البحرية الإيرانية … إمكانيات الاشتباك والرد في الخليج

في ظل التوتر القائم ما بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية، تبرز إلى السطح مرة أخرى أهمية الحرب البحرية، والتهديدات المتزايدة لحركة الملاحة في نقاط الصراع البحرية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة في مضيقي باب المندب وهرمز، ومنطقة الخليج العربي بصفة عامة.

.

هذه التهديدات اكتسبت زخماً أكبر بعد الهجوم المباغت والغامض على أربعة ناقلات للنفط قبالة ميناء الفجيرة الإماراتي. وهو الهجوم الذي أعاد للأذهان نقاط عديدة تتعلق بإمكانيات الردع البحري المتوفرة لدي البحرية الإيرانية، وبتاريخ من التعرضات الهجومية لحركة ناقلات النفط في هذه المنطقة منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وبغض النظر عن الجهة التي نفذت هجوم الفجيرة، إلا أن الوسائل التي تم بها تنفيذ هذا الهجوم تشكل الأهمية الكبرى في هذا التطور النوعي في التهديدات التي قد تطال الحركة البحرية في حالة نشوب حرب محدودة أو مفتوحة في المنطقة. وإذا ما استبعدنا القطع البحرية التقليدية لدى البحرية الإيرانية، سنجد في السطور التالية عرضاً للمنظومات والأسلحة المتوفرة لدي البحرية الإيرانية وجماعة أنصار الله في اليمن، والتي قد تشكل تحدياً كبيراً للقطع البحرية الأمريكية التي تتالي منذ أسابيع على المنطقة

الألغام البحرية ووسائط نقلها

تحمل منطقة الخليج العربي بصمات غائرة في ما يتعلق بتاريخ أستخدام الألغام البحرية، خاصة في فترة الحرب العراقية - الإيرانية واشتعال حرب الاستهداف المتبادل لناقلات النفط ومنشآته من عام 1984 وحتى نهاية الحرب. وقد كانت حادثة استهداف ناقلة النفط الأمريكية "بريدجيتون" في تموز/يوليو 1987 وتضررها بعد اصطدامها بلغم بحري إيراني، من أبرز صفحات المواجهة البحرية بين الجانبين، وإحدى دلائل عدم مناعة التحشيدات البحرية الضخمة من عمليات الاختراق والتسلل من جانب قطع بحرية صغيرة، حيث تم بث الألغام في موقع الحادث من جانب زورق إيراني صغير، تمكن من أداء مهمته برغم عمليات الرصد الجوي الأمريكية المستمرة للمنطقة، ومواكبة الناقلة المستهدفة بقطع بحرية أمريكية للحراسة. المفارقة هنا أن الولايات المتحدة اختبرت أخطار الألغام البحرية في عقر دارها، حين عثرت بحريتها العام الماضي على لغم بحرى قديم قبالة ساحل العاصمة واشنطن وقرب قاعدة "كيتساب" البحرية.

الألغام البحرية هي السلاح الأساسي الذي يشتبه في استخدامه بهجوم الفجيرة، وقد أستخدمت جماعة أنصار الله في اليمن بشكل مكثف الألغام البحرية، خاصة على ساحل مدينتي المخا وميدي، وقد أعلنت الجماعة أواخر عام 2018 عن نوعين جديدين من أنواع الألغام البحرية المصنعة محلياً، تحت أسم "مرصاد 1" و"مرصاد 2".

من النقاط المهمة في ما يتعلق بالألغام البحرية هي وسائط بثها في مواضع الاشتباك، وتمتلك البحرية الإيرانية عدد متنوع من وسائط بث الألغام، منها التقليدي مثل زوارق "عاشوراء" السريعة، بجانب عدد من الوسائط النوعية لنقل وبث الألغام منها الطوربيد المأهول "Ghavasi" والذي هو عبارة عن تعديل تم إجراؤه محلياً على الطوربيد البحري الثقيل من عيار 533 مللم، بحيث يتحول إلى مركبة غوص متعددة المهام يبلغ طولها حوالي سبعة أمتار، ويتكون طاقمها من غواص واحد او غواصين، وتستخدم هذه المركبة في العمليات البحرية الخاصة بجانب إمكانية استخدامها لبث الألغام حيث تستطيع حمل لغم واحد من الألغام الإيرانية الصنع زنة 480 كيلو جرام، كما أنه من الممكن ايضاً استخدامها كمركبة هجوم انتحاري تعمل بطريقة مماثلة للطوربيد مع تميزها بإمكانية توجيهها بدقة عن طريق قائدها

.

من المركبات النوعية التي تمتلكها البحرية الإيرانية، والتي قد تشكل تحدياً للعمليات البحرية الأمريكية في مياه الخليج، مركبة نقل الغواصين "السابحات-15"، وهي مركبة محلية الصنع تم إنتاجها بالاستفادة من مركبات مماثلة ألمانية الصنع، وهي مركبة متخصصة في إسناد عمليات الإنزال البرمائي، ويتم إطلاقها من متن سفن الإنزال من الفئة "Hengam" ومن الممكن تعديلها للانطلاق من على متن الغواصات، وتبلغ إزاحتها الكلية عشرة أطنان وتمتلك القدرة على بث الألغام البحرية، ويتألف طاقمها من غواصين أثنين، ويمكن أيضاً تحويرها لتصبح مركبة هجومية تعمل بنفس مبدأ الطوربيدات.

.

تمتلك القوات البحرية التابعة للحرس الثوري زوارق الطوربيد القابلة للغوص "ذو الفقار"، وهي من المنظومات المهمة التي قد يكون لها دور أساسي في أي نزاع بحري محتمل. يتم تصنيع هذه الزوارق محلياً أعتماداً على نموذجين من زوارق الطوربيد الكورية الشمالية "Taedong-b"، واللتي حصلت عليها إيران عام 2002. يمتلك هذا الزورق أمكانية الغوص تحت سطح الماء، حيث يحتوي على محركين الأول يعمل بوقود الديزل والثاني محرك كهربائي. يتسلح هذا الزورق بطوربيدات من عيار 324 مللم وهو في الأساس مخصص للعمليات البحرية الخاصة، ويبلغ طوله الإجمالي 17 متر بإزاحة كلية تبلغ 22 طن، وتصل سرعته على سطح الماء الى 40 عقدة في الساعة و3 عقدة في حالة الغوص، ويستطيع هذا الزورق الغوص إلى اعماق تتراوح بين ثلاثة أمتار إلى 20 متر، ويتكون طاقمه من أربعة أفراد بجانب إمكانية نقل أربعة أفراد آخرين لتنفيذ عمليات خاصة. النمط الذي تتخذه هذه الزوارق في هجماته يجعلها تهديداً حقيقياً للقطع البحرية الكبيرة، وقد أثبت هذا النمط نجاحه في عدة مناسبات سابقة في كوريا الشمالية.

.

دشن الهجوم الذي شنته وحدات تابعة لجماعة أنصار الله في اليمن، على فرقاطة من الفئة "المدينة" تابعة للبحرية السعودية، أوائل 2017، مرحلة جديدة تشكل فيها الزوارق الصغيرة مخاطر كبيرة على القطع البحرية الكبيرة، عن طريق شن الهجمات الإنتحارية التي تستوحي تجربة الهجوم على المدمرة الأمريكية "كول" في ميناء عدن مطلع العقد الماضي. جماعة أنصار الله تمتلك نموذجين من نماذج الزوارق الإنتحارية، الأول متعدد المهام ومصنع من الألياف الزجاجية، تبلغ سرعته 30 عقدة في الساعة، ويستخدم في بث الألغام البحرية وفي ايضا تنفيذ الهجمات الإنتحارية عن طريق تجهيز عبوات ناسفة داخل بدن الزورق، وتوجيهه في اتجاه الهدف المراد تدميره، ومن ثم مغادرة طاقمه المكون من فرد او فردين متن الزورق أثناء تحركه. ويتميز هذا النموذج ببدن منخفض، يجعل من الصعب رصده على سطح الماء بسهولة أثناء تحركه. النموذج الثاني هو الذي تم إستخدامه في الهجوم على الفرقاطة السعودية، وكذلك في هجمات على قطع بحرية إماراتية في ميناء المخا منتصف 2017، وهو عبارة عن زورق سريع غير مأهول، يتم التحكم به عن بعد، ويبلغ طوله نحو عشرة أمتار، وهذا النموذج مبني على زوارق إماراتية الصنع، تسلمتها البحرية اليمنية في السنوات السابقة. يمتلك هذا الزورق محركين يوفران له سرعة قصوى تبلغ 45 عقدة في الساعة، وهو مزود بشحنة متفجرة تبلغ زنتها 450 كيلو جرام، يعتقد أنها مستخرجة من صواريخ "ستايكس" السوفيتية المضادة للسفن، والتي امتلكتها البحرية اليمنية في مضى.

.

تمتلك البحرية الإيرانية، بالأضافة إلى ثلاث غواصات روسية من الفئة "كيلو"، أربعة عشر غواصة متوسطة محلية الصنع من الفئة "غدير"، وهي مبنية على أساس الغواصة الكورية الشمالية "Yono". وتتسلح هذه الغواصة بأنبوبي طوربيدات ثقيلة محلية الصنع بجانب قدرتها على إطلاق صواريخ "غسق-2" المضادة للقطع البحرية، وتبلغ إزاحة هذا النوع الكلية 120 طن. وهي بحجمها المدمج وبتسليحها القوى تشكل خطورة على القطع البحرية الصغيرة والمتوسطة.

.

كذلك تمتلك البحرية الإيرانية برنامجاً طموحاً لإنتاج جيل جديد من الغواصات تحت اسم "فاتح920"، حيث تمتلك بالفعل منذ عام 2013 غواصة من هذا النوع الذي يبلغ طوله الكلي 48 متر وإزاحته الكلية 527 طن، وقد دخلت الخدمة رسمياً أوائل العام الجاري، وتتسلح بأربعة أنابيب لإطلاق الطوربيدات الثقيلة محلية الصنع من عيار 533 مللم، بجانب أمتلاكها للقدرة على إطلاق الصواريخ الجوالة، وهي ميزة لم تتوفر سابقاً للقوات البحرية الإيرانية. كذلك تتوفر لهذه الغواصة القدرة على نشر ما يصل الى ثمانية ألغام بحرية، وتصل سرعتها الكلية الى 14 عقدة في الساعة، وتستطيع العمل بشكل متواصل لمدة 35 يوم.

.

تعد الصواريخ البحرية من أهم نقاط القوة التي تتميز بها القوات البحرية الإيرانية، فهي حالياً تمتلك ترسانة من هذا الصواريخ المتنوعة في امديتها وقدراتها التدميرية. لعل من أهم هذه الصواريخ هو الصاروخ الفوق صوتي "خليج فارس"،وهو في الخدمة بالبحرية الإيرانية منذ عام 2014، ويتميز بمدى وقوة تدمير هي الأكبر في الترسانة الإيرانية، حيث يبلغ مداه الأقصى 300 كيلو متر، ورأسه الحربي تبلغ زنته 650 كيلو جرام. تبلغ سرعته القصوى 3 ماخ، ويعمل بالوقود الصلب، ويتم توجيهه ذاتياً عن طريق باحث كهروبصري، ومن اهم مميزاته هامش الخطأ القليل جدا بالمقارنة بالصواريخ الأخرى في فئته، حيث يبلغ 18.5 متر.

.

من بين الصواريخ المهمة في الترسانة الإيرانية، الصاروخ البحري "رعد، وقد دخل الخدمة بشكل رسمي عام 2007، وهو عبارة عن نسخة محلية الصنع من سلسلة الصواريخ الصينية الشهيرة "HY"، ويصل مداه الأقصى الى 360 كيلومتر، وزنة رأسه الحربي تبلغ 450 كيلو جرام، ويعمل بالوقود الصلب ويتم إطلاقه اما من زوارق الصواريخ او من على متن منصات برية. تتميز النسخة الإيرانية بإمكانية تعزيز التوجيه الداخلي للصاروخ بتوجيه راداري إيجابي، وكذلك بقدرته على التحليق بارتفاعات منخفضة جداً فوق سطح الماء.

.

من أشهر الصواريخ التي تمتلكها البحرية الإيرانية، صواريخ "نور" و"قادر". صاروخ نور هو النسخة الإيرانية من الصاروخ الصيني "C-802"، والذي قامت إيران بتصنيعه بالهندسة العكسية بعد فشلها في الحصول على الصواريخ الصينية خلال تسعينيات القرن الماضي نتيجة للعقوبات المفروضة عليها. تم إنتاج أربعة نسخ مختلفة من هذا الصاروخ منذ عام 2001، تتراوح أمديتها ما بين 30 الى 170 كيلو متر، وقد تم تزويده برادار الموجة المليمترية الإيجابي محلي الصنع "DM-3B"، والذي يعمل في المرحلة الأخيرة للتحليق على البحث والإغلاق على الهدف المعادي، مع مقاومة كبيرة لعمليات الإعاقة والتشويش، ومن الممكن إطلاقه من البر والبحر.

.

صاروخ "قادر" هو نسخة محدثة من سلسلة صواريخ نور، تم الإعلان عنه عام 2011، ويتميز عن النسخ السابقة بمدى أكبر يصل إلى 300 كيلومتر، وبإمكانية إطلاقه من الجو بالإضافة إلى البر والبحر. تبلغ زنة رأسه الحربي 200 كيلو جرام، وتم تزويده بنظام تحليق الكتروني ذاتي بجانب رادار إيجابي محدث للتعامل مع وسائل الإعاقة والتشويش، كما يتميز بأمكانية استخدامه لضرب الأهداف البرية الساحلية.

.

جدير بالذكر هنا ان جماعة أنصار الله في اليمن كان لها تجربة في هذا المضمار، حيث أستخدمت مخزونها من الصواريخ الصينية "C-801" التي كانت تتسلح بها زوارق البحرية اليمنية من نوع "Honan"، وأستخدام هذه الصواريخ قتالياُ تحت إسم "المندب-1" لاستهداف سفن التحالف العربي، وقد كانت أبرز الهجمات التي تم إستخدام هذا النوع فيها، الهجوم على بارجة النقل السريع "سويفت" التابعة للبحرية الإماراتية في أكتوبر 2016.

.

كذلك تتوفر لدي البحرية الإيرانية عدة أنواع من الصواريخ البحرية قصيرة المدى، مثل صواريخ ثاقب وكوثر. ومن أبرز الصواريخ قصيرة المدى التي تمتلكها إيران صاروخ "نصر-1"، وهو النسخة الإيرانية من الصاروخ الصيني "C-704"، وهو مخصص لاستهداف القطع البحرية الصغيرة والمتوسطة أقل من 2000 طن بما في ذلك الفرقاطات الصغيرة، ويتميز بإمكانية إطلاقه من البر والبحر، بجانب محاولات جارية لدمجه على المروحيات البحرية. بدء الإنتاج الكمي لهذا النوع عام 2010، وفي عامي 2012 تم إختبار النسخة المطلقة من البر، وفي العام التالي تم إختبار النسخة المطلقة من الجو. تبلغ زنة رأسه الحربي 150 كيلو جرام وهو رأس شديد الانفجار ذو قدرة جزئية على إختراق الدروع، ويعمل بالوقود الصلب ويصل مداه الأقصى الى 35 كيلو متر، ويوجه تلفزيونياً.

تم إنتاج نسخة منه تحت اسم "غسق-2"، تم فيها دمج الصاروخ مع كبسولة طوربيد، بحيث يتم إطلاقه تحت سطح الماء من على متن غواصات "غدير" بإستخدام أنابيب الطوربيد لإطلاق الكبسولة، ومن ثم بعد ثوان من الإطلاق يخرج الصاروخ من الكبسولة بإتجاه سطح الماء.