"مزدوجو الجنسية" ومنتخب الجزائر... صداعٌ دائم

تُعَدّ الجزائر أحد البلدان الأكثر استقطاباً للاعبي كرة القدم المزدوجي الجنسية. كثيراً ما ثارت الجدالات والنقاشات في الجزائر حول هذه المسألة وصولاً إلى فترة المدرب الحالي جمال بلماضي الذي قطع الشك باليقين.

  • اعتاد منتخب الجزائر منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الجديدة ضم العشرات من اللاعبين مزدوجي الجنسية

 

تحوّلت مسألة لاعبي كرة القدم مزدوجي الجنسية إلى موضوع الساعة على مستوى وسائل الإعلام والرأي العام الكروي في الجزائر، التي تُعَدّ أحد البلدان الأكثر استقطاباً لهذه الفئة من اللاعبين التي نشأت في أوروبا (فرنسا تحديداً) من والدين ينحدران من أصول جزائرية أو يملك أحدهما جذوراً جزائرية.

واعتاد منتخب الجزائر منذ نهاية تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الجديدة (ما بين 1998 إلى 2017) ضم العشرات من لاعبي هذه الفئة على غرار القائد الأسبق يزيد منصوري ومعمر مأموني وصولاً إلى عبد المالك شراد وعنتر يحيى وكريم زياني ونذير بلحاج وعبد القادر غزال ورفيق جبور، الذين شكّلوا نواة المنتخب الذي تألق بالتأهل إلى مونديال جنوب أفريقيا 2010 بعد 24 سنة كاملة من الغياب عن الموعد العالمي، ليلتحق بعدهم نجوم أكثر قيمة على غرار سفيان فيغولي وفوزي غلام وياسين براهيمي ورياض محرز، مع تراجع رهيب لتواجد لاعب في الدوري الجزائري على مستوى المنتخب لأسباب تتعلق بضعف تكوين ومستوى اللاعبين والدوري معاً، ما جعل الاتحاد الجزائري للعبة يجد نفسه مضطرّا للاستنجاد بـ"المنتج الجاهز" القادم من وراء البحار ولكن ماذا كان المقابل؟

  • رياض محرز وياسين براهيمي بين النجوم الذين اختاروا اللعب للجزائر (أ ف ب)

 

كثيراً ما ثارت الجدالات والنقاشات حول تركيز توجّه الاتحاد الجزائري نحو اللاعبين مزدوجي الجنسية على حساب لاعبي الدوري المحلّي، وأيضاً عن مدى إحساس هذه الفئة من اللاعبين فعلاً بالانتماء والوفاء لبلد الأجداد على حساب بلد المولد الذي منحهم تكويناً سليماً مكّنهم من طرق أبواب الشهرة والعالمية، وانتشرت الكثير من الأخبار حول قيام الاتحاد وتحديداً رئيسه السابق محمد روراوة بانتهاج سياسة إغراء اللاعبين واستمالتهم عبر منحهم عقود إعلان مع رعاة الاتحاد بمبالغ مالية كبيرة، فضلاً عن المشروع الرياضي الذي تبنّاه المسؤول ذاته بشأن تكوين منتخب كبير ينافس على التأهل إلى كأس العالم والألقاب.

وتسبّبت عقود الإعلان هذه في إثارة موجة من الجدل العارم، حتى داخل صفوف المنتخب، عندما ألمح النجم سفيان فيغولي قبل عامَين إلى أن بعض زملائه التحقوا بصفوف المنتخب بعد حصولهم على المال. وفتح هذا الأمر المجال للجماهير ووسائل الإعلام للتشكيك في نوايا "مزدوجي الجنسية" ومدى انتمائهم ووفائهم لبلد أجدادهم، وانتهى الأمر بقيام الاتحاد برئاسة خير الدين زطشي الذي خلف روراوة، باستصدار مشروع قانون يقيّد انضمام اللاعبين مزدوجي الجنسية إلى المنتخب، حيث جاء فيه بأن استدعاء أي لاعب مستقر بالخارج (مزدوج الجنسية) للعب ضمن صفوف المنتخب يجب أن يراعي شرطين أساسيين هما: التزام وولاء اللاعب غير المشروط للجزائر، فضلاً عن تفوّقه  من الناحية الفنية على اللاعبين الناشطين في الدوري المحلي، قبل أن يتراجع الاتحاد عن ذلك بسرعة بعد الهجوم الذي تعرّض له من طرف وسائل الإعلام وبعض لاعبي المنتخب الجزائري على غرار القائد الأسبق عنتر يحيى وسفيان فيغولي وآخرين.

وبالرغم من تراجع الاتحاد عن مشروعه، إلا أنه جسّده بشكل آخر عبر إقصاء هذه الفئة من اللاعبين تدريجياً من حضور معسكرات ومباريات المنتخب خصوصاً في فترة المدير الفني السابق رابح ماجر، إذ لم يتعدّ حضور هؤلاء اللاعبين السبعة على الأكثر في تشكيل يضم 23 لاعباً!

كما شهدت فترة الرئيس الجديد للاتحاد خير الدين زطشي منذ عامين في البداية استقطاب لاعبين اثنين فقط مزدوجي الجنسية مقارنة بولاية سلفه محمد  روراوة، وهما: سفيان دهام الذي لم يشارك سوى في 3 مباريات فقط قبل أن "يختفي"، وكذلك محمد سليم فارس (مصاب منذ شهر آب/ أغسطس الماضي)،  قبل أن تتغيّر الأمور فور قدوم جمال بلماضي لتدريب "المحاربين"، حيث ضمّ ثلاثة لاعبين هم: أندي ديلور وماكسيم راحو سبانو وفيكتور لكحل.

وعمد رئيس الاتحاد لمحاولة فرض خيار تعويض اللاعبين مزدوجي الجنسية بلاعبي أكاديمية بارادو التي يملكها في الجزائر، حيث نجح فعلاً في تسويق الكثير من اللاعبين للاحتراف الخارجي في صورة رامي بن سبعيني، يوسف عطال وهشام بوداوي الذين توِّجوا باللقب الأفريقي في الصيف الماضي، إضافة إلى فريد الملالي وهيثم لوصيف وزكريا نعيجي الذين احترفوا في أوروبا أيضاً.

 

التحدّي الرياضي أوّلا..الوطن الأمّ ثانياً

وفي غمرة محاولات الاتحاد الجزائري مطلع الألفية الجديدة لضم "العصافير" النادرة الناشطة وراء البحار، ورغم استجابة الكثير من اللاعبين لنداء "الوطن الأمّ"، إلا أن هناك حالات كثيرة للاعبين فضّلوا التحدّي الرياضي مع منتخب فرنسا مثلاً عل حساب بلد أجدادهم وأبرزهم زين الدين زيدان وكمال مريم وسمير نصري وأخيراً نبيل فقير، بالإضافة إلى كريم بنزيما هداف ريال مدريد الإسباني الذي أضحى "يعضّ" أصابع الندم بعد غلق باب منتخب "الديوك" في وجهه نهائياً، ليقوم في الفترة الأخيرة بمغازلة الجزائر ومنتخب "المحاربين" عبر تغريداته وتصريحاته ومنشوراته المثيرة للجدل، مبرزاً رغبته في تغيير "جنسيته الرياضية".

وهناك فئة أخرى من اللاعبين الذين اعتذروا عن قبول اللعب للجزائر بسبب عد إحساسهم بـ"الانتماء" في صورة بنجامين اسطمبولي ورومان حمومة، اللذان يملكان فعلاً أصولاً جزائرية لكن لا علاقة لهما أبداً بهذا البلد، وسار على دربهم في البداية مهدي لحسن، قبل أن يغيّر موقفه ويلعب للمنتخب الأخضر، إذ شارك معه في العديد من كؤوس إفريقيا وكأسَي العالم 2010 و2014.

  • كريم بنزيما من اللاعبين الذين فضّلوا اللعب لفرنسا لكنه عاد قبل فترة ليعلن عن رغبته في اللعب للجزائر لكنه لم يلقى تجاوباً من بلماضي

 

تردّد وخوف وترقّب.. بلماضي يقطع الشك باليقين

وتبقى القواسم المشتركة بين اللاعبين مزدوجي الجنسية المقبلين على اتخاذ قرار يخصّ مشوارهم الدولي، واضحة المعالم وتتجسّد غالباً بتردّدهم في الاعلان عن المنتخب الذي سيمثّلونه، وأغلبهم شبان لم يتجاوز سنهم العشرين عاماً، إذ من البديهي أن يولوا أهمية قصوى لمشوارهم الاحترافي مع نواديهم، والذي يرتبط غالباً باللعب للمنتخب الفرنسي في كل فئاته العمرية، امتثالاً لرغبة مسؤولي أنديتهم، قصد إبقاء قيمتهم في سوق الانتقالات مرتفعة وبيعهم مقابل مبالغ خرافية، وهو الأمر الذي لا يضمنه لهم خيار اللعب لمنتخب الجزائر، بل يمكن أن يسبّب لهم متاعب جمّة. 

ومن بين اللاعبين الذين ارتبط اسمهم باللعب للجزائر في الفترة الأخيرة نجد كلا من:حسام عوار وريان شرقي وأمين غويري من أولمبيك ليون الفرنسي، ياسين عدلي من بوردو الفرنسي، ياسر لعروسي من ليفربول الإنكليزي، ريان أيت نوري من أنجيه الفرنسي وماكسيم لوبيز من أولمبيك مرسيليا الفرنسي.

ومن منطلق أن المدير الفني لمنتخب الجزائر جمال بلماضي "مزدوج الجنسية" هو الآخر، كان الاعتقاد سائداً بأنه سيزكّي بل وسيقاتل من أجل أي مبادرة لضم اللاعبين المذكورين لصفوف المنتخب، لكن تفاعله مع هذا الأمر كان مفاجئاً، حيث كشف في عدة تصريحات للصحافيين عن الضوابط التي تحكم قدوم هؤلاء إلى المنتخب، حيث أكد بأن كل اللاعبين الذين تم تداول أسمائهم "يعرفون تمام المعرفة بأن منتخب الجزائر يريدهم، وبالتالي عليهم أن يظهروا رغبتهم بتمثيل الجزائر ويعلنوا عنها"، رافضاً بشدة "التفاوض" مع أي لاعب مهما كان اسمه أو وزنه، وبالفعل جسّد بلماضي وعده وضم كلاً من أندي ديلور وماكسيم رحو سبانو اللذين عبّرا علانية عن حلمهما بتمثيل الجزائر دون بقية اللاعبين.

 

قانون "الباهاماس".. تحدّيات كثيرة ومستقبل غامض

"قانون الباهاماس" سمي اصطلاحاً على الجمعية العمومية للاتحاد الدولي لكرة القدم التي انعقدت في جزر الباهاماس في أيار/ مايو من العام 2009، ويسمح هذا القانون للاعبين مزدوجي الجنسية الذين سبق لهم اللعب في الفئات العمرية لبلد ما، بتغيير "جنسيتهم الرياضية" قبل بلوغهم سن الـ21 سنة.

وكان رئيس اتحاد الكرة الجزائري السابق محمد روراوة، وراء اعتماد "فيفا" لـ"قانون الباهاماس"، واستفادت بموجبه الكثير من المنتخبات حول العالم من لاعبين مزدوجي الجنسية، وقبلها في عام 2003 تم بالعاصمة القطرية الدوحة اعتماد أول اللوائح الخاصة بهذه الفئة من اللاعبين.

ومن بين الشروط التي يفرضها هذا القانون عدم تجاوز اللاعبين سن الـ21 سنة، وكذا تقديم وثائق ومستندات تثبت انتماءهم للبلد الذي يرغبون اللعب بألوانه، وإلا فإنهم لن يتمكنوا من تحقيق مرادهم.

لكن من المحتمل أن يتغيّر هذا الأمر، بحسب ما كشف عنه النجم الكرواتي السابق زفونيمير بوبان الذي سبق له أن شغل منصب الأمين العام المساعد في "الفيفا"، إذ قال في تصريحات له العام الماضي بأن ثمة محادثات تجري داخل الهيئة الكروية الدولية قصد "التخلص" من هذه المسألة، التي أضحت تؤرق العديد من الاتحادات الكروية عبر العالم، بسبب تضييعها للكثير من المواهب بعد أن تصرف عليهم أموالاً طائلة ووقتاً طويلاً ومجهودات جبارة لأجل تكوينهم جيداً، على غرار المدرسة الفرنسية مثلاً، والتي "خطفت" منها بلدان القارة الإفريقية مئات اللاعبين منذ فترة طويلة، وفي مقدمتها دول المغرب العربي الجزائر، المغرب وتونس، فضلاً عن بلدان كثيرة في مختلف أنحاء القارة وأبرزها السنغال ومالي والكاميرون وغينيا وساحل العاج وتوغو وغيرها.

وبالتالي ستجد الكثير من دول العالم خصوصاً في القارتين الإفريقية والآسيوية نفسها أمام وضع معقّد جداً، بسبب رغبة "فيفا" في "التخلص" من قانون الاستفادة من اللاعبين مزدوجي الجنسية أو تغييره وتقييده، رغم أن القيام بهذه الخطوة لن يكون سهلاً جداً، لأنه سيخضع لتصويت كل أعضاء الجمعية العمومية للاتحاد الدولي الذين يتجاوز عددهم الـ200 عضواً.