الحكومة الإسلامية في المغرب أمام اختبار الانتخابات التشريعية

حددّت الحكومة المغربية، يوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2016، موعدًا لإجراء الانتخابات البرلمانية، بعد أول تجربة حكومية يقودها حزب العدالة والتنمية الإسلامي. ويعتقد المحللون المتابعون للشأن المغربي أن المنافسة على الفوز بالانتخابات التشريعية ستنحصر بين حزب العدالة والتنمية وحزب الأصالة والمعاصرة الذي تمكن من تصدر نتائج الانتخابات الجماعية الأخيرة. فقد قدَّمت الانتخابات التي جرت يوم 4 سبتمبر/أيلول 2015وما تبعها من انتخابات تفصيلية ضمن هذه العملية، إجابات عديدة عن تقدم مسار الإصلاح السياسي الذي انطلق عام 2011 ومعه الدستور الجديد الذي تم الاتفاق عليه. وذلك من خلال تحولات أساسية أفرزتها هذه الانتخابات،إذ أتاحت مبدئيًّا قياس الحجم والمسافة التي وقفتها السلطة تجاه هذا المسار، وهي مسافة «محسوبة» تقع ضمن إطار سياسي مضبوط لا يسمح بنتائج طبيعية وفق منطق حسابي انتخابي واضح.

نصّ الدستور الجديد المغربي على احترام حقوق الإنسان، وتمت الإشارة في الديباجة،إلى الجذور «اليهودية والأندلسية» في الثقافة المغربية
فقد أفرزت النتائج المسجلة على مستوى الانتخابات الجماعية، عن فوز حزب الأصالة والمعاصرة بالمركزالأول (21.12 في المائة  باكتساح في الجماعات القروية بالخصوص، ويعرف هذا الحزب الذي تشكل في سنة 2008 بعد الانتخابات التشريعية لسنة 2007،باسم «حزب الملك»، ذلك أن مؤسسه فؤاد عالي الهمة هو صديق مقرب للملك، ويتزعمه محمد الشيخ بيد الله )، تلاه حزب الاستقلال في المركز الثاني(16.22 في المائة)  حيث كانت نتائجه كبيرة في الأقاليم الجنوبية (الصحراء الغربية) وسقوطه في معاقله التقليدية، وحل حزب العدالة و التنمية الإسلامي في المركز الثالث(15.94 في المائة)، حيث حقق نجاحاً في المدن الكبرى . أما على صعيد نتائج الانتخابات الجهوية :فقد جاء حزب العدالة والتنمية في الصدارة (25.66 بالمائة)، مَتْبُوعًا بالأصالة والمعاصرة (19.47 بالمائة)، وحزب الاستقلال في المرتبة الثالثة (17.55 بالمائة).

 

لقد شكل هذا الاستحقاق الانتخابي تحولًا للخارطة السياسية المحلية،التي خرجت من نمط البلقنة السياسية، من أجل الدخول في مرحلة جديدة هي مرحلة الأقطاب السياسية، إذ أصبح للمغرب  الآن حزبان سياسيان يتنافسان :حزب الأصالة والمعاصرة،وحزب العدالة والتنمية، فيما تراجع حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية،واستقرار حزب الاستقلال الذي استطاع الحفاظ على حصته الانتخابية.وأجمع المحللون العرب على نجاح انتخابات الرابع من سبتمبر 2015 في المغرب، باعتبار أن المكسب الحقيقي فيها هو تحقيق الحرية والديمقراطية، كونهما مقدمة ضرورية للتنمية والعدالة والكرامة،فضلاً عن أنها عبرت عن انتصار لإرادة الشعب المغربي وعزمه على إنجاح انتقاله الديمقراطي بطريقته الخاصة.

 

وفي السابع من تشرين أول / أكتوبر المقبل، سيتوجه نحو 16 مليون مغربي  إلى صناديق الاقتراع،لانتخاب أعضاء البرلمان لخمس سنوات مقبلة،حيث يتنافس أكثر من 30 حزبًا على 395 مقعدًا في البرلمان.وتحتدم المنافسة بين حزب العدالة والتنمية الإسلامي وحزب الأصالة والمعاصرة المقرب من الملك محمد السادس، حيث يُعَّدُ هذان الحزبان القطبين الرئيسيين في هذه الانتخابات، لكن تخوض الانتخابات أيضًا أحزاب أخرى لها وزن سياسي،مثل حزب الاستقلال (محافظ) والحركة الشعبية (يمين) والتجمع الوطني للأحرار (ليبرالي) والاتحاد الاشتراكي (يسار). ويقود التحالف الحكومي حاليًّا حزب العدالة والتنمية الإسلامي.

 

وتعتبرهذه الانتخابات البرلمانية هي الثانية منذ إقرار الدستور الجديد في استفتاء شعبي نُظم في 1 يوليو/تموز2011.وكان الملك محمد السادس اقترح تعديل الدستور المغربي في 9 آذار/ مارس2011 في خطوة وصفها المراقبون بأنها حركة استباقية لتفادي الاحتجاجات الشعبية التي شهدها المغرب بعد نجاح الثورتين التونسية و المصرية في الإطاحة بالنظامين الديكتاتوريين الحاكمين في كل من تونس ومصر. وكان المغرب شهد حِرَاكًا كبيراً قادته حركة 20 فبراير2011 التي رفعت شعار :«إننا نريد ملكاً يسود، لكنه لا يحكم». وانتقدت حركة 20 فبراير التي تضم في صفوفها شباب الخريجين من الجامعات العاطلين عن العمل، بشكل مباشر،المخزن، أي السلطة المغربية، بسبب انتشار الفساد.

 

وقد نصّ الدستور الجديد المغربي على احترام حقوق الإنسان، وتمت الإشارة في الديباجة،إلى الجذور «اليهودية والأندلسية» في الثقافة المغربية، والاعتراف بالبربرية كلغة رسمية ثانية للمملكة، واختفاء مفهوم قدسية الملك (حل محله الاحترام الواجب له)،أوتعيين رئيس للحكومة من الحزب الذي يحتل المرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية، بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة التي تفرض أن يكون رئيس الوزراء من الحزب الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات..ومع إقرار الدستور الجديد، أعلن الملك  عن إجراء انتخابات تشريعية مبكرة في 25نوفمبر 2011.

 

لقد سجل نحو 13.5 مليون مغربي أسماءهم للاقتراع في الانتخابات التاسعة التي شهدها المغرب منذ استقلاله عن فرنسا عام 1956، من أصل عدد السكان 33 مليون نسمة،إذ استهدف الاستحقاق الانتخابي هذا تجديد الطبقة السياسية المتهمة بالفساد من قبل قسم كبير من السكان المغاربة، والإفساح في المجال لدخول الإصلاحات الدستورية التي اقترحها العاهل المغربي حيز التطبيق الفعلي، لاسيما بعد أن قبل هذا الأخير التخلي عن بعض من صلاحياته  لمصلحة الحكومة.

 

ورغم مشاركة 31حزبًافي الانتخابات التشريعية التي جرت في 25تشرين الثاني/نوفمبر 2011، التي تنافس فيها 5392 مرشحاً على 395 مقعداً نيابياً، بينها 60 للنساء و30 للشباب دون الأربعين من العمر، فإن المنافسة الحقيقية انحصرت بين تكتلين كبيرين:الأول ويمثله الإسلاميون من حزب العدالة و التنمية بزعامة عبد الإله بنكيران، والثاني التكتل من أجل الديمقراطية ـ الملقّب بجي 8- المتسم بطابع ليبرالي،والمتكون من ثمانية أحزاب قريبة من الملك محمد السادس، إذ استطاع التحالف الرباعي المتكون من حزب التجمع الوطني للأحرارالذي يرأسه صلاح الدين مزوار وزير المالية السابق،ويضم في صفوفه رجال أعمال وكوادر تكنوقراطية وله 38 نائباً في البرلمان، وحزب الأصالة والمعاصرة المعروف باسم «حزب الملك»، والحركة الشعبية التي يتزعمها امحند العنصر، والاتحاد الدستوري،أن يضم أربعة أطياف حزبية أخرى إلى صفه، والأمر يتعلق بمكونات يسارية صرفة هي الحزب الاشتراكي،واليسار الأخضر،والحزب العمالي،إضافة إلى حزب النهضة والفضيلة المنشق عن حزب العدالة والتنمية.

 

وفي الانتخابات التشريعية التي جرت في نهاية خريف 2011، حصل حزب العدالة والتنمية الإسلامي على 107 مقاعد، مُتقَدِّماً بمعدل الضعف على منافسه حزب الاستقلال بزعامة رئيس الوزراء السابق عبّاس الفاسي الذي حلّ في المرتبة الثانية.بـ 60 مقعداً،ويليه ثالثاً حزب التجمع الوطني للأحرار صاحب التوجه السياسي الليبرالي بـ 52 مقعداً،فحزب الأصالة والمعاصرة ذو التوجه الاجتماعي الديمقراطي رابعاً،والذي أعلن رسمياً توجهه صوب المعارضة، بـ 47 مقعداً،فحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية،أكبر حزب يساري في المغرب، خامساً بـ 39 مقعداً. ويليه سادساً في الترتيب النهائي لتشريعات نوفمبر في المغرب التي أتت 4 أشهر على تصويت المغاربة بنسبة 73% على الدستور الجديد، حزب الحركة الشعبية الليبرالي الاجتماعي بـ 32 مقعداً،وسابعاً أتى حزب الاتحاد الدستوري اليميني بـ 23 مقعداً، وثامناً وبـ 18 مقعداً جاء حزب التقدم والاشتراكية اليساري.

 

الشعور العام لدى قسم من المغاربة أن هذه الانتخابات لن تغير شيئاً في مجرى حياتهم
لقد بلغت نسبة إقبال الناخبين في تلك الانتخابات حوالي 45%، وهو ما يضفي طابع النسبية على نتائج الانتخابات هذه.لا شك أن هذه النسبة تعتبر أعلى من نسبة العام 2007 التي وصلت إلى 37%، لكن الجسم الانتخابي للمسجلين يعد، في إطار آخر،إضافة مليونين من الأشخاص،وامتناع عن التصويت في دوائر انتخابية عديدة، بلغت أرقاما ًقياسية، لاسيما في الشرق،وفي منطقة الريف، وفي حي سيدي مؤمن،في ضواحي مدينة الدار البيضاء،التي انطلقت منها الأعمال الإرهابية في سنة 2003.هناك مجموعة من الأسباب تشرح لناعدم اهتمام المغاربة بهذه الانتخابات التشريعة، منها:

أولاً:الشعور العام لدى قسم من المغاربة أن هذه الانتخابات لن تغير شيئاً في مجرى حياتهم.

ثانياً:إن الأحزاب السياسية لا تعبرعن طموحات المغاربة،وبالتالي هم لا يجدون أنفسهم فيها.

ثالثاً:إن نصف سكان المغرب أُمِّيُون. وقال أستاذ الحقوق في جامعة الرباط عمر بندورو أنه «بالنسبة إلى السلطة، ستتيح لها نسبة مقترعين كبيرة إضفاء صدقية على الإصلاحات الدستورية»،ومنح المملكة «صدقية وصورة جيدة في الخارج».

 

مما لا شك فيه أن وصول حكومة إسلامية إلى السلطة بقيادة حزب «العدالة والتنمية» في المغرب كان له وقع كبيرربما حركة من التغيير السياسي في بلدان العالم العربي،ولاسيما أن الانتخابات التي جرت في كل من تونس والمغرب،وفي مصر لاحقاً،أظهرت مهارة الأحزاب الإسلامية في الاستفادة من الحريات السياسية الجديدة لكسب حجم من النفوذ والشرعية لم يسبق له مثيل في العالم العربي. وتعتبر القوة المتنامية للأحزاب ذات القواعد الدينية العنصر المفاجئ الأكبر الذي طرأ على رؤية الولايات المتحدة الأمريكية لعملية استبدال تحالفها مع الأنظمة الديكتاتورية بالحكومات الإسلامية التي عبدّت لها الديمقراطية طريق الوصول إلى السلطة.

 

ومع احتلال حزب العدالة والتنمية المرتبة الأولى في هذه الانتخابات بـ107 مقاعد برلمانية من أصل 395،كلف الملك محمد السادس أمينه العام عبد الإله بن كيران في مهلة بتشكيل الحكومة المغربية. وكان الدستور ترك للرئيس المكلّف الحرية في اختيار التحالفات والائتلافات الحكومية. وكان حزب العدالة والتنمية قد فاز في الانتخابات التشريعية التي جرت في المغرب يوم 7 سبتمبر 2007، بنحو 47 مقعداً من أصل 325 مقعداً في البرلمان المغربي.

 

في ظل تحول ما بات يعرف ب« الربيع العربي »إلى شتاء قاسٍ بعد مصادرته من قبل الحركات الإسلامية المتشددة، التي أصبحت بإرهابها وعنفها تشكل تهديدًا عالميًا،وفي ظل إخفاق حركات الإسلام السياسي التي جاءت إلى السلطة في نهاية سنة 2011، وبداية سنة 2012، وتحالفت مع الولايات المتحدة الأميركية،عن محاربة  الفساد المستوطن في البلدان العربية، وتحقيق منوال تنمية جديد يقطع مع علاقات التبعية للغرب،ويلبي انتظارات الكتلة التاريخية المتكونة من الشباب المهمش والعاطل عن العمل،والطبقات الشعبية الفقيرة،والوسطى،وإجهاض أهدافهالحقيقية في التأسيس الديمقراطي للدولة المدنية الحديثة،وتأصيل الثقافة الديمقراطية القائمة على حماية المجتمعات العربية المتنوعة ،وعلى انتهاك زعماء إسلاميين مزعومين مبادئ الديموقراطية،كل هذه الإخفاقات ستكون لها تداعيات كبيرة على النتائج المرتقبة في الانتخابات التشريعية المغربية المقبلة،لا سيما أن الحكومة الإسلامية المغربية التي يقودها عبد الإله بن كيران ،لم تشكل اسثناءًا إيجابيًا في المغرب.

 

ومع ذلك، فإن حزب الأصالة والمعاصرة المنافس الرئيس لحزب العدالة والتنمية،الذي ليست لديه نية للاكتفاء بالتواجد شَرِيكًا في الحكومة القادمة- فهو لم يعد يطيق لا المعارضة ولا مجرد الشراكة مع أحزاب أخرى من دون رئاسة الحكومة- يتخوف من نتائج الانتخابات التشريعية المقبلة،لا سيما إذا ما فازفيها حزب العدالة والتنمية ،لأن هذا الفوز سيسمح له برئاسة الحكومة والبقاء في السلطة لسنوات قادمة،الأمر الذي سيفسح في المجال للحكومة الإسلامية مراكمة تجربتها وتجذرها السياسي و الاجتماعي في المشهد السياسي و السلطوي المغربي. وهذا من دون شك سيؤثر سلبًا على مستقبل حزب الأصالة والمعاصرة، لأنها كفيلة بتغيير الكثير من الأوضاع السياسية والمقولات والمواقف والأشخاص، حسب رأي الباحث كمال القصير.