ميدانيات ليبيا: خلط الأوراق في طرابلس

عادت العاصمة طرابلس الى واجهة الأحداث الميدانية في ليبيا بعد جولة هي الأعنف من الاشتباكات بين الميليشيات المتواجدة داخلها وحولها، في خلط جديد لأوراق اللعبة السياسية والأمنية في الملف الليبي، يقوم به تارة اللاعب الإيطالي وتارة اللاعب الفرنسي، مع ترقب وحذر من جانب روسيا والولايات المتحدة، اللذان على يقين تام بأن ليبيا قد تكون هي ميدان المواجهة المستقبلي بينهما.

نيران الميليشيات تحرق طرابلس

 التقدم السريع الذي حققه "اللواء السابع" و"لواء الصمود" أدى الى توسع رقعة المعارك لتشمل مناطق أخرى (أ ف ب)

بدون مقدمات واضحة، شن تشكيل مسلح يسمى "اللواء السابع" انطلاقاً من مدينة ترهونة، هجوماً كاسحاً على التخوم الجنوبية والجنوبية الشرقية للعاصمة، ثم انضم له في تحركه تشكيل أخر يسمى "لواء الصمود" وهو تشكيل مسلح كان يتبع سابقاً لحكومة الوفاق الوطني الموجودة في العاصمة لكن صدر قرار سابق بحله، وتبعه خلال الساعات الماضية إعلان عدة تشكيلات عسكرية في مدينة مصراتة تأييد هذا التحرك والمشاركة فيه مثل وحدات من المجلس العسكري مصراتة وغرفة عمليات البنيان المرصوص. هذه التحركات تمت مواجهتها بتشكيلات مسلحة من داخل العاصمة على رأسها كتيبة ثوار طرابلس وتشكيلات تابعة لحي أبو سليم الجنوبي منها وحدات الردع المشتركة والأمن المركزي، بجانب ميليشيات أخرى.

التقدم السريع الذي حققه "اللواء السابع" و"لواء الصمود"، والذي شمل السيطرة على مقار لكتائب عسكرية تابعة لرئاسة الأركان التابعة لحكومة الوفاق منها الكتيبة 42، بجانب مقرات حكومية وأمنية مثل كلية ضباط الشرطة ومباني تابعة لوزارة الداخلية، أدى الى توسع رقعة المعارك لتشمل مناطق عين زارة وصلاح الدين وخلة بن عون والفرجان والأبيار وأحياء وادي الربيع والصواني والكريمية والسراج والأندلس، ومعسكري اليرموك وحمزة. واستخدمت في هذه المعارك مدفعية "الهاوتزر" الثقيلة وراجمات الصواريخ والدبابات، ونتج عن هذه المعارك المستمرة حتى الأن عشرات القتلى، وتعرض كافة الأحياء الجنوبية لطرابلس للقصف العشوائي المستمر، والذي طال حتى مخيمات اللاجئين مثل مخيم الفلاح الخاص بنازحي مدينة تاورغاء.

حتى الأن لا تتضح بشكل يقيني نوايا أو توجه قوات "اللواء السابع" و"لواء الصمود"، فالأول يرى انه جزء من قوات حكومة الوفاق، وأن تحركه هو لبسط السلطة الشرعية ومواجهة الميليشيات. لكن تظهر عدة علامات استفهام في ما يتعلق بخلفية هذا اللواء، فهو يضم عدد من عناصر النخبة في قوات الجيش الليبي أبان فترة حكم العقيد الراحل معمر القذافي، كما يضم بين طياته عناصر ذات توجه إسلامي، ويأتي تحركه انطلاقا من مدينة ترهونة التي تعد من المعاقل التاريخية لمناصري القذافي، وقد سبق وحدثت مناوشات بين هذه المدينة وفصائل من طرابلس خلال السنوات الماضية. لكن السمة الأبرز كانت أعلان عدة ميليشيات من مدينة مصراته مباركتها لهذا الهجوم ومشاركتها فيه. واذا ما وضعنا في الاعتبار ان رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني قام باستقدام قوة "مكافحة الإرهاب" من مصراته للفصل بين القوات المتحاربة، سنجد أنفسنا امام مشهد ميداني عبثي يحارب فيه الكل بعضهم البعض.

النقطة المركزية في هذه الأزمة كانت الضعف البالغ الوضوح لأداء كل من المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق والبعثة الأممية العاملة في طرابلس. الأولى كلف رئيسها كل من قائدي المنطقتين الغربية والوسطي العسكريتين بمحاولة الفصل بين القوات وإنهاء القتال، لكن تم اختطاف قائد المنطقة الوسطى لساعات، وقائد المنطقة الغربية متهم هو نفسه بالهجوم على مدينة ورشفانة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. البعثة الأممية لم يكن أداؤها افضل حالاً، فبعد جولتين من المباحثات الأمنية في مدينة الزاوية مع الأطراف المتحاربة، لم تتمكن سوى من عقد اتفاق هش لوقف إطلاق النار، لم توقع عليه كافة الفصائل المتحاربة، وتم خرقه بعد ساعات من توقيعه.

الاشتباك الإيطالي – الفرنسي .. عرض مستمر

ساهمت أحداث طرابلس بشكل واضح وفعال في زيادة حرارة الاشتباك السياسي بين فرنسا وإيطاليا بشأن مخرجات مؤتمر باريس الذي نص على إجراء انتخابات تشريعية ورئاسية ليبية نهاية هذا العام. فرنسا من جانبها تحاول استباق المؤتمر الذي تعتزم إيطاليا عقده حول ليبيا خلال أسابيع، وأكدت مرة أخرى على لسان رئيسها، انها ملتزمة بكافة مخرجات مؤتمر باريس الأخير حول ليبيا، وعلى رأسها إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية أواخر العام. إيطاليا من جانبها ترى انه لا يمكن إجراء اية انتخابات في ليبيا طالما لم يتم عقد مصالحة وطنية جامعة وشاملة لكل الأطراف المحلية، واستمرت في شن هجوم حاد على السياسة الفرنسية في ليبيا، متهمة أياها بأنها سبب رئيسي في تدهور الوضع الأمني في طرابلس. كان رأس حربة الهجوم الإيطالي هو وزير الداخلية، الذي أتهم صراحة فرنسا بالمسئولية عن أحداث طرابلس، وهو نفس المعني الذي أشار اليه كل من وزيري الدفاع والخارجية الإيطاليين، لكنهما كانا أقل حدة وأكثر انفتاحا على الحوار مع باريس حول إيجاد مخرج من المأزق السياسي الحالي في ليبيا.

 كان لوزير الخارجية الإيطالي زيارة لافتة لكل من بنغازي وطرابلس، التقى فيها بقائد الجيش الوطني خليفة حفتر، وأثنى على مرونته ورغبته في الحوار، وتعهد له بدعم أي مخطط أممي يساهم في استقرار ليبيا، مع أنه أكد في نفس الوقت ان الدعم الإيطالي يبقى بشكل رئيسي موجهاً لحكومة الوفاق في طرابلس. ويظل المشير حفتر لاعب مهم في الساحة الليبية، تتعامل معه كل من روما وباريس من منطلقات مختلفة. فباريس ترى انه الطرف الأنسب والأكثر تنظيماً للحفاظ على وحدة ليبيا وإنهاء حالة الفوضى الحالية، ناظرة الى تجربته الناجحة في المناطق الشرقية والشمالية الشرقية، مع تحفظها على نظرته الى الإسلاميين وأدوارهم في مستقبل ليبيا. إيطاليا من جانبها تحاول الحفاظ على روابط معه، مع تركيزها بشكل أكبر على المنطقة الغربية نظراً لاعتبارات عديدة اقتصادية وميدانية، فهي تفضل الحفاظ على نفوذ في العاصمة، مع محاولة إنهاء التناقضات الحالية بين ميليشيات العاصمة وما حولها.

الاستراتيجية الإيطالية الحالية تركز على محاولة جمع اكبر قدر ممكن من الدعم الإقليمي والدولي لرؤيتها بشأن الملف الليبي، فزار مؤخراً وزير التنمية الاقتصادية الإيطالي القاهرة، وهي زيارة تأتي بعد زيارة مماثلة لوزير الخارجية الإيطالي منذ أسابيع. وقد سمع الوزير الإيطالي تأكيداً مصرياً على دعمها من حيث المبدأ لإجراء مصالحة وطنية ليبية أولاً قبل الانتخابات، خاصة بعد تدهور الأوضاع في طرابلس. إيطاليا أيضا تحاول بشكل تدريجي الاستفادة من التقارب في وجهات النظر بينها وبين الولايات المتحدة، خاصة مع التحركات السريعة الوتيرة التي تقوم بها واشنطن في ليبيا، وكان أخرها اللقاء الذي جمع في تونس بين رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق مع قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا، وهي القيادة الناشطة حالياً في الأجواء الليبية، سواء بعمليات الاستطلاع الجوي اليومية، او غارات الطائرات دون طيار، ومنها غارة على سيارة كان يستقلها قيادي بتنظيم داعش في منطقة الظهرة قرب مدينة بني وليد جنوب شرق البلاد.

الانتخابات تبتعد شيئاً فشيئاً

على المستوى السياسي، بعد التوافق من حيث المبدأ الشهر الماضي في مجلس النواب الليبي حول قانون الاستفتاء على الدستور، تمكن النواب بعد تأجيل لعدة مرات من التوافق على المادة السادسة من هذا القانون، والتي كانت محل خلاف كبير خلال الفترة الماضية، وتتعلق بتقسيم ليبيا الى ثلاثة أقاليم هي طرابلس وبرقة وفزان. يتبقى للنواب تعديل الإعلان الدستوري، ليصبح متوافقاً بشكل كامل مع قانون الاستفتاء، ومن ثم من المفترض ان تكون الخطوة التالية هي أجراء الاستفتاء نفسه، وهذا يعني بالضرورة تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية الى اجل غير مسمى يتعدى قطعياً أواخر هذا العام، وهو الموعد الذي كان مقرراً في مؤتمر باريس لإجراء الانتخابات، ناهيك عن ان إجراء الاستفتاء ومن بعده الانتخابات في مثل الظروف الحالية يعد مستحيلاً، وهذا هو نفس المعنى الذي صرح به رئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، وبه انحاز الى وجهه النظر الإيطالية.

قائد الجيش الوطني خليفة حفتر من جانبه جدد التزامه بمخرجات مؤتمر باريس وبإجراء الانتخابات، وباعترافه بنتائجها اذا كان العملية الانتخابية نزيهة وشفافة، لكنه في نفس الوقت أكد على ان عملية "تحرير" طرابلس باتت قريبة، نافياً اية علاقة للجيش بما يحدث في العاصمة حالياً، مشيراً الى انه سيتدخل في الوقت المناسب.

تواجد داعش يتزايد على الأرض

نفذ تنظيم داعش خلال الأسابيع الماضية هجومين لافتين، الأول استغل فيه حالة الفوضى التي تعيشها العاصمة، وهاجم مقر مؤسسة النفط داخل العاصمة. الهجوم الثاني أستهدف بوابة عين كعام الأمنية في مدينة زليتن. كما تم تفجير سيارة مفخخة قرب مقر الكتيبة 116 في مدينة سبها، ويعتقد ان التنظيم وراء هذا الهجوم أيضاً. نشاط التنظيم بات ملحوظاً جنوبي مدينة سرت، لدرجة جعلت قوات حماية المدينة تعلن حالة التأهب القصوى. في درنة تستمر قوات الجيش في عمليات تطهير المدينة، ولم يتبق لها سوى جزء من شارع المغار وأجزاء من المدينة القديمة، ليتم إكمال تطهير كامل المدينة من العناصر المسلحة والعبوات الناسفة.

على الحدود، عززت كل من تشاد والجزائر قواتهما على حدودهما المشتركة مع ليبيا، فأرسل الجيش التشادي آليات مدرعة وطائرات الى منطقة فايا-لارجو الحدودية، وشهدت المنطقة العسكرية الحدودية الرابعة في الجيش الجزائري تعيين قائد عسكري جديد لها، في ظل تدعيمها بأكثر من ألفي جندي خلال الشهور الماضية. هذه التحركات الجزائرية تواكبت مع حراك دولي للتواصل مع القيادة الجزائرية حول الملف الليبي، فتحادث الرئيس الفرنسي مع الرئيس بوتفليقة هاتفياً حول الموضوع، وزار وزير الخارجية الإسباني الجزائر ممثلا عن المجموعة الأوروبية.