المصالحات السورية.. قدسيا والمعضمية نماذج مبشّرة لإنهاء الحرب

في الطابور يصطف شباب صغار في السن وآخرون في عقدهم الرابع. يحمل بعضهم بنادق آلية وآخرون قنابل يدوية ورشاشات وقذائف هاون محلية الصنع. إنها المرحلة النهائية لتسوية في مدينة بالغة الأهمية بموقعها عند مدخل العاصمة باتجاه ريف القنيطرة وقربها من مطار المزة العسكري. مرحلة تسبق عودة مؤسسات الدولة كاملة إليها بما فيها قسم الشرطة، والإعلان رسمياً عن إخلائها من السلاح والمسلحين.

في المعضمية غادر 1758 شخصاً منهم 800 مسلحاً
قبل ثلاثة أعوام تقريباً بدأت عملية إخراج المسلحين من المناطق الساخنة. على حاجز "ديك الجن" مقابل أحياء حمص القديمة حدثني جندي سوري عن استحالة نجاح "المصالحة" وهي التسمية الرسمية لتلك الإجراءات. تحدث الشاب عن وجود مخطوفين لم يعرف مصيرهم، وعن عدم تخلي المسلحين عن عقيدتهم بقتال النظام، وعن دمار وأحقاد تحتاج إلى وقت طويل للخروج منها. كان إخراجهم في تلك الفترة المبكرة من عمر الحرب بمثابة تأجيل للمواجهة وربما تغيير مكانها من قلب المدن إلى أريافها، كانت وجهتهم حينها الدار الكبيرة في ريف حمص الشمالي وقسم منهم باتجاه حي الوعر.

مضى حوالى 32 شهراً على تلك العملية. انتقلت التجربة إلى محيط دمشق القريب إنما بجوهر مختلف كما جرى في قدسيا والهامة والمعضمية. على مدخل معضمية جنوب العاصمة السورية يروي لي خالد، وهو جندي منشق، عن قراره تسليم سلاحه للجيش السوري والبقاء في مدينته. "لا مكان آخر أذهب إليه عشت هنا وسأبقى.. أريد أن استعيد حياتي السابقة بعيداً عن الحرب والدمار". قالها لي وهو ينتظر دوره في طابور طويل لتسليم بندقية آلية كان يحملها.
في الطابور يصطف شباب صغار في السن وآخرون في عقدهم الرابع. يحمل بعضهم بنادق آلية وآخرون قنابل يدوية ورشاشات وقذائف هاون محلية الصنع. إنها المرحلة النهائية لتسوية في مدينة بالغة الأهمية بموقعها عند مدخل العاصمة باتجاه ريف القنيطرة وقربها من مطار المزة العسكري. مرحلة تسبق عودة مؤسسات الدولة كاملة إليها بما فيها قسم الشرطة، والإعلان رسمياً عن إخلائها من السلاح والمسلحين.
تختلف حالة المعضمية كثيراً عن حال أحياء حمص القديمة التي غادرها سكانها على مراحل عدة بدءاً من اندلاع الاشتباكات ثم خلال عملية المصالحة التي تضمنت إخلاءها. في المعضمية غادر 1758 شخصاً منهم 800 مسلحاً وعائلاتهم إلى ريف إدلب وفق تسوية مع الجيش السوري، لعب خلالها الوسطاء دوراً مهماً، فيما وافق نحو ألفي شخص على تسوية أوضاعهم وبين هؤلاء ممن كانوا يحملون السلاح وآخرون لديهم ملفات تتصل معظمها بالتخلف عن الخدمة الإلزامية. إتفاق أبقى نحو أربعين ألفاً من أهالي المدينة في بيوتهم بانتظار فتح الطريق بشكل طبيعي ليعودوا إلى حياتهم قبل الحرب. خطوة تختلف أيضاً عما جرى في داريا المجاورة التي لم يتبق فيها أحد بعد
"مصالحة" شملت خروج من وافقوا على التسوية إلى مركز إيواء حرجلة في ريف دمشق الجنوبي، وتوجه المسلحين مع عائلاتهم الى ريف إدلب. مجموع هؤلاء كان أقل من ألفي  شخص من أصل أكثر من 250 ألف مدني سكان المدينة قبل عام 2012.

تطور المفهوم

تعب السوريون من الحرب والدم وانعكس ذلك التعب على تحرك المدنيين في مناطق عديدة
تطور مفهوم المصالحات بعمق من حالة وقف إطلاق النار وتسوية الأوضاع وبقاء المسلحين في مناطقهم مقابل دخول مواد إغاثية وتموينية وطبية، إلى حالة إخراج المسلحين أو تسليم سلاحهم مع عودة مؤسسات الدولة إلى تلك المناطق. احتاج مفهوم المصالحة إلى تجربة امتدت على خمس سنوات حتى وصل إلى ما وصل إليه: تراجع كبير بإمكانيات المسلحين من جانب، ونمو دور المجتمع الأهلي وفشل رهان المجموعات المسلحة بكل تلاوينها على تحقيق إنتصارات ميدانية على حساب الجيش السوري. وهذا يرتبط بأسباب أكثر تعقيداً بعضها ما يتصل بتركيبة المسلحين وأخرى بالظرف الإقليمي. 
تعب السوريون من الحرب والدم. وبدا واضحاً أن ذلك التعب انعكس على تحرك المدنيين في مناطق عديدة وفي ظل ظروف صعبة ليفرض معادلة استعادة حياة الأمان والسلام. في قدسيا والهامة شمال غرب دمشق بدا المثال أكثر وضوحاً. خاض آلاف المدنيين مخاطر جدية خلال مظاهرات حاشدة لمطالبة المسلحين بالمغادرة وتجنيب المدينيتن خيارات كارثية. قدسيا كانت تضم أكثر من 300 ألف مدني استعادت حياتها سريعاً. وافق المسلحون على الخروج مع سلاحهم وتمت تسوية أوضاع من وافقوا على البقاء وتسليم السلاح، وأعادت المحافظة تأهيل المدخل الرئيسي وتفعيل الخدمات الرئيسية: بلدية وكهرباء ومياه وقسم شرطة ومدارس. لا وجود عسكرياً للجيش السوري داخل المدينة، حواجز الجيش تدقق على مداخل المدينة كما أي مدينة أخرى. مرة أخرى تنجح المصالحة بنموذجها الأكثر ثباتاً وديمومة. لا أضرار تذكر بالبنى التحتية أو مبان المدنيين. تبقى ملفات عالقة وكبيرة يجري العمل عليها كالمخطوفين والموقوفين. لكن الأمر انتظم ضمن جهد تتولاه لجان المصالحة ووزارة المصالحة مع الجهات الأمنية.

يلخص الشيخ عادل مستو، عضو لجنة المصالحة في قدسيا والهامة، الأمر برغبة الناس بالحياة بعيداً عن الدماء والدمار. يقول خلال مشاركته آلاف الأهالي في الإحتفال بإنجاز ملف المصالحة: إن الذين يحتفلون اليوم لعبوا الدور الأهم في إيصال بلدتيهم إلى ما وصلت إليه. لا يخفي الشيخ مستو دور المسلحين الذين قرروا المغادرة للحفاظ على المدينتين وعلى حياة كريمة للأطفال والنساء، التجربة يجب تعميمها يقول، مضيفاً "كفانا دماً وكفانا ألماً وهدماً علينا أن ننحو إلى الصلح إلى الحفاظ على ما بقي من بلدنا". 
تطور شجع مسؤولي المصالحات في ريف دمشق على التوجه إلى مناطق دخلت منذ سنوات في المصالحات لكنها مصالحات بقيت في إطار وقف إطلاق النار وإدخال الأغذية والمواد المعيشية الأساسية وخروج الموظفين والعاملين في مؤسسات الدولة وعودتهم يومياً. 
بات التحرك يستهدف اليوم بلدات يلدا وببيلا وبيت سحم جنوب دمشق وحتى برزة شمال العاصمة بحثاً في تصليب تلك المصالحات وإعادة المناطق تلك إلى حياة طبيعية ما يسمح فعلاً بحلحلة كبيرة في محيط دمشق تتيح عودة الأهالي إلى بيوتهم. 
يقول عضو مجلس الشعب زياد سكري وهو أحد المشاركين بتلك المصالحات، "إن الأجواء إيجابية وما جرى في المعضمية وقدسيا والهامة مشجع جداً للمضي بتصليب المصالحات السابقة جنوب دمشق وحتى طرق مناطق أخرى ضمن الغوطة الشرقية". القائمون على تلك المصالحات يؤكدون أن جهدهم الأساس يتركز على إقناع المسلحين البقاء وتسوية الأوضاع بدلاً من الرحيل.

على متن إحدى الحافلات المتجهة من حي الوعر إلى الدار الكبيرة وقف محافظ حمص طلال برازي إلى جانبه مدير الأوقاف الشيخ عصام المصري. كان كلام المحافظ للمسلحين بحضور عائلاتهم واضحاً كمحاولة أخيرة لثنيهم عن الرحيل: من يود البقاء وتسوية وضعه أهلاً وسهلاً، وحتى بعد يوم، يومين، أو حتى شهر، فإن الأمر متاح فكروا بالأمر وأخبرونا. كلمات يؤكدها الشيخ المصري. يرى الرجل أن جلّ الجهد تركز على بقاء الجميع في بيوتهم. حاولنا جهدنا لإقناعهم أفلحنا مع بعضهم ولم نفلح مع آخرين. ويضيف إن مشهد مغادرة الناس لبيوتهم يحرق القلب لكن لا بد من وقف الحرب وإعادة الحياة إلى طبيعتها في مناطق دفعت ثمناً غالياً من دماء السوريين وممتلكاتهم.