الأخبار الزائفة في الاحتجاجات الأميركية: السلوك البشري نفسه!

يمكن تصنيف الأخبار الزائفة والمضلّلة التي رافقت الاحتجاجات الأميركية ضمن المحاور نفسها التي تواكب أي حراك شعبي في بقع جغرافية أخرى في العالم.

  • الأخبار الزائفة في الاحتجاجات الأميركية: السلوك البشري نفسه!
    صورة مفبركة: مجلة "تايم" الشهيرة لم تنشر صورة على غلافها تُظهر ترامب بشارب أدولف هتلر

لا، لم يقتحم المتظاهرون البيت الأبيض. عملية مقتل جورج فلويد ليست فيلماً مركّباً. ولاية أوهايو لم تطلق سراح 4300 سجين محكوم بجرائم قتل. مجلة "تايم" الشهيرة لم تنشر صورة على غلافها تُظهر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشارب أدولف هتلر.

ثمة سيل من الأخبار الزائفة ينتشر عبر شبكات التواصل في الولايات المتحدة الأميركية منذ اللحظة الأولى لتداول مقطع الفيديو الذي يظهر فيه فلويد متوسلاً ضابط الشرطة الذي تسبّب بموته.

وفي حين سارع ترامب إلى الإيحاء منذ اللحظة الأولى بأن أعمال "الشغب" ممنهجة، فإن السياق العام لكل هذه الأخبار يشير إلى نمط متوقع وشبيه لما يحدث في كثير من أنحاء العالم في تظاهرات احتجاجية. 

ويمكن تصنيف الأخبار الزائفة والمضلّلة التي رافقت الاحتجاجات الأميركية ضمن المحاور نفسها التي تواكب أي حراك شعبي في بقع جغرافية أخرى في العالم:

- نظرية المؤامرة: من اللافت أنه في المجتمع الأميركي الذي تحظى فيه ثقافة "الخوف" بحضور دائم في وسائل الإعلام والسينما والخطاب السياسي المحلي، يسهل الترويج للأخبار المضللة التي تقع ضمن خانة "نظرية المؤامرة". ويساهم الخوف من "الآخر" المختلف في انتشار هذه الظاهرة.

- الانحياز: كلّ ما هو مختلف عن بيئة المحتجّين "متّهم". يظهر هذا الانحياز عادة على المستوى العرقي أو السياسي أو الاجتماعي. بعض الأخبار الزائفة تكررت في أكثر من ولاية أميركية عن ممارسات للشرطة لم تحصل حقيقة.

- الدراما والتشويق: المشهد نفسه لسيدة "بيضاء" مقعدة في مينيابوليس حظي بتفسيرات متعارضة تماماً بعد تداوله ملايين المرات بين الناشطين الأميركيين، بين من يقول إن السيدة تقوم بمهاجمة "المتظاهرين من أصحاب البشرة السوداء"، ومن يعتبرها "ضحية" لغضب هؤلاء. 

حتى اللحظة، لم يقدّم الإعلام الأميركي الرواية الحقيقية لما جرى في هذا المقطع المصور، ولكن أصحاب الرأي من الطرفين يجادلون بأدلة قابلة للتصديق بسبب طبيعة التصوير وزاويته! 

بغض النظر عن حقيقة الفيديو، فإنّ عنصري "الدراما" المتعاطفة مع المرأة المقعدة و"التشويق" بالنسبة إلى الرواية المقابلة، يحضران في اللحظة نفسها، في مفارقة تؤكد أن حُكم الناس على الأحداث ينبثق من تحيّزاتهم، ويدور في منطقة "اللاوعي" في الدماغ.

- التشويه: وقعت بعض وسائل الإعلام العربية في أخطاء مهنية بنشر صور ومقاطع فيديو لأحداث سابقة في أنحاء أخرى من العالم، باعتبارها مشاهد من الاحتجاجات الحالية في الولايات المتحدة.

لم يكن بعض هذه الصور من النوع العابر، كمشهد شخص يحرق نفسه احتجاجاً، أو كمشهد اعتقال رجل أسود آخر بشكل عنيف على يد الشرطة. انتشار هذه الأنواع من التضليل الإعلامي يعبّر عن "أمنيات" أكثر من تعبيره عن قلة المهنية في النقل!

هناك مراكز دراسات أميركية مختصة تتابع بدقة الأخبار الزائفة المنتشرة حالياً في الاحتجاجات. ملاحظة السلوك البشري في أساس عمل هذه المراكز دوماً، على اختلاف تخصّصاتها (سياسة، عسكرية، أمنية، اجتماعية، واقتصادية...). 

من المبكر الحُكم على نتيجة الحركة الاحتجاجية الأميركية، لكن بعض المؤشرات تدلّ على أنّ هناك من يميّز بين الأخطاء السياسية لدونالد ترامب، المتهم بالعنصرية قبل انتخابه رئيساً وبعده، واستثمار ما يحصل لمقاربة إحدى المشاكل الجوهرية في الحياة الأميركية بطريقة مختلفة قانونياً واجتماعياً.