"قصتي".. بانتظار من يكتب الفصل الأخير

ما بعد مشهد ملعب الراية حيث أقيم احتفال استقبال الأسرى المحررين، انكفأ سمير إلى كتابة فصل جديد من حياته، فصل مليء بالأسرار ويحتاج للكثير من البحث والتحقيق الدقيقين لمعرفة الدور الذي لعبه كقيادي في المقاومة. وإلى أن يأتي اليوم الذي يماط فيه اللثام عن هذه المحطة، تنتظر رواية "قصتي" التي توثق لحياة سمير القنطار من يكتب فصلها الأخير.

الشهيد القنطار مع كاتب قصته حسان الزين
"أمسك الأوراق وراح يراجع النص الذي كتبته عن مشهد التحقيق معه فدمعت عيناه.." هي واحدة من بين مئات الصور التي تستعيدها ذاكرة حسان الزين مؤلف رواية "قصتي" التي وثقت لسيرة الشهيد سمير القنطار منذ التحاقه بالمقاومة الوطنية حتى تحريره في 16 تموز/ يوليو 2008. صور يستعيدها من عشرات اللقاءات التي جمعته ببطل الرواية على مدى تسعة أشهر تمهيداً للعمل الذي أبصر النور عام 2011.

في عام 2008 حين أطلق سراح القنطار ضمن عملية تبادل مع حزب الله كان كاتب الرواية لا يزال خارج البلاد. لكن ما إن عاد بعد عام حتى بادر بسام شقيق سمير وصديق حسان إلى ترتيب لقاء بينهما من أجل الاتفاق على تنفيذ الفكرة التي كان أول من شجع عليها العلامة الراحل السيد محمد حسين فضل الله الذي التقى بسمير بعيد تحريره. آنذاك نصحه فضل الله بألا يبدد تجربته وأن يبادر إلى كتابتها وتوثيقها.

في اللقاء الأول بين البطل والراوي، يقول الزين "لم يحتج الأمر إلى نقاش طويل. طلبت إليه أن يكون صريحاً وشفّافاً، فوعد بأقصى ذلك. وطلبت ألا يقرأ المخطوط أحد غيره فيتدخّل فيه لسبب أو لآخر، فتعهّد. وطلبت أن ننشر الكتاب لدى دار نشر عربية وليس لدى جهة حزبيّة، فوافق".
لقاء تبعته عشرات اللقاءات بمعدل لقاء أو اثنين في الأسبوع وفي أحيان قليلة ثلاثة. وما بين الجلسات المباشرة في مقاه في الحمرا وأمكنة أخرى، تواصل مفتوح عبر الهاتف حيث كان العمل يقتضي أن يقص سمير روايته على الكاتب ومن ثم مراجعته النص بعد الانتهاء منه في حال وجود أي ملاحظات توخياً للدقة. وخلال قراءة سمير للنصوص كان يحرص الكاتب على رصد تعابيره وانفعالاته بما يفيد البعد الدرامي، فبكى وتأثر عند وفاة والده وشقيقته سناء محملاً نفسه مسؤوليه ما أصاب قلبهما من حزن على فراقه، واستحضر حالة الإحباط التي عاشها يوم لم يطلق سراحه في عملية تبادل عام 1998 بين المقاومة وإسرائيل التي تسلمت جثث جنودها الذين قضوا في ما يعرف بـ"عملية أنصارية" عام 1997 مقابل إطلاق سراح عدد من الأسرى وجثامين شهداء. في تلك المرحلة كان مسار أوسلو قد انطلق ليزيد في الإحباط إحباطاً ولكن ليتأكد له وضوح خياراته إزاء المقاومة كسبيل وحيد للحرية والتحرير.   
  
ولكن كانت للحظات الضحك والفرح مكانها أيضاً وسط لقاءات سمير وحسان. إحداها حين كان يراجع القنطار النص عن العلاقة التي جمعت المقاوم اليساري آنذاك بالشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلامية مع بداية مرحلة الحرب السوفيتية في أفغانستان. يقول الزين "إن سمير ضحك متفاجئاً كيف عرفت أن الشيخ صلاح كان صاحب روح نكتة ودعابة، واستذكر بعض المواقف الطريفة بينهما". 

كان سمير القنطار متعاوناً إلى أقصى الحدود بما يتماهى مع إصرار الكاتب على أن تكون الرواية بمحطاتها الموثقة والدقيقة رداً على الرواية الإسرائيلية التي دأبت على "شيطنة" القنطار منذ نفذ عمليته في نهاريا عام 1979 وطيلة سنوات اعتقاله التي قاربت الثلاثين. وخلال فترة الإعداد للرواية تسنى لحسان الزين أن يتعرف إلى جوانب عديدة في شخصية سمير، جوانب لا يعرفها كثيرون بل ربما غالبية الناس وفق ما يقول لأن الصورة "أسرته إلى حد كبير". يقول الزين "إن سمير كان أغنى من أن نأخذه بالصورة العامة. كان حساساً، ينظر إلى تفاصيل الأمور، كما كان يتقن قراءة اللحظات السياسية".
ما بين ولادته الأولى عام 1962 وولادته الثانية يوم خرج من الأسر عام 2008 قيل الكثير وما لم يقل بعض الأمور المرتبطة بحياته الشخصية التي فضل سمير عدم الدخول في تفاصيلها خصوصاً وأنها تبقى هامشية وغير مؤثرة في سياق الرواية.

عند مشهد الاحتفال بتحرير سمير القنطار ورفاقه في الضاحية الجنوبية لبيروت تنتهي قصة سمير القنطار التي كتبها الزين. كان هذا جزءاً من الاتفاق بينهما. يقول الكاتب "إن مرحلة الأسر هي مسار واحد بينما لحظة التحرير هي لحظة مفصلية وما بعدها خيارات سياسية وانقسام حول شخصية القنطار" بمعزل عن مسار حياة يرى الكثيرون أن سمير كان في كل محطاتها منسجماً مع خياراته التي كان محورها مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في كل بقعة عربية.

قبل أشهر التقى حسان وسمير، العلاقة بينهما لم تنته بتوقيع الرواية، ظلا يلتقيان لكن المشهد كان مختلفاً، أحاديث عامة يتخللها تكرار سمير لعبارات الإعجاب بالكتاب. فما بعد مشهد ملعب الراية حيث أقيم احتفال استقبال الأسرى المحررين، انكفأ سمير إلى كتابة فصل جديد من حياته، فصل مليء بالأسرار ويحتاج للكثير من البحث والتحقيق الدقيقين لمعرفة الدور الذي لعبه كقيادي في المقاومة. وإلى أن يأتي اليوم الذي يماط فيه اللثام عن هذه المحطة، تنتظر قصة سمير القنطار من يكتب فصلها الأخير.