ملاحظات رسالة الماجستير من ميدان الحرب بخط يد "السيد ذو الفقار"

هي محاولة للإبحار عميقاً في أسطورة لم تظهر إلى العلن إلا حين الشهادة، لينبلج وهج صناعة المقاومة منذ الطلقات الأولى، حيث كان حجم الأفعال أكبر بكثير من الإمكانات المتوفرة حينها، وكان الشخصية العملاقة التي تبتكر مقاومة حتى لو كانت لوحدها في المواجهة.

ما يلفت في عمق شخصية مصطفى بدر الدين، هو التركيز على الاهتمام العلمي لدى قائد عسكري معروف بالشدة والقساوة، وكون هذا الجانب يتعلق بالبعد الإنساني لأحد أعمدة المقاومة، الذي تحيط به كل أمارات الغموض والأسرار، وبعد الاطلاع على عدد من القصص التي تروي اهتمامه بالتحصيل العلمي وتطوير الكفاءات، وتحفيز من كانوا يعملون معه على إكمال دراستهم حتى المراتب العليا، ثم الحصول على المعلومات مباشرة من مصادرها، كان الاهتمام الأكبر بالمجاهد محمد الذي كانت له مراسلة مع القائد الجهادي الكبير مصطفى بدر الدين (السيد ذو الفقار)، حول مخططه الجامعي، يُكشف عن بعض منها إلى الضوء (بخط يده) وتنشر لأول مرة.
محمد مقاتل في صفوف حزب الله ويحّضر رسالة الماجستير في العلوم السياسية. قابل السيد ذو الفقار ذات مرة خلال جولة ميدانية على إحدى جبهات القتال ضد التكفيريين في محيط العاصمة السورية دمشق. انبهر محمد بهذا القائد الذي سمع عنه ووجده على الصورة التي رسمها عنه. قائد صلب، جريح ما زادته جراحه إلا إصراراً، في شيبته حضور ورهبة كما كان رفيق عمره الشهيد القائد عماد مغنية (الحاج رضوان).

انتهى اللقاء، ولم ينته الانبهار. عاد محمد إلى بيروت وبجرأة نهلها من ذاك القائد، قرر أن يرسل مخطط رسالة الماجستير إلى مكتب السيد ذو الفقار، وهو يعرف أنه صاحب كفاءة علمية عالية، وأيضاً عملية. هل ستجد الرسالة طريقها إلى السيد ذو الفقار؟ هل سيجد وقتا ليقرأها؟ وإن قرأها هل سيعلّق عليها؟
انقضى شهر وبعض شهر ومحمد يتساءل وينتظر، إلى أن ورده ذاك الاتصال، وكان اللقاء في المكان عينه الذي أرسل منه مخطط رسالته حول الدور التركي في الأزمة السورية. في هذا المكان، كان مخطط الرسالة بانتظاره، لكنه عاد إليه مخططاً مع قيمة مضافة. إنها ملاحظات وتعليقات السيد ذو الفقار. لقد وصلت، ووجد القائد الميداني المنشغل بالحرب وقتاً لقراءتها، ووجد مساحة لكتابة ملاحظاته بخط يده، وبالقلم الأحمر.
بشغفٍ، راجع محمد أوراقه وملاحظات القائد ذو الفقار فوجد فيها الأبعاد الاستراتيجية، التحليل، المعلومات، والأهم التحفيز والحنو والدعم المعنوي.
لمعت مقلتا محمد حين وجد أن السيد ذو الفقار قد ساوى في الأهمية الشهادة الجامعية والعمل الجهادي المقاوم. لكن ما أجج اندفاعته التي لم تهدأ إلى اليوم كان تمني السيد ذو الفقار التوفيق والسداد لمحمد، "بدي الدكتوراه بعد الماجستير.. سلامي للوالد العزيز والأهل".
تابع محمد الاطلاع بدقة واهتمام بالغَين على الأفكار والملاحظات العلمية، التي خطها له بدر الدين باللغة الإنكليزية، والتي ركز فيها على جملة أمور تخدم رسالته، مبنية على اطلاع سياسي وعسكري خبرهما السيد ذو الفقار عن قرب في الميدان السوري.
عقل بدر الدين، وذاكرته الحادة كانا منطلقاً لمحمد الذي يتابع اليوم دراساته العليا، عاد والتقى السيد ذو الفقار قبل استشهاده في غير مناسبة خاصة، وكان الشهيد يبدي في كل مرة اهتماماً بتفاصيل رسالة محمد ويعرض عليه المراجع والخرائط الميدانية "من الأصدقاء في الجيش السوري"، لكن اللقاء الأخير كان مختلفاً. يقول محمد "وضع السيد ذو الفقار كفيه على وجنتيّ، وبنظرة تختزل كل صنوف البأس، الممزوج بالحنان، همس لي، إنت ما بينخاف عليك". عبارة تليق بكل فرد من مجاهدي مقاومة أعمدتها عملت وتعمل على ألا ينضوي في تشكيلاتها إلا النُخب والأدمغة.