من أصل قيمة الميزانية ب 47 مليار دينار)". 

كما لاحظ أن حجم الميزانية "يمثّل قرابة 40% من الناتج الداخلي الإجمالي والحال أن المقاييس العالمية تشترط أن لا يتجاوز حجم الميزانية الـ20% من الناتج". 

و أشار سعيدان إلى علاقة الحكومة الجديدة بصندوق النقد الدولي الذي يصر على "ألّا تتجاوز كتلة الأجور 12.4% من الناتج الداخلي الإجمالي في حين ستصل إلى 15.7% من الناتج الداخلي الإجمالي في العام المقبل"، وهو ما يطرح إشكالاً في حد ذاته للحكومة المقبلة في حوارها مع الصندوق.

سعيدان تحدث أيضاً عن مسألة الاقتراض المبرمج لتمويل الميزانية الذي سيناهز 12 مليار دينار مقابل 10.3 مليار دينار في 2019، بزيادة بنسبة 16%، متسائلاً عن "كلفة هذا الاقتراض وانعكاسه على خدمة الدين".

كما حذّر الخبير الاقتصادي، الحكومة القادمة من خطورة تفاقم مستوى الدين العمومي والذي سيبلغ 89% من الناتج الإجمالي الداخلي في 2020، بينما سيفوق الدين الخارجي 100% من الناتج ما سيضاعف من حجم الصعوبات، وفق تقديره.