ضريبة إماراتية على الناشطين: تنظيم الإعلام الجديد أم قمع للحريات؟

دولة الإمارات تصدر قانوناً ينظم يُنظم النشر والترويج وصناعة المحتوى في قطاع شبكات التواصل الاجتماعي والاستفادة منه، لكنها تجاوزت مسألة التنظيم بأشواط وجنحت نحو إصدار قانون يؤشر بقوة إلى أن الهدف منه تقييد حرية الرأي، ومنع أي تعبير يتعارض مع سياسة الدولة. وبحسب ما تدل عليه بنود القانون يصبح كل مواطن إماراتي أو مقيم في الإمارات مشمولًا بالقانون، حتى ولو لم يكن لديه عدد محدد من المتابعين على شبكات التواصل أو لم يكن تفاعله مع المتابعين بمستوى يرقى إلى التأثير على قراراتهم.

بحسب ما تدل عليه بنود القانون يصبح كل مواطن إماراتي أو مقيم في الإمارات مشمولًا بالقانون

يناهز عدد مستخدمي الفايسبوك في دولة الإمارات العربية المتحدة الأربعة ملايين، من بينهم مليونين يستخدمون أيضاً منصة "إنستغرام".

أكثر من نصف هؤلاء يتأثرون برأي الناشطين الفاعلين على شبكات التواصل عند التفكير بشراء سلعة ما. ينسحب هذا التأثير في الاختيار على قطاعات واسعة كالألبسة، العقارات، أدوات التجميل، الطعام وغيرها الكثير.

أمام هذا الواقع قد يكون مفهوماً أن تلجأ السلطة لمحاولة تنظيم هذا القطاع والإستفادة منه، ولو أنها لا تملك أيّاً من منصاته، من خلال إصدار قانون يُنظم النشر والترويج وصناعة المحتوى في هذا القطاع، لكن الإمارات تجاوزت مسألة التنظيم بأشواط وجنحت نحو إصدار قانون يؤشر بقوة إلى أن الهدف منه تقييد حرية الرأي، ومنع أي تعبير يتعارض مع سياسة الدولة، بحسب ما تدل بنود القانون.

وسرعان ما يلاحظ من يقرأ صفحات القانون الـ19 أن بنوده عامة جداً وأن من وضعه تقصّد استخدام كلمات "فضفاضة" لا تحدد تعريفات واضحة لكثير من المسائل التي يتناولها.

على سبيل المثال، يحدد القانون 15 معياراً للمحتوى الإعلامي الجيد على شبكات التواصل، جميعها تمنح السلطة حيزاً واسعاً من تفسير أي نشاط يتعارض وسياسات الدولة أو يتناول بسوء اقتصادها أو يؤدي إلى ما قد تعتبره الأجهزة فعلًا مرفوضاً.

وتغيب أية تفسيرات قانونية أو تقنية لبنود القانون، ويترك المشرّع لنفسه استثناءات في كل بند من دون أن يوضح حدود الاستثناء.

ولا ينسحب التعميم والشمولية على القوانين والضوابط بل يتعداها إلى التعريفات التقنية. ففي حين حظيّ الإعلان عن القانون باهتمام الناشطين والمغرّدين وانتقاداتهم باعتبارهم شرائح معنية مباشرة بدفع ضريبة مالية تناهز الأربعة آلاف دولار للحصول على ترخيص قبل نشر أي محتوى إعلاني (لا يعطي القانون تعريفاً واضحاً للمحتوى الإعلاني في الإعلام الاجتماعي)، كما أنهم مستهدفون مباشرة باعتبار أن القانون يضع خطوطاً حمراء أمام أي نشاط تجده السلطة في غير مصلحتها.

وفي حين يستهدف القانون شريحة "المؤثرين" Influencers، فإنه لا يعطي تعريفاً محدداً لمن يعتبره القانون "مؤثراً"، بل يكتفي بتوصيف عام كالقول إن من شروط نيل الترخيص للفرد "أن يكون حائزاً على مؤهل دراسي من كلية أو معهد أو جامعة، و أن يكون محمود السيرة وحسن السمعة"!.

وهكذا يصبح كل مواطن إماراتي أو مقيم في الإمارات مشمولًا بالقانون، حتى ولو لم يكن لديه عدد محدد من المتابعين على شبكات التواصل أو لم يكن تفاعله مع المتابعين بمستوى يرقى إلى التأثير على قراراتهم.

ومن اللافت أن القانون، الذي أصدره "المجلس الوطني للإعلام"، يذكر أن أحد أهدافه "تنويع المحتوى" على الشبكات الاجتماعية، من دون أن يشرح لنا في أي من صفحاته كيف يقوم بدعم تنوع المحتوى!.

وفي حين يُستبعد أن يثير القانون أكثر من اعتراضات محدودة على شبكات التواصل، فإن توقيت الإعلان عنه لا يمكن مقاربته من دون لحاظ معالم السياسة الإماراتية في المنطقة، وعدم الرغبة بارتفاع أصوات معارضة في المرحلة المقبلة، مع لحاظ أن السعودية بصدد إصدار قانون مماثل مع دراسة فرض ضريبة مباشرة على الناشطين سنوياً، ويضع سقوفاً أمام التعبير عن الرأي عبر شبكات التواصل.