عن التضامن مع فلسطين.. منذ النكبة إلى اليوم

لطالما اقتصر الحديث عن تضامن غربي مع فلسطين، إن وجد، على الأفراد الذين استطاعوا لاحقاً الانتظام في جمعيات أو حركات أو حملات طوّرت أساليب وأشكالاً مختلفة للتعبير عن ذلك. لمحة تاريخية عن ذلك مع الباحث صقر أبو فخر.

أوكاموتو الياباني الذي قاتل في صفوف الثورة الفلسطينية بعد إطلاق سراحه في عملية تبادل
لم يكن الغرب يوماً في صف القضية الفلسطينية. منذ احتلال إسرائيل لفلسطين حظيت الأولى بتضامنه وتعاطفه إمّا للتخلص من عبء اليهود أو لتعويضهم عمّا جرى معهم في ألمانيا النازية إبان الحرب العالمية الثانية. الحديث عن تضامن غربي إن وجد كان دائماً يقتصر على الأفراد الذين استطاعوا لاحقاً الانتظام في جمعيات أو حركات أو حملات طوّرت أساليب وأشكالاً مختلفة للتعبير عن ذلك، دون التحوّل إلى "تيار عالمي" بعد.  

باختلاف المحطات اختلف شكل التضامن وزخمه لكن ظلّت مشكلة المتضامنين الغربيين، تحديداً الأوروبيين، الرئيسية أنهم نظروا إلى فلسطين كقضية إنسانية فقط وفهموا إسرائيل كقضية سياسية.

بالرغم من ذلك كان للتضامن عصره الذهبي مع صعود الكفاح المسلّح الفلسطيني حيث انخرط متضامنون أجانب في قتال إسرائيل بشكل مباشر.
الميادين نت يستعرض من خلال الباحث في الشأن الفلسطيني صقر أبو فخر حركة التضامن العالمي مع فلسطين عبر محطات الصراع، ما بعد عام 1948 وصولاً إلى اليوم الذي قرر فيه شاب سويدي لم يتعدّ عمره 25 عاماً ابتداع فكرة جديدة للتضامن عبر الذهاب إلى فلسطين سيراً على الأقدام. 

فلسطين كجزء من الدفاع عن الشعوب المظلومة

بعد نكبة 1948 حظيت إسرائيل بالتضامن من قبل الأحزاب الأحزاب الدولية الاشتراكية، خاصة أنها قدّمت نفسها للعالم على أنها دولة اشتراكية، وجرى الترويج لنموذج "الكيبوتسات" على أنها تجربة اشتراكية.   


التعاطف مع القضية الفلسطينية في الخمسينيات كان محدوداً جداً باستثناء قلّة اطلعت على جوهر القضية الفلسطينية وأدركت أن إسرائيل دولة استعمار كولونيالي ليست اشتراكية ولا هي أنقذت اليهود من الإبادة كما تدعي.

مع صعود الزعيم المصري جمال عبد الناصر وانحسار الدورين الإنكليزي والفرنسي فضلاً عن انحسار الاستعمار عن أفريقيا بدأ الوضع بالتحوّل التدريجي إلى أن بات من الممكن الحديث عن دعم فعلي للقضية الفلسطينية في الستينيات. شهدت تلك الفترة ظهور اليسار الجديد الذي أدرك السائرون في ركبه أن دولهم كانت على الدوام دولاً مستعمِرة في أفريقيا وآسيا وارتكبت المجازر الكبيرة ضدّ شعوب تلك المناطق ونهبتها، نوع من اليقظة الفكرية أو الضميرية انسحب على فلسطين. فيما وقفت ثورات أميركا اللاتينية لا سيّما الثورة الكوبية إلى جانب ثورات التحرر الوطني في أفريقيا وآسيا.  

بدأ وعي جديد يتبلور في أوروبا توّج بحركة أيار/ مايو 1968 في فرنسا وظهور الجماعات والأحزاب والمجموعات المناهضة للرأسمالية ومنها الجماعات الماوية التي تأثرت بالثورة الصينية جماعة "بادر ماينهوف" في ألمانيا و"العمل المباشر" في فرنسا. هذه الجماعات قاومت وواجهت الرأسمالية بشتى الوسائل واعتبروها ظالمة لشعوب العالم كلّه. ضمن هذه الرؤية اندرجت القضية الفلسطينية كهدف أو عنوان للتضامن مع قضية الشعب الفلسطيني.

 

حملوا البندقية في وجه إسرائيل

بدأت حركات التضامن تتبلور أكثر مع صعود الكفاح المسلح الفلسطيني ما بعد عام 1967. النكسة بما عنته من اجتياح إسرائيل لثلاث دول عربية واحتلالها وتهجير لسكانها كانت بمثابة حدث مفصلي كبير جداً. إنطلاقاً منه بدأ العالم يكتشف ما يجري. 
بدأت حركات التضامن فردية. اعتاد المتضامنون زيارة قواعد المقاومة الفلسطينية في الأردن ليطلعوا على تجربتها. في الوقت نفسه نشط شباب فلسطينيون في أوروبا لتعريف الأوروبيين بالقضية الفلسطينية وساعدهم في ذلك جزائريون كثر لإلمامهم باللغة. نمت حركة التضامن تدريجياً وصولاً إلى حمل البندقية والاستشهاد في صفوف الثورة الفلسطينية وتنفيذ عمليات أبطالها مقاومون أجانب.

في عام 1969 انبثقت الجبهة الديمقراطية عن الجبهة الشعبية بعد انقسامهما. نظر اليسار الأوروبي الجديد إلى الجبهة الديمقراطية على أنها تجسيد لأفكاره. تقاطر الكثير من الأوروبيين عليها ليكتشفوا هذه التجربة. ساعدهم في ذلك العديد من التونسيين والجزائريين من أمثال مصطفى الخياطي والعفيف الأخضر اللذين أتيا بالأوروبيين إلى قواعد الفدائيين في الأردن. رأى المتضامنون في هذه التجربة محرّكاً ثورياً قد يؤدي الى تحويل الشرق الأوسط إلى الكفاح المسلح والاشتراكية. كانت الأحلام الثورية تدغدغ الجميع، أحلام تؤمن بتغيير العالم بأسره.

ضمن هذه الرؤية الممتدة من أميركا اللاتينية إلى الشرق الأقصى كانت فلسطين بؤرة ثورية مهمة جداً استقطبت عشرات الحركات من الجيش الأحمر الياباني الذي نفذ مقاوموه عملية اللد إلى "ساندينيستا" في نيكاراغوا و"البيرونية الجديدة" في الأرجنتين إلى ما يسمّى "جماعات العنف الثوري". كلّها حطت رحالها في قواعد الفدائيين من بينهم وعادت وأسّست مجموعات في أوروبا لاحقاً لتتطور وتصبح أكثر حضوراً في السبعينيات.

من الكفاح المسلّح إلى سفن العودة

مع تراجع الكفاح المسلّح في العالم وانحسار الفلسطيني منه بعد عام 1982 انحسرت المفاهيم التي كان التضامن قائماً عليها في مقابل صعود قوى جديدة. ما أسفر عن تحوّل في شكل التضامن بطبيعة الحال واتجاهه نحو الطابع الإغاثي.

وفي السنوات الأخيرة التي سبقت توقيع اتفاقية أوسلو برزت ظاهرة سفن العودة حيث تنتقل مجموعات أوروبية من اليونان وقبرص إلى فلسطين تأكيداً على دعم القضية الفلسطينية وحق العودة.

ما بعد أوسلو: رحلات لكسر الحصار.. و"BDS"

بعد توقيع اتفاقية أوسلو ضمرت فكرة التضامن مع الشعب الفلسطيني. توهم العالم أن أوسلو هو نهاية المطاف وأن الشعب الفلسطيني في طريقه لأن تكون لديه دولة. تراجعت حركة التضامن في السنوات القليلة التي تلت أوسلو حتى عام 2000 حيث اكتسبت زخماً من حدثين مفصليين: فشل كامب ديفيد 2 وبداية الانتفاضة الثانية في أعقاب اقتحام أرييل شارون للمسجد الأقصى.

خلال السنوات العشر الأخيرة شكّل قطاع غزة المحاصر بما تعرّض له من اعتداءات إسرائيلية متكررة عنواناً رئيسياً للتضامن مع الشعب الفلسطيني إنسانياً وإعلامياً ومن خلال المنظمات الأهلية.

وتوجد اليوم في العالم حملات عديدة تضمّ ناشطين من مختلف أنحاء العالم دعماً للقضية الفلسطينية وحق العودة وهي تنظم مؤتمرات سنوية وموسمية فضلاً عن المحاولات المستمرة لكسر الحصار. وبالرغم من أهميتها تبقى تجربة حملة مقاطعة داعمي إسرائيل "BDS" (التي سنأتي على استعراضها في وقت لاحق) النموذج الأكثر تأثيراً وفعالية وخطراً على إسرائيل.