لبنان: تعثّر حكومي على عتبة الاستقلال

سجّل لبنان منذ استقلاله محطّات عدّة وضعت كيانه في خطر، ورمته وسط صراعات إقليمية ودوليّة، لتأتي بعدها المشاحنات الداخلية وتزيد الطين بلّة. 15 عاماً من الحرب الأهلية انتهت عام 1989 باتّفاق عقده ممثلو أبرز القوى السياسية اللبنانية في مدينة الطائف السعودية، برعاية سوريّة – أميركيّة، أسس لمعادلة تحاصص سياسي جديدة ما زالت ترمي بثقلها على هذا البلد حتى الآن.

من الطائف إلى اغتيال الحريري

أولى نتائج اتّفاق الطائف كانت نفي العماد عون إلى فرنسا
خرج العماد عون من قصر بعبدا إلى فرنسا في 13 تشرين الأوّل/ أكتوبر 1990، بعد معركة عسكرية قرب القصر الجمهوري أجبرته على الانسحاب إلى المنفى، مما اعتُبر أولى نتائج اتّفاق الطائف. بعدها، انتُخبَ الياس الهراوي رئيساً للجمهورية وترأّس عمر كرامي الحكومة، ليبدأ عهد ما يُسمّى بـ"جمهورية الطائف".

أدّى انهيار العملة اللبنانية التي ترافقت مع مظاهرات مطلبيّة إلى إسقاط حكومة كرامي عام 1992، مما فتح الأبواب أمام رجل الأعمال اللبناني رفيق الحريري، المتمتّع بعلاقة مميّزة مع السعودية، ليصبح رئيساً للحكومة ورمزاً من رموز المرحلة القادمة.

عام 1994، وعلى أثر تفجير كنيسة سيّدة النجاة والتحقيق في جريمة اغتيال رئيس الحكومة السابق رشيد كرامي، سُجن رئيس حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع وتم حل القوات وحظرها.

مرّت العلاقة بين الحريري ودمشق بالكثير من التأرجح، لكنها بدأت تسوء مع انتخاب قائد الجيش آنذاك إيميل لحّود عام 1998. تبوّأ سليم الحص رئاسة الحكومة الأولى في عهد لحّود، واستمرّت حكومته إلى ما بعد تحرير الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي، ليعلن 25 أيار/ مايو من كل عام عيداً للمقاومة والتحرير.

عاد الحريري لرئاسة الحكومة نهاية عام 2000، بعد انتصار انتخابي كبير أقصى من خلاله الكثير من منافسيه في الطائفة السنّية، وبقيت علاقة مع الرئيس لحّود متوتّرة.

نهاية عام 2004، وبعدما تردّت علاقة الحريري مع دمشق، استقالت الحكومة، لتبدأ فترة من التوتّر السياسي داخل لبنان، وبين لبنان وسوريا، حيث أصبحت المعارضة اللبنانية تضمّ رفيق الحريري ووليد جنبلاط وأحزاباً تمثّل الطائفة المسيحية في ما عُرف بـ "لقاء البريستول".

إغتيال الحريري: زلزال ضرب لبنان والمنطقة

شكّل اغتيال الحريري صدمة سياسية داخليّاً وخارجيّاً
اغتيل الحريري بتاريخ 14 شباط/ فبراير 2005 مما شكّل صدمة سياسية كبرى، داخليّاً وخارجيّاً. كانت الحكومة آنذاك برئاسة عمر كرامي، بدأت المظاهرات الاحتجاجية تتوالى في ساحات العاصمة بيروت، حتى سقطت الحكومة بإعلان كرامي استقالته أثناء كلمة له في مجلس النوّاب.

على أثر الأجواء المشحونة لبنانيّاً، اتّخذت دمشق قراراً بانسحاب الجيش السوري نهائيّاً من لبنان بعد قرابة ثلاثين عاماً من التواجد العسكري والنفوذ المباشر، وهذا ما حصل في نيسان/ أبريل 2005.

ومع اقتراب الانتخابات النيابية الأولى بعد خروج الجيش السوري في العام نفسه، انعقد تحالف رباعي ضمّ كلّاً من تيار المستقبل برئاسة نجل رفيق الحريري، سعد الحريري، الحزب التقدّمي الاشتراكي، حركة أمل وحزب الله. أسّس التحالف للسلطة التي تشكّلت بعد الانتخابات.

في شباط/ فبراير 2006، خرج كلّ من أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله ومؤسس التيار الوطني الحر العماد ميشال عون من كنيسة مار مخايل في بيروت، ليعلنا توصّل الفريقين إلى وثيقة تفاهم تشمل نقاطاً أساسية، وتتعلّق بالسياسة الداخلية والخارجية، فشكّل الاتفاق انقلاباً في التحالفات وخلطاً للأوراق الداخلية.

في تمّوز/ يوليو 2006، شنّت إسرائيل عدواناً على لبنان، واندلعت المعارك بين مقاتلي حزب الله والجيش الإسرائيلي في الجنوب اللبناني. لم يكن التيّار الوطني الحر بقيادة عون مشاركاً في الحكومة، لكنّه ساند حزب الله شعبيّاً في العدوان، بينما توتّرت الأجواء بين الحزب وتيار المستقبل بعد أن خرج رئيس الحكومة آنذك فؤاد السنيورة ليعلن أنّ الحكومة اللبنانية لم تكن تعلم ولا تتبنّى عمليّة الأسر الذي نفّذها الحزب في منطقة شبعا الجنوبية، من أجل فرض تبادل للأسرى يخرج به أسرى لبنانيون من السجون الإسرائيلية.

انتهت الحرب بانتصار نوعي للمقاومة مقابل تصدّع سياسي للحكومة، وبإعلان نصرالله في الاحتفال الجماهيري الذي أُقيم بعد الحرب أنّ حزب الله سيسعى في المرحلة المقبلة إلى إدخال ممثلين عن التيار الوطنيّ الحر في الحكومة.

7 أيار/ مايو وانفجار الشارع

أُغلقت مكاتب لتيّار المستقبل في بيروت وتعرّض الحزب التقدمي الاشتراكي لضربات قاسية في جبل لبنان
على إثر خلافات متعلّقة بالمحكمة الدولية الموكل إليها التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، استقال وزراء حركة أمل وحزب الله من الحكومة التي كان يرأسها فؤاد السنيورة، وأعلنت المعارضة اللبنانية التي ضمّت بشكل أساسي، حزب الله، التيار الوطني الحر، حركة أمل، تيّار المردة، اعتبارها هذه الحكومة غير ميثاقية وغير شرعية، وأطلقت تحرّكات شعبيّة واعتصاماً مفتوحاً في وسط بيروت حتى إسقاط الحكومة.

بقيت الحكومة تجتمع وتعمل، واتّخذت فجر 5 أيار/ مايو 2008 قرارَيْن هما : الأول، هو تكليف الجهات العسكرية بسحب شبكة الاتّصال السلكيّة التي تستخدمها المقاومة ضد إسرائيل. الثاني هو إقالة رئيس جهاز أمن مطار بيروت. أدّى اتّخاذ هذين القرارين لتفجير الوضع داخليّاً.

في 7 أيار/ مايو 2008، اندلعت المعارك في شوارع العاصمة بيروت وفي قرى منطقة جبل لبنان. أُغلقت مكاتب لتيّار المستقبل في بيروت كما تعرّض الحزب التقدمي الاشتراكي لضربات قاسية في الجبل، لتعلن الحكومة 14 أيار/ مايو التراجع عن قرارَيْها.

اتّفاق الدوحة

شمل اتّفاق الدّوحة رئاسة الجمهورية والحكومة القادمة وقانون الانتخاب
بعد أحداث 7 أيار/ مايو 2008، بدأت وساطة قطرية بهدف إعادة الاستقرار إلى البلاد، تُوّجت باتّفاق في الدوحة شمل رئاسة الجمهورية والحكومة القادمة وقانون الانتخاب.

انتُخب قائد الجيش ميشال سليمان في 25 أيار/ مايو 2008 رئيساً للجمهورية، وشهد عهده الكثير من الأزمات، أبرزها استقالة ثلث أعضاء الحكومة التي كان يرأسها سعد الحريري مما أدّى إلى إسقاطها دستوريّاً.

تشكّلت لاحقاً حكومة برئاسة نجيب الميقاتي، وسط ظروف داخلية شديدة التوتّر، حيث استمرّت المعارك بين منطقتَي باب التبّانة وجبل محسن في الشمال لعدّة أشهر. ومع بدء المعارك في سوريا، بدأ توافد المقاتلين ضد الجيش السوري من منطقة البقاع، كما دخلت قوّات عسكرية تابعة لحزب الله لحماية الحدود اللبنانية بعدما تعرّضت مناطق حدودية يسكنها لبنانيون لهجمات عدّة.

استقالت حكومة الميقاتي على إثر خلاف على التعيينات الأمنية، فسكتت النيران في الشمال، وتشكّلت حكومة برئاسة تمّام سلام ضمّت ممثلين عن كل الأحزاب الكبرى في البلاد.

انتهى عهد ميشال سليمان دون انتخاب رئيس جديد للجمهورية. مرّت بعدها سنتان من الشغور. فترة شهدت العديد من التحوّلات السياسية على خلفيّة الوصول إلى قصر بعبدا.

النّفايات تهزّ النظام

اعترف كبار المسؤولين اللبنانيين أنّ المظاهرات هزّت النظام اللبناني
في صيف عام 2015، لم تنجح الحكومة بإنجاز مناقصة لتلزيم شركة جديدة بجمع ومعالجة النفايات بالرغم من انتهاء مدة عقد الشركة التي تقوم بهذا العمل.

تراكمت النفايات في الطرقات واندلعت تظاهرات ضخمة وسط العاصمة بيروت طالبت بمعالجة أزمة النفايات سُمّيت بـ"الحراك المدنيّ"، من ثمّ انتقلت للمطالبة بإسقاط الحكومة وقانون انتخاب نسبيّ عادل وغيرها.

لم تفلح الاحتجاجات بتحقيق إنجازات مهمّة لكنّها استطاعت أن تهزّ أركان النظام اللبناني كم تردّد على ألسن كبار المسؤولين اللبنانيين، كما جذبت التظاهرات أبرز وكالات الأنباء العالمية.

سنتان من الحرب على موقع الرئاسة

صار عون رئيساً للجمهورية بعد سنتين من الشغور الرئاسي
رشح سعد الحريري، وهو رئيس أكبر كتلة نيابية في البرلمان اللبناني، كلّاً من رئيس حزب القوات اللبنانية ورئيس حزب الكتائب آنذلك أمين الجميّل، لكنّهما لم يستطيعا الحصول على عدد الأصوات الكافي لولّي الرئاسة.

في المقابل، أصرّ العماد عون الذي يترأس التيار الوطني الحر على ترشيح نفسه للرئاسة معتبراً نفسه الأكثر تمثيلاً للطائفة المسيحية في لبنان والأحق برئاسة الجمهورية نظراً لأنّ الموقع يخص بالدرجة الأولى الطائفة المسيحية، كما أصرّ حزب الله على دعم ترشيح عون طالما أنّ الأخير يرشّح نفسه.

بعد مرور سنة على الشغور الرئاسي، قرّر الحريري دعم خصمٍ سياسي يتمتّع بعلاقة ممتازة مع حزب الله ومع الرئيس السوري بشار الأسد، هو رئيس تيّار المردة سليمان فرنجية، لرئاسة الجمهورية، فيما أصر حزب الله على التزامه السياسي و"الأخلاقي" بترشيح عون.

لعب هذا الأمر دوراً أساسيّاً في دفع رئيس حزب القوّات اللبنانية سمير جعجع إلى دعم خصمه التاريخي على الساحة المسيحية في لبنان العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية.

وبعد مرور سنة الثانية على الشغور، تخلّى الحريري عن دعم فرنجية لصالح عون، فحصد الأخير في 31 تشرين الأول/ أكتبور 2016 83 صوتاً أوصله للرئاسة.

عثرات أمام تشكيل حكومة العهد الأولى

عثرات استجدّت أمام تشكيل الحريري للحكومة اللبنانية المقبلة
تم تكليف الحريري بعد أيام من انتخاب عون بتشكيل الحكومة اللبنانية، حيث توقّع سياسيون ومراقبون أن يتم التشكيل خلال أيام وقبل عيد الاستقلال.
 

يأتي عيد الاستقلال في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر ولم يتم تشكيل الحكومة بعد، وذلك بسبب عراقيل تتعلّق بمطالب الأحزاب الوزارية.

ويلخّص الصحافي جوني منيّر المشكلات التي واجهت تشكيل الحكومة حتى الآن بالتالي:

طالب رئيس الجمهورية ميشال عون بأن تشمل حصّته الوزارية، وهي ثلاثة وزراء، الطوائف اللبنانية الأساسية، أي السنّة والشيعة والمسيحيين. هذا ما حصل على عهد رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان.

شكّل هذا المطلب معضلة مع رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي الذي رفض إعطاء عون وزيراً شيعياً دون الحصول على وزير مسيحي بالمقبل، الأمر الذي انسحب على موقف الحريري بشأن الوزير السنّي أيضاً.

تنازل عون بعدها عن الوزير الشيعي، لتُصبح هذه المعضلة شبه منتهية.

المعضلة الثانية هي المتعلّقة بالحجم الوزاري الذي يريد عون أن يمنحه للقوات اللبنانية، عبر إعطائها وزارة خدماتية ثقيلة ومنصب نائب رئيس مجلس الوزراء.

وقع الاختيار في النهاية على وزارة الأشغال، الأمر الذي شكّل معضلة مع رئيس تيار المردة سليمان فرنجية المدعوم من برّي.

يقول منيّر أنّ كلاماً يُنسب لفرنجية مفاده "وزارة الطاقة أو وزارة الاتّصالات أو وزارة الأشغال أو لن أشارك في الحكومة".

وزارة الطاقة لن يتخلّى عنها التيار الوطني الحر برئاسة جبران باسيل. وزارة الاتصالات يتشبّث بها الرئيس الحريري. عندها تبقى وزارة الأشغال، بين المردة القوّات.

ويرى منيّر أنّ المعركة وإن كانت تقنية أو حسابية في الإخراج النهائي، إلا أنّها معركة أحجام في الحقيقة، بحيث أنّ كل فريق ينظر إلى الحجم الذي سيحصل عليه في الحكومة.

وفيما يشجّع بعض الأطراف حكومة من 24 وزيراً، كالتيار الوطني الحر وتيار المستقبل، ينظر البعض الآخر إلى حكومة من 30 وزيراً بارتياح أكبر، كحزب الله وحركة أمل. وإن كان يُنتظر من الصيغة الحكومية الأخيرة أن تحلّ عقدة الوزير السني والوزير الشيعي لعون، بحيث يصبح بالإمكان إعطاء مقعد وزاري مسيحي لرئيس حزب القومي السوري الاجتماعي أسعد حردان، تبقى معضلة الوزارات الخدماتية الأساسية بانتظار الحلّ لتشكيل الحكومة وانطلاق العهد الذي انتظره اللبنانيون لأكثر من سنتين.

 

ينتظر الشعب اللبناني اليوم حكومة تحضّر لانتخابات نيابية طال انتظارها، بعدما مدّد مجلس النواب لنفسه مرّتين، كما ينتظر من العهد الجديد حلولاً لأزمات مستعصية لم تستطع عشرات الحكومات أن تحلّها، أبرزها الماء والكهرباء وفرص العمل وتراكم النفايات في الشوارع .. فهل يكون العهد الجديد على قدر آمال اللبنانيين وينهض بما تبقى من "جمهورية الطائف"؟!