"الجوع".. كأداةٍ لنزع الأصفاد أو إثبات الحق بالنضال!

لقد انتصر الأسير ماهر الأخرس، ورضخت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أمام إرادته، كيف للأمعاء الخاوية أن تقهر كياناً بكل سلاحه وجنوده وسجونه وإمكاناته؟

  • في ترفّعه عن الحاجة الوظيفية للطعام للبقاء على قيد الحياة، كان الأخرس يعبر عن فقده الأول
    في ترفّعه عن الحاجة الوظيفية للطعام للبقاء على قيد الحياة، كان الأخرس يعبر عن فقده الأول "الحرية"

هناك على سريره في مشفى "كابلان"، بدا الأسير ماهر الأخرس، أثناء إضرابه عن الطعام، واهناً، خائرة قواه، لا يقدر على النطق بسهولة، ولا يستطيع الوقوف على قدميه.

تلك الصورة التي ستبقى في المخيلات لأجيال قادمة، لم يكن ليتصور أحد أنها ستصبح أيقونة لانتصار الجسد الهزيل على كيانٍ مدجج بكل هذا التجاهل الدولي لجرائمه. 

تقول المفكرة العربية نوال السعداوي، في مذكراتها حول سنوات سجنها، إن "الإنسان لا يموت في السجن من الجوع أو من الحر أو البرد أو الضرب أو الامراض أو الحشرات، لكنه قد يموت من الانتظار .. الانتظار يحول الزمن إلى اللازمن، والشيء إلى اللاشيء، والمعنى إلى اللامعنى".

ربما، في ترفّعه عن الحاجة الوظيفية للطعام للبقاء على قيد الحياة، كان الأسير المحرر الأخرس يعبر عن فقده الأول "الحرية"، وينطلق نحو فلسفة تغوص به نحو المعنى الحقيقي من الحياة، معنى أكثر عمقاً من مجرد النجاة من الموت جوعاً، هو الذي قالها باصرار "هناك خيارين لا ثالث لهما، إما الحرية بين عائلتي وأطفالي آمناً، وإما قتلي باسم العدالة الإسرائيلية الزائفة".

اختصاصية التغذية رشا ياسين، كانت أفادت للميادين نت سابقاً، أنه بعد 45 يوماً من الإضراب عن الطعام "تشكل الوفاة خطراً حقيقياً، بسبب فشل عمل القلب والأوعية الدموية". لذا، فإن الأخرس الذي استمر في اضرابه قرابة 104 أيام، لم يكن يساوم، ولم يكن يشتري مواقف إعلامية، كان جاداً جداً، وعاقد العزم.

الأخرس لم يكن أول الأسرى المضربين عن الطعام، وإن كان النموذج الأيقونة للتصميم والإصرار.. أيقونة الانتصار التي ستلهم أجيالاً جديدة من الأسرى ستتبع خطواته، طالما أن الاحتلال قائم، فحرب الأمعاء الخاوية مستمرة.

الإضراب عن الطعام.. حق إنساني

يعد الإضراب عن الطعام حق معترف به ضمن حزمة حقوق الإنسان في المواثيق والشرعة الدولية، ويندرج ضمن الحق في المقاومة السلمية التى يحق للأسرى استخدامها، ويحق للدول المحتلة تقرير مصيرها باستخدامها ضمن كافة وسائل المقاومة السلمية، وهو ما تم التأكيد عليه في ميثاق الأمم المتحدة.

لم تنص المواثيق الدولية على خلفية قانونية صريحة تقر أو تنظم الإضراب عن الطعام تحديداً، ولكن يأتي الحق في الإضراب عن الطعام كأحد وسائل الاحتجاج السلمي والمقاومة السلمية باعتباره أحد الحقوق المندرجة ضمن الحق في تقرير المصير.

وعلى الرغم من أنه لا يوجد نص قانوني صريح يحمي وينظم حق الإضراب عن الطعام، إلا انه لا يوجد أيضاً نص قانوني يمنع ويحظر تلك الوسيلة بما يجعلها مشروعة، وأصبحت تندرج ضمن العرف الدولي كأداة ضمن الحق في الاحتجاج والحق في الكرامة الانسانية.

تاريخياً، فكرة الاضراب عن الطعام تمتد إلى ما قبل ظهور المسيحية، وتتقاطع عدة مصادر بالإجماع على أن أول اضراب عن الطعام، مسجل في ايرلندا وكان الهدف الأول في ذاك الوقت هو استرداد الديون أو الحصول على العدالة، إلا أن للظلم وجوه كثيرة، ومستمر مع استمرار البشرية، لذلك استمرت فكرة "الاضراب عن الطعام" كوسيلة مقاومة سلمية محقة، وتطورت عبر التاريخ، فتحولت من وسيلة احتجاج فردي للمطالبة برد الديون، إلى وسيلة احتجاج جماعي لتحقيق مطالب انسانية وأخلاقية بالدرجة الأولى قبل أن تكون سياسية.

واستخدمت الشعوب عبر التاريخ حملات إضراب عن الطعام، جماعية وفردية، لنيل تحررها مرة، كما حصل في الهند خلال الاحتلال البريطاني للبلاد، أو حصول على حق التصويت للمرأة تارة أخرى، كما في بريطانيا مطلع القرن الماضي.

الإضراب المتسلسل عن الطعام... المفصل النوعي للفت أنظار العالم نحو معاناة الأسرى

يقصد بالإضراب المتسلسل، أن يقوم أحد السجناء بالإضراب عن الطعام نيابة عن جميع السجناء الآخرين لتحقيق مطالبهم، ويستمر بالإضراب حتى تحقيق المطالب أو الموت، وفي حال موته يتنشر الخبر بين الرأي العام، ويخلق دوافع جديدة للاحتجاج، ويبدأ بعدها سجين آخر بالإضراب عن الطعام، وهكذا.

هذه الطريقة ابتكرها في ثمانينيات القرن الماضي سجناء "المقاومة الإيرلندية"، بهدف استمرار ممارسة الإضراب أطول فترة ممكنة، وإعطائه ديمومة لإبقاء قضية الأسرى حية، في تحدٍّ لرئيسة الوزراء البريطانية آنذاك مارغريت تاتشر.

ورغم أن التجربة الإيرلندية ألهمت العديد من المناضلين ومعتقلي الرأي والسجناء السياسيين والمقاومين من حول العالم، إلا أن التجربة الفلسطينية أقدم وأطول.

كان أول إضراب عن الطعام في فلسطين عام 1969 في سجن الرملة، وتضامن مع هذا الإضراب معتقلون في سجن "كفار يونا"، وكان بهدف المطالبة بتحسين ظروف الاعتقال والسماح بإدخال أوراق وأقلام لكتابة الرسائل للأهل.

ومن بين أبرز الإضرابات عن الطعام للأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، إضراب سجن "نفحة" عام 1980، الذي يعتبر الأشرس والأكثر عنفاً لجهة رد فعل سلطات الاحتلال، إذ جُمع الأسرى في ظروف قاسية جداً، وزُج بأعداد كبيرة منهم في غرفة واحدة كانت تفتقر إلى الهواء، وسُمح لهم بساعة واحدة يومياً فقط من أجل الفسحة في ساحة السجن.

ولطالما استعملت سلطات الاحتلال الإسرائيلي أساليب قسرية لكسر الإضراب، مثل استخدام خراطيم بلاستيكية تدفع لمعدة الأسير من خلال فتحة الأنف.

في السنوات القليلة الماضية، عرف العالم إضراب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام، باسم "حرب الأمعاء الخاوية"، وتمّ توثيق 62 إضراباً فردياً وجزئياً عن الطعام بين عامي 2011 و2012.

ثم تلاها إضراب الأسرى الإداريين في عام 2014، وشهدت بعدها الحركة الأسيرة ما عُرف بـ"إضراب الحرية والكرامة" وهو إضراب مفتوح عن الطعام أُعلن عنه في يوم الأسير الفلسطيني 17 نيسان/أبريل من عام 2017، استمر لمدة 40 يوماً.

وفي نيسان/أبريل 2018، قرابة 1500 أسير فلسطيني خاضوا إضراباً مفتوحاً عن الطعام، في معركة أطلقوا عليها اسم "معركة الكرامة 2"، وانضمت إليهم دفعات متتالية من الأسرى في مختلف سجون الاحتلال، وسط رفض وتعنت سلطات الاحتلال في الاستجابة لمطالب المعتقلين.