"الميادين نت" في أروقة القصر الجمهوري على بعد خطوات من كرسي الرئاسة

الساعة على الحائط لن يمرّ أمامها سياسيون. لذا على الأرجح لم ينتبه أحد إلى أنها تحتاج لبطاريات. غرفة الإعلاميين هي واحدة من الغرف المصطفة في قسم الدائرة الإعلامية للقصر. يجمع بينها ممر زينت جدرانه بلوحات فوتوغرافية. اللوحات بدّلت لونها الأصلي. مرّ عليها الزمن فخلّف لوثته الصفراء الخفيفة التي تتشبّث عادة بالورق والصور.

كرسي الرئيس في بعبدا بانتظار انتخاب العماد ميشال عون (أ ف ب)
اكتملت التحضيرات في قصر بعبدا. كل شيء بات جاهزاً بانتظار سيّده الجديد. الاستثناء الوحيد هو الساعة المعلقة على الحائط. الساعة في غرفة الإعلاميين. تشير إلى الثامنة والنصف بينما يفترض أن تكون العاشرة صباحاً. لا بأس، فالوقت تجربة شخصية. وقت طويل مرّ على فراغ كرسي الرئاسة. 29 شهراً بقياس الساعة. ربما كانت أطول من ذلك بكثير بقياس "الجنرال"، أو أقل بقياس مواطنين ضبطوا ساعاتهم على لقمة العيش. 

الساعة على الحائط لن يمرّ أمامها سياسيون. لذا على الأرجح لم ينتبه أحد إلى أنها تحتاج إلى بطاريات. غرفة الإعلاميين هي واحدة من الغرف المصطفة في قسم الدائرة الإعلامية للقصر. يجمع بينها ممر زينت جدرانه بلوحات فوتوغرافية. اللوحات بدّلت لونها الأصلي. مرّ عليها الزمن فخلّف لوثته الصفراء الخفيفة التي تتشبّث عادة بالورق والصور. اللوحات لم تتجاوز بعد عمرها الافتراضي. لوثة الزمن جعلتها باهتة قليلة لكنها ما زالت صالحة. لحسن الحظ لا تصل الشمس إليها.

الممر يفضي في نهايته إلى قاعة يعرفها اللبنانيون جيداً. منها يصرّح زوار القصر والناطقون الرسميون. صغيرة هي أكثر مما كنا نتوقع لكنها تفي بالحاجة.  قبل التوجه إليها نمرّ على جميع الصور في اللوحات. صور تبرز الطابع اللبناني. مصاطب وبيوت قديمة. قلاع وآثار. شلالات وينابيع. ثلوج وأشجار أرز. في الصور الباهتة قليلاً يبدو البلد كأنه يلبس ثيابه السياحية. المياه جميلة لا تظهر عليها آثار التلوّث الذي أحال نهر الليطاني إلى مجرور.

قبل ساعة من الآن كنا نرتقي الطريق صعوداً إلى القصر الجمهوري. نقطة أمنية أولى، نمر بعدها بنقطة أخرى، يقف عندها جندي ليرفع لنا الحاجز الحديدي. بعدها بقليل بوابة القصر. هنا تدقيق أكثر في الهوية والسيارة. طريق القصر جميلة. لا تشبه الطرقات في البلد. نظيفة، ليس فيها شائبة. إسفلتها لا يخبئ حفراً كتلك التي تترصد سيارات المواطنين على الطرقات العامة.

يتربع القصر على تلة. تتوزع حولها مساحات خضراء نجت من زحف العمران والحرائق. عندما ترك الجنرال القصر تحت وطأة الطائرات الحربية السورية عام 1990 كان المشهد مختلفاً. كانت ألسنة اللهب تتصاعد من القصر، تصل علواً مرتفعاً، فتبدو منه بيروت أقل اكتظاظاً مما هي اليوم، والغابات أكثر مرحاً وتشبثاً بالأرض.

أكثر من 25 عاماً مضت على قصف بعبدا. تغيّر الزمن. عاد الجنرال إلى القصر منتصراً، صديقاً لعدو الأمس. لكنّ المشهد من القصر لم يعد هو نفسه. تقلصت المساحات الخضراء. في زمن الأبيض والسود كانت الأشجار تنسلّ من الجبل وتنيخ على مشارف بيروت وفي ضاحيتها الجنوبية.

نعود إلى الزمن الحاضر فنجد أنفسنا برفقة مجموعة من الزملاء الصحافيين. دُعونا من المكتب الإعلامي للقصر الجمهوري للقيام في جولة عشية انتخاب الرئيس العتيد. مزاح وضحك ينسل بيننا. المراسلون المعتمدون لدى القصر تبدو عليهم الغبطة أكثر من غيرهم. إحدى الزميلات تعمل منذ 20 عاماً مراسلة في القصر الجمهوري. تعود الآن بعد انقطاع طويل. تطلق هاشتاغ #عدنا. كثير من "السيلفي" التي تجمع من جمعتهم المهنة.

 بعض المصورين ينتحون جانباً ويتخذ حديثهم منحى فنياً. حديث عن الصور والكاميرات.

في خارج القصر وعند مدخله الأساسي تصطف ثلة من الحرس الجمهوري. يعزفون نشيد التعظيم ويؤدون التحية العسكرية. بروفة. هكذا سيدخل الرئيس الجديد قصره. يُوضّح لنا. يُعزف بعدها النشيد الوطني. يرتفع العلم اللبناني على السارية. تطلق المدفعية 21 طلقة ترحيباً بسيد القصر. تطلق البواخر على شواطئ بيروت أبواقها بالتزامن.

أكثر من 300 صحافي تقدموا بطلبات لتغطية الحدث المنتظر. خلال عهد الشغور، شهد القصر ورشات عمل وصيانة وإصلاحات كان يحتاج إليها. ربما كان يحتاج إلى فترة الشغور لإنجازها. يتعذر إحداث كل هذه الجلبة بوجود الرئيس.

ينتهي مدخل القصر بنافورة كبيرة. النافورة ساكنة منذ أن غادر الرئيس السابق مركزه. ستعود إليها الحياة عمّا قريب. في ظل غياب الرئيس عن القصر لا يجوز تشغيل النافورة. لا ترتفع المياه وتقفز في حوضها إلا إذا كان الرئيس موجوداً. نفهم أن هذا تقليد قديم من تقاليد القصر. إذا غادر الرئيس تغادر المياه، حتى لو في زيارة. إذا عاد تعود.

باب القصر الرئيسي أمامه من الخارج تنتصب النافورة. في الداخل ينفتح على بهو كبير يفضي إلى عدد من الغرف والقاعات. الغرفة التي تحتضن كرسي الرئاسة، مكتب الرئيس، قاعة مجلس الوزراء، الغرفة التي يستقبل فيها الرئيس زواره، وغرف أخرى لم ندخلها.

ما نعاينه الآن للمرة الأولى يبدو مختلفاً عن الصورة الذهنية التي انطبعت لدينا. تبدو الأماكن في الواقع غير مطابقة لصور التلفزيون. نقترب من كرسي الرئاسة. هنا سيجلس الرئيس. هنا سيعود مظفراً. بعض الأحاديث التي ستجري في هذه الغرفة لن تغادر جدرانها. بعضها الآخر ربما يتم الإفراج عنه في مذكرات وكتب لاحقاً. نتخيّل المشهد.

26 عاماً مضت على مغادرة الجنرال القصر. 11 عاماً مرّت على عودته من منفاه الباريسي. "يا شعب لبنان العظيم" عبارته الأولى بعد العودة. لم نكن نتوقع أن زلزالاً سيضرب المنطقة بعدها. كنّا لا نزال نعيش تداعيات اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

 كيف ستمضي السنوات الست المقبلة؟ سئم اللبنانيون الانتظار. بعضهم سئم الحياة. غداً يدخل ميشال عون قصره الجديد رئيساً لكل اللبنانيين. كيف سيتركه؟ يتبادر السؤال إلى الذهن عنوة. ماذا سيكتب التاريخ عن عهد الجنرال؟